سيقدم محمد بن عبد القادر، الوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بإصلاح الإدارة وبالوظيفة العمومية، في الثالث من أبريل المقبل، عرضا أمام مجلس الحكومة، ليقدم نموذجا جديدا للوظيفة العمومية، يراد له أن يكون مستندا على الكفاءة والحركية، ومستلهما النماذج التدبيرية في القطاع الخاص، ما يفترض أن يحدث قطيعة مع مفهوم الموظف العمومي، كما ترسخ منذ أكثر من ستين عاما بالمملكة.

موظف غيور على استقراره

يدين الموظف العمومي المغربي بالكثير لنظيره الفرنسي، فقد استلهم وضعه في بلورة القانون الأساسي للموظفين بالمغرب، من قبل حكومة عبد الله إبراهيم في الستينيات من القرن الماضي، غير أنه بعد حوالي ستين عاما، يتجه المغرب نحو رسم بروفايل جديد لموظف، يبدو للحكومة أنه مكلف لميزانية الدولة.

وقد اقتبس القانون الأساسي للوظيفة العمومية من النموذج الفرنسي، فالمغرب، الخارج لتوّه من الحماية، كان يبحث عن وضع إطار قانوني للموظف في المملكة، فما كان من الفريق الحكومي الذي كان يقوده الراحل عبد الله إبراهيم، إلا استلهام نموذج يراه أكثر استجابة لانتظارات الموظفين المغاربة، الذي كانوا بصدد بناء الإدارة المغربية الجديدة، علما أن عبد الله إبراهيم كان يرى أن ترقية الأوضاع الاجتماعية للعمال والموظفين كفيلة بإحداث التغيير المؤسساتي المنشود نحو الديمقراطية، وهو ما يفسر رعايته المعنوية لنقابة الاتحاد المغربي للشغل.

وجاء النظام الأساسي الفرنسي للموظف، الذي ألهم أصحاب القرار السياسي بالمغرب في الستينيات، وهي الفترة التي تميزت بقوة الحركة العمالية، بعد البلاء الحسن للحزب الشيوعي والكونفدرالية العامة للعمل، خلال الحرب العالمية الثانية. وهو قانون يتأسس على الاستقرار الوظيفي، الذي يمنح الوظيفة العمومية جاذبية كبيرة.
الاستقرار مكسب كبير يشكل خطا أحمر في أي إصلاح للوظيفة العمومية في المغرب. استقرار يضمنه وضع مجموعة من المساطر التي تحول دون طرد الموظفين، زد على ذلك أن القانون الأساسي للوظيفة العمومية، ينص على أنه لا يمكن أن يحول الانتماء السياسي والنقابي والعرقي والديني دون الاستفادة من الترقية، ويضمن الترقية بالشهادة والأقدمية. ناهيك عن التقاعد، الذي يبقى، حتى بعد الإصلاح الذي سنته حكومة عبد الإله بنكيران، مرتفعا مقارنة بالعاملين في القطاع الخاص.

تلك اعتبارات تجعل الوظيفة العمومية مرغوبة من قبل المغاربة، حسب ما يؤكد عليه عبد الرحيم الهندوف، الكاتب العام للاتحاد الوطني للموظفين، ما يجعل تغيير نظام الوظيفة العمومية الحالي مثيرا للكثير من ردود الأفعال العاطفية التي تذكيها الرغبة في ضمان نوع من الاستقرار الوظيفي في سياق متسم بانعدام اليقين الوظيفي في القطاع الخاص، خاصة في ظل السعي لإضفاء مرونة أكثر في سوق الشغل.
نزع السلالم وتغليب الكفاءة؟
وقد أثارت الوظيفة العمومية اهتمام قضاة وخبراء المجلس الأعلى للحسابات، الذي يرأسه إدريس جطو، حيث ذهب إلى أن القانون الأساسي للوظيفة العمومية لم يعرف تغييرات وزانة منذ تبنيه في 1958، باستثناء بعد التعديلات التي همت إحداث قوانين خاصة ببعض الفئات من الموظفين أو تدقيق بعض المقتضيات الواردة في القانون الأساسي، الذي رغم الحديث عن إعادة النظر فيه منذ 2005، إلا أن السلطات العمومية، اكتفت، حسب المجلس الأعلى للحسابات، ببعض التدابير المتفرقة، حيث آخذ عليها المجلس التأخر في تفعيل التعاقد وعدم كفاية التدابير الرامية إلى تفعيل تنقيل الموظفين بين الإدارات، وهو الإجراء الذي لا يهم سوى 24 في المائة من موظفي الوظيفة العمومية المدنية، فضلا على أن التدابير الخاصة بالتعويضات المتوقعة تبدو غير كافية من أجل إطلاق دينامية حقيقية في باب تنقيل الموظفين.
وتعتبر الحكومة، في تقريرها حول الموارد البشرية، المرفق بقانون المالية للعام الحالي، أن مراجعة القانون الأساسي للوظيفة العمومية سيمكن من الانتقال من النظام الحالي، الذي يقتصر على التدبير التقليدي للمسارات، إلى نظام جديد، يرتكز على تدبير الكفاءات ويتوخى تحقيق إنصاف أكبر وتكريس العدالة الأجرية وتحفيز حركية الموظفين. هذا ما دفعها إلى السعي إلى جس نبض الموظفين حول الإصلاح المرتقب، غير أنها ارتأت كسب تأييد الموظفين الكبار.

ففي 27 فبراير 2018، نظمت وزارة إصلاح الوظيفة منتدى بالصخيرات، من أجل تعبئة الموظفين الكبار نحو الإصلاح، فهم سيتولون التدبير بالأهداف في ظل الإصلاح المرتقب، الذي ينتظر تبني عقود برامج مع أولئك الموظفين، وسعت الوزارة إلى تحسيس الموظفين الكبار بدورهم الحاسم في الإصلاح، باعتبارهم سيكون صلة وصل بين صاحب القرار السياسي والمستوى الإداري.
وتجلى من ندوة الصخيرات أن الموظفين الكبار يركزون على شكل التعاقد الذي سيؤطر علاقتهم بالوزارات التي ينتمون إليها، كما يتطلعون إلى تحديد معايير واضحة للتقييم، غير أنهم ألحوا كثيرا على التحفيزات والمكافآت المالية.
ويعتبر الهندوف، الذي شارك في ذلك اللقاء، أن مدراء ومدراء مركزيين وكتابا عامين لا تسمح وضعيتهم المالية بإنجاح الإصلاح، هم الذي سيترجمون الإصلاح على أرض الواقع، فهناك مسؤولون كبار لم تتغير التعويضات التي يتلقونها عن المسؤولية منذ 1975، بينما يتمتع نظراؤهم في وزارات وإدارات استراتيجية بمنح وتعويضات مهمة.

يعتبر الكاتب العام للاتحاد الوطني للموظفين أنه "إذا كان هذا النظام الجديد، الذي يجري الإعداد له، يلح على الكفاءة، فإنه من الصعب الركون لهذا المعيار، على اعتبار أن تقييم الكفاءة يستند على اعتبارات ذاتية. هكذا نتجه نحو التخلي عن السلالم، والاستعاضة عنها بالمناصب. وهذا أمر يصعب العمل به في الوظيفة العمومية، حيث لا يمكن أن يسري سوى في بعض المؤسسات العمومية، التي تعمل به الآن، فهل خضع نظام المناصب للتقييم حتى يراد سحبه على الوظيفة العمومية؟".
ويضيف "يجب أن نشير إلى أن المؤسسات التي تعتمد على نظام المناصب تعرف مفاوضات سنوية، كما تشهد زيادات سنوية في الأجور. هذا الأمر سيكون متعذرا على الحكومة الالتزام به، فنحن نلاحظ أن الحوار الاجتماعي متعثر، علما أنه لم تتم الزيادة في الأجور منذ 2011، علما أن مؤشر الأسعار ارتفع بـ13 في المائة من يناير 2011 إلى يناير 2019".
كتلة أجور .. واتهام الصندوق
ويشدد الهندوف على امتثال السلطات العمومية لتوصيات صندوق النقد الدولي الداعي للتحكم في كتلة الأجور، بينما تدفع الحكومة عنها هذه التهمة، علما أن أحد الالتزامات، التي اتخذتها تجاه المؤسسة الدولية، تتمثل في التحكم في نفقات التسيير، عبر التحكم في كتلة الأجور في الوظيفة العمومية، بما في ذلك التحملات الاجتماعية، بما يساعد على خفض كتلة الأجور إلى 10,5 في المائة من 12 في المائة من الناتج الداخلي الخام حاليا، غير أن هذا التوجه قد يجد بعض الصعوبات، خاصة في ظل الخصاص المسجل على مستوى الوظائف في التعليم والصحة، وهو ما تسعى الحكومة إليه، حسب الاقتصادي محمد الشيكر، عبر جعل التوظيف في مثل تلك القطاعات جهويا، في إطار الجهوية المتقدمة، بما لا يجعل الأجور الخاصة بها تظهر في كتلة الأجور عبر الميزانية.

وتحاول الحكومة "تخسيس" جسم الموظفين العمومين، الذين يمثل المدنيون منهم، الذين يصل عددهم 568 ألفا، 4,68 في المائة من السكان النشيطين و1,61 في المائة من الساكنة، وارتفع عدد موظفي الدولة المدنيين بـ6,36 في المائة في العشرة أعوام الأخيرة، بمعدل سنوي في حدود 0,62 في المائة، غير أنه تجلى أن عدد الموظفين تراجع منذ عام 2016 حين كان 583 ألفا.
ويشير تقرير وزارة المالية إلى أن 65,8 في المائة من الموظفين ينتمون إلى السلم 10 فما فوق، بينما يمثل الموظفون المرتبون في سلمي الأجور 5 و6 وسلالم من 7 إلى 9 في العشرة أعوام الأخيرة على التوالي نسبة 18,8 في المائة و5,4 في المائة.
ويتمركز 90 في المائة من الموظفين بست وزارات، حيث يستحوذ التعليم على 51 في المائة من العدد الإجمالي من الموظفين، متبوعا بالداخلية بـ23 في المائة، والصحة بـ9 في المائة ووزارة العدل بـ3 في المائة ووزارة الاقتصاد والمالية بـ3 وتستوعب الوزارات الأخرى نسبة 11 في المائة.

ويتصور الهندوف أن "عدد الموظفين في الوظيفة العمومية المدنية والعسكرية والجماعات المحلية، مقارنة بعدد السكان، ضعيف بالمغرب، حيث لا يتجاوز 9 في المائة، مقابل 20 في المائة في الجزائر و16 في المائة في تونس و20 في المائة في فرنسا، و15 في المائة في البلدان الاسكندنافية، بل إن الناتج الداخلي الخام ضعيف، كما أننا لا نحقق إلا معدلات نمو تصل في أفضل الأحوال إلى 4 في المائة".
غير أن الحكومة تحتج بارتفاع كتلة الأجور التي انتقلت من 70,29 مليار درهم إلى 108,8 مليار درهم بين 2008 و2018، غير أن الهندوف يرى أنه لا يمكن تحميل الموظفين مسؤولية ضعف الناتج الداخلي الخام الذي لا يتجاوز 104 مليار دولار، بينما يركز محمد الهاكش، العضو السابق في اللجنة التقنية لإصلاح التقاعد، على الفوارق في الأجور، فأدنى أجر في الوظيفة العمومية في حدود 2800 درهم، وأعلى أجر يصل إلى 50 ألف درهم، الذي يتقاضاه أستاذ في كل كلية الطب، مشيرا إلى أن الأجر الأعلى يمثل 17 مرة مستوى الأجر الأدنى، بينما في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تصل تلك النسبة إلى 3,4 مرة. وأضاف "إذا قارنا الحد الأدنى بمستويات الأجور لدى رؤساء بعض المؤسسات العمومية، سنتحدث عن تفاوت بخمسين مرة"...