في ظل التردي الممنهج الذي تعيشه المنظومة التربوية ببلادنا، تعاني كل الفئات التعليمية من التهميش والإقصاء وإثقال الكاهل بالتعليمات العشوائية والمهام الثقيلة، سواء المرتبطة بمجال اشتغالها ومسؤولياتها أو البعيدة عنها، وبدون تعويضات (تعويضات هزيلة في أحسن الأحوال) وبدون اعتراف أو احترام أو تقدير. وهذا لا يعني أنها كانت في وضعية نعيم وراحة وهناء بال، بل يتعلق الأمر بالانتقال من السيء الى الأسوأ؛ وذلك بالنسبة للأطر التربوية (أستاذات وأساتذة) والأطر الإدارية وأطر التأطير والمراقبة وأطر التوجيه والتخطيط التربوي (مستشارين ومفتشين) وأطر الشؤون الإدارية والمالية...
وقد زاد من حدة هذا التردي المقصود تشتت هذه الفئات وعناصرها والسعي الانتهازي، بوعي أو بدونه، الى تحقيق المكتسبات الفئوية، بواسطة "الفردانية" (الزبونية والمحسوبية والتدخلات...) والتنسيقيات واللجن الوطنية وحتى الجمعيات المهنية. وساهمت القيادات النقابية (كل النقابات بدون استثناء) في تعميق هذا التمزق من خلال تواطئها المكشوف والمفضوح مع الجهات الوصية وأسيادها، وبالتالي تخليها عن المعارك النضالية النقابية الموحدة ذات البعد الكفاحي (وقفات ومسيرات واعتصامات ومهرجانات وإضرابات عامة وإضرابات محدودة...)، وبالمقابل تسويق الوهم وتسييد الانتظارية والخنوع وفرض الأمر الواقع المذل. وصارت ما يسمى ب"الحوارات الاجتماعية" مناسبات للعناق وترتيب الأوراق وحبك المناورات وآليات للبحث عن مخارج لتصريف أزمة المنظومة التربوية المهترئة ولتنزيل المخططات الطبقية المدمرة في حقل التربية والتعليم. وليس تعبيد الطريق لتمرير "نظام التعاقد" بتلك الأساليب الممسرحة (الغياب والامتناع عن التصويت...) سوى مؤامرة واحدة وليست الوحيدة التي حيكت، سرا وجهرا، للإجهاز على ما تبقى من مكتسبات انتزعت بالتضحيات الجسام، وشكلا من أشكال تدمير المدرسة العمومية وتعميق جراحها والزحف على نقط الضوء التي سالت الدماء من أجل صيانتها والحفاظ عليها، مثل المجانية والوظيفة العمومية...
ومن المعلوم أن معاناة جنود المنظومة التربوية غير "المرئيين"، سواء على صعيد المؤسسة التعليمية أو المديرية الإقليمية أو الأكاديمية الجهوية أو حتى المصالح المركزية، تلتقي مع معاناة أبناء شعبنا الكادح (تلاميذ وأسر...). إنها المعاناة الواحدة والمصير الواحد اللذان يتطلبا المواجهة الواحدة والموحدة والتنسيق الواحد والموحد.
والآن، ومعركة أطر الإدارة التربوية مفتوحة وحقيقة ثابتة، فلا معنى لأن تبقى الأطر الأخرى في موقع المتفرج أو في أحسن الأحوال موقع المتضامن والداعم. إنه الواقع الواحد والمصير الواحد. لقد آن الأوان لتوحيد الجهود وتنسيق المعارك النضالية لانتزاع المزيد من المكتسبات، بدل انتظار كل فئة تعليمية ولوحدها، وفي بؤسها، الذي قد يأتي أو لا يأتي (حكاية "أكلت يوم أكل الثور الأبيض...").
لقد أعلنت الجمعية الوطنية لمديرات ومديري التعليم الابتدائي بالمغرب والجمعية الوطنية لمديرات ومديري الثانويات العمومية بالمغرب والجمعية الوطنية للحراس العامين والنظار بالمغرب انطلاق معركتها. ولسنا ببعيدين عن معركة الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد، مسيرة واعتصام 30 و31 غشت 2018. والكرة الآن في مرمى الجمعية المغربية لأطر التوجيه والتخطيط التربوي (الغائبة ببشاعة) ونقابة مفتشي التعليم (لتكن الوقفة الاحتجاجية ليوم 13 شتنبر 2018 أيضا إعلانا للانخراط في معركة أطر الإدارة التربوية وليس فقط مناسبة لتسجيل التضامن مع "الأساتذة الموظفين بموجب عقود في مطالبهم المشروعة") وفي معترك كل الجمعيات واللجن الوطنية والتنسيقيات، ومن بينها بالخصوص تنسيقية أساتذة نظام التعاقد السيء الذكر. ولتتحمل النقابات، وخاصة القواعد النقابية مسؤوليتها في فرض الانخراط في المعارك النضالية. إن المناضلين معنيون بالضغط والتأثير النضاليين من مواقع المسؤولية داخل النقابات والجمعيات التي ينتمون اليها من أجل بلورة خطط الفعل المنظم والمشترك لإغناء مسار العمل النضالي الوحدوي والكفاحي البديل لأساليب المناورة والارتزاق وتكسير المعارك المتأججة وعزلها والتعتيم عليها.
قد يبدو في الأمر بعض المبالغة أو المزايدة أو الرهان الخاسر. لكن ما المانع في البحث عن صيغ التنسيق لضمان انتصار المعركة الواحدة في تعددها؟ بدون شك، لكل فئة مطالبها وإكراهاتها وأيضا خلفياتها، إلا أن المبدئية في خدمة قضية التربية والتكوين التي تهم شعبا برمته تبتدئ بنكران الذات والبحث عن المشترك وترسيخ قيم التضامن والدعم من منطلق نفس الواقع ونفس المصير. والأمر ينطبق كذلك وبالأساس على أطر التوجيه والتخطيط التربوي؛ فلأنهم فئة قليلة العدد ولهم ارتباط وثيق بكل الفئات المتضررة، ونظرا لموقعهم الحساس في قلب المنظومة التربوية، لا مناص من تحالفهم الاستراتيجي (وليس التكتيكي) مع باقي المتضررين، على الصعيد المحلي (المؤسسة) وكذلك على المستوي الإقليمي (المديرية) والجهوي (الأكاديمية) والوطني (الوزارة). وسيكون ذلك "تكفيرا" عن منح مشروعية غير مستحقة لقيادة مفبركة للجمعية المغربية لأطر التوجيه والتخطيط التربوي التي تختبئ وراء كونها جمعية مهنية (تهتم فقط بما هو تربوي!!) وليست نقابة (البكاء وراء الميت...).
إن انتصار معركة هذه الأطر مجتمعة، أو على الأقل انتزاع مكتسبات أولية ومحسوبة، انتصار للتلميذ/ة ولشعب كامل في آخر المطاف.
ومسيرة ألف ميل تبتدئ بقدم واحدة... لننتقل الى مستوى الفعل المسؤول والمنظم، إنها السرعة المطلوبة الآن وبحدة...
كل الدعم والتضامن مع كافة أطر الإدارة التربوية (مديرات ومديرين وحراس عامين ونظار)، من موقع الانخراط في معركتهم المصيرية، ومناشدة لجميع الفئات التعليمية، وخاصة فئتنا "المنسية"، أقصد أطر التوجيه والتخطيط التربوي، لتوحيد الجهود من منطلق نفس الهم ونفس المعاناة، وتحت شعار "واقع واحد ومصير واحد"...