القرآن بين قراءة شحرور وقراءة أركون
ينطلق الدكتور المهندس محمد شحرور من مسلمة أساسية في تفسيره للقرآن وهي الإيمان بالله واليوم الآخر وبرسالة ونبوة محمد بن عبد الله ، وأن القرآن وحي منزل من عند الله إلى الرسول إما مباشرة أو عن طريق الملك جبريل ، وأنه أنزل بلسان عربي مبين.
وأن مجموع التفاسير الموروثة غير ملزمة ، لأن لها ظروفا تاريخية وعلمية معرفية وسياسية واقتصادية واجتماعية خاصة بزمن المفسر وتكوينه الخاص. مما يفرض علينا في الوقت الحاضر تفسيرا مناسبا لظروفنا المعاصرة على جميع المستويات.
وأن اللغة العربية كما صاغ قواعدها وبلاغتها علماء اللغة كابن جني والجرجاني وتلامذتهم تعتبر آلية مساعدة على فهم المعاني المتولدة من النص القرآني ، على أن كل المفردات لها دلالتها ووظيفتها داخل النص وليست لها مترادفات.
أن علوم العصر مثل اللسانيات والتاريخ والرياضيات والفيزياء والطبيعيات والفلك ليست علوما مساعدة على فهم النص القرآني فقط ، بل هو مطابق لها في قوانينها وأنظمتها.
في حين يأخذ الدكتور محمد أركون مسافة موضوعية مع الإيمان في تعامله مع القرآن كنص، الذي يتكون من لغة لها معجم ونحو وصرف وتراكيب ، كما أن له سياق تاريخي .
وأن مفاهيم مثل الوحي والمقدس والنبوة والإيمان يجب أن تخضع للدراسة والنقد حتى تنزع منها ما شابها من التصعيد والتعالي أثناء الاستعمال الإيديولوجي في مختلف المراحل التاريخية.
أن التفاسير الموروثة تحتاج إلى نفس النقد باعتبارها نصوصا ثانوية تختلف عن المرحلة التدشينية أو التأسيسية من حيث الظروف والوظيفة.
أن علوم الإنسان والمجتمع كاللسانيات وعلم النفس والتاريخ والأنتروبولوجيا ، مناهج أتبثت جدارتها في دراسة المخيال الجمعي والتراث الحي والمقدس والوحي ...وتأثيرها التاريخي.
من خلال قراءته الخاصة وغير المعتمدة على التفسير الموروث ، والمستخرجة فقط من القرآن ، يضع له محمد شحرور اسما شاملا هو الكتاب ، ثم يقسمه إلى ثلاثة أقسام :
القرآن وهو نبوة محمد آيات متشابهات وتحتوي على السور والآيات التي تتحدث عن الكون والطبيعة والقصص ، ويقول أن هذه الآيات منها ما تعرف بالقوانين العامة الناظمة للوجود وهي محفوظة في اللوح المحفوظ ومنها ما يتعلق بقوانين جزئيات الطبيعة أوبتصريف أحداث الطبيعة وتنزل من الكتاب المكنون أما أحداث تاريخ البشر فتدون في إمام مبين بعد وقوعها، كما أن السبع المثاني فيرأى أنها تشير إلى الحروف الصوتية التي ابتدأت بها بعض السور، إنها أصوات أولية لا تنتمي بالضرورة إلى لغة معينة وهي متضمنة كذلك في جميع اللغات. والقرآن بهذا المعنى يحتاج إلى تأويل، من طرف العلماء طبعا لأنه عبارة عن معارف موضوعية وعلمية تحتاج لمن يوازيها مع علوم العصر أما الفقهاء فهم غير مؤهلين لتأويله.
الرسالة وهي الآيات المحكمات ، وهن أم الكتاب وتحتوي على آيات العبادات والتشريع والأخلاق وهي لا تحتاج إلى تأويل بل إلى اجتهاد.
فالتشريع هو تنظيم الحياة الاجتماعية وعلاقات المنفعة والمصالح والبث في النزاعات باجتهاد ضمن حدود الله ، هذه الحدود ليس خطا مستقيما وإنما هي مجال أو فضاء له حدود يتحرك داخلها الشرع.
والأخلاق هي الصراط المستقيم بالنسبة لرسالة محمد، وهي الوصايا العشر التي أتى بها موسى في التوراة ، وهي حسب شحرور مبادئ عامة محترمة من طرف جميع أهل الأرض.
وهذان العنصران يدخلان في التقوى الجماعية التي تهم المجتمع ، لذلك فالبرنامج التعليمي يجب أن يهتم بالأخلاق والبرلمان بالتشريع.
أما العبادات فهي تقوى فردية لا علاقة للآخر بها حيث لا تمسه لا من قريب أو من بعيد.
* كما يحتوي الكتاب على آيات لا متشابهات ولا محكمات وإنما هي شارحة للتنزيل الحكيم .
ويطلق الذكر الحكيم على الصيغة الصوتية التعبدية للكتاب كله بغض النظر عن فهم المحتوى .
وعند مقارنة الكتاب الذي نزل على محمد مع الرسائل السابقة عليه ، نجد أن الكتاب الذي نزل على موسى والذي نزل على عيسى يتضمنان الرسالة فقط ، أما المعجزة فكانت ملموسة كالعصا لموسى وإحياء الموتى لعيسى بخلاف معجزة محمد فهي القرآن بآياته المتشابهة، و لا إعجاز في الرسالة.
أما أركون وبما أن منطلقاته مغايرة ، فهو يحدد لنفسه استراتيجية أخرى لقراءة النص القرآني تتجلى في البنية الدلالية التي توجه كل أنماط خطابه: النمط النبوي ، والنمط الحكمي ، والنمط السردي ( القصص) ، والنمط الترتيلي أو التسبيحي ، والنمط التشريعي ، والنمط الإقناعي ، والنمط الجدالي أو الصراعي ( مع الكفار والجاحدين) والنمط الاستهزائي ( بالكفار والمعارضين).
هذه البنية السميائية توجه كل مستويات المعنى الخاصة بكل وحدة نصية قرآنية (أي كل سورة أو مقطع أو آية). ضمن هذا المنظور هناك ثلاث بروتوكولات متداخلة أو متفاعلة لقراءة القرآن كنص: القراءة التاريخية – الأنتروبولوجية ، والقراءة الألسنية – السيميائية ، والقراءة اللاهوتية - التفسيرية .
لم يقدم أركون تفسيرا للقرآن من أجل تصحيح أخطاء التفاسير السابقة ،أو تقديم بديل عنها كما قام بذلك محمد شحرور،لأنه غير منشغل بهذه المنظومة التي يسميها وثوقية ، وإنما وضع خطاطة منهجية للقراءة تهدف إلى الدفع بمشروعه الفكري الرامي إلى الخروج من السياج الدوغمائي المغلق، والتطرق إلى المواضيع التي ما زال الفكر الإسلامي يعدها "لا مفكرا فيها " أو "مستحيلا التفكير فيها". والتي سدت بابها مع المتوكل والقادر العباسيين في ما كان يعرف بمسألة خلق القرآن.
فهو يميز بين الوحي في سياقه الشفهي ، وخصوصا ذلك النمط الجدالي الصراعي بين فئة المؤمنين به وبين الرافضين ،حيث يعكس منافسة فئات اجتماعية على رهانات تاريخية معاشة تتعلق بالأملاك المادية والروحية. وبين المدونة النصية المغلقة والتي ابتعدت عن المرحلة التأسيسية ، لكنها انسلخت من سياقها بفعل التصعيد والتعالي وأصبحت تعبرعن وضعيات أخرى مشابهة بفعل التوظيف للتراث الحي كإديولوجيا، تساعده صياغته الأسلوبية العامة والإيحائية.
من خلال توظيفه للعلوم الرياضية، يرى شحرور أن علم الله بالكون قبل خلقه كان عبارة عن معادلات رياضية والتي تسبق بالضرورة الوجود الفزيائي. كما أن الكون على المستوى اللساني قبل وجوده الواقعي كان دالا قبل أن يكون مدلولا. كما تحضر في علم الله الرياضيات الاحتمالية بالنسبة للأحداث والسلوكات البشرية قبل وقوعها ، وذلك ليستقيم المعنى بين حرية الإرادة الإنسانية وعلم الله المطلق.
لم تخلق اللغة كاملة ومجردة منذ بدايتها، بل هي تطور الأصوات التي تحاكي الطبيعة وأصوات الحيوانات ، والتعبير بعد ذلك عن أشياء ملموسة.وقد نزل الوحي على الأنبياء والرسل يحترم هذا التدرج الحضاري واللغوي ، استنادا إلى نفخة الروح التي نقلت البشر عبر آدم من المملكة الحيوانية إلى مملكة الإنسان. هذه النقلة التي تميزت بتعلم الإنسان اللغة الحاملة للأسماء والمعرفة المتضمنة.
لا يعلم الإنسان الغيب ، لكنه يكتشف ويبتكر ويتعلم وهذا ما يجعل مساحة الغيب تنقص باستمرار باتجاه العلم ، الذي يسميه كتابا للقدر، كلما زاد علم الإنسان كلما استطاع القضاء في القدر.فعلمه بكتاب الطب يساعد في استطاعته على مد الحياة ، وعلمه بكتاب الجيولوجيا استطاعة في اتقاء خطر الزلازل..فالقرآن كتاب حي من إله حي إلى عباده الأحياء.
لا يقتنع أركون بما يسميه التوظيف المختزل أو العلموي للعلم في تفسير القرآن، لأن هذه العلوم والمعارف التي يقحمها المفسرون العلمويون بموازاة مع آيات القرآن ويدعون أنها تماثلها تقع في إسقاطات تفقد جمالية العبارة القرآنية ومجازاتها التي تحتاج إلى دراسة. أما العلم فإنه يقدم نفسه بشكل مؤقت ونسبي باعتباره غير مكتمل وفي تطور مستمر، وأي تماثل مع عبارات القرآن فهو سجن لها وتقييد لمدلولاتها التي تجد صدى لها في الألسنيات التي تفكك النص إلى أفعال وأسماء وروابط وعوامل وتنظر في استعمالاتها وتوزيعها ووظائفها المتنوعة ، والإحالات التعبدية والأخلاقية والسجالية والتسبيحية..كما أن القصص القرآني تحيل على التناص مع تراث الشرق الأوسط الكبير بصياغة لغوية عربية مبدعة، فقصة أهل الكهف تحيل على التراث المسيحي وذو القرنين على التراث اليوناني وموسى مع الخضر على التراث الأشوري.معتمدا على الغريب و المدهش الخلاب في الأساليب والمعاني، حتى يسلب لب المتلقين.
كما دارت النصوص التفسيرية أو النصوص الثانوية في فلك القرآن اللغوي والرمزي بجمع عدد هائل من التراث الشفهي والأساطير الموروثة عن الديانات والثقافات السابقة ، فحصرت المعاني المجنحة والعامة للنص القرآني في أحداث بعينها وشخوص ذاتيين.وكل هذا التراث التفسيري لا يخرج عن الدائرة التأويلية " نفهم لنؤمن ونؤمن لنفهم".