منتديات دفاتر التربوية
لوحة المفاتيح العربية

مساحة اعلانية مركز تحميل دفاتر
مساحة اعلانية


اضف بريدك الالكتروني ليصلك جديد المنتدى


مساحة اعلانية





 
العودة   منتديات دفاتر التربوية بالمغرب > قسم المنظومة التعليمية > دفتر التعليم الثانوي التأهيلي > الثانية بكالوريا
الملاحظات

 
 




الكلمات الدلالية (Tags)
, , , , ,
إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 05-05-2009, 09:48
 
رشد
تربوي جديد

  رشد غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 32556
تـاريخ التسجيـل : Oct 2008
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :  ذكر
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 8 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 3
قوة التـرشيــــح : رشد is an unknown quantity at this point
جديد دراسة مؤلَّف (اللص و الكلاب) لنجيب محفوظ




[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image001.gif[/IMG]
نجيب محفوظ(1911 / 2006)
مداخل لدراسة المؤلَّف:
المدخل الأول: الرواية و الرواية العربية.
تعتبر الرواية ناتج رؤية فردية لا تنفصل عن المعطيات الاجتماعية ما دام يكتبها شخص معين عاش أو يعيش في ظروف اجتماعية محددة، تحكمه مشاكل معينة هي خليط من التاريخ و الاقتصاد والسياسة و الفكر.
إن العالم الروائي هو الشكل الذي يعيشه الإنسان كل يوم، لذلك يقول الدكتور عبد الله العروي بأن موضوع الرواية المفضل هو الكشف عن بنية اجتماعية عبر تجربة فردية، بمعنى أن دور الرواية هو تعرية وضعية اجتماعية يعيشها أبطالها، و من خلال معايشتهم تلك البنية، يتم التعبير عن النوايا و الطموحات و الآلام و الآمال التي تظل أخيرا و دائما أفكاراً لصاحبها.
يتفق معظم الدارسين على أن رواية ( زينب ) لمحمد حسين هيكل، هي البداية الفعلية لمسار الرواية العربية. و إن كان مثل هذا الفن في هذه الفترة غير مرغوب فيه، لأن أشكالا أدبية كانت تفرض نفسها على الساحة الأدبية و الفكرية، ولأن الكشف عن هموم الذات، و علاقات الحب و الغرام، و الوضع العائلي، كانت تعتبر من الأشياء الحميمية التي
لا يحسن الحديث عنها.
و قد كان الاهتمام في هذه البدايات الأولية للرواية قاصرا على اشتغال الكاتب إما بالتلوينات اللفظية و الأسلوبية،
و إما بالقذف بالنصائح و المواعظ و العبر في وجه القارئ مفتقرةً إلى التقعيد الصحيح و المواصفات الضرورية للنص الروائي كما وُجِدَ عند الغربِ. و كان لاتصال العرب بأوروبا أثره الفاعل في إنتاج الكتابة الروائية العربية.فلعل الثقافة،
و نشوء الطبقة الوسطى، و التحول الجديد في التركيبة الاجتماعية، و الآفاق التي انفتحت على المجتمع الأوروبي الحديث و ثقافته، لعل لكل هذا أثره في نشوء الرواية العربية تطورها عبر جميع مراحلها.
و يمكن أن نذكر من أعمال هذه المرحلة ما يلي: *حديث عيسى بن هشام / المويلحي.* الانقلاب العثماني / جورجي زيدان.*زنوبيــــــــــــــــــــــــا / سليم البستاني. * أورشليم الجديــدة / فرح أنطوان.
المدخل الثاني: نجيب محفوظ : المبدع المتوَّج.
هو نجيب محفوظ عبد العزيز إبراهيم أحمد باشا ، ولد بالقاهرة في حي الجمالية بجوار سيدنا الحسين، في قلب القاهرة القديمة، في (01 / 02 / 1911)، تلقى تعليمه الابتدائي بالمدرسة الحسينية، و الثانوي بمدرسة فؤاد الأول حتى حصل على شهادة البكالوريا، بعدها التحق بجامعة القاهرة ( فؤاد الأول سابقا ) قسم الفلسفة، الذي سيتخرج منه سنة 1934.
شغل نجيب محفوظ مناصب عدة منها منصب بإدارة جامعة فؤاد الأول، ثم بوزارة الثقافة، ثم عضوا بالمجلس الأعلى للفنون و الآداب ، فمستشارا لوزير الثقافة. حاز نجيب محفوظ على جوائز هامة و متعددة لعل أهمها جائزة نوبل للآداب سنة 1988. تعرض سنة 1994 لمحاولة اغتيال حين طعنه شاب بسكين في رقبته، نجا من الموت لكن أعصاب يده دمرت، فحدت قدرة يده على الكتابة. توفي في ( 30 / 08 / 2006 ) .
المدخل الثالث: الرواية عند نجيب محفوظ.
استقلت الرواية في عهد نجيب محفوظ من الدوران حول تصوير العادات و التقاليد التي هي وليدة التخلف و الجهالة و طغيان حكم الاستبداد، و الحديث عن المشكلات المحلية مثل مشكلة الأخذ بالثأر ، و تحكم الأسرة في زواج البنت ، و المشكلات العاطفية حيث كان الأديب يتخذ هدفا أخلاقيا هو انتصار الفضيلة و إعلاء كلمتها.
انتقل نجيب محفوظ بالرواية من هذا المجال ليختار منطلقا جديدا هو ثمرة لعوامل جديدة و محركات لم تكن ميسرة على الوجه الأكمل في المرحلة السابقة فاتخذ الأسباب المواتية ليعيد صياغة الحياة في أدوارها و تطورها و تغيراتها من موقع معاصر يمكن من وضوح الرؤية. فلم يترك نجيب محفوظ حركة من حركات المجتمع إلا رصدها و أدرك أبعادها و وعى محركاتها و مضى معها حتى بلغت محطات السير التي استقرت عندها.
لقد استطاع نجيب محفوظ أن يواكب التحولات و التبدلات التي عرفها المجتمع العربي و كان العقل الإبداعي عنده مسايرا لجميع هذه التبدلات فقدم صورة صادقة لحركة المجتمع المصري في العقود الوسطى و المتأخرة من القرن العشرين ( 20 ) في زخمها و تحولاتها في اهتمامات الإنسان المتحضر ابن الإنجازات العالمية و الحضارة و العلم و الفنون، إذ كتب الرواية التاريخية، و الاجتماعية، و الفكرية، و الفلسفية...
و لعل رصيد نجيب محفوظ الفكري و الفلسفي ساهم في إغناء تجربته الروائية حيث أثار أسئلة الحياة و الموت.
لقد وجد نجيب محفوظ في الواقع أرضية خصبة أمدته بالمادة الأولية لكتاباته، حيث إن الأوضاع و البنى و المؤسسات و الثقافة السائدة في المجتمع العصري، تُغَرِّبُ الإنسان و تحيله إلى كائن عاجز هامشي يعاني من القهر و الاستغلال و الإفقار في صميم حياته و أحلامه. فكان أن ربط نجيب محفوظ الرواية بالواقع بمختلف بنياته و الصراعات الحاصلة ضمن هذه البنيات.، و لذلك يرجع له الفضل كما يقول ( جبرا إبراهيم جبرا ) : " أنه استطاع أن يوسع رقعة الرواية بشكل مذهل في زمن كانت الرواية بالعالم العربي هي أقل الأشكال إثارة لاهتمام الكتاب" .
المدخل الرابع:مراحل من رحلة نجيب محفوظ الروائية.
إن نجيب محفوظ الذي شغل مسرح الحياة الروائية العربية بقوة و تميز، أزيد من نصف قرن من الزمن، يصعب تأطير معظم أعماله ضمن أطر فنية يعبر عنها تيار أو اتجاه من اتجاهات الرواية. فقد تميز نجيب محفوظ دائما بنزوعه المستمر في إبداعاته إلى التجريب، و البحث عن تقنيات جديدة يستطيع بواسطتها أن يجعل السرد أبلغ في التعبير عن حياة الإنسان المصري و العربي، في ظل مجتمعات تتغير بشكل متسارع و مخيف.
لكن، و بفعل الطبيعة التربوية للمقاربة التي ننجزها للرواية، سنعمل على ضبط المراحل التي اكتملت دراستها من قبل الدارسين، الذين صنفوها إلى :
1.المرحلة التاريخية: (1930 / 1938) و أشهر آثارها ( عبث الأقدار / رادوبيس / كفاح طيبة)، ويلاحظ أن هذه الأعمال كلها كتبت في مرحلة الثلاثينيات من القرن العشرين، حيث كانت البلاد كلها تتململ من ثقل الاحتلال الأجنبي الذي اتكأ على فساد الحكم العابث بمصالح الوطن و على المساومات و المداهنات في سبيل الاحتفاظ بكراسي الحكم.
2.المرحلة الاجتماعية الواقعية:(1939 / 1952) و تضم من الأعمال ما يلي: ( القاهرة الجديدة / خان الخليلي / زقاق المدق / بداية و نهاية / السراب / بين القصرين / قصر الشوق / السكرية )، و مجموع هذه الروايات هو تفصيل لوضعي البرجوازية الصغيرة في مصر خلال فترة ما بين الحربين. و يلاحظ أن نجيب محفوظ في هذه المرحلة يمزج بين الواقعية الروسية التي تصور الطبقة الدنيا للمجتمع، و بين واقعية ( بلزاك ) التي تصور الجانب الشرير في الانسان.
3.المرحلة الفلسفية: ( 1959 / 1975) تأتي هذه المرحلة بعد سبع سنوات من التوقف، لم يُصدر خلالها الكاتب أي عمل روائي. يغلب على هذه المرحلة طابع التجريد الفكري ، و تضم من الأعمال ما يلي: ( أولاد حارتنا / اللص و الكلاب / السمان و الخريف / دنيا الله / الطريق / بيت سيء السمعة / الشحاذ ).
4. المرحلة التراثية : (1977 - 1983م):يستلهم نجيب محفوظ في هذه المرحلة الموروث الجمالي والسرد العربي القديم وفضاءاته الفانطاستيكيةوأجوائه التاريخية وتقنياته الفنية والتعبيرية، فكان من إنتاج هذه الاستفادة أعمال مثل:(ليالي ألف ليلة/ رحلة ابن فطومة..). ويقول جورج طرابيشي في حوار معه نشر في مجلة ( دراسات سيميائية أدبية لسانية/ع.3/1988 / ص.11 ) "... وأعمال نجيب محفوظ ينطبق عليها بشكل خاص، قانون التطور المتفاوت والمركب، فقد بدأ بالرواية التاريخية في "كفاح طيبة" و"رادوبيس" وغيرها، وانتقل إلى الرواية الواقعية متوجا ذلك بالثلاثية ، ثم بدأ انطلاقا من "اللص والكلاب" يطور أشكال أخرى وصولا إلى توظيف التراث في الرواية. وهو سباق إلى هذا بخلاف ما يزعم... إذ جميع ما حققته الرواية العربية خلال قرون استطاع روائي عربي أن يصل إليه خلال سنوات من حياته الخاصة..."
المدخل الخامس: قراءة في عنوان المؤَّلف
إن الكتاب لا يختارون العناوين التي يوشحون بها صدور أعمالهم اعتباطا أو من قبيل الترف الفني، و إنما يختارونها لأنها تمثل في جوهرها إعلانا صريحا عن توجهاتهم الفنية، و هذا ما يبرر الاهتمام المتزايد بعناوين الكتابات.
عنون نجيب محفوظ مؤَلفه هذا بـِـ ( اللص و الكلاب ) و هو عنوان رُكب تركيبا عَطْفِيا، يتكون من مبتدأ أول ( اللص )، و مبتدأ ثانٍ ( الكلاب )، يغيب خبرهما، الذي يمكن تقديره من خلال سياق الرواية العام. و دلاليا تختلف مقومات المكونين إذ نجد :
·اللص : + إنسان، + عاقل، + غادر، + محتال +......
·الكلاب: + حيوانات، ــ عاقلة، + وفية، + تنبح، + ....
إن المقابلة بين مقومات المكونين تطرح على المتلقي سؤالا أساسيا هو: ما العلاقة بين اللص و الكلاب؟.
إن وضع هذه المقومات في سياق الرواية، يخفف من غموض العنوان، و يكشف عن دلالته المباشرة التي تشير إلى أن المقصود باللص هو البطل ( سعيد مهران )، أما الكلاب فقد وظفت للدلالة، لا على الحيوانات و إنما على مجموعة من الشخوص الذين خانوا سعيد مهران . فكانوا بفعلتهم هاته هم المدانون، و ليس سعيد مهران.
دراسة المؤَلَّف
المــنــظــورات الـسـتـة.
1.تتبع الحدث:
(أ) المتن الحِكائي:
و هو إعادة للكتابة ، إنه عملية خلق نص جديد مقابل الأول، أو هو توليد نماذج مبلورة لمعناه. كما أنه يسمح لنا باستخراج السرد المهيمن أو الوصف ... و هو يستدعي الترتيب الكرونولوجي للأحداث الذي لا يحافظ عليه السرد.
و بالنسبة لرواية ( اللص و الكلاب ) تدور أحداثها حول البطل الرئيسي للرواية سعيد مهران الذي يدخل السجن بفعل وشاية يقوم بها رجل اسمه عليش الذي بدوره يقوم بالزواج من زوجة سعيد بعد تطليقها منه .




يخرج سعيد مهران من السجن فيجد العالم قد تغير والقناعات قد تبدلت ويفاجأ أيضا بتنكر ابنته الصغيرة له لأنها لا تعرفه ثم يلجأ إلى صديقه الصحفي القديم رؤوف علوان الذي بدل جميع ولاءاته وشعاراته فلم يظفر بغير النفور والأعراض وتأليب رجال الأمن عليه فيصطدم بهذا الواقع الأليم ، ثم يتوجه كحل أخير للشيخ الجنيدي في صومعته ملتمسا أن ينتشله من هذا المستنقع ولكن يفشل أيضا في الوصول إلى حل فيقرر الانتقام من الخونة وان يسترد سنوات عمره الضائع منه لقد كانت أزمة البطل منذ البداية، نابعة من تنكر الابنة وخيانة الزوجة وغدر الصديق.. سناء ونبوية ، هم صناع هذه التركيبة النفسية المأزومة لبطل القصة. وتبدأ رحلة الانتقام عند سعيد مهران بعد ذلك.
عندما خذله" الشرفاء" أنصفه "غير الشرفاء"،أنصفته نور ( بائعة الهوى ) عندما أتخذ من بيتها وقلبها مأوى له.. ومع ذلك فبقدر ما تذوق في رحابها طعم الوفاء تذوق مرارة الأزمة: خانته الزوجة ووفت له البغي.. أي مفارقة يعدها له القدر؟..
وعندما اهتز قلبه لأول مرة بعاطفة حقيقية نحو إنسانة وكانت هذه الإنسانة هي نور، أدرك أن وجوده قد وصل – في مرحلة صعود لا تتوقف – الى قمة العبث.. إن الكلاب تطارده، وتتربص به،وتسد عليه المسالك.. لا فائدة إذن من أن يبوح لها بحبه وعرفانه للجميل ان حياته كلها قد غدت هي تحمل معنى اللاجدوى وكل الطرق أمام أحلامه قد أصبحت مغلقة!
وبدأت رحلة المطاردة: في عملية المطاردة هذه تبين أن القدر نفسه يقف في سخرية مريرة الى جانب الكلاب فحين يتسلل سعيد مهران ليلا ليغتال صاحبه اللص الخائن عليش تفتك رصاصاته بمجهول برئ استأجر شقته من بعده وحين تسلل سعيد مهران ليلا ليغتال المصلح الاجتماعي الداعي رؤوف علوان تفتك رصاصاته بالبواب المسكين البرئ.
وهكذا يفر سعيد مهران كالطريدة وقد خابت كل آماله في تطهير الدنيا من الكلاب. ويبدأ طراد من نوع جديد، طراد المجتمع لهذا السفاح الجديد، فالبوليس وراءه لا يهدأ لأن هذا واجبه والرأي العام وراءه لا يهدأ لأن الصحافة تستثيره، أما هو فهو معتصم آنا عند بغى عاشقه له اسمها نور تعيش في بيت على حافة المقابر ومعتصم آنا بين المقابر نفسها حتى يحاصره رجال الأمن من كل جانب ويوشك أن ينزل بهم وبنفسه الدمار، ولكن قواه تخذله في اللحظة الأخيرة فيستلم للبوليس.
(ب) الحبكة و التدرج:
يمكننا من خلال بعض المقارنات أن ندرك المبادئ التي تحكم تطور الحدث في الرواية ، و كيف يؤثر المرسل في المتلقي. و هذا هو ما يشكل الحبكة في النص السردي.
و في هذا العمل تبدو الحبكة بارزة ، يضيئها الصراع بين قوتين أساسيتين:
·سعيد مهران الذي يشعر بمرارة الظلم و الخيانة، فيرى الحياة فارغة من أي معنى، طالما لم يقم باجتثات الخونة من أسسهم.
·نبوية و عليش و رؤوف علوان الذين يصورون سعيد مهران مجرد مجرم ، خارج عن القانون ، يرغب في تنغيص عيشهم ، و القضاء على شعورهم بالأمان، لذا يسعون لتقديمه لـ"العدالة"، فيجدون تواطؤاً من المحكمة و "العدالة"
إن نجيب محفوظ يركز على شخصية سعيد مهران، و يهمش أعداءه، لكي يفسح المجال أمام رؤية سعيد مهران للعالم، باعتبار أن فئات اجتماعية عريضة تؤمن بها كذلك، و من ضمنها ( نور ).
( ج ) الرهان:
تتحدد الطريقة التي ينتظم بها الحدث بالرهان، و علينا أن نتذكر أن هناك دائما رهانا للمحتوى ككل، و رهانا منطقيا هو الأثر الذي يسعى إلى إحداثه في المتلقي. و الرهان يحدد الهدف من الحدث و لأية غاية وقع.
و في روايتنا هاته، يمكننا أن نقف على رهانين على الأقل ، أحدهما مضموني/ موضوعي و الآخر جمالي .
·الرهان المضموني يتمثل في رهان نجيب محفوظ على معرفة يريد إبلاغها إلى القارئ، معرفة تتخلل السرد، و تجعل الرواية تعبيرا عن قضية تشغل الكاتب. فالرواية ترصد التحولات التي عرفها المجتمع المصري بعد ثورة 1952م ، و الفقر و الطغيان و ما ينجم عنهما من إفساد و هضم للحقوق، و تنكر المثقفين لدورهم الاجتماعي و السياسي. مما حدا بسعيد مهران إلى أن يعتبر نفسه ممثلا للفقراء و المساكين الذين خدعوا من طرف من كانوا يدعون مساعدتهم. مما جعل سعيد مهران يشعر بالخيبة، فتنتابه أزمة نفسية و روحية عميقة تجعله غريبا عن هذا الواقع.
·الرهان الجمالي يتجسد في رغبة نجيب محفوظ إظهار مدى غنى تجربته الروائية إذ يجرب في هذا العمل مسلك
الرواية الواقعية النقدية، التي ترى أن أهمية الأدب تتجاوز التعبير عن الواقع و استجلاء أسئلته الصعبة ، لتتجه إلى نقده بهدف الإسهام في تغييره ، أو على الأقل التحريض عليه.كما أنه في هذا العمل يستفيد من تقنيات السرد الحديث : تنويع الأساليب/ تقطيع العملية السردية / تيار الوعي ( تداعي الشخصية ) ....
( د ) دلالات الحدث و أبعاده:
لا يمكن التعرف على دلالات الحدث و أبعاده دون سبر لمختلف العوامل و الظروف المحيطة بإنتاج النص مثل العوامل الاجتماية و التاريخية و بظروف تلقيه.
إذا ما عدنا إلى روايتنا فإننا سنجد أنها ترتبط بسياق مرحلة ستينيات القرن العشرين في العالم العربي ، و أنها تعكس حالة الشك و فلسفة الغضب التي شملت فئات من المجتمع العربي بفعل تضاؤل ثقتها في حركية التاريخ الإيجابية، نتيجة الهزائم و الانكسارات و الخيبات التي تعرضت لها. كل هذا يعطي الرواية قيمة جدالية بارزة إذ تجادل ضد الخطابات الوردية، كاشفة زيف الشعارات و ميوع العواطف.
في ضوء هذا الطرح تتجسد دلالات الأحداث في نقد التحولات الاجتماعية في مصر ما بعد الثورة، و ما نتج عنها من شعور بالغربة و الوحدة و اللاجدوى في بيئة لا تشاطر الفرد القيم ذاتها. و ما يدعم هذا التوجه هو اتجاه نجيب محفوظ إلى جعل الرواية منصبة على تمثيل اغتراب الفرد في هذه المجتمعات التي قلما تتناسب فيها القيم النبيلة مع الواقع المعيش، مستفيدا في ذلك من تقنية ( تيار الوعي ) التي جعلته يضيء الحياة النفسية الداخلية للشخصيات عبر الحوار الداخلي، و اللجوء إلى التداعي.
2.تقويم القوى الفاعلة:
القوى الفاعلة هي كل الحقائق أو العناصر الواقعية أو المتخيلة التي لها مشاركة في الأحداث.
(أ‌)جرد القوى الفاعلة:
إن الهدف الأساسي من جرد القوى الفاعلة يتمثل في تعرف تراتبيتها / تنظيمها الذي تعالج به في النص ، كما يبدو ضروريا الانتباه إلى السمات و الأوصاف المقدمة لكل قوى فاعلة بغية تقويم فاعليتها التي تجعلها إيجابية.
إذا جردنا من القوى الفاعلة في النص الشخصيات الآدمية/ العاقلة، فإننا سنجد شخصيات متعددة و متفاوتة من حيث الأهمية التي يكتسبها فعلها في تطوير الأحداث و تناميها، و من بين هذه الشخصيات نذكر:
الشخــــــصيــــــــة
صـــــــــــــــــــــــفــــــــــاتـــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا
ســــعيد مـــــهـــران
أبرز شخصيات الرواية ، دائم الحضور في جميع فصولها. شاب ثلاثيني، من أبرز ملامحه :
  • شاب ضائع، تقلبت به الحياة بين الأماكن و الأعمال و العلاقات.
  • لص يمارس السرقة ضد من يعتبرهم من طغاة المجتمع و الوصوليين و الانتهازيين.
  • بسيط و فقير، ابن بواب عمارة الطلبة، مؤمن بالقيم الاشتراكية التي تشبع بها على يد " صديقه" رؤوف علوان، و التي جعلته يستحل سرقة الأغنياء و الإغداق على المحتاجين.
  • متمرد وغاضب من المجتمع، خاصة بعد خروجه من السجن و اكتشافه خيانة زوجه وتلميذه.
  • يعيش أزمة روحية ، بفعل التناقض بين القيم التي يحملها و يبن الواقع الاجتماعي المزري الذي يعيشه.
  • ينطوي على نزعة إنسانية عميقة، تتكشف في حواراته مع "نور".
رؤوف عــــــــــلوان
  • " واضع نظرية السرقة الحلال" التي تشبع بها سعيد و مارسها .
  • مثقف انتهازي تقلب بين " الإيمان" بالقيم الاشتراكية و الرغبة في حياة اللصوص الأثرياء.
  • أصبح صحفيا ناجحا، و تنكر لمبادئه .
  • هو أول الكلاب بالنسبة لسعيد، إذ شن عليه حملة شعواء موظفا صحيفته.
نــــبـــــــــويـــــــــة
  • يتيمة كانت تشتغل عند عجوز تركية أرستقراطية.
  • كانت تملك جمالا فلاحيا لذيذا.
  • تعرف عليها سعيد مهران عندما كان يعمل حارسا لبيت الطلبة.
  • أحبها سعيد مهران بقوة.
  • تزوجها في ظروف صعبة، و كافح من أجلها.
  • أنجب منها ابنتهما " سناء ".
  • خانته عندما دخل السجن، و تزوجت من صبيه عليش.
  • استولت على ما تركه عندها سعيد من أموال.
علـــــيش ســـــدرة
  • معدم فقير.
  • كان صبيا لسعيد مهران .
  • كان سعيد يثق به ثقة عمياء.
  • تزوج بنبوية، بعد دخول سعيد السجن، و استولى على أمواله التي تركها عند نبوية.
نــــــــــــــــــــور
  • عاهرة محترفة.
  • تهيم عشقا بسعيد.
  • تعرف عليها سعيد بمقهى "طرزان".
  • آوته بعد خروجه من السجن.
  • كانت تبيع نفسها لتطعمه.
  • وصفها سعيد بأنها ذات قلب رقيق، مفعم بالحرارة و قوة الإصرار.
الشيخ علي الجنيدي
  • شيخ متصوف منسحب من الدنيا.
  • صديق والد سعيد مهران.
  • لجأ إليه سعيد بعد خروجه من السجن، لكن لم يجد عنده إلا الدعوة إلى أن يتوضأَ، فغادره.
  • يبرز الأزمة الروحية لدى سعيد مهران.
طــــــــــــــرزان
  • شقي قديم، ومعلم القهوة التي تعقد فيها صفقات الدعارة و جلسات المجون.
  • يحب سعيد، و يخلص له.
  • وفَّر لسعيد مسدسا يصفي به حسابه مع من خانوه.
  • وفَّر له معلومات متعلقة بأعدائه.
  • كان ملجأه عند الحاجة.
(ب)وظائف القوى الفاعلة:
إن القوى الفاعلة في كل نص سردي تشغل ست وظائف و لا تخرج عنها. و قد تشغل قوة ما في النص أكثر من وظيفة، و الوظيفة الواحدة قد تشغلها عدة قوى، كما أن القوة الواحدة قد تشغل عدة وظائف.
ووظائف القوى الفاعلة كما حددها ( كريماص ) هي :
  • المرسِــــل: هو القوة الفاعلة القادرة على الدفع نحو الموضوع أو الآمر به.
  • المرسَل إليـه: هو القوة الفاعلة التي تستقبل الموضوع.
  • الــــذات: هي القوة الفاعلة الراغبة في الموضوع، فتسعى إليه.
  • الموضــوع: هو القوة الفاعلة المبحوث عنها.
  • المســـاعد: هو القوة الفاعلة المساعدة ( و يمكن أن تكون لها مساعدات في كل وظيفة من الوظائف السابقة).
  • المعيــــق: هو كل قوة فاعلة تعوق وظيفة من الوظائف السابقة.
إن هذه القوى تنتظم في بنية عاملية، يتحدد فيها دور كل فاعل في طبيعة الصراع الجاري داخل الرواية. إن أهمية هذا الصراع تكمن في كونه تعبيرا عن عالم مشخص يشتغل كوضعيات إنسانية لها موقعها داخل عالم الممكنات، و تدرك كمعادل مخيالي لعالم واقعي.
و إذا عدنا إلى رواية اللص و الكلاب، نجد أنها يمكن أن تقدم ضمن ترسيمة عامة و ترسيمات مرحلية ، مراعية لخصوصية كل مرحلة من مراحل الرواية الأربعة.
1. الترسيمة العامة للعوامل في رواية ( اللص و الكلاب ):
[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image002.gif[/IMG][IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image003.gif[/IMG] المـرسـِـــــل الموضـــــــوع المرسَــــلإليــــــــه
القيم السياسية و الاجتماعية الرفيعة (و ممثلوها) ...
العدالة - المال - الحب - المرأة و البنت - الثأر - الخونة ...
الأم و المرأة - المحبوبة و الزوجة و المساعدون و التراث...
[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image004.gif[/IMG]
[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image005.gif[/IMG][IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image006.gif[/IMG] المساعِــــــــــــد الـــــــــــــــــــــــذات المُعارِض
الخارجون عن القانون- المضطهدون و الأوفياء للقيم العليا...
المبتلى و العاشق و اللص و الزعيم و المغدور و القاتل...
الأغنياء و الخونة و الانتهازيون و الشرطة و النظام " و كلاب الحراسة"
إن شخصية مثل ( نبوية ) تجد مكانا لها في هذه الترسيمة كموضوع رغبة ، و كمساعد ( في عمليات السطو و السرقة )، و كمرسل إليه ( تؤول إليها سرقات سعيد ، و كمعارض ( خائنة )، بينما نجدها تشترك مع شخصية أخرى هي (نور) بوصفها موضوع رغبة .
أما يالنسبة لسعيد، فهو ممثل بالعامل الذات، مستحوذا بذلك على عدة ممثلين: الابن، المتدرب، العاشق، اللص... و هو في الوقت نفسه عامل - مرسَل إليه.
2. الترسيمات المرحلية:
·المرحلة الأولى : بناء الشخصية.
[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image007.gif[/IMG][IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image007.gif[/IMG] المـرسـِـــــل الموضـــــــوع المرسَــــلإليــــــــه
القيم الرفيعة، و ممثلوها ( الأب، المجموعات الثورية، الطالب الجامعي...)
التصوف و الثورة
عالم مختلف: ماورائي ديني و مستقبلي اجتماعي
[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image008.gif[/IMG]
[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image009.gif[/IMG][IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image010.gif[/IMG] المساعِــــــــــــد الـــــــــــــــــــــــذات المُــــعــــــــــــارِض
[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image011.gif[/IMG]الشيخ المتصوف / الطالب الثوري
الابن و الصبي
النظام القائم و الأغنياء
·المرحلة الثانية: النجاح.
[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image012.gif[/IMG][IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image011.gif[/IMG] المـرسـِـــــل الموضـــــــوع المرسَــــلإليــــــــه
[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image013.gif[/IMG]القيم الرفيعة(الطالب ثم الصحافي الثوري)
العدالة ( أموال الأغنياء)
الذات و أصدقاؤها
[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image014.gif[/IMG]
[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image015.gif[/IMG][IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image016.gif[/IMG] المساعِــــــــــــد الـــــــــــــــــــــــذات المُــــعــــــــــــارِض
الطالب ثم الصحافي/المرأة- الزوجة...
الشاب ، السارق
لا أحد ( ضمنيا النظام و الأغنياء)
·المرحلة الثالثة:السجن.
[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image007.gif[/IMG][IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image017.gif[/IMG] المـرسـِـــــل الموضـــــــوع المرسَــــلإليــــــــه
السلطة و المصلحة الطبقية
اللص و " ممتلكاته" (حريته، حبه، ماله )
الأغنياء والخونة (المرأة- الزوجة و الأصدقاء)
[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image018.gif[/IMG]
[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image019.gif[/IMG][IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image020.gif[/IMG] المساعِــــــــــــد الـــــــــــــــــــــــذات المُــــعــــــــــــارِض
[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image011.gif[/IMG]الانتهازيون و الخونة
الشرطة
لا أحد
·المرحلة الرابعة: السقوط.
[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image021.gif[/IMG][IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image022.gif[/IMG] المـرسـِـــــل الموضـــــــوع المرسَــــلإليــــــــه
القيم العليا ( الذات )
العدالة: الانتقام من الخونة، و الحرية، و الحياة.
عالم آخر، و الذات
[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image018.gif[/IMG]
[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image023.gif[/IMG][IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image024.gif[/IMG] المساعِــــــــــــد الـــــــــــــــــــــــذات المُــــعــــــــــــارِض
الأوفياء، ثم لا أحد
الرجل المغدور
السلطة و الخونة و الانتهازيون…
تبدو بنية النص ، بفضل نموذج العوامل، سهلة الحضور بسيطة التركيب، لكنها تثير مجموعة ملاحظات، نجملها في الآتي:
1.تبدو بنية النص بنية سقوط و فشل، إذ النجاح نفسه ينتهي إلى عقاب. و مختلف الموضوعات التي يهدف سعيد ( الذات ) إلى الحصول عليها، كلص أو مهاجم أو مُلاحَق، تعرف تضييقا واضحا:تنتقل من الأغنياء العديدين ( أهداف السرقات)، إلى الخونة ( القريبين )، لتنحصر أخيرا بالسلامة الشخصية لسعيد مهران. كذلك نجد أن عدد المساعدين الذين كانوا كُثُراً في بداية الرواية ( رؤوف علوان المعلم الثوري / نبوية الزوجة المتعاونة / عليش الصديق الأمين....) قد تناقص لاحقا (إذ لا نجد غير "نور" العاشقة المتعاونة و"طرزان" الصديق المتعاون) قبل أن ينحسر و يختفي نهائيا في نهاية الرواية.
2.تضخم كتلة المعارضين، إذ بقدر ما تتقدم الحكاية نظميا، يجتمع الأغنياء ( أهداف سرقات سعيد)، و ممثلو سلطة مكروهة، كما الخونة و الانتهازيون مع حلفائهم و حراسهم، و بينهم نلاحظ مساعدين قدامى لسعيد ( نبوية و عليش و رؤوف علوان، هكذا نلاحظ تحول العوامل المساعدة لسعيد إلى عوامل معارضة، إلى أن يزول نهائيا العامل المساعد من تركيبة العلاقات بين القوى .
3.إن الشخصيات الممثلة لعامل المُرْسَل إليه، تتحول إلى موقع الخيانة و المعارضة، سواء تعلق الأمر بِــ ( نبوية- الزوجة) أو ( عليش- الصديق ) إذ لم يبق كمرسل إليه غير ( سعيد مهران ) الباحث عن العدالة بذاته و المنشغل بأمنه الشخصي و الممثل الوحيد لحلم بمجتمع مخالف للقائم.
4.إن التحول الذي يصيب أدوار العوامل في الرواية ، ناتج عن تحول آخر: ذاك الذي يحدد الوضع الاجتماعي لهذه الشخصيات التي تجمعها هذه العوامل. فالمساعد رؤوف ( الطالب و الصحفي الثوري ) يصبح معارضا كصحفي و غني كبير موالٍ للسلطة. و نفس الأمر نجده عند المساعِدَيْنِ الآخريْنِ: عليش " المرافق " و " النصير " ذو الأصل الوضيع الذي أصبح " رجلاً " و " زعيما "، و نبوية الخادمة و الغسالة التي أصبحت بدورها امرأة غنية .
5.إن عنصر ( الوفاء للقيم و العلاقات )هو المحدد الرئيسي لخط سير الحكاية و علاقات شخصياتها، فهو يشكل مفتاح جميع التغيرات الطارئة على العوامل، فليس وضع الغنى الذي أضحت عليه (نبوية) هو ما يحدد انتقالها من موقع المساعد إلى موقع المعارض، بقدر ما تدفعها إلى هذا الانتقال خيانتها، و عدم وفائها للقيم الرفيعة التي للحب و الأمانة (الزوجية) ضمن فئة اجتماعية معينة. و يبدو الوضع أكثر وضوحا مع ( عليش )، فخيانته لمتزعمه و صديقه سعيد هي التي تفسر انقلابه عليه، أكثر مما يفسره المنصب الجديد الذي ارتقى إليه. و كذلك الأمر بالنسبة لرؤوف الذي نجد لديه الخيانة على حقيقتها: إنها الشرط الضروري للارتقاء إلى موقع جديد كصحافي بورجوازي مدافع عن النظام السائد و قيمه المبتذلة.
6.اعتمادا على كل هذه المعطيات، و إذا ما جردنا سعيد مهران من بين قوى الرواية ، يمكننا إعادة توزيع البنية العاملية للرواية على الشكل التالي:
[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image025.gif[/IMG][IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image026.gif[/IMG] المُـــرســـِل المـــوضــــوع المُرسَل إليه
(قيم الاشتراكية، و الوفاء، و التضامن...) (العدالة،و الحب، و الانتقام، احتضان البنت...) (المجتمع العربي و المصري)
[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image027.gif[/IMG]
[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image028.gif[/IMG][IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image029.gif[/IMG] المساعـــــد الــــــــذات المــعارض
(نبوية و عليش و رؤوف في مرحلة أولى) ( سعيد مهران ) (الشرطةو القانونالخونة
(نور و طرزان و علي الجنيدي في مرحلة أخيرة) و الانتهازيون و جريدة "الزهرة"...)
(ج) العلاقات بين القوى الفاعلة:
إن الحدث في النص السردي يتنامى من خلال أشكال العلاقات بين وظائف القوى الفاعلة، و تغيرها في سياق النص، و هذه العلاقات تتلخص في ثلاث هي:
·التواصل تحكم وظيفتي المرسل و المرسل إليه.
·الرغبة تحكم وظيفتي الذات و الموضوع.
·الصراع تحكم وظيفتي المساعد و المعارض.
و في رواية ( اللص و الكلاب )، نكتشف هذه العلاقات من خلال التمحورات التالية:
1.علاقة التواصل: بين القيم السامية ( الاشتراكية و الوفاء و التضامن...) كمرسل، و بين المجتمع العربي عامة و المصري خاصة، كمرسَل إليه.
2.علاقة الرغبــة: بين سعيد مهران كذات محورية، و بين الحب و الانتقام و العدالة و احتضان البنت، كمواضيع مرغوب فيها، حسب مراحل الرواية.
3.[IMG]file:///C:/DOCUME%7E1/PR885C%7E1.ROC/LOCALS%7E1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image030.gif[/IMG]علاقة الصراع: بين العوامل المساعدة و تلك المعارضة، فشخصية ( نور ) مثلا تجسد قيم الوفاء و الإخلاص و التضامن، في مقابل شخصية ( نبوية) التي تجسد قيم الخيانة و الغدر . رغم اختلاف وضعية الشخصيتين : ( نور ) المرأة البغي ، بنت الليل، و معاشِرة الرجال، و ( نبوية ) ربة البيت و أم بنت سعيد مهران، و المؤتمَنة على شرفه و عِرضه و بنته و ماله.
لاشك أن علاقة الصراع قد وفرت لرواية "اللص و الكلاب " بناءً درامياً استثنائياً، إذ تظهر آثار هذا الصراع في إحالاته على الفساد الاجتماعي و السياسي، و في اختلاف تمظهراته متجلية في الشخصيات الفاعلة في الرواية.
(د) وجهة النظر:
وجهة النظر أو المنظور السردي هو زاوية النظر التي من خلالها تُحكَى أحداث النص السردي، أي الوضعية التي يوجد عليها السارد بالنسبة لما يحكيه، و هذه الوضعية تتحدد بدرجة معلوماته عن القصة. و هناك ثلاث وجهات نظر هي:
·وجهة النظر الخارجية أو الرؤية من الخلف: حيث معرفة الراوي أكبر من معرفة الشخصية.
·وجهة النظر الداخلية أو الرؤية مـــــــــــــع: حيث تتساوى معرفة الراوي و معرفة الشخصية.
·وجهة النظر من فوق أو الرؤية من أعلـــى: حيث تتقلص معرفة الراوي أمام معرفة الشخصية.
إن الكشف عن وجهات النظر في النص يساعد على تبيين موقف السارد من شخصيات القصة.
و في رواية "اللص و الكلاب" يستند الكاتب إلى الرؤية من الخلف و استعمال ضمير الغائب و السارد المحايد الموضوعي الذي لا يشارك في الرواية، بل يقف محايداً من الأحداث يصف و يسرد الوقائع بكل موضوعية. و هو يملك معرفة مطلقة عن الشخصيات داخل المتن الحكائي خارجيا و نفسيا.
و الراوي يؤدي مجموعة من الوظائف، فبالإضافة إلى السرد و الحكي، فهو ينسق بين الشخصيات ، و يصف الشخصيات و الأماكن و الأشياء، كما يؤدي وظيفة النقد من خلال نقد الواقع و تشخيص عيوبه و مساوئه الكثيرة.
3. الكشف عن البعد النفسي:
يسعى إلى معالجة الجانب العاطفي في النص السردي، بكل مكوناته: مشاعر و أحاسيس و خصائص سيكولوجية، و معطيات فكرية أخلاقية و فلسفية. و هذه المعطيات تكون حاضرة في كل نص سردي بكيفية صريحة أو ضمنية.
و يتم الكشف عن البعد النفسي وفق الخطوات التالية: الحقل العاطفي / التيمات السيكولوجية / الدلالات و الأبعاد النفسية للنص.
و في رواية " اللص و الكلاب" نكتشف مشاعر و أحاسيس و عواطف متوترة، تشف عن أزمة الإنسان الذي تتحدث عنه، و قَدَرِه في عالم غريب لا يأنس له، و لا يشعر بالاطمئنان فيه. لذلك اختار نجيب محفوظ تقنية " رواية الشخصية الواحدة" التي تستكنه الحياة النفسية الداخلية، و تبرز من خلالها ما يتهدد الانسان نتيجة الفساد الاجتماعي و السياسي، من أنواع الغربة، و المعاناة و الشك.
(أ) الحقل العاطفي: يبدو سعيد مهران في الرواية إنسانا غير متوازن و لا متزن مفعم بالتوتر في علاقاته سواء إزاء من خانوه (نبوية، عليش، رؤوف) أو من أحبوه (نور، طرزان...) أو إزاء الواقع. و يعاني سعيد مهران من تمزق نفسي و صراع داخلي نتيجة الخيانة الثلاثية الأطراف: نبوية و عليش و رؤوف. مما حدا بالكاتب إلى اعتماد تقنية الاسترجاع ليقربنا من نفسيته، فهو يركز على طفولته و مراهقته و شبابه، و علاقته بأسرته و أصدقائه، و كذا بالشيخ علي الجنيدي، صديق والده، مما يساعد في فهم أعمق لأزمة سعيد مهران، التي هي إفراز لهذه التحولات الاجتماعية الطارئة و غير السليمة، مما جعله يشعر بالغربة و التوتر، و لا يتلاءم مع الواقع الذي يعيش فيه، لأنه تحت سيطرة الانتهازيين و الخونة الذين يجب استئصالهم حتى تستمر الحياة طبيعية، ينعم فيها الإنسان بالرخاء.
(ب) العلاقات العاطفية: تتبدى في الرواية مجموعة من العلاقات، نذكر منها:
·علاقة الحب: تجمع بين سعيد مهران و كل من : * نبوية و عليش و رؤوف في مرحلة ما قبل اكتشاف خيانتهم . * نور التي أحبته ثم آوته بعد خروجه من السجن و خيانة زوجه له. * سناء ابنته التي لم تتعرف عليه بعد خروجه من السجن. * طرزان الذي أهداه مسدسا لينتقم به من أعدائه، و مده بأخبارهم.
·علاقة الكراهية و الاحتقار: تجمع بين سعيد و كل من نبوية و عليش و رؤوف في مرحلة ما بعد اكتشاف خيانتهم، حيث غدا سعيد يكرههم جميعا لأنهم خانوه كل بطريقته، و يسعى للانتقام منهم استردادا لمعنى الحياة البسيطة التي يحلم بها.
·علاقة الاحترام: تجمع بين سعيد مهران و علي الجنيدي الشيخ المتصوف، صديق والده، رغم اختلاف مذهب كل منهما في الحياة، و كونهما لا يلتقيان في طبيعة رؤية كل منهما لها.
·علاقة التواصل: تجمع بين سعيد والقيم التي آمن بها و عمل لأجلها، و الفضاءات التي ارتبط بها بوشائج قوية مثل مقهى " طرزان " التي شكلت أحد فضاءاته المحببة قبل المطاردة و أحد متنفساته و ملاذاته في فترة المطاردة.
(ج) التيمات السيكولوجية: تكشف رواية " اللص و الكلاب " عن مجموعة من التيمات السيكولوجية، نذكر منها:
·تيمة الحب: " سأجد عملا أوفر ربحا، و أنا أحبك، لا تنسيني أبدا، أنا أحبك و سأحبك دائما..."(ص91)، و هي من التيمات المركزية التي تؤدي إلى تحريك الأحداث في الرواية، فالحب الذي كان يحمله سعيد مهران كان يسعُ الجميع، كان يسع نبوية و سناء وعليش و رؤوف و الفئات الفقيرة التي سرق من أجل أن تحظى بعدالة اجتماعية تتقاسم من خلالها خيرات الوطن مع الأغنياء. و لشدة هذا الحب ستكون الخيبة مدمرة و قاسية على سعيد مهران، و ستنجم عنها وضعيات مأساوية تتمظهر في تيمات:
·تيمة الخيانة: " آن... للخونة أن ييأسوا حتى الموت، و للخيانة أن تكفر عن سحنتها الشائهة"(ص7)، " تلك المرأة النابتة في طينة نتنة اسمها الخيانة"(ص8). " أ نسيت يا عليش كيف كنت تتمسح في ساقي كالكلب؟"(ص8)، " هذا هو رؤوف علوان، الحقيقة العارية، جثة عفنة لا يواريها تراب. أما الآخر فقد مضى كأمس أو كأول يوم في التاريخ أو كحب نبوية، أو كولاء عليش."(ص37)، " خيانة لئيمة لو اندَكَّ المقطَّمُ عليها دكّاً ما شُفِيَتْ نفسي."(ص37)، هذه مقاطع من الرواية تبرز محورية تيمة الخيانة فيها و التي كان أثرها مدمرا في نفسية و حياة سعيد مهران، فلم يقبل بهذه الخيانة ، و سعى إلى استرداد شرفه الضائع، ليسترد معنى الحياة، لكن كان لزاما عليه أن يخوض صراعا ضد الخونة، أن يقتلهم ليخلص البشرية منهم، و هو في سعيه هذا يرى في نفسه رمزا للكثير من البسطاء الذين عانوا الخيانة مثله لكنهم عاجزون عن التحدي و المقاومة.
·تيمة الظلم: " مرة أخرى يتنفس الحرية، و لكن الجو غُبارٌ خانق و حرٌّ لا يطاق.... و لا شفة تفتر عن ابتسامةٍ.. و هو واحدٌ، خسر الكثير، حتى الأعوام الغالية خسر منها أربعة غَدْراً."(ص7). بهذا تُفْتَتح الرواية فنكتشف أن سعيد مهران يعاني مرارة الظلم، و سبب الظلم ما سبقت الإشارة إليه. لكن سعيد مهران ليس هو الوحيد الذي يعاني الظلم فهناك ( نور) أيضا التي تحمل قلبا كبيرا يسع طريدا مثل سعيد مهران، لكنها تعيش حياة الليل و الاحتقار و الذل، دون أن تجد ما أو من يوفيها بعضا من كرامة مهدورة.
·تيمة الاغتراب: " .. و هو واحدٌ.."(ص7)، "لا تؤاخذني، لا مكان لي في الدنيا إلا بيتك"(ص19)، يعاني سعيد مرارة الاغتراب وسط مجتمعه، فهو يشعر بأنه وحيد في هذا العالم، خاصة مع تعرضه لخيانة أقرب الناس إليه : امرأته و صديقه و مُعلمه. و تقاسمه نور هذا الشعور بالاغتراب إذ تحس أنها ضائعة بلا قيمة في هذا العالم.
(د) الدلالات و الأبعاد النفسية للنص: اعتمادا على العناصر النفسية المتعددة السابقة، يمكننا أن نستجلي الدلالات
و الأبعاد النفسية التالية للنص:
·سعى نجيب محفوظ، من خلال تركيزه على شخصية سعيد مهران إلى كشف التحولات الصعبة التي عاشها المجتمع المصري مع ثورة الضباط الأحرار (1952)، و إلى تداعياتها على نفسية الأفراد .
·رغب الكاتب في التحذير من فئة انتهازية ركبت الثورة لتحقق أهدافها و تتحول إلى قطط سمان تقتات على بؤس الفئات العريضة من المجتمع.
·هدف نجيب كذلك إلى التنبيه من خيبة الأمل التي تحس بها فئة عريضة ممن أيدوا الثورة و حملوا قيمها و آمنوا بشعاراتها لكن آمالهم خابت فشرعوا في التمرد على المجتمع.
4.تحليل البعد الاجتماعي:
يهتم هذا المنظور بدراسة الوقائع الاجتماعية و التاريخية في النص السردي، ذلك أن كل نص هو جزء من الحياة الاجتماعية و الثقافية، و هو يرتبط ارتباطا وثيقا بالمجال الاجتماعي- التاريخي. ويمكن دراسة هذا المنظور من خلال مستويين هما:
(أ‌)المظاهر الاجتماعية: لنسلِّم بدءاً أن أعمال نجيب محفوظ الحكائية قد ارتبطت بالمجتمع المصري، إذ سلط الضوء على مختلف فئات هذا المجتمع عبر مراحل تاريخية شملت حقبة مهمة من القرن العشرين. و لا تخرج رواية"اللص و الكلاب" عن هذه المسلمة، فما تمظهرات الأبعاد الاجتماعية فيها ؟.
تتكشف العلاقة بين الرواية و المجتمع في هذه الرواية، من خلال المعاناة التي يعيشها سعيد بعد خروجه من السجن إذ يعيش حياة شقية بسبب الفساد الاجتماعي، الذي يتبدى من خلال تفشي ظاهرة الفقر، و لجوء البعض إلى سبل غير سوية بغية تأمين استمرار حياتهم، كما هو واقع " نور " التي تبيع جسدها لتعيش، و تشعر أن حياتها لا معنى لها، مع استمرار معاناتها. و نجيب محفوظ لا يحمل مثل هذه الشخصية مسؤولية المسار الذي اتخذته، بل هو يدين الجهات المسؤولة في الدولة الثورية الحديثة التي استقالت من دورها الاجتماعي و الإنساني و انسحبت إلى الوراء تاركة الفقراء يواجهون مصيرهم الأسْوَدَ. و تتعمق هذه التداعيات بممارسات أخرى مثل الخيانة و الانتهازية و النفاق، و قد ذهب ضحيتها سعيد مهران الذي خرج من السجن ليجد أن زوجه قد تزوجت من صبيه و استولت على ماله و حرمته من ابنته التي لم تتعرف عليه و أنكرته، و أن صديقه و معلمه رؤوف علوان قد تنكر للمبادئ التي علمها له و أصبح صحفيا انتهازيا و نجما في سماء المجتمع الراقي، متخليا عن مبادئه السابقة و نضالاته السالفة التي سبق لها أن أدخلته السجن.
(ب‌)الدلالة الاجتماعية: لقد اهتم نجيب محفوظ في عمله هذا بتقريب الرواية من الحياة الفردية، و تصوير ما تواجهه في واقعها
الاجتماعي من أصناف الانكسار و الإحباط، نتيجة الفقر و الحرمان و غياب الوعي المحفز على التغيير، في ظل انحياز الدولة للأغنياء و اللصوص و تنكرها للفقراء و المحرومين.مما حدا بالرواية إلى أن تتضامن مع هؤلاء المتنكَّرِ لهم، مثلين في سعيد و نور و طرزان ومن على شاكلتهم وفي جهتهم، و أن تعلي من شأن أخلاقهم و قيمهم المتمثلة في الحب و التضامن و القدرة على التضحية و العطاء. فعند تركيز الرواية، مثلا، على دواخل شخصية سعيد مهران، و إضاءتها المجال الذي تتحرك ضمنه، فإنها تعكس طبيعة الرؤية المعبر عنها في هذه الرواية: رؤية تنحاز إلى تعرية و انتقاد الفساد الاجتماعي و السياسي المهيمن على المجتمع المصري، خاصة من خلال ملفوظات سعيد و نور، التي تكشف حدة في النقد و مرارة في السخرية من واقع تخشبت فيه القيم، و غيضت العواطف، و غدا الإنسان فيه أسير الوحدة و الاغتراب و الضياع. بهذا المعنى تكمن قيمة رواية اللص و الكلاب، لا في كشف الحقيقة و إنما في طرح الأسئلة على المتلقي خاصة بصدد المرحلة التي أنتجتها و تلك التي تتحدث عنها.
5.استخلاص البنية.
يسعى هذا المنظور إلى دراسة نظام النص العام، و البحث عن وحداته، و المبادئ التي تنتظم بواسطتها هذه الوحدات. ذلك أن النص يتأسس على مجموعة من العلاقات الدلالية و التركيبية التي تمنحه صورة معين. و تنجم بنية النص عن تأليف مجموعة من صيغ التنظيم التي يمكن الكشف عنها عبر محاور من مثل:
  • التأليف: يتتبع نجيب محفوظ في رواية ( اللص و الكلاب ) شخصية محورية تتمثل في شخصية "سعيد مهران" ، و يبتدئ هذا التتبع بلحظة خروج سعيد من السجن، لينتهي بلحظة استسلامه لرجال الشرطة بلا مبالاة، و بين لحظتي البداية و النهاية تشكلت رواية من ثمانية عشر فصلا. إن ما يجمع بين فصول هذه الرواية ليس هو وحدة الشخصية المحورية فيها فحسب، بل أيضا تركيبة التقنيات الروائية المعتمدة فيما من : استباق و استرجاع و حذف و خلاصة و انشطار... مما أتاح للروائي التركيز على حبكة البطل، و كذلك استدعاء ما يسلط الضوء عليها، و يساعد المتلقي على تلقيها في شروط إيجابية. و هذا التعدد في توظيف التقنيات هو الذي يتيح للقارئ قراءة الرواية من وجهات متعددة و مختلفة: إذ يمكن قراءتها باعتبارها "رواية الشخصية"، كما يمكن قراءتها على أنها " رواية اجتماعية"، أو رواية استبطانية تستكنه الشفافية الداخلية... إلى أنها، و في جميع الأحوال، رواية تعبر عن احتجاج الفئات الفقيرة داخل المجتمع المصري على مظاهر الفساد الاجتماعي من ادعاء و زيف اجتماعي و تنكر للمبادئ و استغلال ...
  • التنظيم الزمني: تترك رواية "اللص و الكلاب" في المتلقي انطباعا بكونها رواية اجتماعية تقدم نموذجا لمعاناة الفئات الفقيرة في المجتمع المصري، لكنك عندما تغوص في عبقرية نجيب محفوظ، و قدرته على التلاعب بالزمن، تقف على إبداعه في تحويل الزمن إلى أداة تشخص بقوة أسئلة الفرد في هذا الزمن القاهر الذي لا ينسجم معه. من هنا فإن الزمن الطبيعي لا يبدو كثير الأهمية في الرواية إذا ما قيس بالزمن النفسي الذي ركزت عليه الرواية و جعلته نافذة تطل من خلالها دقائق الأمور و جزئياتها. لقد تميز الروائي في هذا الجانب المتعلق بالزمن النفسي/ الشخصي، إذ يسكت عن السنوات الطويلة في عالم الواقع، و يقف عند التمفصلات الزمنية في حياة الشخصية ، حيث نكتشف أن الزمن النفسي مرتبط بالشخصية، لا بالزمن، إذ الذات تتخذ مكان الصدارة، و يفقد الزمن معناه الموضوعي ليصبح منسوجا في خيوط الحياة النفسية. و يتجلى هذا الزمن في رواية "اللص و الكلاب" في الأزمة التي يعيشها سعيد مهران و ما تسببه في نفسه من إحباط و خيبة و عزلة...، فبمجرد ما تخطى أزمة السجن، حتى وجد نفسه داخل دوامة أزمة جديدة هي أزمة الخيانة المركبة التي عاشها مع كل من (نبوية و عليش و رؤوف)، مما جعل العالم يبدو في عينيه متأزما، متدهورا، أجوف لا روح فيه، ذلك أن جميع القيم التي آمن بها و ضحى لأجلها قد لابسها التحول في ممارسات الخونة، فاقلبت نبوية من محبة إلى خائنة، وعليش من تابع إلى واش، و رؤوف من معلم لقيم الاشتراكية إلى انتهازي و ليبرالي فاسد.
  • التنظيم المكاني: لا يعتمد نجيب محفوظ المكان، في روايته هاته، إطارا تزيينيا أو تكميليا، يؤثت به فضاء الرواية، بل يعتمده مكونا أساسيا يبوح بما يفكر فيه الروائي، و يتيح إمكانية الكشف عما تعانيه الشخصية من صنوف الوحدة و الاغتراب و المعاناة. و يمكن كشف هذا التنظيم في الرواية من خلال الفضاءات التالية:
    • السجن: المكان الذي تنفتح عليه الرواية، قضى فيه سعيد مهران أربع سنوات فقد خلالها حريته و عانى العزلة و الحصار و مرارة اكتشاف الخيانة. هو فضاء العقاب بدل أن يكون فضاء الإصلاح.
    • بيت الجنيدي: مكان إقامة الشيخ علي الجنيدي الزاهد المتصوف، صديق والد سعيد، يحمل هذا الفضاء لرواده إحساسا بالسكينة و الطمأنينة، هو مأوى لا ينغلق أبدا، يلوذ به سعيد حين تشتد الأزمات عليه، غير أنه لا يشعر فيه بالراحة طالما لم يحقق انتقامه، ذلك أن مذهبه مختلف عن مذهب الشيخ.
    • عطفة الصيرفي: فضاء يحيل سعيد على مفارقة شعورية، إذ فيه جزء من ذكرياته مع نبوية، أيام الحب و الوفاء، كما فيه ذكرى الاعتقال متلبسا بسرقة قضى إثرها عقوبة سجنية دامت أربع سنوات. لذلك تختلط اتجاهه مشاعر الرضى و مشاعر الامتعاض.
    • شقة نور: فضاء كان يحقق لسعيد جزءاً من توازنه النفسي في مرحلة تخلى عنه الجميع و آوته نور في بيت متواضع، يطل على المقابر. فرغم أنه كان يحس بالضيق و التبرم من عدم قدرته على التصرف بحرية مخافة إثارة انتباه الجيران إلا أنه كان يجد في المكان قدرا من إنسانية مفقودة خارجه.
    • مقهى طرزان: مكان التقائه بنور ماضيا و حاضرا، إضافة إلى كونه يمكنه من تلقي المعلومات عن أعدائه، و الأهم أنه في هذا المكان حصل على المسدس الذي يمكنه بواسطته الانتقام من الذين خانوه.
و تحضر في الرواية فضاؤات مكانية أخرى تستمد أهميتها من مساهمتها في دينامية الأحداث، و يمكن أن نذكر من هذه الفضاءات ما يأتي:
·فيلا رؤوف علوان و ما تكشفه من صور الخيانة و الانتهازية.
· المقبرة و ما تحيل عليه من وحدة قاتلة و عزلة و اغتراب.
6. تحديد الأسلوب:
يروم هذا المنظور تناول أسلوب المؤَلَّف السردي و تَبين نوعه، و ذلك انطلاقا من تأمل الطريقة التي يَسْتَعمِل بها النص اللغة، و الكشف عن عملية الانتقاء التي يُمارسها، و تَعَرُّف المصادر التعبيرية التي ينهل منها، و الكشف عن المعايير المتحكمة في النص، و الانتقاءات التي يقوم بها، و علاقة الأسلوب بأهداف النص و بالقارئ. و قصد انجاز دراسة هذا المنظور يمكن اتباع خطوات منها:
  • تحديد المعايير و المواضعات: تعتبر اللغة المادة الأولى في الرواية، فالمتلقي لا يتلقاها إلا من خلال اللغة، التي يبني بها الكاتب عالم الرواية، و يؤثثه بعناصر الصراع و التوتر و التشويق. و في رواية اللص والكلاب تتأكد قدرة نجيب محفوظ على توظيف النثر توظيفا فنيا متميزا. لقد كتبت هذه الرواية أثناء فترة الستينيات من القرن العشرين، و هي فترة انتقل فيها النثر الروائي العربي من مرحلة تأكيد الهوية و الانتساب إلى الثقافة العربي، إلى مجابهة مجهولات الإنسان العربي، و تشريح ذاته، و تشخيص رحلته بحثا عن الحقيقة.
إن مما يميز نجيب محفوظ ضمن هذه الفترة وفاؤه للغة العربية الفصحى، و إبداعه في الاشتغال عليها خاصة من خلال إنطاقه شخصيات فاقدة للقدرة اللغوية بهذه اللغة العربية الفصحى. من هنا فإن الأسلوب اللغوي الذي انتهجه نجيب محفوظ، و هو يسرد أزمة سعيد مهران مع من خانوه، و مع المجتمع الذي لم ينصت له، قد نجح في نقل تفاصيل نابضة بالحياة و بالكلام تجسد تقابلا متوترا بين الوفاء و الخيانة.كما أن لجوء نجيب محفوظ إلى إغناء السرد بالحوار و التذكر و الحلم قد طبع اللغة بالسخرية المتوترة.
تتخذ رواية (اللص و الكلاب) من تجربة البطل الواحد محورا لها، مما فرض عليها معايير شعرية تتصل بالجنس الروائي و بخاصة برواية الاستبطان الداخلي التي من تجلياتها توظيف الرواية لتيار الوعي إذ تتداعى المشاعر و الأفكار و القيم و التصورات بصدد العالم بعيدا عن كل رقابة، مما مكن المتلقي من الاقتراب من تجربة سعيد مهران الصعبة، و من التعاطف معه.
  • مجالات اللغة: تكشف لغة الرواية عن مجالات لغوية متعددة تتحدثها شخصيات الرواية، يمكن أن نذكر منها ما يلي:
üلغة الرفض و السخط: هي لغة سعيد مهران، و تكشف مدى الانفصال الذي يعيشه البطل عن واقعه و مجتمعه، مما ولد لديه اغترابا عن مجتمع تدهورت فيه القيم و تكالب عليه الطغاة و الظَّلَمَةُ.
üلغة التبرير: و تتكلمها الشخصيات التي خانت سعيد و خلقت واقعا جديدا يلائم مصالحها، بل إن رؤوف علوان قد نصح بها سعيد بعد خروجه من السجن.
üلغة المرارة و الوحدة: تتكلمها نور في لحظات كثيرة داخل الرواية، خاصة حين لا تطلب من الدنيا سوى الشعور بالاطمئنان و السعادة بدل الضياع الذي تعيشه، و يقاسمها إياها سعيد أحيانا.
üلغة الزهد و الانطواء: هي التي يتحدثها علي الجنيدي، و هي لغة تستمد معجمها من القيم الدينية العليا، و تفارق الواقع الحقيقي لتبشر بواقع يوتوبي لا علاقة له بالمعيش.
üلغة الوفاء : هي التي يتكلمها كل من طرزان و نور، و هي مخالفة للغة الغدر التي تميز كلا من رؤوف علوان و عليش سدرة و نبوية، فقد ظل كل من طرزان و نور وفيين لسعيد في أحلك لحظات صراعه مع الخيانة و الغدر.
üلغة الخيانة : هي التي تميز لغة كل من رؤوف علوان و عليش سدرة و نبوية، إذ قاسمهم المشترك أنهم ساهموا في خيانة سعيد مهران كل بطريقته و كل بنصيبه، فوحدتهم الخيانة، و جمعهم الغدر.
  • الأسلوب و رهانات النص: إن الأسلوب الذي يتبناه النص له علاقة بالرهانات التي يسعى إلى تحقيقها، ذلك أن الكتابة عن الخيانة و الاغتراب و الوحدة التي يشعر بها الإنسان في المجتمعات العربية، و المجتمع المصري على الخصوص، تتجاوز عند الكاتب حدود الارتباط بالشخصية الروائية للإيهام بواقعية الأحداث، لتحاول البحث عن الطرائق الفنية الكفيلة بخدمة المضمون.
لقد اعتبر الكثير من النقاد هذه الرواية طفرة في مسار نجيب محفوظ الروائي، بفعل ابتعادها عن الرؤية الواحدة و الشمولية، لتتيح للسارد و الشخصية أن يتبادلا الأدوار، و ينيرا الموضوع من جوانب متعددة. من هنا لا ينفصل الأسلوب عن الوسائل الأخرى المعتمدة في هذه التجربة و إنما يندمج في إبراز الرؤية التي يهدف الكاتب التعبير عنها و المتمثلة في إبراز انعكاسات التحولات الاجتماعية و السياسية و النفسية على الإنسان في المجتمعات العربية، و ما ينتج عنها من ضبابية تغطي وجوده، و تبعده عن الشعور بالطمأنينة و الاستقرار.



رد مع اقتباس

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


RSS RSS 2.0 XML MAP HTML


الساعة الآن 18:39 بتوقيت الدار البيضاء

dafatir


يسمح بالنقل بشرط ذكر المصدر - جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاترdafatir © 2012 / جميع المشاركات والمواضيع لا تعبر بالضرورة عن رأي منتديات دفاترالتربويةولكنها تمثل وجهة نظر كاتبها فقط ..

Powered by vBulletin® - Copyright © 2014, Jelsoft Enterprises Ltd ,Designed by Simo