التعليم العالي بالمغرب (1975- 2008)بقلم: محمد منار - منتديات دفاتر التربوية بالمغرب
منتديات دفاتر التربوية
لوحة المفاتيح العربية

مساحة اعلانية مركز تحميل دفاتر
مساحة اعلانية


اضف بريدك الالكتروني ليصلك جديد المنتدى


مساحة اعلانية





 
العودة   منتديات دفاتر التربوية بالمغرب > قسم الأخبار و المستجدات > دفتر المستجدات والأخبارالتربوية والتعليمية
الملاحظات


 
 




الكلمات الدلالية (Tags)
, , , , , ,
إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  رقم المشاركة : ( 1 )  
قديم 11-09-2009, 16:40
 
ابن خلدون
تربوي ذهبي

  ابن خلدون غير متواجد حالياً  
الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 16143
تـاريخ التسجيـل : Feb 2008
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :  male
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 3,961 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 556
قوة التـرشيــــح : ابن خلدون is a name known to allابن خلدون is a name known to allابن خلدون is a name known to allابن خلدون is a name known to allابن خلدون is a name known to allابن خلدون is a name known to all
افتراضي التعليم العالي بالمغرب (1975- 2008)بقلم: محمد منار


عاجـل: www.alo.ma أول موقع مغربي متخصص في بيع وشراء الهواتف، ضع هاتفك للبيع من هنا

التعليم العالي بالمغرب (1975- 2008)
بقلم: محمد منار /

يكتسي التعليم بصفة عامة أهمية خاصة، إذ يعتبر الوسيلة الفعالة، والقاطرة التي لا محيد عنها، لتحقيق التنمية في كل مستوياتها وأبعادها، وذلك من خلال ترشيد الكفاءات، وتوجيه القدرات، ونشر المعرفة والوعي، والقضاء على الجهل، والرفع من المستوى العلمي للشعوب… بل إن مقياس تقدم الأمم أو تخلفها يكون بالنظر إلى نظامها التربوي والتعليمي.
ولما كان التعليم العالي آخر مرحلة تعليمية، كان له أكبر الأثر في تقدم الأمم ورقيها، لذلك حظي لدى مختلف الحضارات باهتمام خاص، بما فيها تلك الحضارات القديمة، من مثل الحضارة اليونانية والرومانية، وخضع لتطور ملحوظ؛ فالأكاديميات العلمية المنتشرة في العالم المعاصر، تجد أصل تسميتها في أكاديمية أفلاطون، التي أنشأها في أثينا خلال القرن الخامس قبل الميلاد، والجامعات المعاصرة يرجع أصلها إلى تلك الجامعة التي أنشأها اليونانيون في الإسكندرية بشمال إفريقيا.
والمغرب لم يكن بدعا من الدول، بل عرف هو الآخر، بانسجام مع حضارته الإسلامية، أنماطا للتعليم العالي، تمثلت ألمع صورها في جامعة القرويين، التي أنشئت في القرن التاسع الميلادي، إلا أن التراجع العام الذي بدأت تعرفه الدولة المغربية في القرون الأخيرة، كان له أثر سيئ على نظامها التعليمي بصفة عامة، وعلى التعليم العالي بصفة خاصة، بل يمكن القول أن ذلك الانحطاط الشامل يتمثل سببه الرئيس في تراجع التربية وانحطاط التعليم بكل مراحله.
هكذا، فُرضت الحماية على المغرب في ظل وضع تعليمي مأزوم؛ فالتعليم العالي الملقن بجامعة القرويين كان يعرف إهمالا ملحوظا لبعض العلوم الأساسية، واعتمادا تاما على الحفظ والاستظهار، ولا مكان فيه للمنهج العلمي بما هو مشاهدة وتجريب وملاحظة، وأصبح الطلاب يعتمدون المختصرات بدل الرجوع إلى أمهات المراجع العلمية المتخصصة... هذا الوضع دفع ببعض العلماء، رغم نير الاستعمار، إلى الدعوة الملحة لإصلاح التعليم بصفة عامة، والتعليم العالي بصفة خاصة، كان من أبرزهم محمد بن الحسن الحجوي، فبعد أن عدد هذا العالم مظاهر الأزمة بالشكل الذي رأيناه آنفا، قدم مشروعين للإصلاح، أولهما سنة 1914، والثاني سنة 1929، لكن لم يكتب لأي منهما التطبيق الكامل.
وبعد الحصول على الاستقلال، وجد المغرب نفسه بين نوعين من التعليم العالي؛ الأول اصطلح على تسميته التعليم العالي العصري، والثاني اصطلح على تسميته التعليم العالي التقليدي. تمثل الأول في بعض المعاهد والمدارس التي أحدثها المستعمر، وتمثل الثاني بصفة أساسية في جامعة القرويين وجامع بن يوسف. وإذا كان من أهم خصائص هذا النوع الأخير من التعليم العالي التشبث الواضح بأصالة المغرب وحضارته الإسلامية، فإنه –مع ذلك- كان ولا يزال يتخبط في ذلك الوضع المأزوم، الذي أشار إليه محمد بن الحسن الحجوي. أما التعليم العالي العصري فقد استطاع أن يحقق انفتاحا على علوم العصر، لكنه يعرف وضعا من الشتات وعدم التنسيق، بل إن مناهجه وبرامجه لم تخل من حمولة استعمارية. فكيف يا ترى سيواجه المغرب بعد الحصول على الاستقلال هذا الواقع؟
لقد انصب الاهتمام على تطوير التعليم العالي العصري، من خلال إحداث جامعات عصرية، وتقديم الدعم لتلك المدارس والمعاهد المتخصصة، وتم إصلاح جامعة القرويين بهدف عصرنتها. والذي يبدو خلال السنوات الأولى من الاستقلال غياب سياسة واضحة للتعليم العالي، فالهاجس الوحيد تمثل في إيجاد مقاعد للطلاب الذين يتزايد عددهم سنة بعد أخرى، مما جعل تلك المظاهر التي عرفتها فترة الاستعمار تتضاعف، بل تنتج مظاهر جديدة للأزمة.
وبعد أن مر حوالي ثلاثة عقود ونصف على ظهير 25 فبراير 1975، وظهر قانون جديد للتعليم العالي(1)، نعتقد أنه أصبح من الضروري مساءلة التجربة "الإصلاحية" لمنظومة تعليمنا العالي، فنرجو أن يكون هذا البحث مساهمة في ذلك.
وإذا كنا سنتطرق لمفهوم التعليم العالي عند الحديث عن ظهير 25 فبراير 1975، وكذا عند الحديث عن القانون 01.00، فإننا نتبنى منذ البداية تعريفا مختزلا للتعليم العالي بكونه ذلك التعليم الذي يستهدف الطلاب الناجحين في امتحانات الباكالوريا، ويلقن بمؤسسات تعليمية ذات طابع نظامي، تخضع قانونيا وإداريا، إما للسلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي، أو لأجهزة رسمية أخرى، أو تكون تابعة للقطاع الخاص.
كما نحدد منذ البداية أهداف هذه الدراسة وتساؤلاتها الأساسية والمقاربات المعتمدة.

أولا: أهداف الدراسة
ترمي هذه الدراسة إلى تحقيق الأهداف الآتية:
1. معرفة تطور التعليم العالي بالمغرب من سنة 1975 إلى الآن، وذلك بوضع كل من ظهير 25 فبراير، والقانون الجديد المنظم للتعليم العالي في إطارهما التاريخي.
2. الإحاطة بمختلف عناصر أزمة التعليم العالي من أجل تحديد مواصفات الإصلاح المطلوب.
3. استخلاص الخصائص التي طبعت تنظيم التعليم العالي بالمغرب والبحث عن الشروط اللازمة لنجاحه.
4. المساهمة بملاحظات واقتراحات نعتقد جدواها للنهوض بالتعليم العالي.

ثانيا: تساؤلات أساسية
لتحقيق تلك الأهداف ننطلق من أسئلة أساسية نذكر منها:
هل يكمن مشكل ظهير 25 فبراير 1975 في تطبيقه الجزئي؟ أو أنه بالإضافة إلى التعثر في التطبيق توجد بوادر النقص والقصور في مضامين النص ومحتوياته؟ وإذا كان ذلك كذلك فما هي الخلفيات التي حكمت المشرع في وضعه لأول تنظيم جامعي؟ وما هي المحاولات التصحيحية التي عرفها تنظيم 1975؟ وإذا عرف عقد التسعينات من القرن الماضي أزمة واضحة في التعليم العالي ومشاريع متعددة للإصلاح، فلماذا ظل الإصلاح مفقودا؟ ولماذا لم تعرف تلك المشاريع المتعددة طريقها نحو الإلزام القانوني؟ ومن تم طريقها إلى التنفيذ والتطبيق؟ وما هو السياق العام بشقيه الخارجي والداخلي للقانون الجديد المنظم للتعليم العالي؟ وما هي أهم الملاحظات حول هذا القانون؟ وكيف كان مسار تطبيقه؟ وما هي حصيلة كل ذلك، ليس فقط على مستوى التعليم العالي، وإنما على مستوى كل مراحل التعليم، بل على مستوى المجالات الثقافية والعلمية والتنموية؟
وهل يكمن قصور إصلاح التعليم العالي بالمغرب في عدم تطبيق النصوص؟ أم يكمن في تلك النصوص نفسها وفي ما حوته من مضامين؟ وإذا كان المشكل في النصوص أيضا، فهل يرجع ذلك إلى خطأ في التقدير، وتذبذب في الصياغة، أم أنه يرتبط بإرادة سياسية معينة واختيارات محددة؟ وهل يملك المغاربة حق التقرير والاختيار في التعليم العالي؟ أم أن تعليمنا العالي لا يزال رهين إكراهات خارجية؟ وما هي أهم الخصائص التي طبعت تنظيم التعليم العالي بالمغرب؟ وهل من اقتراحات للنهوض به؟ ...

ثالثا: المقاربات المعتمدة
إننا لم نرتبط في دراستنا هذه بمقاربة بعينها، بل كان همنا الاستعانة بمجموعة من المقاربات، في أفق تحقيق الأهداف المرسومة، وخدمة الأغراض المنشودة، وذلك على الشكل الآتي:

1. المقاربة التاريخية:

إن اعتمادنا المنهج التاريخي في هذا البحث ساعدنا على معرفة التطور الذي شهده تعليمنا العالي على مختلف المجالات. وإذا كان ظهير 1975 تجاوز زمنه المفترض، فإن المقاربة التاريخية ستمكننا من معرفة أثر ذلك في تعميق مظاهر الأزمة وتنويعها. وبما أن معرفة الماضي تساعد على استيعاب الحاضر، والتأهيل للمستقبل، فإن رصدنا للتطور التاريخي للتعليم العالي منذ سنة 1975 إلى الآن سيمكننا من مساءلة موضوعية للقانون 01.00، ولسياقه الخاص المتمثل في الميثاق الوطني للتربية والتكوين...

2. المقاربة القانونية:

تعد هذه أهم مقاربة تم اعتمادها في البحث بعد المقاربة التاريخية، حيث لم نجعل بيننا وبين النصوص التي توخت إصلاح التعليم العالي أية وسائط، بل كان الرجوع المباشر إلى تلك القوانين لفحصها، والتنقيب فيها عن إيجابيات الإصلاح وسلبياته، وفي بعض الأحيان كان من أهم معايير التقييم مدى انضباط تلك النصوص لمقومات النص القانوني وخصائصه...

3. المقاربة الإحصائية:

لم نجد أفضل ما نبرز به واقع التعليم العالي من إحصاءات وبيانات، حرصنا كل الحرص على استيفائها من الوثائق الرسمية، وقد مكنتنا المقاربة الإحصائية من وضع جداول تلخص تطور التعليم العالي في بعض المستويات، كما مكنتنا من الاجتهاد في وضع بعض الجداول والرسوم البيانية...

4. المقاربة التحليلية:

يتضح ذلك من خلال التوصل إلى مجموعة من الاستنتاجات، عبر الانطلاق من الكل إلى الجزء، حيث ننطلق في بعض الأحيان من الظواهر العامة لنصل إلى الظواهر الجزئية المتفرعة عنها، لكننا لا نغوص في التفاصيل، إلا بالقدر الذي يتيح تحقيق الأهداف المتوخاة من هذه الدراسة...

5. المقاربة التركيبية:

اعتمادنا المقاربة التحليلية لم يمنعنا في بعض الأحيان من اعتماد مقاربة تركيبية تنطلق من الجزء إلى الكل، وتنطلق من الظواهر الفرعية لاستخلاص سمات الظاهرة العامة.
انطلاقا من هذا التقديم سنقسم هذه الدراسة إلى ثلاثة أبواب وهي:

الباب الأول: ظهير 25 فبراير 1975: السياق والمضامين والتطبيق المعاق
الباب الثاني: عقد تسعينات القرن الماضي: الأزمة العامة والإصلاح المفقود
الباب الثالث: قانون الأصفار الثلاثة وإعادة إنتاج الأزمة

------------------------------------
- القانون 01.00 صدر بتاريخ 19 ماي 2000 نشر بالجريدة الرسمية بتاريخ 25 ماي 2000، ع 4798، ص 1194


الباب الأول: ظهير 25 فبراير 1975: السياق والمضامين والتطبيق المعاق



يشكل ظهير 25 فبراير 1975 أول تنظيم شامل للتعليم العالي(1)، بعد الحصول على الاستقلال؛ حيث لم تسبقه إلا بعض النصوص الجزئية المنظمة للدراسة ببعض المؤسسات الجامعية المحدثة في
فترة الحماية، أو بعض الكليات والمعاهد التي أحدثت بعد نهاية الاستعمار؛ خاصة بعد إنشاء جامعة محمد الخامس بالرباط سنة 1957.
وظهير 25 فبراير لم يشذ هو الآخر عن التبعية لفرنسا، بحيث كان التأثر واضحا بقانون توجيه التعليم العالي الذي ظهر بفرنسا سنة 1968؛ خاصة فيما يرتبط باللامركزية الجامعية؛ بحيث أشار الظهير، في هذا السياق، إلى منح نوع من الاستقلالية للجامعات، وللمؤسسات الجامعية، لكن يبدو أن الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية المحيطة جعلت ذلك يتسم بنوع من الشكلية، في غياب جوهر حقيقي للامركزية التعليم العالي، بل إن بعض الجوانب المضيئة في ظهير 1975 لم تعرف طريقها إلى التطبيق إلا بعد اثنتي عشرة سنة من وقت إصداره، وذلك بعد أن أصبحت تلك الجوانب نفسها في حاجة إلى تجديد جوهري يتناسب مع التطور الكمي والكيفي لمؤسسات التعليم العالي.
سيعرف الظهير عند تطبيقه تعثرا كبيرا وستظهر بعض المحاولات لتصحيح تلك الاختلالات الناجمة عن شكلية المضامين من جهة أولى، وعن التأخر في التطبيق من جهة ثانية، لكنها لم تف بالغرض؛ نظرا لطابعها الجزئي.
وكانت نتيجة كل ذلك أن عرف التعليم العالي بعض الإيجابيات المحدودة، تمثلت أساسا في تخريج العديد من الأطر في مختلف المجالات، لكنه في نفس الآن غرق في وحل من السلبيات، التي ستتفاقم أكثر فأكثر بعد سياسة التقويم الهيكلي سنة 1983.
تماشيا مع الطرح أعلاه سنقسم هذا الباب إلى فصلين، الفصل الأول سنتطرق فيه إلى الإطار
التاريخي لظهير 25 فبراير 1975، وإلى مضامينه؛ حيث سنقسم ذلك الفصل بدوره إلى مبحثين؛ المبحث الأول حول الإطار التاريخي، والمبحث الثاني حول المضامين، أما الفصل الثاني فسنتتبع من خلاله تطبيق الظهير بالوقوف على بعض الاختلالات، وبرصد بعض محاولات التصحيح، مقسمين هذا الفصل هو الآخر إلى مبحثين؛ المبحث الأول نتتبع عبره تطبيق الظهير قبل سنة 1983، والمبحث الثاني نتتبع من خلاله تطبيق الظهير انطلاقا من سنة 1983.

الفصل الأول: ظهير 1975، الإطار التاريخي والمضامين

إن التغيرات الاجتماعية في مختلف المجالات تتأثر بشكل مباشر أو غير مباشر بظروفها التاريخية. وإذا كان المغرب قد عرف منذ القدم تعليما عاليا أصيلا، تمثل أساسا في جامعة القرويين التي أحدثت سنة 859 ميلادية، فإنه وجد نفسه إبان الحصول على الاستقلال أمام معطيات جديدة، تفرض عليه تطوير تعليمه العالي الأصيل من جهة أولى، وتدعوه إلى تبني تعليم عال عصري من جهة ثانية، وذلك من خلال ظهير 1975، فماذا عن الإطار التاريخي لهذا الأخير؟ وماذا عن مضامينه؟

المبحث الأول: الإطار التاريخي لظهير 1975

لقد تعرض ظهير 25 فبراير 1975، بالإضافة إلى التأثر بقانون توجيه التعليم العالي الفرنسي، لنوعين من التأثير، أولهما تأثير غير مباشر تمثل في الظرفية العامة التي عرفتها البلاد آنذاك سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي (المطلب الأول)، وثانيهما تأثير مباشر تمثل في الوضعية التي كانت تعرفها مؤسسات التعليم العالي (المطلب الثاني).

المطلب الأول: الظرفية العامة
تنقسم هذه الظرفية العامة إلى ظرفية سياسية (الفقرة الأولى) وأخرى اقتصادية واجتماعية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الظرفية السياسية
تميزت الفترة التي ظهر إبانها ظهير 25 فبراير 1975 بمجموعة من الوقائع السياسية، التي كان لها أثرها الواضح على إصلاح التعليم العالي آنذاك.
ففي بداية عقد السبعينات عرف المغرب من جهة أولى إصدار دستورين؛ كان الأول في 8 يوليوز 1970، وتمت المصادقة على الثاني في 10 مارس 1972(2)، وذلك بعد أن رفضت أحزاب المعارضة(3) الدستور الأول، باعتباره يشكل "دسترة" لحالة الاستثناء. ومن جهة ثانية تم انتظام الحركة الماركسية اللينينية في تنظيمات مؤطرة إيديولوجيا(4)، بعد أن عاشت لردح من الزمن في أحضان أحزاب المعارضة، مراهنة على ما يمكن أن يحدث من انشقاقات عمودية أو أفقية. ومن جهة ثالثة توالت محاولتان انقلابيتان استهدفتا المؤسسة الملكية، كانت الأولى في 10 يوليوز 1971، وكانت الثانية في 16 غشت 1972. فهذه الأحداث إن دلت على شيء إنما تدل على فشل الحكم في مغادرة حالة الاستثناء عبر هاجس أحادي يغلب آلية الضبط التشريعي، من خلال منح القانون الأسمى للأمة، مما اضطره إلى تحديد خصمه بدقة وتحديد آلياته، فتمثل الخصم بل العدو في الحركة الماركسية اللينينية، وكانت الآلية "إجماعا وطنيا" تُستدرج عبره فصائل من المعارضة، وتم التمهيد لكل ذلك عبر رد فعل عنيف على تلك المحاولات الانقلابية، الهدف منه كسر شوكة المعارضين في أفق الاستدراج المرسوم.
من هذا المنطلق ستعرف سنة 1973 ثلاثة أحداث أساسية:
أولها: منع نشاط الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في أبريل؛
ثانيها: تعديل قانون الحريات العامة؛ حيث تم التراجع على العديد من مكتسبات ظهير 1958؛
ثالثها: فرض الحظر على المنظمة الطلابية، الاتحاد الوطني لطلبة المغرب.
ومعلوم أن المنظمة الطلابية في مؤتمرها الخامس عشر(5) عرفت سيطرة واضحة للتيار اللينيني ممثلا في "الجبهة الموحدة للطلبة التقدميين"، وقد كان ذلك مناسبة لاتخاذ العديد من المواقف التصعيدية، عبرت عنها بعض الشعارات من مثل: "مساعدة شعبنا العربي في الصحراء على التحرير"! "من أجل ثقافة شعبية ثورية"!!. وصاحبت هذه الشعارات اضطرابات واسعة في الأوساط الطلابية والتعليمية بصفة خاصة، وفي مختلف أوساط المجتمع بصفة عامة.
ولم يكن من مخرج من حالة عدم الاستقرار هذه إلا برد فعل عنيف ضد المتورطين في تلك الاضطرابات؛ حيث شُنت حملة قمع واسعة ضد الحركة الماركسية الليينية سنة 1974، وبما أن منطق العقاب وحده غير كاف، فقد كانت الخطوة الحاسمة في محاولة وضع حد لتلك القلاقل هي "قضية استكمال الوحدة الترابية". هذه القضية التي ستشكل مظهرا أساسيا للتعبير عن النزعة الإصلاحية لدى المعارضة؛ وذلك بتحولها من موقف المنافس للحكم والند له، إلى موقف المتصالح معه المؤيد لشرعيته، فاجتمع كل من الحكم والمعارضة الإصلاحية حول مجموعة من الشعارات من قبيل: "المسلسل الديمقراطي" "الولادة الجديدة … للمغرب الجديد"… وكان سبب ذلك الإجماع الوطني حسب الدكتور محمد ظريف: "إدراك الأحزاب الإصلاحية أن تناقضها الرئيس ليس مع القصر، ولكن مع الجيش من جهة، ومع الحركة الماركسية من جهة ثانية"(6).
ففيما يرتبط بالجيش، تمت إعادة تنظيمه من طرف الملك، حيث أُلغيت وزارة الدفاع، وحددت وظيفة الجيش في الذود عن الوحدة الترابية.
وفيما يتعلق بالحركة الماركسية، وبما أن هذه الأخيرة تراهن على الجامعة، فقد تم فرض الحظر على المنظمة الطلابية من جهة أولى. وانخرطت القوى الإصلاحية إلى جانب الدولة في فرض التنظيم الجامعي لسنة 1975 من جهة ثانية.
إلا أن هذه الخلفية السياسية لم تكن وحدها المتحكمة في إصلاح التعليم العالي آنذاك، بل كانت هناك خلفيات أخرى اقتصادية واجتماعية.

الفقرة الثانية: الظرفية الاقتصادية والاجتماعية
عرف الاقتصاد الوطني خلال فترة المخطط الخماسي (1968 – 1972) بعض النمو، وذلك راجع بالأساس إلى ارتفاع أثمان المواد المصدرة؛ خاصة مادة الفوسفاط. فالإنتاج الداخلي تزايد بمعدل 5,6 % سنويا، والمالية الخارجية للدولة عرفت فائضا منتظما. كما تميزت هذه الفترة بقوانين مهمة، منها مثلا قانون 16 يونيو 1971 المتعلق بإحداث المناطق، والذي انبثقت عنه سبع جهات بالمملكة، وقانون المغربة بتاريخ 2 مارس 1973. إلا أن هذا التطور على المستوى الاقتصادي، خلال هذه الفترة، لم يصحبه تطور على المستوى الاجتماعي، وبدا ذلك جليا من خلال تراكم وتفاقم العديد من المشاكل الاجتماعية، من قبيل البطالة والفقر والأمية. فالفئات الدنيا يظهر أنها لم تستفد من ذلك النمو الاقتصادي.
من هذا المنطلق أضاف المخطط الخماسي (1973 – 1977) إلى شعار التنمية الاقتصادية شعار التنمية الاجتماعية، هذه الأخيرة التي كان قد أهملها كل من المخططين السابقين (1965-1967) و(1968-1972).
ففي مجال التنمية الاقتصادية كانت الأولوية في مخطط (1973-1977) للصناعة التحويلية ذات الكثافة العمالية العالية، كما كان الاهتمام بالفلاحة خاصة السقوية، وكان الهدف المنشود سواء على المستوى الصناعي أو الفلاحي هو التصدير، كما تضمن المخطط توجهات عامة لتنمية السياحة والهجرة إلى الخارج من أجل جلب العملة الصعبة. أما فيما يرتبط بالتنمية الاجتماعية، فقد هدف المخطط إلى توزيع عائدات التنمية على جميع الجهات وجميع الفئات الاجتماعية، ووضع لذلك إجراءات منها: مساعدة الفلاحين الصغار، تأميم بعض القطاعات الصناعية والتجارية، تنمية التجهيزات الاجتماعية، والحث على الاستثمار الجهوي…
تحققت فعلا بعض الإنجازات لكنها لم ترق إلى المطمح المطلوب، فقد تم استرجاع آخر الأراضي المستعمرة(7)، وتمت مغربة 1500 مقاولة، وتم توزيع 16000 هكتار على 12000 فلاح، وتم إحداث صندوق خاص للتنمية الجهوية، كما تم توسيع مهام العمال الاقتصادية، وتكثيف تمثيل القطاعات الوزارية بالجهات، وتحقق نمو ملحوظ للإنتاج في مختلف القطاعات باستثناء الفلاحة(8). ومع كل ذلك فإن مخطط (1973 – 1977) لم يحقق المأمول، فالاستهلاك لم ينم إلا بمعدل 0,6 % سنويا، بينما ارتفعت الأسعار بمعدل قدره 9,5 % سنويا، والعجز التجاري عرف تفاقما ملحوظا، وسُجل ارتفاع واضح في الدين الخارجي(9). ترجع هذه الوضعية إلى عدة عوامل من أهمها: ضعف المحاصيل الزراعية خلال هذه الفترة بسبب الجفاف، تردي الأسعار العالمية للفوسفاط ابتداء من سنة 1975، صعود أسعار البترول، نمو السياسة الحمائية للسوق الأوربية اتجاه الصادرات المغربية، عدم استقرار نظام النقد الدولي، واسترجاع بعض الأقاليم الصحراوية..
لقد كان لهذا الوضع الاقتصادي انعكاسات سيئة على المسألة الاجتماعية؛ إذ استمرت مظاهر الفقر والبطالة والأمية في التفاقم، مما جعل المغرب يعيش حالة ضيق مزمن على المستوى الاجتماعي، وكانت الفئات الاجتماعية الدنيا هي الأكثر تضررا.
وإذا كان المخطط الخماسي (1973 – 1977) تضمن ضرورة إعادة النظر في النظام التعليمي بكامله، لربطه بتلك الأهداف الاقتصادية والاجتماعية المعلنة، فإن الواقع المعيش فرض إجراءات أخرى مناقضة لما تضمنه المخطط فيما يتعلق بالتعليم العالي، فقد توقع المخطط تزايد عدد الطلبة، وفي سبيل مواجهة ذلك أقر إعادة تنظيم الهياكل الجامعية، وألح على نقل فلسفة الجهوية التي أقرها قانون 1971 إلى مجال التعليم العالي، حتى يتسنى استقبال جميع الراغبين في متابعة تعليمهم الجامعي. وإذا كان ظهير 25 فبراير 1975 تضمن بعض تلك التوجهات، فإن الوضعية الاقتصادية فرضت إجراءات مالية لا تنسجم مع هدف استقبال "جميع الراغبين"، وتمثل ذلك أساسا في الفصل 14 من الظهير، الذي نص على تأهيل المؤسسات الجامعية لاستخلاص الواجبات المطابقة للخدمات التي تقدمها، ولاسيما منها واجبات التسجيل، إلا أن تزايد عدد الطلاب وتصاعد حركتهم الاحتجاجية سيجعل الفصل 14 حبرا على ورق.

يتبع


---------------------------------------------
(1) ظهير شريف بمثابة قانون رقم 102-75-1 بتاريخ 13 صفر 1395 (25 فبراير 1975) يتعلق بتنظيم الجامعات، الجريدة الرسمية عدد 3252 بتاريخ 26 فبراير 1975.
(2) سيتم الإعلان عن تزويد البلاد بدستور جديد في خطاب الملك بتاريخ 17 أبريل 1972، وفي يوم 28 من نفس الشهر ستعلن "الكتلة الوطنية" موقفها بمقاطعة الاستفتاء.
(3) تتمثل أهم المعارضة آنذاك في حزب الاستقلال وحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية.
(4) كانت الحركة الماركسية اللينينية تتشكل من تنظيمين:
- تنظيم 23 مارس وقد تأسس في مارس 1970. وقد انشق عنه تيار "لنخدم الشعب".
- تنظيم إلى الأمام الذي تأسس في غشت 1970.
(5) انتهت أشغاله في 18 غشت 1972.
(6) محمد (ضريف)، الحركة الطلابية المغربية، منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي، الطبعة الأولى، البيضاء 1996، ص 65.
(7) باستنثناء المدينتين السليبتين سبتة ومليلية.
(8) مكي (المروني) الإصلاح التعليمي بالمغرب، منشورات كلية الآداب بالرباط، الطبعة الأولى، البيضاء 1996، ص 105-106.
(9) نفس المرجع السابق ص 106


المطلب الثاني: الأسباب المباشرة لظهير 1975

بالإضافة إلى تلك الظّرفية العامّة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي ألقت بظلالها على ظهير 25 فبراير، هناك سببان مباشران سيكون لهما تأثير كبير على الظهير؛ سبب كمّيّ يتمثّل في تزايد عدد الطّلاب (الفقرة الأولى)، وسبب مجالي يتجلّى في التّمركز بالعاصمة (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: تزايد عدد الطلاب
منذ سنة 1966 عرفت مؤسسات التّعليم العالي، خاصّة المؤسّسات ذات الاستقطاب المفتوح تدفّقا هائلا للطلاب، وأخذ هذا التّدفّق يتزايد سنة بعد أخرى (انظر الجدول رقم 1). فقد تزايد عدد الطّلاب بين سنتي 1957 و1961 بـ2961 طالبا، وتزايد بـ1988 طالبا بين سنتي 1961 و1966، ليصل التّزايد إلى 8710 طالبا بين سنتي 1966 و1970، وقد تضاعف هذا العدد بحوالي 12 مرة خلال عقد السّبعينات.



[IMG]http://www.*******.net/uploads/images3/Manar_Tableau131108.JPG[/IMG]

سُجّل هذا التّزايد في عدد الطّلاب دون أن يُوازيه توسّع في الطّاقة الاستيعابية لمؤسّسات التّعليم العالي، خاصّة التّعليم الجامعي، فالفترة الممتدّة بين 1957 و1964 لم تعرف إلاّ إحداث ثلاث عشرة مؤسسة جامعية، ليبقى نفس العدد إلى غاية سنة 1977(1).
وكانت النتيجة أن أصبحت المؤسّسات الجامعية تتخبط في العديد من المشاكل بسبب هذا التزايد الطّلابي، من مثل عدم كفاية البنايات من مدرجّات وقاعات لاستقبال الطّلبة، وقلّة المؤطّرين، أضف إلى ذلك الوضعية المادّية المتواضعة للطّلاب، الأمر الذي كان له انعكاس على المردودية الدّاخلية والخارجية للتّعليم العالي. ففي الموسم الدراسي (1972 – 1973) شكّل المكرّرون نصف أعداد طلبة السنة الأولى بكليات الآداب والحقوق(2)، هذه الأخيرة التي كانت تعرف في ذلك الحين إقبالا واسعا، لم تُجْد معه بعض الإجراءات من مثل إحداث الباكالوريا التقنية سنة 1971.
هذه المشاكل وغيرها جعلت وتيرة الاحتجاج الطّلابي تتزايد سنة بعد أخرى، وممّا زاد في حدّة ذلك تمركز هذا الجيش الهائل من الطلاب بالعاصمة، الأمر الذي جعل إصلاح الجامعة في أفق لامركزيتها من أولى الأولويات.

الفقرة الثانية: التّمركز بالعاصمة
مع بداية الاستقلال تحوّلت مجموعة من المؤسّسات الجامعية التي أنشئت في عهد الحماية إلى كليّات ومعاهد علمية، كما تمّ إحداث مؤسّسات أخرى، إلاّ أنّ الّذي لوحظ تمركز أغلب هذه المؤسّسات بالعاصمة الرباط؛ حيث احتضنت هذه الأخيرة منذ سنة 1957 مجموعة من الكلّيات والمعاهد، منها: كلّية الآداب والعلوم الإنسانية، وكلّية الحقوق، وكلّية العلوم، والمدرسة المحمّدية للمهندسين، وكلّية الطّبّ والصّيدلة، ومعهد الدّراسات والأبحاث للتّعريب، والمعهد الجامعي للبحث العلمي، بالإضافة إلى بعض مؤسّسات تكوين الأطر العليا التّابعة لمختلف الوزارات.
كان لهذا التّمركز انعكاسان واضحان، الأول يرتبط بالجانب المالي، إذ أنّ هذه المؤسّسات جعلت الطّلبة يتوافدون على العاصمة من مجموع أقاليم المملكة، الأمر الذي تطلّب إحداث أحياء جامعية ومطاعم لاستقبالهم وتقديم المنح الدّراسية لهم. أمّا الانعكاس الثّاني فيتمثّل في كون ذلك التّجمّع الهائل للطّلاب بالعاصمة جعلها تعيش على إيقاع إضرابات ومظاهرات بسبب المشاكل المتعدّدة التّي كانت تعرفها الجامعة آنذاك، وقد زاد من حدّة تلك القلاقل الحظر القانوني للمنظمة الطلابية، الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، سنة 1973. كما أنّه في كثير من الأحيان كانت تلك الاحتجاجات الطّلابية تتجاوز أسوار الجامعة. يقول الأستاذ حسين العمراني: "ولأجل تفادي "الانعكاسات السلبية" لتجمّع الطّلبة بالعاصمة فكّرت السّلطة الحكومية المكلّفة بالتّعليم العالي، وكذلك السّلطات المهتمّة بالأمن في ضرورة "تشتيت" الطلبة تبعا لتشتّت المؤسّسات الجامعية، مستعملة أسلوبا مقبولا في ظاهره، قاتلا في جوهره، وهو أسلوب اللامركزية الجامعية، وذلك مع صدور الظهير المنظّم للجامعات في فبراير 1975…"(3).
وجدير بالذكر أنّ كثيرا من الدّول خاصّة الإفريقية أدركت خطورة تجمّع الطلبة بالعاصمة فقامت بإنشاء جامعات في مختلف الأقاليم، بل منها الّتي لم تحدث أيّة جامعة بالعاصمة السّياسية كدولة مالي مثلا.
هكذا يمكن أن نستخلص ممّا سبق أنّ ظهير 25 فبراير 1975 حكمته ثلاثة أسباب، سبب سياسي يتحدّد في "سياسة الإجماع الوطني" لمحاصرة الحركة الماركسية اللينينية التي كانت تراهن على الجامعة لإحداث تغيير جذري، وسبب مالي يتحدّد في تقريب المؤسّسات الجامعية من الطّلاب في مختلف الأقاليم للتّخلص من أعباء الأحياء الجامعية والمطاعم والمنح الدّراسية، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فرض رسوم للتّسجيل على الطّلبة، وسبب أمني تمثّل في تشتيت "التّكتل" الطّلابي، حفاظا على العاصمة السّياسية والإدارية من القلاقل والاضطرابات. فإذا كانت لامركزية التّعليم العالي شيئا محمودا يمكن أن تكون له أفضل النّتائج على المستوى التّربوي والعلمي، فإنّ تلك الأسباب المطمورة جعلت ظهير 25 فبراير 1975 محدودا في مضامينه، معاقا في تطبيقه
المبحث الثاني: مضامين ظهير 1975

سنحاول خلال هذا المبحث الجمع بين العرض الموضوعي والمناقشة الهادفة لمضامين الظهير المتعلق بالتنظيم الجامعي. وإذا كنا منذ البداية نسجل ملاحظة على النصوص التطبيقية للظهير، حيث أن قليلا منها سيصدر في الوقت المحدد، وكثيرا منها سيأتي متأخرا، بل منها ما سيبقى مجرد حبر على ورق. فإننا، مع ذلك، سنتطرق لبعضها لأنها تشكل جزءا لا يتجزأ من "الإصلاح الجامعي".
تتمحور فصول ظهير 25 فبراير 1975 حول محورين أساسين، محور أول حول الجامعات (المطلب الأول)، ومحور ثاني حول المؤسسات الجامعية (المطلب الثاني).

المطلب الأول: تنظيم الجامعات
تُعرف الجامعات حسب ظهير 1975 بأنها مؤسسات عمومية تمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، تحدث بموجب قانون، وتخضع لوصاية السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي(1)، كما تجري عليها المراقبة المالية المنصوص عليها في الظهير الصادر في 14 أبريل 1960، والمتعلق بتنظيم المراقبة المالية على المكاتب والمؤسسات العمومية، والشركات ذات الامتياز وعلى الشركات والمنظمات المستفيدة من المساعدة المالية التي تقدمها الدولة أو الجماعات المحلية.
وتناط بالجامعة المهام الآتية:
1) تلقين التعليم العالي؛
2) القيام بالبحث العلمي؛
3) تكوين الأطر؛
4) المساهمة في نشر المعرفة والثقافة.
وتشتمل كل جامعة بالإضافة إلى المؤسسات الجامعية من كليات ومدارس على مصالح مشتركة للرئاسة (الفقرة الأولى)، وعلى هيئة تداولية تدعى مجلس الجامعة (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: رئاسة الجامعة
يشرف على الجامعة رئيس يعين بظهير من بين أساتذة الجامعة، باقتراح من السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي، ويساعده في ذلك كاتب عام وموظفون إداريون.

أولا: رئيس الجامعة
أُنيطت برئيس الجامعة العديد من المهام، التي ترتبط بالإشراف العام والتسيير المالي للجامعة، ويمكن أن نحصرها فيما يلي:
1. الإشراف على الجامعة وتدبير شؤون الرئاسة والمصالح المشتركة؛
2. تنفيذ مقررات السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي في ميداني التعليم العالي والبحث العلمي؛
3. تنسيق أعمال المؤسسات الجامعية وتسيير مجلس الجامعة والدعوة لانعقاده؛
4. القيام أو الإذن في القيام بجميع الأعمال أو العمليات المتعلقة بالجامعة؛
5. قبول الهبات والوصايا المقدمة لفائدة الجامعة(2)؛
6. وضع مشروع الميزانية المتعلقة بالمصالح المشتركة التابعة للجامعة وعرضه على مجلس الجامعة للمصادقة عليه؛
7. الأمر بدفع الاعتمادات من القسم المتعلق بنفقات ومداخيل المصالح المشتركة التابعة لرئاسة الجامعة؛
8. اقتراح عدد المصالح المشتركة للجامعة وصلاحياتها على السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي؛
9. إبداء المشورة فيما يخص الأعضاء الثمانية المعينين بمجلس الجامعة؛
10. رفع اقتراحات مجلس الجامعة الخاصة بمقدرات ميزانية الجامعة إلى السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي؛
11. عرض النظام الداخلي للجامعة على السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي قصد المصادقة عليه؛
12. الترجيح عند تعادل الأصوات في مجلس الجامعة.
وبالإضافة إلى هذه المهام التي يمارسها الرئيس على صعيد الجامعة، فهناك مهام أخرى ترتبط بالمؤسسات الجامعية، حسب ما تنص عليه بعض فصول ظهير 25 فبراير وبعض النصوص التطبيقية، ويمكن أن نجملها فيما يلي:
1. إبداء الرأي في الشخص الذي يقترحه المسؤول عن المؤسسة نائبا أو مساعدا له، وذلك قبل رفع الأمر إلى السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي قصد التعيين النهائي (الفصل 25)؛
2. إبداء رأيه في عدد مصالح المؤسسة واختصاصاتها التي يقترحها مسؤول المؤسسة (الفصل 26)؛
3. إبداء الرأي في تركيبة فريق البحث الذي يعينه رئيس المؤسسة، كما يوضح ذلك الفصل التاسع من المرسوم المتعلق بالنظام الأساسي الخاص برجال التعليم الباحثين(3)؛
4. يعين أعضاء اللجنة العلمية لكل مؤسسة جامعية تابعة للجامعة التي يشرف عليها، كما ينص على ذلك نفس المرسوم السابق؛
5. يتخذ بالنسبة للطلبة قرار الفصل الذي يُقترح من طرف مجلس المؤسسة، كما يوضح ذلك الفصل الثالث من المرسوم المتعلق بالمجلس التأديبي الخاص بالطلبة(4).
ويتبين من خلال عرض هذه المهام أن المشرع أناط برئيس الجامعة مهاما متعددة لكنها في أغلبها ذات طبيعة استشارية، باستثناء الجانب المالي الذي خولت لرئيس الجامعة بشأنه صلاحيات واسعة بالإضافة إلى مهمة التنسيق بين المؤسسات الجامعية، وسلطة تعيين اللجنة العلمية.
ويمكن تحديد المهمة الأساسية لرئيس الجامعة في تنفيذ مقررات السلطة المركزية المكلفة بالتعليم العالي، فأمر الوساطة وتنفيذ القرارات العليا لا يحتاج في نظر المشرع إلا لرئيس يعين بظهير وله صلاحيات مالية واسعة. هذا ما يستشف من تخصيص الجزء الثاني من الباب الأول من ظهير 25 فبراير للحديث عن رئيس الجامعة في الوقت الذي تم فيه الحديث عن مساعديه بشكل مقتضب جدا.

ثانيا: مساعدو رئيس الجامعة
ينص الفصل الثامن من ظهير 1975 على أن رئيس الجامعة يساعده في تسيير شؤون الرئاسة كاتب عام وموظفون إداريون، وأن تحديد عدد المصالح الإدارية واختصاصاتها يكون بقرار تتخذه السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي باقتراح من رئيس الجامعة؛ إلا أن هذا القرار لم يخرج إلى الوجود، إلى أن صدرت مذكرة عن وزارة التربية الوطنية(5)، أصبح بموجبها التنظيم الإداري لرئاسة الجامعة يشمل بالإضافة إلى الرئاسة والكتابة العامة ثلاثة أقسام، وكل قسم يتفرع إلى مصلحتين. فهناك:
- قسم الشؤون الثقافية والاجتماعية والنشر، ويضم:
* مصلحة الشؤون الطلابية والاجتماعية
* مصلحة النشاط الثقافي والنشر والخزانة والمطبعة
- قسم الدراسات العليا والبحث العلمي والتخطيط والتعاون، ويضم:
* مصلحة الدراسات العليا والبحث العلمي والتخطيط والإحصاء وتكوين الأطر.
* مصلحة العلاقات الخارجية والتعاون
- قسم الشؤون الإدارية والمالية، ويضم:
* مصلحة الموظفين والتشريع
* مصلحة التموين والمحاسبة والصيانة
وأهم ما يلاحظ حول هذه الهيكلة كونها مقتبسة جزئيا من هيكلة الإدارة المركزية، كما أنها تحولت من مجرد هيكلة تجريبية، كما تنص على ذلك المذكرة، إلى هيكلة دائمة، وذلك بسبب تناقضات قانونية محضة(6).
ويعد منصب الكاتب العام ثاني أهم منصب في التسلسل الإداري الجامعي بعد منصب رئيس الجامعة، لذلك نص الفصل العاشر من ظهير 25 فبراير على أن الكاتب العام للجامعة يعين "بقرار للسلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي من بين الموظفين المرتبين على الأقل في سلم الرواتب رقم 10 المنصوص عليه في المرسوم رقم 722.73-2 الصادر في 10 ذي الحجة 1993 (31 دجنبر 1973) بتحديد سلالم ترتيب موظفي الدولة وتسلسل المناصب العليا بالإدارات العمومية".
وإذا اعتمد المشرع في إدارة الجامعة على بنيات إدارية تتحدد مهمتها الأساسية في تنفيذ مقررات وتوصيات السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي، فإنه دعا بالموازاة إلى إحداث مجلس بكل جامعة يدعى "المجلس الجامعي" تتاح من خلاله الفرصة للمعنيين مباشرة بالشأن الجامعي للمساهمة في تسيير الجامعة، لكن إلى أي حد سيساهم هذا المجلس في تحقيق لامركزية حقيقية على مستوى التعليم العالي؟


------------------------------------
(1) استعمل الظهير عبارة السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي ولم يستعمل عبارة وزارة التعليم العالي لأن التعليم العالي كان يتبع في بعض الأحيان لوزارة التربية الوطنية. وفي أحيان أخرى لوزارة خاصة، ولم يحسم هذا الأمر إلا في منتصف عقد التسعينات من القرن الماضي، حيث أصبحت التبعية بشكل نهائي لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي. ومع حكومة عباس الفاسي لاحظنا عودة تبعية التعليم العالي من جديد إلى وزارة التربية الوطنية.
(2) باستثناء إذا كانت هبة ما أو وصية تترتب عنها تحملات أو تقيدها شروط أو بيانات عقارية أو تقدم بشأنها شكايات من لدن العائلات، فإن قبولها أو رفضها يثبت بقرار مشترك لوزير المالية والسلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي.
(3) المرسوم رقم 2.75.665 بتاريخ 11 شوال 1395 (17 أكتوبر 1975). الجريدة الرسمية العدد 3286 / 22 أكتوبر 1975.
(4) المرسوم رقم 2.75.664 بتاريخ 11 شوال 1395 (17 أكتوبر 1975). الجريدة الرسمية العدد 3286 / 22 أكتوبر 1975.
(5) المذكرة رقم 27/45 بتاريخ 1 غشت 1987 (سنعود إليها بشيء من التفصيل في الفصل الثاني).
(6) حاولت الوزارة وضع تنظيم نهائي، لكنها وقعت في تعارض مع الفصل السادس من مرسوم يناير 1981 الذي يمدد مقتضيات مرسوم 19 يناير 1976 بشأن نظام التعويضات المرتبط بمزاولة المهام العليا في مختلف الوزارات. إذ يحدد هذا الفصل عدد الأعوان الذين يمكنهم الاستفادة من التعويض من مزاولة المهام في ثلاثة مسؤولين عن كل مؤسسة جامعية فقط
الفقرة الثانية: مجلس الجامعة

تطرق ظهير 25 فبراير 1975 لتركيبة المجلس الجامعي في فصله السادس عشر، وبين المهام المنوطة به في كل من الفصلين السابع عشر والثامن عشر، أما طريقة التسيير فقد نص عليها في الفصلين التاسع عشر والعشرين.

أولا: تركيبة مجلس الجامعة وطريقة تسييره
يتألف مجلس الجامعة من أعضاء بحكم القانون وأعضاء منتخبين وآخرين معينين، الأعضاء بحكم القانون هم:
- رئيس الجامعة؛
- عمداء الكليات ومديرو المدارس؛
- مديرو المعاهد المختصة؛
- نواب عمداء الكليات ومساعدو مديري المدارس.
أما الأعضاء المنتخبون فهم:
- أستاذ بالتعليم العالي، وأستاذ محاضر، وأستاذ مساعد، ومساعد عن كل مؤسسة، ينتخبهم لمدة سنتين زملاؤهم من نفس السلك.
- طالبان عن كل مؤسسة ينتخبهما طلبة المؤسسة لمدة سنتين. وقد صدر، بتاريخ 12 غشت 1976، قراران أحدهما يحدد مسطرة انتخاب الطلبة، والثاني يحدد مسطرة انتخاب الأساتذة، سواء بمجلس الجامعة أو مجلس المؤسسة(1).
ويتحدد الأعضاء المعينون فيما يلي:
- ثمانية أعضاء تعينهم السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي، بعد استشارة رئيس الجامعة، من بين الشخصيات التي تهتم بالتعليم العالي، أو التي تضطلع بمسؤوليات جسيمة في مختلف قطاعات الاقتصاد الوطني:
- ممثل تعينه السلطة الحكومية المكلفة بالتخطيط؛
- ممثل تعينه السلطة الحكومية المكلفة بتكوين الأطر.
وأهم ما يمكن ملاحظته حول تركيبة المجلس الجامعي ما يلي:
أ. الأعضاء بحكم القانون هم الآخرون معينون إما بظهير أو قرار، مما يجعلنا في حقيقة الأمر أمام فئتين لا غير، الأعضاء المعينون والأعضاء المنتخبون.
ب. الأعضاء المعينون كلهم تعينهم السلطة الحكومية المركزية، وكان من الأنسب على الأقل، وانسجاما مع مبدأ استقلالية الجامعة أن يعينهم رئيس الجامعة(2).
ت. إذا كان من إيجابيات ظهير 25 فبراير 1975 إقرار مبدأ الانتخاب لأول مرة(3)، فيما يتعلق ببعض مكونات المجلس الجامعي، فإن التمثيلية بالعدد وليست بالنسبة تجعل الأعضاء المنتخبين أقل عددا من الأعضاء المعينين، خاصة في حالة قلة المؤسسات الجامعية، أو في حالة عدم توفر جميع أسلاك الأساتذة بالمؤسسة.
ث- يشترط الفصل السادس عشر من ظهير 25 فبراير 1975 في الأعضاء الثمانية التي تعينهم السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي الاهتمام بالتعليم العالي أو الاضطلاع بمسؤوليات جسيمة في مختلف قطاعات الاقتصاد الوطني، ويبدو أن هذا المعيار غير دقيق، مما يتيح للسلطة الحكومية هامشا واسعا لتعيين المرغوب فيهم وإبعاد المغضوب عليهم.
ج- إيراد عبارة "مكتب تعاضدية الطلبة" لأول مرة في نص رسمي، أي في القرار المتعلق بتنظيم انتخابات الطلبة(4)، رأت فيه الفصائل الطلابية آنذاك محاولة تستهدف تشويه ماهية تعاضديات الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، كما رأت في تكوين لجنة الانتخابات من القيدوم أو المدير والطالبين الأكبر والأصغر سنا في المؤسسة أبرز الثغرات المسطرية التي تتيح إمكانية التلاعب. وسينتج عن هذا الموقف الغياب التام للطلبة سواء في مجالس الجامعات أو مجالس المؤسسات الجامعية.
يجتمع مجلس الجامعة بدعوة من رئيس الجامعة مرتين في السنة على الأقل، ويمكن أن يجتمع بصفة استثنائية كلما دعت الضرورة إلى ذلك، ويتولى رئيس الجامعة إدارة أعماله، وفي حالة تعذر حضوره يعوضه عميد تعينه السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي.
ولا يمكن أن يتداول المجلس بكيفية صحيحة على إثر الاستدعاء الأول إلا بحضور أكثر من نصف أعضائه، وإذا تعذر ذلك يمكن عقد اجتماع ثان بعد مضي ثمانية أيام، ولا يشترط فيه أي نصاب.
وهذا يوحي بتنبؤ مسبق بمسألة الغياب عن مجلس الجامعة، خاصة من طرف الطلاب، أو من طرف بعض المعينين الذين أسيء اختيارهم؟
كما أن الفصل 17 من الظهير ينص على حالات ينعقد فيها المجلس دون حضور ممثلي الطلبة والأعضاء المعينين، وهي الحالات التي يتم فيها تعيين وترسيم رجال التعليم الباحثين، وكذا ترقيتهم، أو تأديبهم، ويغير المجلس في هذه الحالات بكيفية لا يمكن معها لأي موظف من درجة معينة تقديم اقتراح بشأن موظف أعلى منه في الدرجة التسلسلية، والموظفون المعروضة وضعيتهم على المجلس لا يجوز لهم أن يشاركوا في المداولات.
وتتخذ القرارات داخل مجلس الجامعة بالتصويت، وفي حالة تعادل الأصوات يرجح الرئيس، ويقوم الكاتب العام للجامعة بمهام كتابة المجلس.

ثانيا: وظائف مجلس الجامعة
حسب الفصل 17 فإن مجلس الجامعة يمكنه القيام بالدراسات الرامية إلى تحسين مستوى التعليم والتوفيق بينه وبين حاجيات البلاد، وإلى تحسين التربية وأساليبها وتنمية البحث العلمي. إلا أن الذي يلاحظ بخصوص هذا الأمر كون ظهير 25 فبراير 1975 لم يحدد مصير هذه الدراسات إذا أنجزت من قبل مجلس الجامعة، فهل ستعرض على السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي؟ وأية قوة إلزامية لها إذا عرضت؟ أم سيتم تطبيقها من طرف المجلس مباشرة بعد إنجازها؟ والذي يزيد الأمر استغرابا كون الظهير منح سلطة اتخاذ القرارات العلمية والبيداغوجية للسلطة المكلفة بالتعليم العالي، وجعل من رئيس الجامعة منفذا لهذه القرارات، وحدد ما يمكن أن يرفعه هذا الأخير من اقتراحات مجلس الجامعة إلى السلطة الحكومية في أمرين اثنين: الاقتراحات المرتبطة بالميزانية والنظام الداخلي للجامعة.
وبالتالي فالدراسات العلمية والبيداغوجية التي يقوم بها المجلس لا يمكن تنفيذها مباشرة، لأن المجلس وكذلك الرئيس لا يملكان صلاحية ذلك، كما لا يوجد ما يلزم برفعها إلى الوزارة المعنية للاستئناس بها، مما يجعل تلك الدراسات عديمة الجدوى ابتداء.
ونصت الفقرة الثانية من الفصل السابع عشر على أن من مهام مجلس الجامعة "إبداء الرأي في برامج التعليم والبحث المعروضة على نظره" فبرامج البحث العلمي والتعليم تعرض على المجلس ولا تكون من إنتاجه، وبنفس المنطق السابق لم يبين المشرع مصير رأي المجلس بخصوص تلك البرامج، فإذا اتخذ المجلس مثلا رأيا مخالفا لما وضعته الوزارة الوصية، فما الذي سيطبق رأي الوزارة أم رأي المجلس؟ خاصة وأن هذا الأخير أُحدث في سياق استقلالية الجامعة.
ويبدو، حسب ما حواه ظهير 25 فبراير، أن الذي سيطبق هو رأي الوزارة الوصية، لكونها تملك سلطة اتخاذ القرار البيداغوجي والعلمي داخل الجامعة، فالفصل 32 ينص صراحة على أن برامج التعليم وأنظمة الدروس والامتحانات تحدد بمرسوم.
هكذا يتضح أنه لا مجال لاستقلالية الجامعة، حسب الظهير، في المجال العلمي والبيداغوجي، فهل هناك من استقلالية في مجالات أخرى؟
يبدي المجلس رأيه في التعيين بناء على الشهادات، وفي ترسيم جميع رجال التعليم الباحثين الذين تقترحهم اللجنة العلمية بكل مؤسسة، كما يبدي رأيه في ترقية الأساتذة؛ على أن يستثنى من ذلك المدعوين لممارسة بعض المهام لدى المصالح المركزية لوزارتي التعليم والصحة. ويتولى المجلس إعداد النظام الداخلي للجامعة قبل المصادقة عليه من الوزارة المعنية. وتنص الفقرة الثالثة من الفصل السابع عشر على أن مجلس الجامعة يبدي رأيه في مشروع ميزانية الجامعة ويقدم اقتراحات بشأنه.
فالمهام الإدارية والمالية للمجلس هي الأخرى مطبوعة بالطابع الاستشاري، وباستثناء السلطة التأديبية وإعداد النظام الداخلي لم تُخول لمجلس الجامعة إمكانية أخذ أية مبادرة أو شبه مبادرة، فالدور الإداري والمالي لا يخرج عن دائرة إبداء الرأي؛ الذي لم ينص ظهير 1975 في أي بند من بنوده على إلزامية الأخذ به.
إن ما يمكن استنتاجه من خلال فقرتي هذا المطلب أن رئيس الجامعة رغم تعدد صلاحياته لا يقوم إلا بدور تنفيذي لقرارات السلطة المركزية. فكل صلاحياته تقريبا ذات طبيعة استشارية –باستثناء التصرف في اعتمادات الميزانية- وصلاحية التقرير تبقى في أغلب الأحيان منوطة بالسلطة المكلفة بالتعليم العالي.
ومجلس الجامعة هو الآخر لا تخرج مهامه عن دائرة "إبداء الرأي". إذ ليست له أية سلطة للتقرير النهائي، حتى فيما يتعلق بالجانب العلمي والبيداغوجي داخل الجامعة.
إننا لا نملك أمام هذه الملاحظات سوى التأكيد على أن شعار استقلالية الجامعة، الذي قد تستشف إرادة تطبيقه من السياق العام لظهير 25 فبراير 1975 (قانون الجهة، المسلسل الديمقراطي…)، لم يكتب له التمام حسب فصول الإصلاح الجامعي، وسبب ذلك في اعتقادنا تلك الخلفيات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تحدثنا عنها آنِفا.
إنها إذن استقلالية ناقصة، وأبرز مكامن النقص فيها ما يلي:
أ- رئيس الجامعة يعين ولا ينتخب، كما هو الحال في الكثير من الدول؛
ب- تركيبة مجلس الجامعة يغلب عليها التعيين في مقابل الانتخاب؛
ج- صلاحيات مجلس الجامعة استشارية محضة، حتى فيما يتعلق بالوظيفة العلمية والبيداغوجية؛
د- هيمنة السلطة المركزية على الكثير من صلاحيات التقرير في الشأن الجامعي.
إذا كان هذا حال التنظيم الجامعي، فهل سيُطبع تنظيم المؤسسات الجامعية بنفس الخصائص؟ أم أن التقييد على مستوى الجامعات كان بهدف فسح المجال للمؤسسات الجامعية؟


---------------------------------------------
(1) وهما قرار لوزير التعليم العالي رقم 1046.76 بتاريخ 15 شعبان 1396 (12 غشت 1976) بشأن كيفيات انتخاب ممثلي رجال التعليم الباحثين في مجلس الجامعة ومجلس المؤسسة الجامعية، وقرار لوزير التعليم العالي رقم 76-1006 بنفس التاريخ بشأن كيفيات انتخاب ممثلي الطلبة، وقد نشرا بالجريدة الرسمية عدد 3333 بتاريخ 15 شتنبر 1975.
(2) هذا ما ستتم محاولة تداركه مع قانون التعليم العالي الأخير 01.00 كما سنرى ذلك لاحقا.
(3) فمجلس جامعة الرباط، التي أحدثت بظهير 21 يوليوز 1959، لم يكن به منتخبون.
(4) قرار وزير التعليم العالي رقم 76-1006 بتاريخ 15 شعبان 1935 (12 غشت 1976) الجريدة الرسمية عدد 3333 بتاريخ 15 شتنبر 1975.
__________________
الفقرة الثانية: تتمة تنظيم المؤسسات الجامعية
أهم الهيئات التنظيمية التي أضافتها النصوص التطبيقية لظهير 25 فبراير 1975 تتمثل في اللجنة العلمية للمؤسسة (أولا) والشعب الدراسية (ثانيا)، فماذا عن هذه الهيئات ومهامها؟

أولا: اللجنة العلمية
أُحدثت هذه اللجنة بموجب الفصل السابع من مرسوم 17 أكتوبر 1975(1)، وهي تضم من ثلاثة إلى خمسة أساتذة للتعليم العالي، ممن يمارسون عملهم في المؤسسة يعينهم عميد الجامعة بعد استشارة رئيسها، الذي هو رئيس المؤسسة، وفي حالة عدم التوفر على العدد الكافي من أساتذة التعليم العالي فبإمكان رئيس الجامعة أن يستدعي أساتذة محاضرين لأجل تأليف هذه اللجنة أو لتتميم تأليفها. وتتركز اختصاصاتها فيما يلي:
- تقترح على مجلس الجامعة التعيين المباشر لرجال التعليم الباحثين وترسيمهم وترقيتهم؛ بحيث تعد تقريرا عن كل مرشح بعد دراسة ملفه والنظر في أشغاله؛




- تقترح تمديد فترة التمرين لمدة سنة، إذا لم يستطع الأستاذ الباحث أن يبرهن على مؤهلاته خلال مدة التمرين؛
- تبدي الرأي في كل ما يعرضه عليها رئيس المؤسسة من قضايا للبحث العلمي، وكذا النظر في قبول تسجيل موضوعات أطروحات دكتوراة الدولة؛
- تقوّم البحوث المرشحة للطبع والإصدار من طرف المؤسسة.
ورغم أهمية هذه المهام فإن الممارسة ستبين أن هذه اللجنة ستظل شكلية في الكثير من المؤسسات، بسبب التدخلات المتتالية للسلطة المركزية أو لرئيس الجامعة.

ثانيا: الشعب الدراسية
أحدثت فروع التعليم والبحث، أو ما يسمى بالشعب الدراسية، بقرار لوزير التعليم العالي بتاريخ 8 دجنبر 1975(2)، وتتكون كل شعبة من مجموع رجال التعليم العالي الباحثين العاملين بها، وتشتمل على المصالح والأقسام والمختبرات، التي تهم مادة واحدة أو عدة مواد متصلة فيما بينها.
وحُددت اختصاصاتها بقرار ثان لوزير التعليم العالي بنفس التاريخ، وهي:
- السهر على تطبيق برامج التعليم والبحث واستخدام المنهج التربوي المعمول به في المؤسسة الجامعية؛
- إنجاز وتنسيق الأعمال المقررة في الفصول 2 و9 و10 من مرسوم 17 أكتوبر 1975، ولاسيما التعريف بأشغال البحث المنجزة، مثل الدراسات أو الرسائل أو الأطروحات؛
- تقديم اقتراحات تتعلق ببرامج التعليم والبحث وتوزيع حصص التعليم وتنظيم الامتحانات؛
- دراسة حاجيات الشعبة في ميداني التسيير والتجهيز، وعرض الاقتراحات بشأنها على رئيس المؤسسة.(3)
يشرف على الشعبة الدراسية رئيس يجب أن يكون أستاذا للتعليم العالي أو أستاذا محاضرا، ينتخبه لمدة سنتين رجال التعليم الباحثون المرسمون والمنتمون للشعبة المذكورة، وتخول لرئيس الشعبة صلاحيات تنظيمية وتنسيقية في إطار الاختصاصات العامة للشعبة، كما تساعده في أعماله هيئة تسمى هيئة الشعبة، وتتكون من جميع المسؤولين عن المصالح والأقسام والمختبرات.
يجتمع رؤساء شعب المؤسسة في لجنة تسمى "لجنة تنسيق رؤساء الشعب"، يرأسها رئيس المؤسسة وتضم أيضا نائب القيدوم أو مساعد المدير، والكاتب العام، ويمكن أن ينضم إليها بصفة استشارية أي شخص يمكن أن يكون حضوره مفيدا في مداولاتها.
إن أهم ما يميز الشعبة الدراسية انتخاب رئيسها، الأمر الذي سيكون له انعكاسات إيجابية على مسار الشعب الدراسية، إذ ستتضافر جهود الأساتذة الباحثين على تطويرها مما سيجعلها من أهم مكتسبات ظهير 25 فبراير 1975، لذلك ستدعو النقابة الوطنية للتعليم العالي في غير مرة للتشبث بها وتطويرها واعتبارها نموذجا، خاصة في مسألة انتخاب الرئيس.
نستنتج أخيرا من كل ما تقدم أن ظهير 25 فبراير 1975 المتعلق بتنظيم الجامعات يعد أول محاولة لتنظيم التعليم العالي؛ خاصة في شقه الجامعي، وقد اتسم بنوع من الشمولية والتجديد، وكان من أهم إيجابياته وضع إطار قانوني للتعليم العالي، أخرجه من تلك الفوضى التي كان يتخبط فيها منذ الحصول على الاستقلال.
وإذا كان الظهير حدد اختيار المغرب في الأخذ بالنموذج الغربي خاصة الفرنسي للتعليم العالي، حيث جعل الجامعة وحدة أساسية؛ فإننا على مستوى المضامين لا نلمس إلا منح استقلالية شكلية للجامعات، سواء على المستوى الإداري أو المالي أو العلمي أو البيداغوجي، وذلك بالنظر أساسا إلى تركيبة مجالس الجامعات ومجالس الكليات، وإلى الاختصاصات المخولة لها، في مقابل الصلاحيات الواسعة التي تتمتع بها السلطة المركزية.
إن ظهير 25 فبراير 1975 لم يأت لإلغاء تدخل الدولة في الشأن الجامعي، وإنما أتى ليضفي على ذلك التدخل نوعا من التقنين والتنظيم. لتبقى مسألة استقلالية الجامعة مطمحا يتطلب نقاشا جديا.
وبهذا الصدد نشير إلى أنه في أوربا، وبعد نقاش طويل، بل دام عقودا! شاركت فيه أعلام فكرية من مثل: روبرت ماكيفر، هربرت سبنسر، تالكوت بارسونز وماكس فيبر… حول: هل الجامعة ينبغي أن تكون مسيسة أو محايدة؟ انتهى النقاش إلى إقرار ثلاثة اتجاهات، الأول يرى ضرورة تبعية الجامعة للدولة تبعية مطلقة، والثاني يرفض ذلك ويذهب إلى عكسه تماما، أما الاتجاه الثالث فيرى أن الجامعة لا يمكن أن تكون مسيسة كلية أو محايدة تماما.
فانسجاما مع هذا الاتجاه الأخير نعتبر أن الدولة باعتبارها صاحبة السلطة والسيادة العليا في المجتمع، من حقها أن توجه كافة المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية إلى أهدافها الأساسية المرسومة للنهوض بالمجتمع، لكن هذا لا يعني أبدا التدخل في كل خصوصيات الشأن الجامعي، بما فيها المبادرة العلمية والبيداغوجية، فلكي تنهض الجامعة، ومن تم ينهض المجتمع، لابد من حرية للعاملين بالحقل الجامعي سواء كانوا أساتذة أو إداريين أو طلبة. كما أن ذلك الهامش للتسييس الذي يمكن أن تتمتع به الجامعة لا ينبغي –بأي حال من الأحوال- أن يكون حكرا على الدولة، بل مفهوم الجامعة نفسه يدل على أنها تجمع –بطريقة حضارية- تصورات إيديولوجية وأراء سياسية مختلفة، ومتى تحقق ذلك شكلت الجامعة رافدا هاما للمجتمع في مختلف الجوانب، العلمية والسياسية والاقتصادية والفكرية(4).
خلاصة القول أنه رغم حداثة مضامين ظهير التنظيم الجامعي، فإنها لم ترق إلى المستوى المطلوب، وذلك راجع في اعتقادنا إلى الأسباب السياسية والأمنية والاقتصادية التي شكلت إطارا تاريخيا للإصلاح.
وإذا كان التصور عنوان التصرف، فأي تطبيق سيعرفه "الإصلاح الجامعي" لسنة 1975؟



---------------------------------------------
(1) المرسوم رقم 655-75-2 بتاريخ 11 شوال 1395 (17 أكتوبر 1975) بمثابة النظام الأساسي الخاص برجال التعليم الباحثين في التعليم العالي، الجريدة الرسمية عدد 3286 بتاريخ 22 أكتوبر 1975.
(2) القرار رقم 75-1485 بتاريخ 5 ذي الحجة 1395 (8 دجنبر 1975) المتعلق بإحداث فروع التعليم والبحث التابعة للمؤسسات الجامعية، الجريدة الرسمية عدد 3317 بتاريخ 6 ماي 1976.
(3) القرار رقم 76-678 بتاريخ 5 ذي الحجة 1395 (8 دجنبر 1975) المتعلق بتحديد اختصاصات وكيفية تسيير فروع التعليم والبحث، الجريدة الرسمية عدد 3317 بتاريخ 6 ماي 1976.
(4) يذهب الدكتور محمد معتصم إلى أن من أهم عوامل ضعف المعارضة: نضوب المعين الطلابي الذي كان يمدها بأحسن مناضليها. كتاب الحياة السياسية المغربية (1962-1991)، الطبعة الأولى، البيضاء 1992، ص 91.



رد مع اقتباس

قديم 11-09-2009, 16:46   رقم المشاركة : ( 2 )
nasro6767
تربوي فعال

الصورة الرمزية nasro6767

الملف الشخصي
رقــم العضويـــة : 42608
تـاريخ التسجيـل : Nov 2008
العــــــــمـــــــــر :
الــــــــجنــــــس :  ذكر
الـــــدولـــــــــــة :
المشاركـــــــات : 735 [+]
آخــر تواجــــــــد : ()
عدد الـــنقــــــاط : 13
قوة التـرشيــــح : nasro6767 is on a distinguished road


nasro6767 غير متواجد حالياً

افتراضي

شكرا على الموضوع، وأتمنى أن يقرأه رواد هذا المنتدى بدل الردود على المواضيع التافهة



  رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)


أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


RSS RSS 2.0 XML MAP HTML


الساعة الآن 08:14 بتوقيت الدار البيضاء

dafatir


يسمح بالنقل بشرط ذكر المصدر - جميع الحقوق محفوظة لمنتديات دفاترdafatir © 2012 / جميع المشاركات والمواضيع لا تعبر بالضرورة عن رأي منتديات دفاترالتربويةولكنها تمثل وجهة نظر كاتبها فقط ..

Powered by vBulletin® - Copyright © 2014, Jelsoft Enterprises Ltd ,Designed by Simo