صفحة 1 من 11 123 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 4 من 44
  1. #1
    مراقب عام
    عضو الطاقم الدفاتري للتكوين الذاتي والمستمر
    الصورة الرمزية الابن البار
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    بني ملال
    المشاركات
    7,483

    حصري خلية التكوين الذاتي و المستمر: العدد 1 (فلسفة و سوسيولوجيا التربية)

    السلام عليكم و رحمة الله،
    يسعدنا ،نحن اعضاء طاقم التكوين الذاتي و المستمر الدفاتري،أن نفتتح البرنامج التكويني الذي اتفق على برمجته على مدار السنة بحول الله، و ذلك وفق الجدولة الزمنية التي تم اقتراحها و اعتمادها من لدن إدارة المنتدى: (البرنامج في هذا الرابط: http://www.dafatiri.com/vb/dafatir501981)

    و لتسمحوا لنا بداية،بأن نستهل المجال الرئسي الأول (فلسفة و سوسيولوجيا التربية) بمدخل تمهيدي من شأنه أن يضعنا في الإطار العام الذي أفرز مختلف حقول علوم التربية ـ بما فيها حقلا فلسفة و سوسيولوجيا التربية ـ على أن نبادر لاحقا إلى التطرق للمجالات الفرعية المتفرعة عن المجال الرئسي الأول:
    1. المحور الرئيسي الأول: فلسفة التربية و سوسيولوجيا التربية
    1.1. المجال الفرعي1:
    ـ فلسفة التربية: التربية، غايات التربية، الاستقلالية، الحرية، العدالة، الإنصاف، الطبيعة الإنسانية، المواطنة، التسامح، الاختلاف...إلخ.
    2.1. المجال الفرعي2:
    ـ مدارس سوسيولوجيا التربية: التيارات، القضايا الكبرى، الظواهر المدرسية و المؤسساتية...إلخ.
    3.1 . المجال الفرعي 3:
    - سوسيولوجيا النظام التربوي المغربي وتاريخه.

    هذا، و إننا إذ نطرح أمامكم محاولاتنا المتواضعة هاته،فإننا نلفت الانتباه إلى أنها محاولات قابلة للتطوير و الإغناء بمشاراكاتكم و مداخلاتكم التي نراهن على أن تكون هادفة،بناءة ...حتى نساهم جميعا في إنجاح هذه التجربة و الخروج معا في نهاية المطاف بعمل يكون في مستوى منتدانا " منتدى دفاتر " الذي يرفع كشعار له " انطلاقة جدية نحو تربية راقية و تعليم متطور ".
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ

    الهيكلة و التصميم المقترح لمعالجة المجال الرئيسي الأول. (بتقنية الباوربوانت) من إعداد الأخت pr asma :
    http://up.dafatir.ma/do.php?id=2210
    التعديل الأخير تم بواسطة الابن البار ; 04-01-2014 الساعة 11:18



  2. #2
    مراقب عام
    عضو الطاقم الدفاتري للتكوين الذاتي والمستمر
    الصورة الرمزية الابن البار
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    بني ملال
    المشاركات
    7,483

    افتراضي رد: خلية التكوين الذاتي و المستمر: العدد 1 (فلسفة و سوسيولوجيا التربية)

    مدخل إلى علوم التربية


    لا أحد من الدارسين يستطيع أن ينكر أن التربية كممارسة سلوكية عرفت وجودها مع وجود الحياة.فالمهتمون بالدراسات الإنسانية عامة، و بتاريخ الفكر التربوي خاصة،يشيرون إلى أن التربية قد مورست،و بشكل تلقائي،منذ العصور التاريخية الأولى.

    و الأكيد أنه مع تطور وضع الإنسان فكريا و اجتماعيا، و تبدّل حياة المجتمعات عبر التاريخ،تطورت التربية،فتبدل مفهومها و تغيرت أسسها و قواعدها، و تبدلت نتيجة لذلك الآراء التي تشكلت حول الأطفال،و الأساليب التي ينبغي اتباعها لتربيته و تكوينه بما يغطي مختلف نواحي شخصيته... و كلّ هذا سيعرف بالطبع انعكاسا ملحوظا على معنى التربية و مفهومها،إذ سيعرف هذا المفهوم بدوره عدة تسميات، كلّ واحدة منها تعكس في الأصل فهما و معنى خاصين لعلوم التربية.

    أولا: من التربية إلى علوم التربية

    إن مصطلح علوم التربية الذي صار الآن المصطلح الرائج في المعاهد و المؤسسات التربوية، لم يبرز اعتباطا،بل جاء نتيجة تحولات عرفها مسار تطور الفكر التربوي عامة و تطور المصطلح في خضم هذا الفكر خاصة. ذلك أن استبدال مصطلح بآخر لمحاولة وصف شتات مجموع الأفعال و الممارسات التي تشكل هذه العملية المسماة " تربية "،إنما جاء ليجسد في كل مرة ما طرأ على مفهوم التربية و مضمونها و مناهجها ... من تحول و تبدّل. و من هنا،فكل مصطلح يعكس لحظة متميزة من التصور و الفهم لفعل التربية.

    1) من التربية إلى البيداغوجيا:
    على الرغم من تعدد التعاريف التي عرفتها التربية على مدى تطورها،فقد ظل تحديد طبيعتها بشكل نهائي مشكلا قائما لم يستطع الدارسون المختصون التغلب عليه، فمن جهة بقي مفهوم التربية عاما جدا و منفتحا على جميع الممارسات و أشكال التأثير التي تمارس على الطفل كيفما كان نوعها (إيجابية أو سلبية) و كيفما كان مصدرها (آباء، أقران، راشدون، مدرسون،مربون مختصون...)، و من جهة أخرى، بقيت إجراءاتها و وسائلها غير ممنهجة أو مقننة، بحيث كانت تمارس هذه الإجراءات من طرف جميع من كان يتولى أمور تربية الأطفال،سواء كانوا من ذوي التكوين العلمي الدقيق الذي يؤهلهم للقيام بذلك،أم لم يتوفروا على ذلك التكوين.
    و لعل هذا ما حذا ببعض رجال التربية و الدارسين إلى استعمال مصطلح " البيداغوجيا "،إن لم يكن مصطلحا يتجاوز مصطلح " التربية " فعلى الأقل كحقل مواز لها يمدها ببعض المبادئ و التوجيهات المفيدة.
    و لقد عرف تعريف البيداغوجيا اختلافا مماثلا لنفس الاختلاف الذي عرفه تعريف التربية، و التعاريف العديدة التي قدمت بهذا الخصوص تبين حجم الإشكال الذي اعترى تحديده، و الذي يترجمه السؤال الكبير التالي: هل البيداغوجيا علم أم صناعة أم فن أم فلسفة؟ أم هي كلّ ذلك دونما حاجة إلى إقامة تمييز منهجي بين كل تلك الحقول ؟
    لقد حاول دوركايم تعريف البيداغوجيا بإشارته إلى أنها " نظرية عملية موضوعها التفكير في نظم التربية و طرائقها بغية تقدير قيمتها، و بالتالي إفادة عمل المربين و توجيهه".
    أما ديوي فهو يطلق على ما أسماه دوركايم بالنظرية العلمية اسم " العلم،لأن هذه النظرية تستلزم أولا طرائق في البحث تماثل طرائق العلوم الأخرى،و لأنها بعد ذلك تضع نظاما من المبادئ الموجهة المستقاة من العلوم الأخرى التي تَمُتُّ إلى التربية بصلة من النسب، و تكون قادرة على أن تجعل عمليات الفن التربوي العملي أكثر تطابقا مع العقل، و أكثر انسجاما مع الذكاء".
    و من هنا تثار العلاقة بين التربية و البيداغوجيا انطلاقا من العلاقة القائمة بين النظرية و الممارسة. و ينتهي روني أوبير بهذا الخصوص بعد عرضه لجملة من تعاريف البيداغوجيا إلى أن هذه الأخيرة " بعد أن تضع المبادئ و تحدد الأهداف،تنتقل إلى التطبيق العملي،أي بعد أن تكون عامة تصبح تطبيقية،حيث تُعنى بحل المشكلات المختلفة المتصلة بعناصر التربية و طرائقها و أساليب تنظيمها المدرسي".
    و إلى هذا التصور ذاته أشار ميالاري حينما قرر عند محاولته التمييز بين التربية و البيداغوجيا،أن الأولى تشكل حقل ممارسة بينما تشكل الثانية حقل تأمل نظري في تلك الممارسة، و أن العلاقة بينهما تكمن بالذات في أن أي ممارسة على الطفل أو الإنسان عامة تحيل دائما إلى غاية ضمنية أو صريحة تستلزم التفكير النظري من أجل خلق نوع من الانسجام بين الرأي التربوي و الواقع التربوي".
    فهل استطاعت البيداغوجيا أن تقوم بمهامها و تحقق الدور الذي نُصبت له: ضبط التربية و توجيهها ؟


    2ـ من البيداغوجيا إلى علوم التربية:
    رغم شيوع مصطلح "البيداغوجيا" في الأوساط التربوية لفترة مهمة من الزمن،لم يلبث الدارسون ، تحت تأثير تطور البحث التربوي و تطور الجهاز المفاهيمي لكثير من العلوم، أن استشعروا قصور هذا المصطلح ،رغم ما سعى إليه من محاولات التنظير و التأمل في حقل الممارسة التربوية،حيث تبين لهم عدم قدرته على استيعاب الركام الهائل من الإنتاج العلمي في الحقل التربوي و في مختلف امتداداته و أبعاده.
    إن حرص البيداغوجي على محاولة التأليف و التركيب بين التنظير التربوي و الممارسة التربوية استنادا على مبادئ و مقدمات، لم يبعده في كثير من الأحيان عن السقوط في دائرة الاعتماد على المهارة الشخصية و إضفاء مسحة من الذاتية على عمله، مما فتح الباب أمام تعدد وصفات العمل التربوي بتعدد المربين أنفسهم. و رغم أن البيداغوجيا ـ بانفتاحها على علم النفس ـ قد تمكنت من استخلاص الكثير من القواعد و المبادئ الثابتة التي يتعين احترامها في كل ممارسة تربوية تستهدف الطفل،لدرجة أن هذا الانفتاح ساعد على ظهور حقل شبه مستقل ظل مواكبا للبيداغوجيا عرف تحت اسم " السيكوبيداغوجيا " ، إلا أن تعقد و تشابك الفعل التربوي جعل هذه السيكوبيداغوجيا نفسها قاصرة باعتبارها تنظر إلى الفعل التربوي نظرة أحادية البعد (البعد السيكولوجي فقط) مغفلة بذلك باقي الجوانب التي تكوّن شخصية الأفراد.
    و من هنا بدت الحاجة ماسة إلى إعادة النظر في التسمية،بل في الحقول و الميادين المعرفية التربوية بما يجعلها قادرة على تغطية مختلف فعاليات الظاهرة التربوية في أبعادها البيولوجية و السيكولوجية و الاجتماعية .... فكانت النتيجة الحتمية لكل هذا أن ظهر مصطلح " علوم التربية".

    ثانيا: علوم التربية: تعريفها، حقولها، تكاملها

    مع تطور الحركة العلمية،لا سيما في منتصف القرن 19 و بداية القرن 20، حيث ساد هاجس الدقة و الموضوعية في تناول الظواهر الإنسانية، لم يعد هناك مجال للتناول العفوي المستند فقط إلى التجربة الشخصية و التأويل الذاتي، فنزعت العلوم الإنسانية نحو تأسيس موضوعها و تحديد منهجيتها في الدراسة و البحث. و قد حظيت التربية بنصيبها من هذا التأثير،حيث شرع الدارسون في حقلها إلى محاولة تأسيس علم لها يهتم بالدراسة الموضوعية لمختلف ظواهرها و قضاياها، فظهرت البوادر الأولى لما اصطلح على تسميته بـ " علم التربية " الذي كان يستهدف تحقيق الرصانة و الضبط العلميين أكثر من سعيه إلى تناول الموضوع في شتى مظاهره و أبعاده.
    و هكذا بدأت تتأكد القناعة لدى المختصين بأن الظاهرة التربوية أوسع بكثير من أن يستوعبها و يحصرها علم واحد، فكانت النتيجة الحتمية هي العمل على تجاوز علم التربية بالمفرد، و استبداله بمصطلح جديد يحتضن كل الحقول المعرفية التي تتناول التربية من مختلف الزوايا، و هو ما بات يعرف اليوم بـ " علوم التربية".
    إن الظاهرة التربوية فعالية إنسانية تتداخل فيها عدة عناصر: البيولوجية،السيكولوجية،السوسيولوجية ، الاقتصادية ... أي يتداخل فيها كل ما هو ذاتي مرتبط بالفرد نفسه، و ما هو موضوعي يرتبط بالمؤسسات و الشروط العامة و الخاصة التي تمارس في إطارها عملية التربية. و هذا ما يستلزم بالطبع تسخير مقاربات علمية عديدة،تختص كل واحدة منها بجانب أو جوانب من الظاهرة المدروسة، و هو ما استوجب خلق علوم للتربية.

    و لئن كان من الصعب القيام بحصر شامل و دقيق لمختلف العلوم و الحقول التي تنضوي تحت قائمة علوم التربية،فإنه يمكن تقديم تعريف عام لعينة من أبرز علوم التربية لا مفر لأي مُربّ من الاطلاع عليها و الإلمام بمعطياتها. و من تلك الحقول نذكر:

    أ) فيزيولوجيا التربية:
    يحاول هذا العلم (الحقل) أن يقارب الظاهرة التربوية مقاربة فيزيولوجية، و يدخل في هذا الإطار مجموعة من الشروط ترتبط أهمها بالصحة و التغذية المتوازنة و النوم الكافي ... و لهذا تركز " فيزيولوجيا التربية" اهتمامها على العلاقة القائمة بين هذه الشروط و بين التعلم المدرسي بالنسبة للطفل المتعلم،طارحة عددا من التساؤلات من قبيل:
    ـ ما هي القوانين الفيزيولوجية المتحكمة في الأساس البيولوجي لعملية النمو ؟
    ـ كيف تنمو الإيقاعات الحيوية (النوم،اللعب،الانتباه ...) و ما علاقتها بالتعلم المدرسي ؟
    ـ ما هي الآثار التي تحدثها التغذية على المستوى الكمي و النوعي في النمو المدرسي للطفل ؟

    ب) سيكولوجيا التربية:
    يهتم هذا الحقل بمقاربة الظاهرة التربوية مقاربة ترتكز على أطروحات السيكولوجيا بمختلف فروعها. فهي تتناول كل ما هو ذو صبغة نفسية ترتبط بشخصية الطفل،فتدرس قضايا النمو النفسي بجوانبه المختلفة في علاقتها بالتربية،كما تدرس التعلم و طرائقه و محتوياته و أشكال تقويمه، و بعبارة أدق،كل موقف تربوي يكون الطفل العنصر المستهدف فيه بشكل مباشر أو غير مباشر.

    ج) سوسيولوجيا التربية:
    و هي حقل يهتم بمقاربة الظاهرة التربوية مقاربة تعتمد على القواعد المنهجية للسوسيولوجيا في دراسة و تحليل الظروف و الملابسات الاجتماعية المحيطة أو المؤطرة للموقف التربوي،فتهتم نتيجة لذلك بعدد من الموضوعات السوسيوتربوية في مقدمتها:
    ـ دراسة الأنظمة التعليمية و تحليلها.
    ـ التنظيم المدرسي و علاقته بسوق الشغل.
    ـ البحث في الأصل الاجتماعي للمتعلم و علاقته بتحصيله الدراسي.
    ـ الفشل الدراسي.

    د) سيكوسوسيولوجيا التربية:
    هي مقاربة لأبعاد محددة من الفعل التربوي مقاربةً ترتكز على التفاعل بين ما هو نفسي و ما هو اجتماعي، أي ما ينتج عن تفاعل الأفراد داخل الجماعات التربوية الصغيرة كجماعة الفصل الدراسي، و ما يترتب عن ذلك من آثار إيجابية أو سلبية على مناخ الجماعة، و من خلاله على مستوى التعلم و التحصيل. و من المحاور الرئيسة التي يختص بها هذا الحقل نذكر: دينامية الجماعة (خاصة جماعة القسم)، التواصل التربوي...

    هـ) فلسفة التربية:
    هي مقاربة للظاهرة التربوية برمتها مقاربة فلسفية محضة،أي أن اهتمامها يكمن في وضع التربية في شموليتها موضوع تساؤل كبير: ماهيتها ،طبيعتها ، إمكاناتها ، غاياتها ... و علاقة كل ذلك بالفلسفة العامة للمجتمع. و نظرا للدور التوجيهي لفلسفة التربية، فهي تعد بمثابة الخيط الناظم الذي يؤلف مختلف علوم التربية بما يجعلها تسير جميعها في خط عام مشترك لا يحيد عن التوجه العام لفلسفة المجتمع.

    إن وجود علوم التربية ـ بمختلف حقولها ـ من أجل فهم الفعل التربوي و ضبط مكوناته، لا يمكن أن يعني القول بأن تلك العلوم تمثل نظاما قائم الذات، منغلقا على نفسه.فاستقلالية هذه العلوم كانت ـ بعد ظهورها مباشرة ـ مثار نقاش كبير بين المهتمين و المفكرين، و هو النقاش الذي قاد في نهاية الأمر إلى إقرار تفاعل تلك العلوم فيما بينها و تكملة بعضها البعض.
    و لتوضيح هذا التكامل نسوق المثال التالي:هبْ للإيضاح أن متعلما بعدما كان من قبل يتعلم بشكل عادٍ تماما،اعتراه فجأة فشل دراسي ملحوظ لم يقوَ معه على تركيز ذهنه و استيعاب ما يقدم له من ممارسات و أنشطة، و من ثمة تدهور مستواه التحصيلي العام.
    الأكيد أن محاولة البحث عن أسباب هذه الحالة قصد تصحيحها و تجاوزها، و ذلك بالاعتماد فقط على سيكولوجيا التربية مثلا ستكون محاولة ناقصة و يعتريها القصور،لأنها تغيّب عناصر أخرى قد تكون لها آثارها الفورية على إفراز مثل هذه الحالة.
    فقد تكون المعطيات النفسية التي تمدنا بها المقاربة السيكولوجية مفيدة جدا في تدبير خطة العلاج،كوجود اضطراب نفسي لدى هذا المتعلم أو عائق وجداني ـ عاطفي طارئ عطّل لديه توظيف قدراته العقلية و مهاراته التعلمية بشكل سليم....،لكن يمكن لهذا الاضطراب العاطفي أن يكون نفسه مظهرا أو عرضا سلوكيا أفرزته أسباب أخرى ترجع إلى ظروف الأسرة أو ظروف العمل داخل الفصل الدراسي ... و لعل هذا يستوجب،توخيا لتحقيق تشخيص متكامل الأبعاد، الاعتماد على مقاربات أخرى تكون لها صلة وثيقة بالحالة.
    إن الوقوف الدقيق على مختلف عناصر الحالة المقدمة في المثال،يستلزم ممن يريد تصحيحها بما يكفي من الرصانة العلمية الاستعانة بما يلي:

    1) المقاربة الفيزيولوجية:
    التي تفيد في الكشف عن الجوانب الفيزيولوجية التي قد تكون سببا مباشرا أو غير مباشر في إعاقة استمرارية التعلم،كاضطراب الحواس، أو توعك صحي طارئ... و هذه المقاربة تقتضي من المربي أو المشخص للحالة أن يستعين بحقل "فيزيولوجيا التربية".

    2) المقاربة السيكولوجية:
    التي تفيد في الكشف عن العوامل ذات الصبغة النفسية،أي المرتبطة بشخص المتعلم ذاته، كالقلق و التوتر و اضطراب الحياة الانفعالية .... و هذه المقاربة تستلزم الاستعانة هنا بحقل " سيكولوجيا التربية".

    3) المقاربة السوسيولوجية:
    التي تفيد في الكشف عن طبيعة الأطر المرجعية التي تتحكم في تربية الطفل و تنشئته، خاصة الأسرة بمناخها العاطفي و مستواها الاقتصادي و الاجتماعي و الثقافي ... و طبيعة العلاقات الاجتماعية و أساليب المعاملة السائدة داخلها... و هذه المقاربة تستدعي الاستعانة بحقل "سوسيولوجيا التربية".

    4) المقاربة السيكوسوسيولوجية:
    التي تفيد في الكشف عن طبيعة العلاقات الاجتماعية و أشكال التواصل داخل الفصل الدراسي الناجمة عن التفاعل بين عناصر جماعة الفصل، كما تفيد في تحديد المكانة السوسيومترية لكل عنصر داخل تلك الجماعة و مواقع التقبل و النبذ بالنسبة لكل فرد من أفرادها... و هذه المقاربة تستلزم استحضار حقل ""سيكوسوسيولوجيا التربية".

    5) المقاربة الديداكتيكية:
    التي تفيد في الكشف عن مختلف مكونات عملية التعليم و التعلم، من أهداف و محتويات تعليمية و طرائق و وسائل و تقنيات و تقويم ... بما يساعد على إبراز العناصر التي تكون مسؤولة عن تعرض المتعلم لعائق ما في تعلمه. و هذا يستلزم من المربي أن يستعين بما يعرف حاليا بالديداكتيك أو علم التدريس.

    و بطبيعة الحال، فإن الرصد الدقيق للحالة المقدمة،لا يتوقف عند حدود المقاربات المشار إليها أعلاه، إذ تبقى اللائحة مفتوحة دائما لتشمل كل حقل يتوقع الرجوع إلى معطياته.
    و من هنا نستنتج،بأن الظاهرة التربوية، في أي مجال وجدت (المدرسة،الأسرة...) ظاهرة معقدة و مركبة و متداخلة الجوانب، و تستدعي التفاعل و التكامل بين جميع علوم التربية، و هو ما صار يعرف في الأدبيات التربوية بالتكامل الداخلي بين علوم التربية.

    لتحميل الموضوع:
    http://up.dafatir.ma/do.php?id=2174

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــ
    * المكانة السوسيومترية: مفهوم من المفاهيم المركزية في حقل سيكوسوسيولوجيا التربية، و يعني الدرجة و المكانة التي يحتلها الفرد داخل الجماعة الصغيرة التي ينتمي لها، و ذلك من حيث تفاعله مع الأفراد و علاقاته معهم،فالفرد المقبول داخل جماعته، و الذي يحظى بانجذاب أكثر العناصر تكون مكانته السوسيومترية عالية،في حين تكون للمنبوذ مكانة منخفضة تتحدد درجتها حسب درجة النبذ.
    التعديل الأخير تم بواسطة الابن البار ; 20-10-2013 الساعة 17:56



  3. #3

    افتراضي رد: خلية التكوين الذاتي و المستمر: العدد 1 (فلسفة و سوسيولوجيا التربية)

    جازاك الله عنا كل خير
    اللهم اجعله في ميزان حسناتك أخي

  4. #4
    مراقب عام
    عضو الطاقم الدفاتري للتكوين الذاتي والمستمر
    الصورة الرمزية الابن البار
    تاريخ التسجيل
    Dec 2008
    الدولة
    بني ملال
    المشاركات
    7,483

    افتراضي رد: خلية التكوين الذاتي و المستمر: العدد 1 (فلسفة و سوسيولوجيا التربية)

    المجال الفرعي الأول: فلسفة التربية

    يتضح من المدخل السابق أن مفهوم "علوم التربية" قد طرح عدة قناعات متباينة فيما بينها، فالبعض قد اعتبرها كإطار معرفي شكل تجاوزا لمرحلة "البيداغوجيا" التي لم تعد قادرة على احتواء الزخم الكمي و النوعي في مجال التنظير للتربية.أما البعض الآخر فقد اعتبرها مجرد وهم أو سراب علمي،إذ لا تعدو أن تكون إلصاقا لمصطلح التربية بعلوم أخرى كالبيولوجيا و علم النفس و علم الاجتماع ...
    و أمام هذا الإشكال الذي يجعل من علوم التربية لدى البعض علوما قائمة الذات، و لدى البعض الآخر مجرد طفيليات،أمام كل هذا تأتي فلسفة التربية بإشكالات أخرى تنضاف إلى الإشكال السابق من قبيل:
    ـ هل يمكن اعتبار "فلسفة التربية" فرعا من فروع علوم التربية ؟
    ـ هل يمكن للفلسفة أن تدخل خانة العلم، مع ما يطرحه ذلك من مفارقات إضفاء الطابع العلمي على ما هو فلسفي بالرغم من تباين منطلقات و مناهج كل منهما ؟
    ـ ما هي المواضيع و الاهتمامات التي تشكل مباحث مركزية لفلسفة التربية ؟


    أولاـ فلسفة التربية بين القبول و الرفض
    إن إدماج فلسفة التربية ضمن أسرة علوم التربية لم يكن بالأمر المستساغ من طرف جميع الدارسين لما يطرحه هذا الإدماج من مفارقات. و هكذا نجد أن مشروعية الحديث عن فلسفة التربية كعلم من علومها قد أفرز تيارين اثنين:

    1) التيار الأول:
    و هو تيار يرفض قبول أن تكون فلسفة التربية علما من علوم التربية، و يعتبر هذا الأمر من قبيل التناقض، و هو يستند في رأيه هذا إلى أمرين أساسيين:
    + يرتكز الأمر الأول على اعتبار أنه من المفارقة أن يتم حشر الفلسفة ضمن حظيرة العلوم، و أنه من المستحيل القبول بوجود فلسفة / علم، لكون أسس و ثوابت العلوم غير أسس و ثوابت الفلسفة، كما أن المنهج العلمي متمايز كلّ التمايز عن خطوات التفكير الفلسفي.
    + و يرتكز الأمر الثاني على كون حاجة علوم التربية إلى فلسفة ليست بالأمر الأكيد،لأن علوم التربية تقارب الفعل التربوي.من شتى جوانبه.و بالتالي ، فأصحاب هذا التيار يرون أنه لا جدوى من الاستعانة بالتفكير الفلسفي في قضية هي في أمس الحاجة إلى الفهم العلمي الدقيق و الموضوعي.


    2) التيار الثاني:

    و هو تيار يعتبر حضور "فلسفة التربية" ضمن حظيرة علوم التربية أمرا ذا أهمية، و ذلك انطلاقا من الاعتبارات التالية:
    + أن كل علم من علوم التربية يقارب الظاهرة التربوية من منظوره الخاص، و من هنا كانت ضرورة إيجاد مقاربة تحاول التنسيق بين جميع هذه العلوم و تعمل على خلق نوع من الانسجام بين طروحاتها.
    +أن "فلسفة التربية" هي أيضا بمثابة ابستمولوجيا بالنسبة لعلوم التربية، و يؤخذ هنا مصطلح الابستمولوجيا كمرادف لفلسفة العلوم ، فالتأمل الفلسفي لحظة ضرورية للممارسة التربوية،لأن هذا التأمل يسمح للممارسة التربوية بأن تعي بذاتها و تكون أكثر إنسانية.


    ثانياـ موضوع فلسفة التربية
    من الصعب تحديد موضوع "فلسفة التربية"، و لعل هذه الصعوبة ناتجة أساسا عن تعدد مواضيعها كأي فلسفة أخرى.لكن، و بالرغم من ذلك،يمكن اختزال هذا التنوع في اعتبار موضوع فلسفة التربية هو" المقاربة التأملية للظاهرة التربوية ". يقول ربول معرّفا فلسفة التربية ـ التي يعتبرها جزءا من الفلسفة و ليست علما من علوم التربيةـ بقوله: " إن فلسفة التربية ليست بيداغوجيا، و ليست سيكولوجيا الطفل، بل هي فرع من الفلسفة، و الفلسفة كما هو معروف لا ترمي إلى المهارة في الفعل، و لا إلى المعرفة، بل قبل كلّ شيء إلى التساؤل حول كلّ ما نعتقد أننا نستطيعه و نعرفه".
    هكذا يرى ربول بأن فلسفة التربية تحتضن كل التساؤلات التي تتوخى طرح القضايا و استكناه حقيقتها،خاصة تلك التي تعتبر من المسلمات.
    و يرى لايف و روستان في كتابهما "فلسفة التربية" أن هذه الأخيرة :" ترتكز على التأمل في غايات التربية و وسائلها، و عند الاقتضاء حول المؤسسات التي تميزها".
    أما صالحة سنقر،فتشير في كتابها " المناهج التربوية" إلى أن " المنطلقات الفلسفية تعد بمثابة الدماغ المحرك للنظام التربوي برمته، و خاصة المنهاج التعليمي،لأن فلسفة التربية تهتم بماهية القيم و كيفية اشتقاقها و مبرراتها و الأسس التي تنبني عليها، و كذا دورها في تنظيم الخبرات إلى جانب تحرير العقول من التميزات الشخصية و توسيع إطار النظرة للعالم".


    و الخلاصة أن "فلسفة التربية" واحدة من الحقول المعرفية النظرية التي تهتم بتأطير الفعل التربوي و توجيهه نحو تحقيق غايات التربية و مشروعها بصورة كافية. و هي لا تقف عند هذا الحد فقط، بل تمتد لتتناول بالدراسة طبيعة التربية ذاتها و إمكاناتها،فتعمق تحليل العلاقة بين الطبيعة الإنسانية و التربية من خلال الدراسة النقدية لمختلف المقاربات.

    ثالثا ـ تعريف التربية
    من المعروف أن المصطلحات الشائعة هي الأكثر صعوبة في التعريف،ذلك أن شيوعها و كثرة تداولها يؤدي إلى التصاق العديد من المعاني بها مما يجعل انزلاقات المفهوم أمرا واردا. و هذه الملاحظة تنطبق على مفهوم التربية،لذلك لا غرابة أن نجد الأدبيات التربوية قد قدمت تعاريف كثيرة و مختلفة للتربية تستند إلى مقاربات عدة و منها:


    1) المقاربة المعجمية الاشتقاقية:
    ـ يعرف معجم "روبير" التربية بأنها " مجموع الوسائل التي بواسطتها نوجه نمو و تكوين الكائن الإنساني".
    و يوضح لنا المعجم الاشتقاقي لدوزات أن كلمة تربية EDUCATION لها مصدر لاتيني مزدوج مكون من لفظتين:
    + لفظة Educare و تشير إلى فعل " غذّى".
    + لفظة Educere و تدل على فعل " أخرج من " أو "قاد إلى"،كما تدلّ على "رفع و رقّى".
    و هكذا،فإن المقاربة الاشتقاقية تحدد لنا التربية كغذاء (مادي: طعام،تمرينات رياضية ... و معنوي:معرفي، أخلاقي...) يقود الفرد إلى السموّ و الرقيّ.


    2) مقاربة الاتجاه الفردي:
    ثمة تعاريف عدة تندرج في هذا الإطار،بحيث تركز جميعها على أهمية الفرد،كما تحصر مهمة التربية و غاياتها في خدمة الفرد كفرد، و مساعدته على النمو، و هذا ما يبينه هاربارت في تعريفه للتربية حين يرى أنها: " تكوين الفرد لذاته،بأن نثير لديه تعددية الاهتمامات".
    إن أصحاب هذا التصور يؤمنون بحرية الفرد و محاولة صقل قدراته و إمكاناته، و بالتالي احترام خصوصيته الفردية.غير أن القصور لديهم يتجلى في كونهم يحصرون التربية في خدمة الفرد دون أن تمس المجتمع.


    3) مقاربة الاتجاه الاجتماعي:
    تجمع التعاريف المندرجة في هذا الإطار على أن التربية عملية تنشئة اجتماعية، و يعتبر إميل دوركايم من أبرز ممثلي هذا الاتجاه،إذ نجده يعرف التربية بقوله:" إنها العملية التي تمارسها الأجيال الراشدة على الأجيال التي لم تنضج بعد النضج اللازم للحياة الاجتماعية".
    و من إيجابيات هذا الاتجاه أنه يربط تربية الفرد بالمجتمع،سواء في بعده العام،أم في بعده الخاص المرتبط بالجماعة التي ينتمي لها الفرد. غير أن ما يؤخذ عليه هو كونه يحصر التربية في الأجيال غير الراشدة،و بالتالي إقصاؤه للتربية المستمرة.كما أنه يعتبر التربية عملية أحادية الجانب،متشبعة بالسلطة التي يمارسها الراشد على غير الراشد.


    4) مقاربة الاتجاه الإنساني:
    يعتبر هذا الاتجاه أن تعاريف التربية ظلت رهينة بين ثنائية الفرد/المجتمع، في حين أن هناك مخرج ثالث هو الإنسان، و بالتالي فمهوم التربية يجب أن يرتبط بالإنسان، أي أن التربية هي " أنسنة الإنسان". و في هذا الإطار يرى ربول أن التربية هي :" العملية التي تسمح للكائن البشري بتنمية قدراته الجسمية و العقلية، و كذا عواطفه الاجتماعية و الأخلاقية بهدف تحقيق مهمته كإنسان".
    إن هذا الاتجاه يبرز البعد الإنساني للتربية كمحاولة لرد الاعتبار لإنسانية الإنسان، غير أن ما يؤاخذ عليه أنه يتعامل مع الإنسان بمعزل عن سياقه التاريخي و الاجتماعي ....


    5) تعريف الرابطة العالمية للتربية الجديدة:
    لقد أصبحت التربية في العصر الحالي مرتبطة بمواضيع حقوق الإنسان و بالتنمية الاجتماعية الشاملة... مما جعلها تحظى باهتمام العديد من المنظمات العالمية الدولية، و في هذا الإطار اقترحت منظمة الرابطة العالمية للتربية الجديدة التعريف التالي: " تقوم التربية بإتاحة نمو قدرات كلّ شخص بصورة متكاملة قدر الإمكان كفرد، و في الوقت نفسه، كعضو داخل مجتمع يحكمه التضامن. إن التربية غير منفصلة عن التطور الاجتماعي، إنها تشكل إحدى ركائزه ... مع ضرورة مراجعة هدف التربية و طرائقها في ضوء ما يقدمه لنا العلم و التجربة من معرفة حول الطفل و الإنسان و المجتمع".
    إن هذا التعريف يحاول إقامة تفاعل و تكامل بين الفرد و المجتمع، هذا مع تأكيده على نسبية مفهوم التربية،لارتباطه بتطور الوعي الاجتماعي ـ التربوي و بتقدم المعرفة العلمية.


    6) خلاصات:
    خلاصة القول أن التربية هي عملية نقل الثقافة من شخص لآخر، و بصفة عامة من جيل إلى جيل، و هي تمارس بشكل تلقائي أو منتظم لمساعدة الطفل على إنماء جميع ملكاته و قواه و تكييفها لإيجاد التوازن بينه و بين البيئة التي يعيش فيها.
    + سمات التربية:
    ـ هي عملية خاصة بالإنسان.
    ـ يقوم بها شخص تجاه آخر.
    ـ عملية هادفة.
    ـ تقوم على استيعاب الخبرات العامة.

    + أنواع التربية: التربية الجسمية، التربية الذهنية،التربية الوجدانية، التربية الأخلاقية

    يبدو، مما سبق،أن تعريف التربية إشكال ناجم أساسا عن طبيعة التربية ذاتها باعتبارها عملية شمولية تطال شخصية الفرد و نموه و طبيعة المجتمع و تحولاته، مما يقتضي اللجوء إلى عدة مقاربات لاختراق الفعل التربوي. كما أن هذه المقاربات ذاتها مسكونة بهاجس فلسفي: لم نربي ؟ و ما هي غايات التربية ؟ علما بأن غايات التربية هي جزء من تعريف التربية.

    رابعا ـ إمكانات التربية
    انتهينا إلى أن التربية هي مجموع الأفعال التي تمارس على الطفل لتنشئته و تكوين شخصيته تكوينا منسجما و متكاملا... غير أن درجة تأثير الممارسة التربوية، و التغييرات التي يمكن إحداثها في شخصية الطفل كانت محط اختلاف الدارسين، و لا يزال التباين حول إمكانات التربية و حدودها إشكالا فلسفيا قائما تعبر عنه بوضوح جملة من الأسئلة الفلسفية من قبيل:
    ـ هل بمقدور التربية أن تحقق مشروعها بصورة مطلقة ؟
    ـ هل يمكن الذهاب بعيدا في الحديث عن تأثيرات التربية على الطفل لحدّ القول أن بمقدورها تشكيل هذا الأخير كيفما كان التوجه أو الاختيار المنطلق منه ؟
    ـ هل هناك حدود ترتبط بطبيعة المتربي يصعب تخطيها في بعض الأحيان؟


    1) التربية و أنسنة الإنسان:
    لقد قدمت ظاهرة الأطفال المتوحشين خدمات هامة في موضوع "إمكانات التربية" لتحديد الدور الذي تلعبه الممارسة التربوية بالنسبة للإنسان. و تتمثل هذه الظاهرة في أطفال تواجدوا ،لسبب أو لآخر، مع الحيوانات،حيث عاشوا بينها فترة من الزمن، و في أماكن متعددة أشهرها إيطاليا و السويد و بلجيكا و هنغاريا و ألمانيا و فرنسا … و في السنوات الأخيرة الجزائر (1990).
    و يمكن القول بأن القاسم المشترك بين جميع حالات الأطفال المتوحشين، كما تظهر التقارير التي أنجزت بشأنها، هو أن هؤلاء الأطفال عندما عُثر عليهم، لم يكونوا يمتّون للإنسان بصلة سوى بالشكل الفيزيولوجي، هذا إن غضضنا الطرف عن التغيرات التي تلحق بعض الجوانب الفيزيولوجية بفعل تأثير المناخ الطبيعي و ظروف التنشئة داخل مجتمع الحيوان.
    فكل الصفات الإنسانية من وقوف على القدمين،و أكل باليدين، و تعبير باللغة، و ضحك … لم تعرف طريقها إلى هؤلاء الأطفال. فالطفلة الجزائرية "نورا" ـ كما أوردت جريدة الاتحاد الاشتراكي بتاريخ 11 أكتوبر 1990 ـ طفلة غير شرعية اضطرت معها جدتها إلى وضعها في مربط للثيران و البهائم بإسطبل المنزل.لم تر " نورا " النور، و لم تتحرك، و لم تلعب مدة ثماني سنوات كاملة. كل مهامها و أنشطتها الحيوية أنها كانت تأكل و تنام في الإسطبل في غياب كليّ لأيّ تواصل إنساني، و لم يُكشف عن أمر هذه الطفلة إلا بعد أن شبّ حريق بالبيت،حيث عثر عليها فريق الإنقاذ و هي شبه مقعدة، و لا تعرف من الكلام غير خوار البقر …

    و على الرغم من إيداعها مركزا لإعادة التقويم و التربية و مكوثها به مدة أربع سنوات، فإنها لم تستطع أن تتأنسن بالصورة الكاملة،بالرغم من أنها تمكنت أن تحرك أطرافها العلوية، و أن تنطق ببعض الكلمات سرعان ما كان يغلب عليها خوار البقر.
    نستنتج من هذه الحالة ، كما هي حالات أخرى ،أن الإنسان ،كما يؤكد العديد من المفكرين ، لا يولد إنسانا، و إنما يصير كذلك بفعل التربية،فما لم تكن هناك تربية إنسانية،لن تكون هناك وقفة مستقيمة، و لن تكون هناك ابتسامة، و لن تكون هناك لغة …
    مثل هذا التأكيد إذا يبرز قيمة التربية و دورها في أنسنة الإنسان،بل و ضرورتها في إكساب كلّ صفة إنسانية للطفل الناشئ.
    و لكن التساؤل الأساسي الذي يمكن طرحه الآن هو: هل بمقدور التربية أن تذهب بعيدا في الأنسنة ؟ أي هل بإمكانها أن تجعل من الإنسان ما تريد بغض النظر عن طبيعته و استعدادته ؟
    يحيل تناول هذا السؤال بالضرورة إلى إثارة موضوع يعدّ من أبرز المواضيع التي عالجتها فلسفة التربية، و هو علاقة التربية بالطبيعة الإنسانية.


    2) التربية و الطبيعة الإنسانية (الخيرة و الشريرة / السلبية و الإيجابية):
    إن الإشكال المحوري الذي ظل سائدا كلما أثيرت علاقة الطبيعة الإنسانية بالتربية يتمثل في هذين المتغيرين: خيرية الإنسان أو شرّيته،إيجابيته أو سلبيته، إذ بإقرار أسبقية شق معين منهما،يتقرر توجّهُ التربية و مقدار تحكمها في سيرورة البناء و التكوين.

    أ) طبيعة الطفل بين الخير و الشر:
    لقد ظل الاعتقاد السائد لدى العديد من المهتمين بالفكر النفسي و التربوي أن الإنسان عند ولادته يكون كائنا عدوانيا يأتي محملا بعدد من الدوافع الغريزية ذات التوجه الشرير، و هو لا يتوانى أبدا عن إشباعها. و كما يقول زاهي الرشدان واصفا نظرة التربية التقليدية إلى الإنسان:" الإنسان يحمل معه عددا من الغرائز التي تدفعه إلى الاعتداء و الوحشية، و هو يحمل معه عددا من الميول ليس لها أصل من الخير ... إن هذه الغرائز و الميول هي التي تمثل الإثم الذي ينزع إليه الإنسان، و هي التي تمثل الهوة التي تردى فيها آدم أبو الإنسانية".
    إن نفس هذه النظرة قد روّج لها مفكرون عديدون،سواء من العالم الإسلامي أو من العالم الغربي، يقول ابن مسكويه في كتابه " تهذيب الأخلاق" :" ... ذلك أن الطفل في ابتداء نشوئه يكون على الأكثر قبيح الأفعال ... فإنه يكون كذوبا يحكي و يخبر ما لم يسمعه و لم يره، و يكون نمّاما ذا فضولٍ".
    أما القدّيس سانت أوجستان فيرى أن: " الطفل الصغير هو في الواقع مخطئ كبير ... و أنه لا وجود لما يسمى بالبراءة الطفولية".


    إن هذه النظرة التقليدية المتحاملة على الطفل و على طبيعته لم تلبث أن ناهضتها الحركات الفكرية التي تزعمها رواد عصر النهضة في العالم الغربي، و في طليعتها الحركة الطبيعية التي قادها الفيلسوف و المربي الفرنسي جان جاك روسو، و التي تقوم على الإعلاء من شأن الطبيعة المادية و الطبيعة البشرية، و الإيمان بالطبيعة الخيرة للإنسان.
    و في نفس السياق،ألقت الدراسات المتنوعة في فروع علم النفس المختلفة (علم النفس الإكلينيكي،علم نفس الشخصية...) الكثير من الضوء على سلوك الأطفال، مؤكدة النظرة المتفائلة حول الطفل.فهذا كارل روجرز مثلا يلحّ على الطبيعة الإيجابية لنواة الشخصية، و يقول في هذا الإطار:" إن أحد المفاهيم الأكثر ثورية التي تولدت عن تجربتنا الإكلينيكية هو الاعتراف المتزايد بأن المركز الأساس و الأكثر عمقا من الطبيعة الإنسانية و الشرائح الأكثر باطنية من شخصية الإنسان،كلّ هذا إيجابيّ بطبيعته، و أنه في جوهره اجتماعي،متجه إلى الأمام،عقلاني و واقعي".


    ب) طبيعة الطفل بين الإيجابية و السلبية:
    اتضح لنا بأن الأدبيات الفلسفية التربوية قد تجاوزت النظرة السلبية للطفل/الإنسان، و أقتنع أغلبها بأن الطفل يولد و هو محمّل باستعدادات أولية تؤهله إلى التوافق التدريجي مع العالم الخارجي.
    لهذا،ستتمحور التوجهات التربوية الحديثة حول طبيعة الدور الذي يمكن أن يمارسه الطفل/المتربَّى في تنشئته، أي مدى مساهمة الذاتية إلى جانب مختلف أشكال الممارسة و التأثير التي يتلقاها من جميع الوسائط و المؤسسات التربوية.
    لقد اختلف الدارسون في تحديد مدى مساهمة ذات الطفل و فعاليتها إزاء مواقف التأثير المختلفة التي يتعرض لها نتيجة تفاعله مع عناصر المحيط المادي و الاجتماعي ـ الثقافي الذي يعيش فيه.
    لقد بالغ فرويد كثيرا في تقريره لسلبية الإنسان حينما قرّر أن الطفل عاجز بطبعه، و أنه لا يقوى على فعل شيء، و أنه دائما في وضعية العجز و الاعتماد الكلي على الغير. و إذا كانت النظرية الفرويدية (الأنا،الهو...) قد ركزت على العوامل الداخلية اللاشعورية في توجيه سلوك الفرد، فإن النظرية السلوكية هي الأخرى قد ركزت على العوامل الخارجية كمحددات رئيسية لسلوك الفرد. و هكذا أصبح الإنسان مع رائد السلوكية واطسن مجرد انعكاس شبه آلي للظروف الخارجية التي تحيط به.
    و لعلّ النقد الذي وُجّه للنظريتين الفرويدية و السلوكية، هو ما دفع الفلسفة عامة، و فلسفة التربية بصفة خاصة إلى طرح سؤال هام حول الجانب البارز الذي يحكم الجهاز النفسي ككلّ، و بعبارة أخرى: هل يُحكم هذا الجهاز (الشخصية الإنسانية) من الداخل أم من الخارج؟
    يمكن اختزال المواقف الفلسفية التي تناولت هذا الإشكال في تيارين عريضين متباينين:

    ـ التيار اللوكي و الطبيعة السلبية للإنسان:
    يذكر بعض مؤرخي الفلسفة أن أول عمل قام به جون لوك في كتابه " محاولة في الفهم الإنساني" هو تنحيته للمذهب الغريزي كي يتأتى له عرض المذهب الحسيّ أو التجريبي الذي يمثله. و يتلخص مضمون هذا المذهب في أن النفس في الأصل تكون كلوح مصقول لم يُنقش عليه أي شيء، و أن التجربة وحدها هي التي تنقش عليه المعاني و المبادئ جميعا.فالإنسان يولد ـوفق هذا التصورـ و عقله صفحة بيضاء،إنه سلبي، و هو لا يكتسب محتواه إلا عن طريق تأثير الحسّ و الترابط،شأنه في ذلك شأن العجين حين نشكل منها ما نريد.
    و لما كان العقل مجرد صفحة بيضاء، فليس المهم هو الكائن نفسه،بل المهم ما يحدث لهذا الإنسان من الخارج. و هكذا سينظر إلى التعلم على أنه مجرد استبدال لمثير فعّال بآخر أقوى منه.


    ـ التيار الليبنيتزي و الطبيعة الإيجابية للإنسان:
    ضمّن ليبنتز أهم تصوراته الفلسفية حول الإنسان في كتابه " محاولات جديدة في الفهم الإنساني"،تعقب فيه بالنقد و التحليل كتاب جون لوك المشار إليه آنفا.
    و يؤكد هذا التيار على أن الإنسان ليس مجموعة من الأفعال المتراكمة، كما أن الذات ليست مرتعا لهذه الأفعال التي تنطبع بفعل الخبرة و التجربة. إن الإنسان هو نفسه مصدر هذه الأفعال،يخلقها لمواجهة تغيرات و تبدلات الحياة.
    لقد عملت آراء كلّ من كانط و هربارت و ديوي ... على دحض مقولة الصفحة البيضاء، و إقرار مبدإ العقل الناشط عند الإنسان بدلها. و هكذا صارت الكثير من التيارات التربوية و السيكولوجية تستند اليوم على هذا الأساس، فعلم النفس الجشطلتي مثلا يُعتبرأكثر صور الإنتاج العقلي الناشط.


    خلاصة القول أن الإنسان عامة و الطفل خاصة،يمثل نظاما مفتوحا يكون دائما قابلا لأي تعديل هادف و بنّاء، و لعل أبرز دليل على ذلك هو ما استطاعت أن تصل إليه اليوم نظرية الوساطة البشرية من نتائج إيجابية، هذه الأخيرة تستطيع أن تحوّل الطفل، بعد تدخل دقيق من قِبَل وسيط بشري، من متلقٍ سلبي للمثيرات،إلى مُولّد فاعل للخبرات. و هو المنظور الذي تنزع التوجهات التربوية الحديثة إلى العمل على تطبيقه، و ذلك برفضها أن تكون التنشئة الاجتماعية للطفل عملية أحادية الجانب تقتصر على مؤسسات التربية (أسرة،مدرسة،إعلام...)، و تأكيدها على المشاركة الفاعلة من جانب ذاتية الطفل.


    خامساـ غايات التربية و أهدافها:
    غايات التربية:
    تنبثق الغايات عن التوجه العام للنظام التربوي، و عن النوايا الحضارية التي يريد المجتمع تحقيقها من وراء تربية الأطفال. و يمكن الحديث عن نوعين من الغايات: الغايات الفلسفية ( النظرية)، و الغايات الواقعية ( القائمة).

    أ-غايات التربية الفلسفية (النظرية)
    هي عبارة عن غايات مثالية ينادي بها الفلاسفة و الإصلاحيون في كل عصر من العصور، و تتميز بكونها غايات نظرية ما لم يوجد لها تطبيق في الواقع. هذه بعض الغايات التربوية الفلسفية حسب بعض العصور التاريخية:
    *أفلاطون (العصر القديم): "أن يصبح الفرد عضوا صالحا في المجتمع بما أن تربيته ليست غاية في حد ذاتها و إنما لنجاح المجتمع و سعادته."
    *فرنسيس بيكون ( عصر النهضة): " أن يعود الفرد طريقة الوصول إلى المعارف لا أن يجمعها بأية طريقة كانت."
    *جون ديوي (العصر الحديث): " الإعداد للحياة بالعمل و التجربة و بتنمية المواهب و الميول و القدرات."


    ب –غايات التربية الواقعية:
    على عكس الغايات الفلسفية النظرية فإن الغايات الواقعية تمتاز بكونها قائمة و تختلف من مكان أو مجتمع إلى آخر و من زمان إلى آخر...من الغايات التربوية للنظام التعليمي المغربي على سبيل المثال (قبل صدور الميثاق الوطني للتربية و التكوين):" تكوين المواطن المغربي تكوينا منبثقا من حاجات المجتمع و ثقافته و حضارته و جعله متشبثا بعقيدته و معتزا بمغربيته و بأصالة حضارته". أما الميثاق الوطني للتربية فقد تحدث في قسمه الأول (المبادئ الأساسية) بإسهاب عن الغايات الكبرى لنظام التربية و التكوين المغرب (سنعود لنقاشها عند الحديث عن غايات نظام التربية بالمغرب).

    ج ـ علاقة التربية ببعض القيم (الاستقلالية نموذجا)
    من غايات التربية: الاستقلالية، فماذا يقصد بالاستقلالية في ميدان التربية؟
    إليكم هذا التعريف الذي كتبه المختار شعالي (مستشار في التوجيه التربوي بنيابة سطات) في جريدة الاتحاد الاشتراكي سنة 2010:
    "إن الاستقلالية تعني المبادرة و الإبداع كما أنها تعني المسؤولية ، كلما كنت مستقلا في القيام بعمل ما ، كنت مسؤولا عن جودته . لذا فإن تحرير إرادة الفرد و إطلاق قدراته على التعبير و المبادرة و الفعل تنطلق من تربيته على الحس بالاستقلالية في المدرسة . يفترض إذن أن تشكل الاستقلالية هدفا محوريا للتربية ، حيث ينبغي على المدرسة أن تمنح فرصا للطفل ليتمرن على التدبير الذاتي لأموره سواء على مستوى إدراكه لذاته و لمحيطه المادي و الاجتماعي و السيكولوجي أو على مستوى الأسلوب الذي يختاره لنفسه في التواصل و التفاوض و التكيف مع هذا المحيط.
    لا يمكن أن يستقيم الحس بالاستقلالية دون الحس بالحرية و المسؤولية ، حيث تمكن الحرية من الوعي بالنمطية و الأحكام القائمة والسائدة التي يروج لها الوسط ، و التي تحد من الإدراك الواقعي للذات و المحيط الاجتماعي و الثقافي ، و تحد من قدراته على المبادرة و التجديد ، و بالتالي فإن الحرية سترفع من إبداعية الفرد لتجاوز إكراه وسطه و القيود التي تحد من طموحاته . كما أن الحس بالمسؤولية سيمكنه من اكتشاف ما هو مطلوب منه من جهد و استثمار لموارده مما يدعم تفتح شخصيته و إنمائها و إطلاق طاقاته و إمكانياته .

    يقود الحس بالاستقلالية إلى ثقة أكثر بالذات و الرفع من فعالية قدرات الفرد و استعداد أكثر لمواجهة مخاوفه ، و قابلية لفهم العالم الذي يعيش فيه دون تبنى بالضرورة المواقف و القيم السائدة و دون التقييد المفرط بالمعايير التي يفرضها المحيط ، و بالتالي لا يكون دائما في حاجة زائدة إلى إقرار و استحسان و رضا الآخرين . إذ يستعمل موارده الذاتية و تلك المتوفرة في المحيط بشكل جيد في بناء معارفه و قيمه و مواقفه ، كما أنه مؤهل أكثر للانخراط بحيوية في تحسين و تطوير الوضعيات التي يوجد عليها . و نتيجة ذلك أنه سيحقق نجاحا أكثر على المستوى الدراسي و يبدي تكيفا جيدا على المستوى الشخصي .
    فوق ذلك فإن الحس بالاستقلالية حاجة ذاتية ، حيث أن الفرد في حاجة إلى التعبير عن أحاسيسه و وجهة نظره و رؤيته للأمور، و في حاجة إلى القدرة على التواصل و نقل بأصالة التجارب التي يعيشها في الحياة اليومية وإيصالها بأسلوبه الخاص إلى الآخرين في سياق عملية الانفتاح على الخارج . إن الطفل ظل مند نشأته يحاول مقاومة الوصاية الزائدة التي يحاول الآباء فرضها عليه ، إذ سعى مبكرا إلى محاولة انتزاع حقه في الاعتماد على نفسه عند تناول الطعام و عند محاولاته الأولى للوقوف على قدميه و عند المشي في الطريق حيث يرفض بشدة القبض بيده . و قد تحمل الكثير من التأنيب و الضرب والعقاب ليتمكن من ممارسة استقلاليته في تدبير أموره من خلال المحاولة و الخطأ و الإقدام و المجازفة الضرورية لأي تعلم ، محفزا بالمتعة التي يجلبها من الإحساس بالقدرة على إنجاز ذلك و بالطموح إلى تحقيق إنجازات أخرى بمفرده .

    في الواقع فإن الحاجة إلى الاستقلالية ليست حاجة فردية فقط بل حاجة اجتماعية أيضا ، إذ أن المجتمع الذي يسعى إلى التطور و البقاء ينبغي أن يعتمد على مساهمة أفراده ، حيث يعتبر أن كل فرد له إمكانيات كامنة للفعل و التأثير ، إذ يعتبر فاعلا و محركا أساسيا لهذا الميكانيزم الاجتماعي الضخم الذي يحدد غالبا أنماط التفاعل و النجاح والفشل أيضا . ذلك أن المجتمع يمثل المجال و الفضاء الذي يسمح للفرد بتحيين و تصريف قدراته و إمكانياته عبر منحه استقلالية أكثر في القيام بذلك ...

    أهداف التربية:
    و تصنف هنا حسب صفاتها على ممر العصور :
    1. الهدف المحافظ : و هو الهدف الذي كان سائدا في المجتمعات البدائية، حيث كان الأهل يربون الناشئة على ما كان عليه الراشدون، و كان الأطفال يتعلمون ما ينتظر القيام به حين يصبحون راشدين.
    2. التربية كإعداد للمواطن الصالح : فقد كانت أهداف التربية في الدول السابقة هي إعداد الفرد لذاته و تنمية الصفات المطلوبة و المرغوبة.
    3. التربية كإعداد يحقق الأغراض الدينية : إن أرفع العلوم حتما هو معرفة الله و صفاته، و لكن العلوم لم تتقيد بهذا الحد.
    4. التربية الإسلامية (وهي جزء من التربية الدينية): التربية الإسلامية هي عملية بناء الإنسان و توجيهه لإعداد شخصية وفق منهج الإسلام وأهدافه في الحياة.
    5. النزعة الإنسانية في التربية : إن التربية الكاملة هي تلك التي تمكن الفرد من أن يقوم بكل الواجبات الخاصة و العامة، وقت السلم و زمن الحرب بكل حذاقة و اعتزاز.
    6. المعرفة و طريقة البحث كهدف أعلى للتربية : بدا توسع العلوم واضحا منذ مطلع القرن السابع عشر، و كان من نتائجه وقوف الفكر الإنساني أمام هذا الاتساع وقفة حائرة تتمثل في كيفية الإحاطة الكاملة بهذه المعارف، و إيجاد طريقة كوسيلة لازمة للوصول إلى المعرفة.
    7. التربية كنمو فردي متناسق : لقد تركت الأهداف التربوية لروسو أثرا بالغا في الفكر التربوي المعاصر، و هي تشديدها على النمو الذاتي الداخلي للطفل نموا يحقق له وحدة شخصيته و تناسقها و انطلاقها و إن اختلفت معه في التفاصيل.


    سادساـ نماذج من الفلسفات التربوية
    لقد عرف المجتمع الإنساني فلسفات تربوية عدة،بعضها تواجد في نفس الحقبة التاريخية، و بعضها الآخر تدرج مع تطورتاريخ المجتمعات، مسايرا بذلك التحولات الكبرى التي شهدتها النظريات التربوية.
    و لذلك يجد الدارس عند استقرائه للفلسفات التربوية و اتجاهاتها أن هناك من ينطلق من أساس التقابل بين الفلسفات، كالفلسفة الحديثة مقابل الفلسفة التقليدية،الفلسفة العربية الإسلامية مقابل الفلسفة الغربية، كما أن هناك من ينطلق من الأساس الكرنولوجي في عرض المذاهب و التيارات الفلسفية التربوية.و على العموم سيتم الاقتصار في هذا المحور على ثلاثة نماذج من الفلسفات التربوية، على أن التفصيل يستلزم الرجوع إلى المراجع المختصة التي تمت الإحالة عليها ضمن بيبليوغرافيا هذا الموضوع.


    1) الفلسفة التربوية الطبيعية:
    تستمد الفلسفة التربوية الطبيعية مقوماتها من الفلسفة الطبيعية التي تمتد جذورها عبر التاريخ. و يمكن إجمال أهم المبادئ التي ارتكزت عليها الفلسفة التربوية الطبيعية فيما يلي:
    + الإعلاء من شأن الطبيعة و الإيمان بوجوب مراعاة قوانينها في الممارسة التربوية،فالطبيعة الإنسانية تتطور وفق قوانين ثابتة تشبه تلك القوانين التي تحكم الظواهر الطبيعية، و أي فساد يلحق الإنسان لا يعود بالضرورة إلى طبيعته الأصلية، و إنما إلى البيئة التي نشأ فيها ، لذلك ينبغي أن نثق في الطفل و في قدراته و إمكاناته.
    +الإيمان ببراءة الطفل و خيرية طبيعته الأصلية،فهو يولد خيّرا، و أي ميل إلى الشرّ يظهر لديه إنما يرجع إلى الظروف الاجتماعية التي أثّرت فيه.
    + الاعتماد على الطرائق و الأساليب التربوية التي تساعد الطفل على تحقيق نموه الطبيعي، و من أبرزها:
    + تجنب أي تدخل من المربي بغاية توجيه الطفل أو التأثير عليه.
    + إلغاء المواد النظرية و الإحالة على الطبيعة، و الانطلاق من الخبرة المباشرة.
    + إعطاء الحرية للطفل و احترام ميولاته.
    + التمييز بين المستويات العمرية في التربية، و تخصيص ما يناسب من الأنشطة و المحتويات لكل فئة عمرية.


    ب) الفلسفة التربوية البراجماتية:
    تعد التربية البراجماتية تطبيقا مباشرا للفلسفة البراجماتية، و هي فلسفة تدعو إلى التخلي عن الفلسفة القديمة الموغلة في التأمل و التجريد، لتركز بالمقابل على الحلول العملية للمشاكل الاجتماعية.
    و قد انعكس التصور الفلسفي البراجماتي على العمل التربوي انعكاسا كبيرا، فتماشيا مع المبادئ العامة التي ارتكزت عليها الفلسفة البراجماتية،تأسس التيار التربوي البراجماتي، و حدد لنفسه توجهه العام من مبادئ و أهداف. و من أبرز المعطيات التي تميز التربية البراجماتية :
    + التربية هي الحياة نفسها و ليست مجرد إعداد للحياة.
    + ليس للتربية هدف خارج عن عملية التربية ذاتها (التربية من أجل التربية).
    + المركز الحقيقي للمنهاج الدراسي هو نشاطات المتعلم الذاتية و خبراته.
    + الطرائق التعليمية المجدية هي التي تقوم على الإعلاء من شأن الخبرة.


    ج) الفلسفة التربوية الإسلامية:
    تستمد الفلسفة الإسلامية معظم طروحاتها من مصدرين أساسيين: القرآن الكريم و السنة النبوية. و يمكن تحديد المميزات الكبرى للفلسفة التربوية الإسلامية فيما يلي:
    + البدء بالفرد و الانتهاء بالمجتمع الإنساني عامة.
    + البدء بالحياة الدنيا و الانتهاء بالحياة الآخرة.
    + تعريف الإنسان بخالقه و خالق الكون، و بناء علاقة بينهما على أساس ربانية الخالق و عبودية المخلوق.
    + تدريب الفرد و تمكينه من المهارات الضرورية لمواجهة متطلبات الحياة المادية.
    + غرس الإيمان بوحدة الإنسانية و المساواة بين جميع الأجناس...


    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ
    بعض المراجع التي يمكن الرجوع إليها للتوسع و الإغناء:

    ـ " فلسفة التربية " أوليفيي ريبول.
    ـ "التربية التقليدية و موقفها من العملية التربوية" عبد الله زاهي الرشدان.
    ـ " تطور النظريات و الأفكار التربوية" عمر محمد التومي الشيباني.
    ـ " المناهج التربوية" صالحة سنقر.
    ـ "أصول التربية الثقافية و الفلسفية" محمد منير مرسي.

    لتحميل الموضوع:
    http://up.dafatir.ma/do.php?id=2243


    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ

    + عرض حول فلسفة التربية بالباوربوانت من إعداد الأخ Abou_Aya
    http://up.dafatir.ma/do.php?id=2153

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ

    المجال الفرعي الثاني: سوسيولوجيا التربية


    تعريف سوسيولوجيا التربية


    يمكن اعتبار سوسيولوجيا التربية،بصفة عامة،كفرع من فروع علم الاجتماع الذي يدرس التربية كظاهرة اجتماعية.و تحفل أدبيات سوسيولوجيا التربية بعدة تعاريف نذكرمنها:

    - علم اجتماع التربية: يدرس العوامل الاجتماعية التي تؤثر في السيرورة المدرسية للأفراد: تنظيم النسق/الجهاز المدرسي ،ميكانيزمات التوجيه، المستوى السوسيو- ثقافي للآباء،استدماج القيم و المعايير الاجتماعية من طرف المتعلمين،مخرجات النسق التعليمي.(Pédagogie:dictionnaire des mot clés…1997).

    - سوسيولوجيا التربية:أو المقاربة السوسيولوجية للتربية...مفادها إسقاط النظريات و القوانين السوسيولوجية على الواقع التربوي و التعليمي،من خلال دراسة و تحليل النماذج التربوية و الطرق و التقنيات و الأساليب التربوية و القضايا و المشكلات أو الإشكاليات التي تتكون داخل المؤسسات التعليمية النظامية و غير النظامية. و تتم هذه الدراسة السوسيولوجية من خلال عملية تحليل تفاعل العناصر التربوية و التعليمية داخل نسقها الاجتماعي؛ و في إطار نظرية شمولية ، تدرك مختلف العلاقات القائمة في عملية التفاعل بين مكونات البنية أو النسق التي توجد ضمنه الظاهرة التربوية(عبد الكريم غريب،2000،بتصرف).

    - هي مقاربة للظاهرة التربوية مقاربة سوسيولوجية تعتمد على القواعد المنهجية للسوسيولوجيا في دراسة وتحليل الظروف و الملابسات الاجتماعية المحيطة أو المؤطرة للموقف التربوي(سلسلة التكوين التربوي،عدد1، طبعة97-98)

    مجالات سوسيولوجيا التربية:

    هناك عدة مجالات تشتغل حولها سوسيولوجيا التربية،و هي مجالات متنوعة و متزايدة باستمرار،مما يجعل مسألة تحديدها بدقة و شمولية أمرا صعبا.لذا نكتفي بهذا التحديد لأهم مجالاتها:

    1) مجال المدخلات:
    أ- التلاميذ: و تنصب الدراسة هنا حول العوامل الفزيقية و النفسية و العقلية و الاجتماعية، كالسن و الجنس و مستوى الذكاء و المنشأ الاجتماعي و الثقافة...حيث يتعلق الأمر بسيكولوجية و بسوسيولوجيا التلميذ(مقاربة سيكو- سوسيولوجية)
    ب- هيأة التدريس و الإدارة: يتم التركيز هنا على المتغيرات المهنية و السياسية، كمستوى التكوين،و نمط الاختيار، و التموقع في البنية الاجتماعية، و التوجهات السياسية و النقابية...

    2) مجال المخرجات:
    و يرتبط بتلقين النظام الأخلاقي و المعارف، و بنمط البيداغوجيا و قواعد التقييم...
    أ- تلقين النظام الأخلاقي و المعارف: هرمية المعارف،تقسيمها الأفقي(علوم أو آداب،علوم صرفة أو علوم تطبيقية)، القواعد الصريحة او الضمنية التي تتحكم في النظام الأخلاقي(القيمي) و في المعارف، عواقب هذه الهرمية على مستوى تشكيل الهوية المدرسية للمتعلمين.
    ب- نمط البيداغوجيا: يهتم هنا بالكيفية التي تلقن بها المحتويات، و بتكنولوجيات التعليم( الوسائط الديداكتيكية) و باستعمال الزمن الذي يعكس في جزء منه الأهمية الاجتماعية للمواد الدراسية،و بطبيعة العلاقات بين المعلم و المتعلمين،و ببنية السلطة داخل القسم..
    ج- التقويم: و يرتبط بالقواعد الظاهرة أو الكامنة المهتمة باصطفاء و انتقاء الأفراد.
    و هناك مجالات أخرى اهتمت بها سوسيولوجيا التربوية، كدراسة الأنظمة التعليمية و تحليلها،التنظيم المدرسي و علاقته بسوق العمل، البحث في الأصل الاجتماعي للتلاميذ و علاقته بالتحصيل و النجاح المدرسيين، الفشل المدرسي، المساواة و تكافؤ الفرص و الفشل التربوي،الديمقراطية والتعليم...
    و كمثال، نجد أن بعض المواضيع السوسيوتربوية تتمثل في: المردود المدرسي في علاقته بالامتيازات الثقافية، العوائق السوسيواقتصادية و الثقافية عند الطفل/ المتعلم، تأثير البيئة الحياتية على لغة التلاميذ،التناغم و التنافر بين الانظمة التربوية و الحاجات الاجتماعية- الاقتصادية للجماعة، المنبت/الأصل الاجتماعي للمتعلم و الارتقاء الجامعي،الطبقات الاجتماعية و البنى الفكرية لجمهور المدرسة، دمقرطة التعليم و التفاوت بين الأقاليم،انعكاسات الوقائع الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية على بنى التعليم و على المناهج و الطرائق و إعداد المعلمين.(سلسلة التكوين التربوي،عدد3، 2001 ).

    المقاربات و التيارات السوسيوتربوية:

    يعرف حقل سوسيولوجيا التربية مقاربات متعددة للظاهر التربوية في بعدها الاجتماعي،و منها يمكننا التعرف على المقاربات التالية:

    1- المقاربة الوظيفية:
    تنظر الوظيفية إلى المجتمع باعتباره" نسقا اجتماعيا واحدا،كل عنصر فيه يؤدي وظيفة محددة" و تؤكد كذلك على"ضرورة تكامل الأجزاء في إطار الكل". و عليه،ترى الوظيفية المجتمع باعتباره نسقا اجتماعيا متكاملا،يقوم كل عنصر من عناصره بوظيفة معينة للحفاظ على اتزان النسق و استقراره،و توازن المجتمع و استمراره،و معالجة الخلل دون المساس بالنظام الاجتماعي القائم،من خلال الاتفاق على معايير التنظيم الاجتماعي التي يجب الخضوع لها و الاشتراك في قيم الحياة الاجتماعية التي يجب الالتزام بها من أجل صيانة المجتمع و ترسيخ استقراره و استمراره.
    و تحت تأثير الوظيفية، تم الاهتمام بدراسة العلاقات المتبادلة بين المجتمع كبناء و التربية كنظام و المدرسة كمؤسسة اجتماعية ترتبط بالمؤسسات الاجتماعية الأخرى، و تتفاعل معها في تحديد وظائفها و تحقيق أهدافها. و عليه،تم التركيز على العلاقة بين المجتمع و التربية و التعليم و الاقتصاد من أجل تكييف عناصر النظام الاجتماعي و وظائفه، حتى يستمر في البقاء و العمل في انتظام؛فتم الربط بين التربية و البيئة الاجتماعية،من خلال انتقاء و توزيع و تدريب و إعداد قوى العمل اللازمة لسوق العمل؛و ينصب الاهتمام كذلك على رصد كل أنواع الخلل التي تعوق نظام التعليم عن تأدية وظيفته في تدريب الأفراد و تصنيفهم و تشكيلهم في مكانتهم الاجتماعية التي يستحقونها طبقا لقدراتهم العقلية و إنجازاتهم الدراسية. و انطلاقا من المقاربة الوظيفية، تم الاهتمام بمعالجة الخلل في النظام التعليمي من خلال التركيز على دراسة نظام التعليم ذاته، أو في علاقته بالنظم الفرعية الأخرى في المجتمع دون أن تشير إلى الخلل القائم في النظام الاجتماعي العام.

    2- المقاربة النقدية (الراديكالية و الصراعية):
    تضم هذه المدرسة مختلف التيارات النقدية الراديكالية (في مقابل المحافظة) التي عملت على نقد الواقع و المعارف الاجتماعية القائمة، من أجل مجتمع أكثر عدلا و رقيا، و من أجل محاربة الاستلاب الإيديولوجي و المعرفي. و كرائدة لهذا التيار،اشتهرت مدرسة فرانكفورت،و هي تضم مجموعة من المثقفين اليساريين ذوي النزعة الماركسية الجديدة،و بدأت نشاطها في أوائل الثلاثينيات من القرن 20،" كنظرية نقدية للمجتمع"،بحيث عمل أعضاؤها على الاهتمام بفحص أشكال الحياة الاجتماعية و نقدها،و البحث في أصولها و جذورها،و المصالح التي تعبر عنها، والمعارف التي ترتبط بها، و المشكلات التي تنشأ فيها، و الأزمات التي تعاني منها.كما حرصوا على كشف ماهو فاسد في الواقع السائد، و العمل على تغييره، و رفض القيم التقليدية البالية و المعايير الاجتماعية الجامدة، و السعي إلى تجاوزها و استبدالها بقيم و معايير أخرى أصلح للتغيير. و كانت الرسالة الأساسية لمدرسة فرانكفورت هي مواجهة كافة التنظيرات التي تنكر أو تغفل ذاتية الإنسان و وعيه و فعاليته.
    كما نجد بأن هناك من صنّف هذه التيارات النقدية في فئة المقاربات الصراعية، التي تعتقد بان المدرسة لا تنتقي من هو أكثر قدرة و إنتاجية و ذكاء، و إنما من هو أكثر مطابقة ومسايرة لتمثلات و توقعات الفئة التي تمتلك سلطة ضبط النظام التعليمي،للمحافظة أو الزيادة في امتيازاتها و سلطتها داخل المجتمع.(سلسلة التكوين التربوي، عدد3).
    و عليه فإن المدرسة تستعمل كأداة للصراع الطبقي و السياسي و الاجتماعي،و قد عمل أصحاب التيار النقدي أو الصراعي على تحليل و توضيح هذا الصراع و آلياته السوسيوتربوية.
    و قد تم توجيه الاهتمام من خلال النظريات التربوية النقدية نحو ربط المعرفة التربوية بالمصالح الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية،و أن المعرفة التي تقدم للمتعلمين بالمدارس إما أن تكون معرفة تبريرية،تسعى للدفاع عن مصالح معينة،و تبرير أوضاع سياسية محددة،أو معرفة تحريرية تكشف الأوضاع الفاسدة و الأفكار الزائفة،و تحرير الإنسان من القهر التربوي و السياسي، والاستغلال الاجتماعي عامة. كما تم طرح الأسئلة حول إنتاج المعرفة و شرعيتها و توزيعها و تقويمها داخل المدرسة،و نوع المصالح التي تدافع عنها، و الفئات التي ترتبط بها خارج المدرسة،و شكل العلاقات و المبادئ التي تؤكدها،و السياسات التي تحكمها، و المؤسسات التي تتحكم فيها في إطار ثقافة و مجتمع معيين.

    3-المقاربات ذات النموذج المفسر:
    عكس المقاربات النقدية و الصراعية التي اهتمت بما يجري داخل النظام المدرسي التربوي و المدرسي من عمليات إعادة الإنتاج و التحكم السلطوي و الإيديولجي في الطبقات الاجتماعية، فإن أصحاب هذه المقاربة ذات النموذج التفسيري، اهتموا فقط بدراسة المنظومة التربوية من الخارج، من خلال دراسة التأثيرات المدرسية التعليمية،معتمدين على ترسانة من الإجراءات الإحصائية و الوصفية و الاستدلالية، محاولين بالأرقام و الإحصائيات تبيان محدودية علاقة المدرسة بالحراك الاجتماعي.
    و هناك عدة أطروحات التي اعتمدت نموذجا معينا للتفسير، كالنموذج الإحصائي لجينكس، والنموذج النسقي لسوروكن،والنموذج النسقي-التركيبي لبودون ،الذي سنحاول التطرق إليه لأهميته وشموليته.
    ينطلق بودون من مبدإ مفاده أن مشكلة الحراك الاجتماعي أو عدم تكافؤ الفرص،هي نتيجة لمجموعة من المحددات التي لا يمكن تصورها منعزلة بعضها عن البعض، و إنما يجب التعامل معها كمجموعة تشكل نسقا.و انطلاقا من معطيات إحصائية،حاول بودون تقديم نموذج نسقي تفسيري لمسارت التمدرس والتراتبية الاجتماعية في المجتمع الصناعي الليبرالي،انطلاقا من متغيرات المنشأ العائلي و مستوى الدراسة و الوضع الاجتماعي...و قدم نموذج بودون تفسيرا إجماليا نسقيا لعدد من الظواهر الإحصائية(كمنافذ الشغل و الدراسة و المواقع) و المعطيات السوسيولوجية.و كأمثلة لبعض النتائج التي توصل إليها بودون: في مجتمع تراتبي يستعمل نظاما متنوعا و هرميا من الكفاءات،فإن الدمقرطة تعرف بالضرورة حدودا لايمكن تجاوزها؛عدم تكافؤ الفرص ينجم بالضرورة عن التقاء نسقين:نسق المواقع الاجتماعية و نسق المسارات الدراسية،حيث نظام اجتماعي تراتبي و نظام تربوي هرمي لا يمكن إلا أن ينتج عنهما لا مساواة و عدم تكافؤ الفرص؛الحراك الاجتماعي يتأثر كثيرا بالتركيب بين بنية الهيمنة و بنية الجدارة والاستحقاق،إذ أن بنية الجدارة و الاستحقاق تعني أن مستوى الدراسة هو الذي يحدد الموقع الاجتماعي للأفراد،أما بنية الهيمنة فهي على عكس بنية الاستحقاق، تقلل أو تضعف من فعل الجدارة أو الاستحقاقات،لأنها نابعة من كفاءات الأفراد ذوي المنشأ الاجتماعي المرتفع، حيث يهيمنون على أحسن المواقع، و هكذا يكون الأفراد الذين لهم نفس المستوى الدراسي(نفس الشهادات الدراسية) يحصلون على موقع اجتماعي مرتفع بقدر ما يكون مستواهم(موقعهم)الاجتماعي مرتفعا.(سلسلة التكوين التربوي،عدد5. 5،2001، بتصرف)

    4-المقاربة التفاعلية الرمزية :
    تعتبرُ التفاعلية الرمزية واحدةٌ من المحاور الأساسيةِ التي تعتمدُ عليها النظرية الاجتماعية، في تحليل الأنساق الاجتماعية.و هي تبدأ بمستوى الوحدات الصغرى منطلقةً منها لفهم الوحدات الكبرى، بمعنى أنها تبدأُ بالأفراد و سلوكهم كمدخل لفهم النسق الاجتماعي. فأفعالُ الأفراد تصبح ثابتةً لتشكل بنية من الأدوار؛ و يمكن النظر إلى هذه الأدوار من حيث توقعات البشر بعضهم تجاه بعض . و هنا يصبح التركيز إما على بُنى الأدوار و الأنساق الاجتماعية، أو على سلوك الدور و الفعل الاجتماعي.
    ومع أنها تَرى البُنى الاجتماعية ضمناً، باعتبارها بنى للأدوار بنفس طريقة بارسونز، إلا أنها لا تُشغل نفسها بالتحليل على مستوى الأنساق، بقدر اهتمامها بالتفاعل الرمزي المتشكِّل عبر اللغة، و المعاني، و الصورِ الذهنيةِ، استناداً إلى حقيقةٍ مهمةٍ، هي أن على الفرد أن يستوعب أدوارَ الآخرين.
    إن أصحابَ النظريةِ التفاعلية يبدَءأون بدراستهم للنظام التعليمي من الفصل الدراسي (مكانَ حدوثِ الفعلِ الاجتماعي). فالعلاقةُ في الفصل الدراسي بين التلاميذِ و المعلم، هي علاقةٌ حاسمةٌ؛ لأنه يمكن التفاوضُ حول الحقيقة داخل الصفّ، إذ يُدرك التلاميذ حقيقةَ كونهم ماهرين أو أغبياءَ أو كسالى. و في ضوء هذه المقولات يتفاعل التلاميذ والمدرسون بعضهم مع بعض، حيث يحققون في النهاية نجاحاً أو فشلاً تعليمياً.
    مصطلحاتُ النظريّة التفاعلية الرمزية:
    - التفاعل: وهو سلسةٌ متبادلةٌ و مستمرةٌ من الاتصالات بين فرد و فرد، أو فرد مع جماعة، أو جماعةٍ مع جماعة.
    - المرونة: و يقصد بها استطاعةُ الإنسان أن يتصرفَ في مجموعةِ ظروفٍ بطريقة واحدة في وقت واحد، و بطريقةٍ مختلفة في وقتٍ آخرَ، و بطريقةٍ متباينة في فرصةٍ ثالثة.
    - الرموز: و هي مجموعةٌ من الإشارات المصطَنعة، يستخدمها الناسُ فيما بينهم لتسهيل عمليةِ التواصل، و هي سمة خاصة بالإنسان.
    - الوعيُ الذاتي: و هو مقدرةُ الإنسان على تمثّل الدور، فالتوقعات التي تكُون لدى الآخرين عن سلوكنا في ظروف معينة، هي بمثابة نصوصٍ يجب أن نَعيها حتى نُمثلَها،

    5- المقاربة السوسيوبنائية:
    المقاربة السوسيوبنائية، تنطلق من ثلاثة أبعاد أساسية:
    - البعد البنائي لسيرورة تملك المعارف و بنائها من قبل الذات العارفة.
    - البعد التفاعلي لهذه السيرورة نفسها،حيث الذات تتفاعل مع موضوع معارفها، و المراد تعلمها.
    - البعد الاجتماعي (السوسيولوجي) للمعارف و التعلمات حيث تتم في السياق المدرسي، و تتعلق بمعارف مرموزة من قبل جماعة اجتماعية معينة.و عليه فإن المقاربة السوسيوبنائية هي مقاربة بنائية تفاعلية اجتماعية.

    لتحميل الموضوع:
    http://up.dafatir.ma/do.php?id=2394

    موضوع الأخت pr asma :
    http://up.dafatir.ma/do.php?id=2299

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ

    المجال الفرعي الثالث: سوسيولوجيا النظام التربوي بالمغرب و تاريخه:

    مقدمة:
    يتبوأ التعليم، عبر التاريخ، مكانة أساسية في حضارة الأمم و الشعوب عامة، و في البلاد العربية و الإسلامية خاصة، فالدين الإسلاميّ الحنيف يحثّ على العلم، و يُعلي من شأنه لما ينطوي عليه من فضائل. يقول الله تعالى: " ... الراسخون في العلم منهم و المومنون يومنون بما أنزل إليك و ما أنزل من قبلك و المقيمين الصلاة. و الموتون الزكاة و المومنون بالله و اليوم الآخر،أولئك سنوتيهم أجرا عظيما". سورة النساء، الآية 162. و قال أيضا : " ...يرفع الله الذين آمنوا منكم و الذين أوتوا العلم درجات، و الله بما تعملون خبير". سورة المجادلة،الآية 11. و في الآية 09 من سورة الزمر قال تعالى: " قل هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون، إنما يتذكر أولوا الألباب"....
    كما أن وصية الرسول (ص) " اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد " دليل واضح على أن المبادئ الإسلامية تقوم على المعرفة و العلم، و أن الجهل لا محلّ له في الحياة الإسلامية. هذه القواعد الإسلامية ،و غيرها كثير،تعطي التعليم القيمة التي يستحقها، باعتباره ركيزة كلّ تقدم و ازدهار،علما أنه كلما انخفضت نسبة التعليم و مردوديته، تراجعت حضارة الأمة و تقلص شأنها.
    و المغرب من الدول الإسلامية التي اهتمت بالتعليم منذ القدم. و سنلقي في هذا الموضوع نظرة مقتضبة عن تطور نظام التعليم بالمغرب.

    أولا: التعليم بالمغرب قبل الحماية
    كان التعليم الإسلامي هو جوهر العملية التعليمية، و هدفها الأسمى، و موجهها الأساسي.فإذا تعلم الطفل القراءة و الكتابة ... فإن ذلك يعتبر استجابة للتوجيهات الإسلامية، و رغبة في فهم الدين و قواعده و أصوله... و بينت الدراسات التاريخية أن الدين الإسلامي كان حافزا مركزيا لكل طالب علم، و منه يتفرغ للعلوم الأخرى. و لقد كانت المؤسسات الإسلامية، كجامعة القرويين بفاس، و جامعة ابن يوسف بمراكش، بالإضافة إلى الزوايا المنتشرة في البلاد تقوم بهذا الدور في أغلب المناطق.

    1) الأهداف:
    ــ اكتساب العلم و المعرفة: باعتباره هدفا قديما و مستمرا (و قل ربّ زدني علما). فالتفاضل بين الناس يبدأ من مكتسباتهم العلمية و المعرفية، و ما تتركه من آثار إيجابية على مستوى سلوكاتهم و علاقاتهم.
    ــ ارتباط العلم ببعض الوظائف السامية: كالقضاء و الإمامة و التدريس و التسيير و السياسة، حيث كان التعليم شرطا أساسيا في تقلد زمام الأمة.

    2) البرامج:
    ــ حفظ القرآن الكريم، في المدن و البوادي على السواء، ابتداء من بلوغ الطفل الرابعة أو الخامسة من عمره.
    ــ حفظ الأجرومية و الألفية و منظومة ابن عاشر.
    ــ التعمق في الدين بواسطة دراسة بعض المصادر، و هذه المرحلة يصل إليها المتعلم بعد البلوغ و التمكن اللغوي الذي يتيح له التعامل مع النصوص و فهم مضامينها.
    ــ التفسير و العلوم الأخرى: حيث يخوض المتعلم في التفسير و الفرائض و الحساب و الأدب و التاريخ و الجعرافيا و الفلك و الطب و الهندسة ...و قد يضطر إلى الهجرة إلى المشرق العربي قصد تعميق دراساته بمؤسسات علمية كجامعة الزيتونة و الأزهر. و هذه المرحلة لا تنتهي بسنّ معينة، فهي تثقيف و تعلم مستمر، و لو حصل صاحبها على إجازة أو إجازات متعددة من شيوخه.

    3) الطرائق:
    كان التعليم يعتمد أساسا على الذاكرة لقلة المراجع، و يقوم على الإكراه، حيث يُعامَل المتعلم الصغير كأنه راشدٌ، و كانت مدينة فاس،إلى عهد قريب،العاصمة العلمية بدون منازع، لوجود جامعة القرويين، فقد ضمت سنة 1873 أزيد من ألف مُنتسب.

    4) الأنظمة:
    في منتصف القرن التاسع عشر ميلادي، ازدهر التعليم اليهودي،فشكل النواة الأولى للتعليم الأوربي بالمغرب، الذي فُتح لفائدة أبناء الجاليات الأوربية ابتداء من 1827، و في سنة 1847 كانت قد أُحدثت مدارس يهودية فرنسية في أهم المدن المغربية.
    و هكذا تشكل التعليم قبل الحماية من الأنظمة التالية:
    + نظام تقليدي أصيل: يضم الكتاتيب القرآنية، جامعة القرويين و ابن يوسف، و الزوايا.
    + نظام يهودي: يدرس فيه أبناء اليهود المغاربة.
    + نظام أوربي: و كان يشكل بداية التدخل الأوربي في المغرب.

    ثانيا: التعليم بالمغرب في عهد الحماية
    عرف المغرب، كغيره من دول العالم الثالث، نظاما دخيلا استعماريا، حوّل التعليم المحليّ الموروث إلى تعليم دخيل، يستجيب لواقع و طموحات المستعمر، و قد امتد أثر هذا التعليم إلى نمط التعليم بعد الاستقلال.

    1) الأهداف:
    ــ الاحتفاظ بالوضع الاستعماري القائم،بما يتميز به من فوارق اجتماعية و اقتصادية.
    ــ استغلال البلاد و السيطرة على مواردها الاقتصادية و البشرية.
    ــ خلق طائفة متعلمة محدودة المعارف و العدد، تتلاءم و الأهداف الاستعمارية.
    ــ طمس تدريجي لمعالم الثقافة و استلاب للحضارة الوطنية و الإسلامية، و تعويضها بالفكر الأجنبي الدخيل.
    و كان المستعمر يؤمن بأن الأهداف المذكورة،لا يمكن تحقيقها إلا عن طريق التعليم، فقد قال جورج هاردي، أحد المسؤولين عن التعليم الاستعماري بالمغرب: " يجب إخضاع النفوس بعد أن يتم إخضاع الأبدان".
    هذا و قد صدر بتاريخ 26/07/1920 أول ظهير بإحداث مديرية للتعليم قصد تنظيمه و تأطيره. و أقام المستعمر ثلاثة أنظمة للتعليم:
    + تعليم خاص بطائفة الجالية الأوربية.
    + تعليم خاص بطائفة اليهود المغاربة.
    + تعليم عمومي للمغاربة المسلمين، و ينقسم إلى:
    أ) تعليم لأبناء الأعيان و رجال المخزن و العلماء و التجار الكبار (و هو تعليم نُخبوي).
    ب) تعليم لأبناء عامة سكان المدن، و هو مهني حرفي.
    ج) تعليم لأبناء عامة سكان البوادي،يتوجه نحو الفلاحة و تربية الماشية.
    د) تعليم بربري (زيادة في التفرقة) ببعض المناطق كالأطلس المتوسط مثل ثانوية أزرو المشهورة.

    2) المحتوى:
    ــ اللغة الفرنسية باعتبارها اللغة الرسمية.
    ــ تاريخ فرنسا و حضارتها.
    ــ تاريخ المغرب (باختصار كبير).
    ــ اللغة العربية (حصص محدودة).
    ــ المواد الدينية بالنسبة لأبناء المغاربة.
    ــ المواد العلمية ذات الطابع النخبوي.
    ــ التعليم المهني الحرفي الذي يكوّن اليد العاملة المتوسطة.

    3) رد فعل وطني:
    لقد واجه المغاربة التعليم الاستعماري بالحذر و الرفض أحيانا لأنه كان يُنظر إليه باعتباره تعليما يجرد الطفل المغربي من هويته الوطنية و القومية و الدينية، مما أدى إلى ظهور تعليم حرّ وطنيّ، فانطلقت المدارس الحرة تدرس أبناء المغاربة تعليما عصريا باللغة العربية، و اضطرت الحماية الفرنسية إلى الاعتراف بهذا النوع من التعليم ابتداء من سنة 1944، مما جعله يعرف نموا سريعا. و قد عمد المستعمر ـ رغم ذلك ـ إلى مراقبة و توجيه التعليم الحرّ،فأصدر عدة نصوص تعطي الشرعية لهذه المراقبة.

    ثالثا: التعليم بالمغرب بعد الاستقلال

    1) نظرة موجزة:
    تميزت الفترة الموالية لحصول المغرب على الاستقلال بمواجهة مباشرة لمخلفات الاستعمار على جميع الأصعدة، و من أهمها ميدان التعليم، و وجدت الحكومة نفسها مضظرة للاستجابة إلى الإقبال الكبير على التعليم و التمدرس، في صفوف الكبار و الصغار.
    و هكذا ظهرت الحاجة إلى وضع استراتيجية مستقبلية للسياسة التربوية في شموليتها، تمثلت في عدة إجراءات أهمها:
    + القيام بحملة وطنية كبرى لمحاربة الأمية، في شكل دروس للرجال و النساء، بمساعدة متطوعين متحمسين و متشبعين بمفهوم الاستقلال و الوطنية.
    + تشجيع تمدرس الإناث، كما هو الشأن بالنسبة للذكور، باعتبار هذه الفكرة تدخل في إطار الأفكار المرتبطة بالديمقراطية و المساواة، و أن التعليم حق للجميع.
    + تحديد سنّ التمدرس سنة 1960 بالتعليم الابتدائي في السنة السابعة.
    + صدور ظهير شريف يحدد سنّ التمدرس الإجباري في السنة السابعة إلى متم السنة 13 من عمر التلميذ.
    و في إطار الإجماع الوطني، تكونت " اللجنة الملكية لإصلاح التعليم" بتاريخ 25 غشت 1957، ضمّت ممثلين عن الحكومة و الأحزاب الوطنية و الشخصيات المهتمة بميدان التعليم. و كان من نتائج أعمالها وضع أولويات كبرى تمثلت في :
    أ) تعميم التعليم: توسيع قاعدة العرض التعليمي و السعي لضمان استفادة أكبر قدر ممكن من الأطفال المستوفين للشروط النظامية.
    ب) تعريب التعليم:كان التعريب أحد الأهداف الكبرى التي تنادي به أغلب الشرائح الاجتماعية، و حتى تستجيب الإدارة لهذا المطمح، و تلبي في ذات الوقت الرغبة الجماهيرية إلى التمدرس،استعانت بأطر من الدول العربية كمصر و العراق و سوريا و الأردن.
    و هكذا استطاعت الوزارة الوصية على القطاع أن تحقق تعريب التعليم حسب المراحل التالية:
    ـــــ القسمان الأول و الثاني: تم تعريبهما سنة 1960 بشكل كامل (لا تدرس فيهما الفرنسية نهائيا).
    ــــ القسم الثالث:انتهي من تعريبه سنة 1981.
    ـــ القسم الرابع: سنة 1982
    ـــ القسم 5: سنة 1983
    ـــ التعليم الثانوي:عربت المواد الاجتماعية و الفلسفة خلال الموسم الدراسي 1974/1973. و ابتداء من السنة الدراسية 1984/1983 شرع في تعريب الرياضيات و العلوم بالسنة الأولى من التعليم الإعدادي، و استمر التعريب تدريجيا إلى أن حصل أول فوج على شهادة الباكالوريا المعربة في يونيو 1990.
    و تجدر الإشارة هنا إلى أن اللغة الفرنسية أصبحت تدرس بالتعليم الأساسي بسلكيه (الأول و الثاني) و بالتعليم الثانوي، بصفتها لغة أجنبية لا غير.
    ج) توحيد التعليم: منذ بداية الاستقلال و القوى الوطنية تنادي بتوحيد التعليم، و اتخذت إجراءات تنظيمية من أجل ذلك، منها على سبيل المثال إخضاع التعليم الخاص لمراقبة و هيكلة النظام التعليمي الرسمي، على مستوى المناهج و الكتب المدرسية و المراقبة و التأطير.
    د) تكوين و مغربة الأطر: عاش المغرب خلال الفترة الموالية للاستقلال حملة نشيطة و مكثفة في مجال تكوين الأطر التعليمية، ليستجيب لذلك الإقبال الكبير على التمدرس، فعملت الوزارة على إحداث عدة مؤسسات لتكوين الأطر المغربية، و من تلك المؤسسات:
    + المدراس الإقليمية للمعلمين و المعلمات، و التي أصبحت سنة 1979 مراكز لتكوين المعلمين و المعلمات.
    + المراكز التربوية الجهوية (1970) لتكوين أساتذة السلك الثاني من التعليم الأساسي في مختلف التخصصات.
    + المدارس العليا للأساتذة (1978) لتكوين أساتذة التعليم الثانوي في جميع التخصصات (التعليم العام و التقني).
    + مركز تكوين مفتشي التعليم (1969) لتكوين مفتشي التعليم الابتدائي و الثانوي.
    + مركز التوجيه و التخطيط التربوي (1977) لتكوين المستشارين و المفتشين في التوجيه أو التخطيط التربوي.
    هذا و قد لجأت الوزارة في السنوات الأولى إلى التوظيف المباشر (معلمين مؤقتين،معلمين متدربين،أساتذة متدربين) و أخضعت المستفيدين منه إلى إعادة التكوين و التكوين المستمر أثناء الخدمة أشرف عليها مفتشو التعليم و أساتذة مراكز التكوين.
    و يمكن القول بأن مغربة الأطر الإدارية و التربوية بوزارة التربية الوطنية كان من الأهداف الكبرى التي تحققت قبل غيرها، ففي التعليم الابتدائي تمت مغربة الأطر حوالي سنة 1965، أما في التعليم الثانوي، فقد تمت العملية بالتدريج حسب المواد التعليمية ابتداء من الموسم الدراسي 1974/1973 .

    و قد تبلورت الأهداف الوسيطية التي مكنت من تحقيق الأولويات الكبرى المشار إليها أعلاه في النقاط التالية:
    الاعتناء بالتكوين المهني و تكوين الأطر الصغرى و المتوسطة و العليا لسدّ الحاجيات في المدن و البوادي.***61520;
    العمل على ربط التعليم بالتنمية الشاملة.***61520;
    التفتح على تدريس مبادئ التكنولوجيا و توسيع مجال التعليم التقني و إعادة هيكلته.***61520;
    نهج سياسة اللاتمركز بتوسيع اختصاصات المصالح الخارجية و تبسيط المساطر الإدارية و إدخال الإعلاميات في***61520;
    التسيير.
    إشراك السلطات المحلية و المنتخبين و جمعيات الآباء في وضع المخططات التربوية و المساهمة في تأهيل ***61520;
    المؤسسات التعليمية.
    إحداث و تنظيم جامعة محمد الخامس بالرباط، و إعادة تنظيم جامعة القرويين بفاس و توالي إحداث الجامعات.***61520;
    عقد عدة مناظرات تلتقي فيها مختلف الشرائح الاجتماعية كالأحزاب الوطنية و النقابات المركزية و المختصين.***61520;

    2) هيكلة التعليم:
    تشكلت هيكلة التعليم إلى غاية يونيو 1985 في النظام التالي:
    أ) المرحلة ما قبل المدرسية: بقيت في إطار الكتاتيب القرآنية و رياض الأطفال موكولة في فتحها إلى الخواص،مع خضوعها لمراقبة الإدارة المختصة.
    ب) التعليم الابتدائي: و يشتمل على خمس سنوات و ينتهي بشهادة التعليم الابتدائي.
    ج) التعليم الثانوي: و يتكون من مرحلتين:
    + السلك الإعدادي: كان يضمّ ثلاث سنوات (السنة 1،2،3 ثانوي)، ثم أضيفت سنة رابعة (السنة 4 ثانوي)، و في نهاية هذه المرحلة يتم توجيه التلميذ إما إلى الشعبة الأدبية أو إلى الشعبة العلمية.
    + السلك الثانوي: يشتمل على ثلاث سنوات من التعليم (السنة 7،6،5 ثانوي)، تتفرع إلى تخصصات عديدة، و تتوج بشهادة الباكالوريا.
    د) التعليم العالي: و يشتمل على ثلاث سنوات في بعض التخصصات و أربع في تخصصات أخرى، تنتهي السنتان الأولى و الثانية بشهادة السلك الأول من التعليم الجامعي، و تختتم السنة النهائية بشهادة الإجازة.

    3) إصلاح النظام التعليمي:
    في سنة 1985 ، أعلنت الحكومة عن " إصلاح جذري " للنظام التربوي يشمل قطاعات التربية و التعليم التقني و التكوين المهني قصد تزويد المواطن المغربي بتكوين يؤهله ليكون قادرا على المساهمة المباشرة في تنمية البلاد. و قد دخل هذا الإصلاح حيّز التنفيذ في شتنبر من نفس السنة.و هكذا أصبح النظام التعليمي يشتمل على:
    أ) التعليم الأساسي: مدته تسع سنوات، يختتم بشهادة نهاية التعليم الأساسي أو التوجه إلى التعليم الثانوي. و قد قسمت السنوات التسع للتعليم الأساسي إلى أربع مراحل: السنتان 1 و 2 ،السنتان 3 و 4 ،السنتان 5 و 6 ،السنوات 8،7 و 9.
    ب) التعليم الثانوي: مدته ثلاث سنوات، و يستقبل تلامذة السنة التاسعة من التعليم الأساسي، و يتكون من عدة شعب ابتداء من السنة الأولى (الآداب،العلوم،التعليم الأصيل،التعليم التقني و الصناعي و الفلاحي)،ثم يتجزأ في السنتين الأخيرتين في نفس الشعب ،و يختتم بشهادة الباكالوريا أو بشهادة نهاية التعليم الثانوي (للذين لم يحصلوا على الباكالوريا).
    ج) التعليم العالي:و يشتمل على صنفين من التعليم:
    + التعليم العالي الجامعي: و تكونه الجامعات المغربية التي تضم الكليّات و بعض المعاهد العليا، و هي تابعة للتعليم العالي بوزارة التربية الوطنية .
    + التعليم العالي غير الجامعي:و يضم المدراس و المعاهد العليا التابعة لمختلف الوزارات التقنية، بالإضافة إلى المدارس و مراكز التكوين التربوي التابعة لإدارة التعليم الأساسي و الثانوي بوزارة التربية الوطنية.

    4) ما بعد إصلاح 1985:



    * المخطط الخماسي الخامس 1988-1992 والذي سمي ب "مخطط المسار" لأنه يقترح مسارات للتعليم قوامه جملة مقترحات منها على الخصوص ما يلي :
    إعادة توزيع مدة الدراسة بالمرحلة الإبتدائية والمرحلة الإعدادية والمرحلة الثانوية وذلك بتحويل المرحلة الإبتدائية والإعدادية إلى تعليم أساسي إجباري مدته تسع سنوات.
    *تعميم التمدرس على سائر الأطفال البالغين 7 سنوات في موسم 1994-1995م, وتوجيه التلاميذ إلى التكوين المهني. كما أكد على إشراك القطاع الخاص في مسلسل التكوين سواء على مستوى تحديد البرامج والأهداف أو على مستوى الدراسات والأبحاث, وتشجيع الأطر لخلق مقاولات صغرى متوسطة ومكاتب استثمارية بإنشاء صندوق دعم يخصص لمساندتهم ماليا, وتعميم الاستئناس بالمعلوميات على مستوى التعليم الثانوي في مؤسسات التكوين المهني وتكوين الأطر.

    *وفي سنة 2000م دخل المغرب غمار إصلاح جديد سمي بالميثاق الوطني للتربية والتكوين, و هو منظومة إصلاحية تضم مجموعة من المكونات والآليات والمعايير الصالحة لتغيير نظامنا التعليمي والتربوي وتجديده على جميع الأصعدة والمستويات قصد خلق مؤسسة تعليمية مؤهلة وقادرة على المنافسة والانفتاح على المحيط السوسيواقتصادي، ومواكبة كل التطورات الواقعية الموضوعية المستجدة، والتأقلم مع كل التطورات العلمية التكنولوجية ولاسيما في مجالات الإعلام والاقتصاد .
    ويتكون الميثاق الوطني من قسمين أساسيين: إذ خصص القسم الأول للمرتكزات الثابتة وواجبات كل الشركاء والمجهودات الوطنية لإنجاح الإصلاح، أما القسم الثاني فقد خصص لمجالات التجديد ودعامات التغيير.
    ومن هذه المجالات نشر التعليم وربطه بالمحيط الاقتصادي ومن دعامات هذا المجال تعميم التعليم الجيد في مدرسة متعددة الأساليب والتربية غير النظامية ومحاربة الأمية والسعي إلى خلق تلاؤم بين النظام التربوي والمحيط الاقتصادي، وبعد ذلك يتطرق الميثاق الوطني للتربية والتكوين إلى مجال التنظيم البيداغوجي التربوي ومن دعاماته إعادة هيكلة وتنظيم التربية والتكوين (التعليم الأولي والابتدائي التعليم الإعدادي، التعليم الثانوي، التعليم العالي والتعليم الأصيل). إضافة إلى ذلك هناك دعامتين أساسيتين لإصلاح المنظومة التربوية: الأولى تتعلق بالتقويم والامتحانات ترتبط بالتوجيه التربوي والمهني، أما المجال الثاني من مجالات التجديد فيتعلق بالرفع من جودة التربية والتكوين، من دعاماته مراجعة البرامج والمناهج والكتب المدرسية والوسائط التعليمية واستعمالها. إتقان اللغات الأجنبية والتفتح على الأمازيغية استعمال التكنولوجيا الجديدة والتواصل. أما المجال الرابع فيتعلق بالموارد البشرية للمنظومة التربية إتقان تكوينها وتحسين ظروف عملها ومراجعة مقاييس التوظيف والتقدم والترقية، وفي المجال الخامس تطرق الميثاق الوطني للتسيير العام وتقويم المنظومة التربوية باستمرار، وفي المجال الأخير يلح الميثاق على تشجيع قطاع التعليم الخاص وضبط معاييره وتسييره وخلق منحة الاعتماد للمؤسسات الخاصة ذات الاستحقاق.
    أما عن غاياته الكبرى فتتمثل في جعل المتعلم محور الإصلاح والتغيير عن طريق رفع مستواه التحصيلي والمعرفي والمهاري وذلك بتلبية حاجياته الذهنية والوجدانية والحركية، والعمل على تكوين أطر مستقبلية مؤهلة ومؤطرة ذات كفاءة قادرة على الإبداع والتجديد وتنمية البلاد، وتسعى بنود الميثاق إلى جعل المدرسة المغربية مدرسة منفتحة مفعمة بالحياة وجعل الجامعة كذلك جامعة منفتحة وقاطرة للتنمية...
    * المخطط الاستعجالي (2009- 2012):
    اعتمد في صياغة البرنامج على التقرير الوطني الأول حول حالة منظومة التربية والتكوين وآفاقها الذي أصدر سنة 2008 من طرف المجلس الأعلى للتعليم...وقد حضي هذا البرنامج بتوافق وطني بين جميع فئات المجتمع، حيث حدد المبدأ الجوهري لهذا البرنامج في جعل المتعلم في قلب منظومة التربية والتكوين مع تسخير باقي الدعامات الأخرى لخدمته خطة العمل التي يقترحها هذا البرنامج الاستعجال يتوخى تحقيق أهداف تدخل ضمن أربع مجالات أولية :
    1 - التحقيق الفعلي لإلزامية التمدرس إلى غاية 15 سنة .
    2 - حفز روح المبادرة والتفوق في المؤسسات الثانوية وفي الجامعة .
    3 - مواجهة الإشكالات الأفقية للمنظومة التربوية.
    4 - توفير وسائل النجاح.

    *25 يوليوز 2012: إعلان الوزير السابق (محمد الوفا) رسميا عن فشل البرنامج الاستعجالي للتعليم المدرسي...
    * الخطاب الملكي بمناسبة 20 غشت 2013: تشخيص قوي لأزمة التعليم و توجيهات سامية للنهوض بالقطاع، و تفعيل المجلس الأعلى للتعليم في انتظار إقرار النصوص القانونية المتعلقة بالمجلس الأعلى للتربية والتكوين الجديد...

    ـ لتحميل الموضوع:
    http://up.dafatir.ma/do.php?id=2395


    التعديل الأخير تم بواسطة الابن البار ; 14-11-2013 الساعة 23:23



صفحة 1 من 11 123 ... الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. دعوة للجميع : " خلية 2013 للتكوين الذاتي و المستمر "
    بواسطة abou_rayane في المنتدى دفـتـر التكوين المستمر والامتحانات المهنية
    مشاركات: 80
    آخر مشاركة: 04-10-2013, 23:31
  2. التكوين المستمر لفائدة أساتذة التربية التشكيلية
    بواسطة hilalo في المنتدى دفـتـر التكوين المستمر والامتحانات المهنية
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 07-12-2010, 11:50
  3. برنامج التكوين المستمر لأساتذة التربية الإسلامية بجهة الشاوية ورديغة.
    بواسطة مراد بن السائح في المنتدى دفـتـر التكوين المستمر والامتحانات المهنية
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 22-12-2009, 12:11
  4. برامج التكوين المستمر لوزارة التربية الوطنية
    بواسطة mustapham في المنتدى دفـتـر التكوين المستمر والامتحانات المهنية
    مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 30-05-2009, 18:45

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •