"طمعا في الحمص!"
"تعالى يا با نكونو يهود " ! عبارة قالها طفل صغير بريء على الفطرة... في أربعينيات القرن الماضي في إحدى قرى قصر السوق( الرشيدية)، لم يكن الطفل يعرف أو يفهم معنى ما طلبه من أبيه و لا خطورته... إنما أسال لعابه بعض ما يأتي به الباعة المتجولون( العطارة) اليهود، الذين كانوا يجوبون
" القصور" آنذاك بمبيعاتهم المختلفة : أواني، عطرية، مأكولات... فنطقت رغبته الطفولية في المضغ و البلع و التلذذ... بهذه العبارة الصغيرة العادية السهلة التحقيق في تقديره... التي ليست لها أية خلفية دينية أو دنيوية غير الرغبة في إشباع حاجة بيولوجية و شهوة طفولية...
إستفهم الأب ابنه متعجبا : - "علاه( علاش)يا ولدي؟! "
أجاب الطفل والده بعفوية تعكس براءته و صغر سنه و عقله و محدودية تفكيره... :- "باش يكون عندنا الحمص"!
طمعا إذن في الحصول و الشبع من هذا الذي يسيل لعابه( الحمص المحمص) كلما عرض عطار بضاعته على "دكانة" ب"الدرب" الرئيسي ب"القصر" ، و اعتقادا منه أن الحمص لا يكون إلا عند اليهود، و أنه بمجرد أن يصير يهوديا سيحصل على الحمص ! إبتسم الأب في وجه صغيره، حاول إفهامه ...
تداول سكان القرية تلك العبارة، و اتخذوها نكتة يتندرون بها، و قولة يستشهدون بها على براءة الطفولة، و على الطمع،
و على عدم التفكير في العواقب ، و على السذاجة...
مضت الأيام و الشهور و الأعوام... و توفي الأب و أقرانه ، و كبر الإبن و توفي هو كذلك و بعض أقرانه ( رحمة الله عليهم جميعا)...و انقرض " العطارة"، و لم يعد الحمص حكرا عليهم،
و انتشرت الدكاكين، و كثر الحمص و كثرت الحلويات... حتى أن الحمص لم يعد له "شان"... و لازال الأولاد والأحفاد( سكان القرية) يتداولون العبارة /النكتة..."تعالى يا با نكونو يهود" للتندر و السخرية، مع التماس العذر للطفل الصغير، والإعتبار... يرددونها كناية عن كل من تلبس به الطمع حتى أنساه أصله و أهله و دينه... و أعماه عن رؤية حاله و مآله... و انبطح على بطنه مبصبصا بذيله راجيا فتات سيده...!

م ع الهاشمي علوي
فاس :05/02 /2020