جحا يبيع بقرته

عاد جحا إلى بيته فوجد أمه حزينة عابسة الوجه فسألها: ما بك يا أماه؟
قالت: لا تسألني، بل اسأل نفسك تخرج منذ الصباح، وتترك أمر البقرة لأمك؛ هي من تكنس روثها ، وتحلب حليبها، وتجلب الكلأ لها ، وتفصل العجل عنها.
قال جحا: وماذا أفعل يا أماه أأتفرغ للصر، وأترك السعي، والعمل خارج البيت من ذهاب للأسواق، وجمع للغلال ونقل للسلال.
قالت: أي عمل وسعي هذا الذي لا يكفيك مؤونة البيت، فتغني أمك عن كنس الروث، وجلب الكلأ، وحلب الحليب، كما شأن أمهات أقرانك ممن يحيطون أمهاتهم بالحشم والخدم.
قال جحا وقد وضع رأسه بين يديه عاجزا مستسلما أمام طلب أمه: وبماذا تشيرين علي يا أماه؟
قالت: تبيع البقرة من فورك، وتوفر لأمك حليبا خالصا إن كنت تحب أمك كما تقول دائما.
قال جحا: ولكن من أين لنا بالعجل الذي تنتجه لنا البقرة كل حول، والذي يكفينا ثمنه مؤونة فصل كامل من السنة.
تجهم وجه الأم، وقالت: إذا كنت شاطرا كما تدعي لا تلقي بأثقال الحياة على كاهل أمك، بل أظهر شطارتك، وكفى من الاتكاء على ظهر ضعيف.
فجلس جحا يفكر: "وهل هناك من سبيل لبيع البقرة، والاحتفاظ بالحليب، والعجل مع التخلص من الروث، وإطعام البقرة، لو نجح هذا الأمر لما ربى أحد من أهل البلدة بقرة في حظيرته، ولما ربطها وفكها صباح مساء".
وبعد تفكير طويل اهتدى جحا إلى طريق يسلكه ربما يكون له فيه مراد أمه فيكسب رضاها.
فخرج يجر بقرته، وكان اليوم يوم جمعة فالتف الناس حوله، فقال لهم جحا: إن جحا عازم على بيع بقرته الحلوب الولود بثمن بخس لا يخطر على بال أحد منكم حتى يستطيعه أفقر أهل البلدة، فقال له رجل: أمسك عليك بقرتك يا جحا.
قال جحا: أنا سأبيعها، ولن أتصدق بها، أوليس البيع حلالا؟
قال رجل من بعيد في الصفوف الخلفية بصوت عال: كن عاقلا يا جحا لا تبيع بقرتك فتندم، ولن ينفعك ندم.
قال رجل آخر: إذن أشتريها منك بثمن مناسب، فبقرتك يعرف الجميع أنها مدرار للحليب وعجلها طيب الأصل يصلح للتسمين.
قال جحا: لا أبيعها إلا بشروطي كاملة: أولا بثمن بخس، وثانيا من يشتريها عليه أن يأتيني بحلابين من حليبها صباحا، وحلابين مساء، وبعد اكتمال الحول- وتضع عجلها يأتيني به فهو لي، وليس له فيه شيء.
فتزاحم الناس حوله، ورفع بعضهم أيديهم بالدريهمات القليلة، فوقع اختيار حجا على مشتر من أهل البلدة، وأعاد عليه شروطه وفي غمرة الفرح بالبقرة الجيدة الحلوب الولود، وافق على شروطه دون تحفظ، فقال: أنا أشتريها منك يا جحا بشروطك.
شهد الناس جميعهم على ذلك وضحك الحاضرون الذين لم يقع عليهم اختيار جحا، وتعجبوا كيف كانوا يتزاحمون على شراء بقرة جحا مع احتفاظه بكل منافعها.
قال رجل والناس تنصرف: يا جحا من يشتري بقرة يريد أن ينتفع بحليبها، وبعجلها بعد أن تضعه، وإذا بمن يشتري بقرتك لا يناله منها إلا كنس الروث وجمع الكلأ.
قال جحا: جيد أنك فهمت نصف الحكاية: بفهمك مرادي فقط؛ فأنا ليس لي من يكنس الروث ويجلب الكلأ؛ لهذا بعت بقرتي الحلوب الولود، لكن يا صاحبي أنت لم تفهم النصف الآخر من الحكاية لم تعرف كيف سيفرح هذا الرجل الفقير ببقرة هو وأولاده، والذين لولا جحا لم يحلموا أن تكون لهم بقرة في حظيرتهم؛ فكيف ببقرة مثل بقرة جحا حلوب ولود، ولهذا يا صاحبي لم أبعها إلا بثمن بخس، ولم أبعها لأمثالك من الذين لهم المال الكثير، والذين لا تفرحهم سوى المنافع الكبيرة الجمة والصفقات المربحة.
وكان كلما تذمرت زوجة الرجل الذي اشترى البقرة، وقالت: ما لنا من وراء هذه البقرة سوى الصر، وجلب الكلأ.
قال زوجها وهو يحمل الحلابين: رحمك الله يا جحا لولاك لما كانت لطامر بن طامر بقرة بحظيرته؛ فكيف ببقرة مشهورة مثل بقرتك يا جحا؟