صفحة 1 من 34 12311 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 4 من 134
  1. #1
    تربوي ذهبي الصورة الرمزية عبدالرحيم محمد احمد
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    الدولة
    أجمل بلد في العالم !
    المشاركات
    2,571

    افتراضي قــراءات في الســرد العـربي..

    يسعدني أن أفتح هذا الدفتر ، من أجل متابعة الأعمال الأدبية السردية ، بالدرس والتحليل ، ملاحقين أسئلتها وخصوصياتها البنائية والتيماتية..محاولين اكتشاف مستويات أخرى من التقاطعات المفترضة بين النصوص ..
    سأقدم قراءات شخصية لنصوص كلما توافرت الظروف ذلك ، كما سأعمل على تقديم قراءات نقاد معروفين في الساحة الأدبية العربية..وأدعو باقي الإخوة الدفاتريين لإغناء هذا الدفتر بما تيسر لهم من درس للنص السردي، سواء بقراءاتهم الشخصية ، أو بتقديم دراسات نقدية لكتاب معروفين..
    نسأل الله التوفيق .

    نطــالب بإلغــاء تقـاعــد البرلمانييــن والوزراء.

  2. #2
    تربوي ذهبي الصورة الرمزية عبدالرحيم محمد احمد
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    الدولة
    أجمل بلد في العالم !
    المشاركات
    2,571

    افتراضي رد: قــراءات في الســرد العـربي..

    منزل اليمام لمحمد عز الدين التازي.
    كتابة المكان ومحاولة استرداده.
    بقلم: ابراهيم أولحيان.

    -1 تكتسي تجربة محمد عزالدين التازي أهمية كبيرة في السرد المغربي، نظرا للتراكم الذي أغنى به هذا الحقل الأدبي، وأيضا لتواصل إنتاجاته بشكل مستمر، وبدون انقطاع لأكثر من أربعة عقود، إضافة إلى مراهنته على الإضافة والنوعية، في سياق كتابة تتجاوز ذاتها، وتتجدد مع كل نص إبداعي، ضمن مشروع سردي يقاوم التكرار، وينشد الاختلاف.
    كتابة عابرة للأجيال، تشتغل على التحديث في الأشكال، والتنويع في الموضوعات، والإنصات إلى الذات في تصدعاتها وجراحاتها وأوهامها، وإلى المجتمع في حركيته واهتزازاته وتقلبات أحواله، وفي تفاعل هذه الذات مع العالم، منخرطة في أسئلة الكتابة، مغامرة باقتحام أدغالها السرية المحفوفة بالمخاطر؛ وهو ما جعل كل نص سردي جديد لمحمد عزالدين التازي انكشاف آخر في تضاريس الذات والعالم والكتابة..
    ورغم أن محمد عزالدين التازي قد كتب أكثر من عشرين رواية، منذ العام 1978 إلى الآن (2012)، أي من روايته 'أبراج المدينة' إلى 'وهج الليل'، فإنه لم يتخل عن 'طفلته الخالدة'؛ القصة القصيرة التي بدأ بها مساره الإبداعي، منذ أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، حيث أصدر أول مجموعة قصصية سنة 1975 بعنوان 'أوصال الشجر المقطوعة'، وبعد ذلك جاءت مجاميع قصصية أخرى: 'النداء بالأسماء'(1981)، 'منزل اليمام'(1995)، 'الشبابيك'(1996)، 'يتعرى القلب'(1998)، 'شيء من رائحته'(1999)، 'شمس سوداء'(2000)، 'باب العين'(2005(..
    لقد جاء محمد عزالدين التازي إلى الإبداع من بوابة القصة القصيرة، وأسهم منذ بدايته في تحديث هذا الجنس الأدبي، حيث ابتدع لنفسه طريقه الخاص والمتميز. فإذا كانت أسماء مثل: محمد شكري، محمد زفزاف، ادريس الخوري، قد راهنت في كتابتها للقصة القصيرة على الاشتغال على الخصوصية المغربية، سواء في المضامين أو في الأشكال، وتخليصها من التأثير المشرقي الذي هيمن على مجموعة من الكتابات في هذا الجنس الأدبي، بتطويع نثريتها، وفتحها على الروح المغربية، فإن محمد عزالدين التازي إلى جانب أحمد المديني بمجموعته 'العنف في الدماغ' (1971)- قد قلب السائد في جنس القصة القصيرة، وراهن على التحديث، بتجاوز الأشكال السابقة، وفتح كوة أخرى في مسار التجديد، تخلخل المتعارف عليه آنذاك، وتؤسس لكتابة جديدة 'تبعث على القلق: بلغتها، وأسلوبها، ورموزها، وعالمها...'(1).
    -2-
    ترتكز الكتابة القصصية عند محمد عزالدين التازي على التقويض، الذي نفهم منه التدمير والبناء، والاشتغال على التخوم: هدم الجاهز والمتعارف عليه، وخلخلة ليقينيات الكتابة، بالانفتاح على المجهول، في بناء عوالم يسكنها التصدع والتمزق والضياع. وتعتبر اللغة أساس كل ذلك، لأن التازي يدفع بها إلى أقصى الحدود، لتوسيع أفقها، وجعلها قادرة على التعبير عن واقع متشابك، ومعقد، وعن الكائن وهو يمارس طقوس العيش من داخل هواجسه وأحلامه وأوهامه، وبذلك فالكتابة السردية (القصصية) بهذا المعنى 'لا تحيل إلا على واقعها ككتابة، أي تشكيلها لملامحه وبنائها لعوالمه ونسجها لتفاصيله وتوثرا ته وقدرتها على تدميره والسخرية منه حتى وهي توهم بواقعيته، لأن مهمتها هي البناء والتدمير، وفي ذلك تمارس التعبيرعن رؤيتها للواقع، وعن متخيلها الذي هو استحضار لأحداث وشخصيات من عالم الأحلام والاستيهامات' (التازي). كتابة يمتزج فيها الواقعي والمحتمل، الكائن والممكن، الأسطوري والخرافي، المقدس والمدنس، الرمزي والاستعاري، الأحلام والكوابيس، المعقول واللامعقول، النثري والشعري، الحكي الشعبي والحكي التاريخي والتراثي... كل ذلك يشتغل داخل عالم حكائي قصصي يريده محمد عزالدين التازي مغايرا، تتناسل فيه الحكايات، بتوظيف تقنيات سردية جديدة، تعتمد على ثقافة بصرية كبيرة؛ في استخدام تقنيات التقطيع السردي السينمائي، الذي يعتمد على التقاطعات الحكائية، التي ترتكز على الانتقالات السريعة اللامنطقية أحيانا، وهناك أيضا الاشتغال على عنصر الذاكرة بمنطقها، المرتبط بالصور المتداخلة، وبالاسترجاعات والتأملات، لذلك ' فتجربة التذكر (...) نستحضر فيها أحيانا (...) صورا بصرية أو سمعية أو لمسية، أو شمية' (2)، ومن هنا نجد هذا الاحتفاء الباذخ بالمكان عند عزالدين التازي، لكن المكان كذاكرة، يتم من خلاله استحضار كثير من التفاصيل، والإحساسات، والمشاعر، وبلورة رؤى للعالم متعددة ومتنوعة، وتشكيل لغة في تعدداتها وطبقاتها خاصة بالأمكنة، والاشتغال على الطرسية بما هي محو ونسيان وتذكر، لأن الكتابة بهذا المعنى الذي أشرنا إليه عند محمد عزالدين التازي 'محو والمحو هو الفضاء الحقيقي للكتابة التي تحتاج دوما إلى محو'(التازي).
    لقد اشتغل محمد عزالدين التازي على المكان في مجموعته 'منزل اليمام' (3)، وجعل منه بؤرة نصه الإبداعي، بل شكل الشخصية الأساسية التي عبرها وبها يتدفق الحكي، وتتناسل الحكايات. ويمكن أن نستشف، من خلال قراءتنا لهذه المجموعة استراتيجية اشتغال المكان، ارتباطا بما يناسب هذا المقام:
    1 ـ بعث المكان وإعادة كتابته: إن المكان الذي يستحضره عز الدين التازي، له وجود تاريخي، ومسار زمني، بمعنى توالت عليه الأزمنة والحضارات، وأقامت فيه الحياة، وعبره الموت، المكان باعتباره ذاكرة ممتلئة بالفراغات والبياضات، ذاكرة يسكنها النسيان كفعل إنساني، يترك آثارا يهتدي من خلالها المبدع إلى إعادة كتابة المكان بحثا عن 'بياضات تاريخه السري'، فالأمكنة، كما يقول محمد عزالدين التازي 'منذورة للخراب، أي أنها منذورة للحياة والموت، فلا يبقى منها غير التواريخ والذكريات، ولكن يبقى منها شيء مهم، وهو استعادة حياتها الخاصة في شريط الكتابة عنها، لا للتوثيق، ولكن لبعثها من الرماد'.
    2 ـ إبداع المكان وإعادة خلقه: إن المكان الذي كتب عنه أو كتبه التازي، قد عايش تفاصيله، كتجربة في الحياة، حيث كانت إقامته فيه لمدة طويلة، وسكن أعماقه كإحساسات أبدية، دفعته إلى تعميق رؤيته، بخصوص تجربة قراءة تاريخه الرسمي، ومن خلال هاتين التجربتين (الحياة والقراءة)، يحاول التازي الإقامة في مكانه الخاص، بالكتابة عنه، وإعادة خلقه، وبذلك فإنه يبدع مكانا آخر، لا يوجد سوى في الكتابة، رغم أن خلفيته واقعية. هكذا يرى التازي بأن 'بين الكتابة كتخييل وبين فضاء الكتابة يسكن التاريخي والسياسي واليومي والأسطوري، وحيث تتملك الكتابة أبعاد الواقعي، والممكن، والمحتمل'، فالمكان الجغرافي لا يحضر إلا في تعالقه بالمكان الأسطوري، في ارتباط مع أزمنة للمعيش وأخرى للحلم، إلى جانب شخصيات تاريخية وأخرى ورقية.
    3ـ المدينة مكان الأمكنة: لا يخفى على المطلع على الكتابات الإبداعية للتازي، شغفه بالكتابة عن المدينة، وجعلها فضاء لتفجير ممكنات الكتابة، وبذلك يستحضر فضاءات مغربية وأجنبية، شخصيات ذات أبعاد دينية مختلفة ومتعددة: إسلامية، يهودية، نصرانية، كل ذلك تستدعيه المدن التي يلجأ للكتابة عنها، نذكر منها: طنجة، أصيلة، مارتيل، فاس... لكن فاس تبقى مدينة المدن، وإن صح التعبير فإن استدعاء المدن الأخرى ما هو إلا صدى لفاس ومرآة لها، وتضعيف لتجلياتها.. لننصت للمبدع محمد عزالدين التازي وهو يتحدث عن فاس ومبررات استحضارها يقول: 'تحضر فاس في كثير من أعمالي (...) وكأنها سلطة لذاكرة جريحة، ذاكرة فردية وجماعية، فهي فضاء لمعيش متعدد ومتنوع(...) مدينة تتجاور فيها أنماط من العيش مع ما يطبعها من أثر لحوادث التاريخ، وللثقافة الشعبية، وللسحري والأسطوري...' لقد استدعينا هذا النص للوقوف على مدينة فاس كما يرى توظيفها محمد عزالدين التازي، فاس التي افتتن بها في مجموعته القصصية 'منزل اليمام'.
    -3-
    تتكون مجموعة 'منزل اليمام' من ست قصص، متقاربة في الطول، وهي كالتالي: 'منزل اليمام'، 'اتجاهات الحرف'، 'المتفرد'، 'الوقوف على الأطلال'، 'بقايا المدن'، 'الغبار'. نصوص كأنها نص واحد يتناسل ليحكي حكاية فاس، وإيقاع الكتابة السردية في هذه المجموعة يجعل القارئ يحس بالاسترسال، كأنها فصول مترابطة، يكمل بعضها الآخر، ومن هنا يمكن إعادة تجنيس هذا العمل، فقد وضع على غلافه 'قصص'، مما يعني أن كل نص له رؤيته ومواقفه وعالمه الخاص، في حين أن 'مجموعة قصصية' هي المناسبة، لأنها ستحيل على تشارك العوالم والرؤية، والسمات الفنية؛ بل حتى الإيقاع والإحساس الداخلي الذي ينقله السرد له نفس النغمة.. نصوص تتصادى فيما بينها ؛ لعبة مرايا، كل واحدة تظهر جانبا معينا من فاس، وتكشف زاوية ما، بل وفي تقابل هذه المرايا يتعدد المكان ويتضاعف ليحيل على فاس الأخرى، الموجودة هناك، في الزمن الغابر، ويحاول التازي في هذه النصوص السردية أن يستدعيها، عبر استعمال مجموعة من التقنيات:
    الاسترجاع والتذكر: يعتمد السارد هنا على الذاكرة، مادام يسترجع مجموعة من تفاصيل المكان/فاس، عبر أسماء حقيقية للأزقة والشوارع والمحلات، وللمساجد والأولياء... وهذا بطبيعة الحال هو نوع من الإيهام بالواقع، لإعادة ترتيب الأشياء وتنظيمها، وإعطائها دلالات أخرى..
    سرد أحلام اليقظة: وهذا يعطي للسارد حرية كبيرة للتنقل في الأماكن، دون عوائق منطقية، وتعطي للمكان، في الوقت نفسه، الدفء والحميمية، لأنه بهذه الطريقة، القارئ لا يرى المكان فقط، بل يسمع أصواته، ويشم روائحه، ويحس حياته وموته..
    المنولوج الداخلي: يدخل القارئ منذ البداية إلى أعماق السارد الشخصية، ويجعله يطل على أفكاره اتجاه العالم، فـالمونولوج الداخلي يعبر بطريقة مباشرة وبلا وساطة عن أفكار الشخصية ومشاعرها وتأملاتها. ففي هذا النوع من المونولوج هناك دائما تواصل بين ذات وآخر، يقول السارد في نص ' اتجاهات الحرف': ' لن أقترب حتى لا يضطرني القول إلى افتضاض البكارة. يجب أن أظل بعيدا عن المكان الذي اسمه فاس (...) ها أنا أقترب مأخوذا إلى المكان، وبغير طواعية'(ص16)، ويحس القارئ بأنه هو ذاك الآخر الذي يحدثه السارد، فيتم نسج السرد، وهذا يمنح، بطبيعة الحال، استرسالا في الحديث، واقترابا من جوهر المكان وحميميته..
    هذه العناصر الثلاثة التي يتم بها اشتغال السرد، وتحريك آلياته، غير منفصلة عن بعضها البعض، بل هي متداخلة ومتلاحمة، وبذلك يمكن وضعها في دائرة ما سمي بتيار الوعي في الكتابة باعتباره 'صيغة لعرض الوعي الإنساني بالتركيز على تيار الفكر، ومركزا على الطبيعة اللامنطقية(...) المرتبطة به' (4). فشساعة المكان وامتداداته الجغرافية والتاريخية، وأبعاده الإنسانية والرمزية، وقصدية توظيفه التخييلي الإبداعي، هي التي استدعت هذا النوع من الكتابة السردية، وهي طريقة محفوفة بكثير من الانزلاقات في القصة القصيرة على الخصوص. فإذا كان ' المكان (المكان الفني) من صفاته أنه متناه، فإنه يحاكي موضوعا لا متناهيا هو العالم الخارجي، الذي يتجاوز حدود العمل الفني' (لوتمان)(5). فضيق المكان الفني، وضيق جنس القصة القصيرة أيضا، هو الدافع إلى هذا النوع من الكتابة، التي تحاول أن تقبض على المكان وأشيائه في حركيتها اللامتناهية، وخرقها لقوانين جنس القصة القصيرة بوعي وإصرار، إضافة إلى ذلك التكامل، الذي أشرنا إليه سابقا، بين قصص مجموعة 'منزل اليمام'، فهي علاقة بين نصوص حكائية تقارب المكان/ فاس من جوانب متعددة، لم يكن بإمكان نص واحد أن يقوم بذلك.
    إن السارد(بصيغته المتعددة) في 'منزل اليمام' يكابد للقبض على فاس، المنفلتة في أزمنة تاريخية غابرة، فهو لا يرى فاس الحاضر، بل متشبت بذاكرة المكان وبعبق التاريخ، يريد استرداد مكان طاله المسخ، والزيف، واشتعلت نيران المحو والنسيان في أرجائه..
    وبطبيعة الحال، فالمكان يتأسس عمقه، وبعده الرمزي والإنساني في علاقته بالإنسان، وبأحواله، لذلك ففاس'منزل اليمام' ارتبطت بمجموعة من الشخصيات التي تتفاعل مع الأمكنة، وتمنحه معنى، نذكر منها: علاقة السارد التهامي بـ لالة البتول، وبنساء المنزل الذي يحيل على تقاليد وعادات عريقة، أو علاقة السارد بالحرف الممتد في ذاكرة المدينة، والمتجسد في جدرانها وسقوفها سواء في المنازل أو في الجوامع، وعبر ذلك تتدفق حكاية فاس الأخرى، أو أيضا 'سيد العابد'، الفقيه إمام جامع القرويين، ومن هنا استحضار فاس وهي تمارس طقوسها الدينية، وذلك للتركيز على البعد الروحي لفاس المفقودة...إلخ.
    إن محمد عزالدين التازي يعيد خلق مدينة فاس بإعادة كتابتها، لكنه يفعل ذلك بـ 'استعادة حياتها الخاصة في شريط الكتابة عنها لا للتوثيق، ولكن لبعثها من الرماد' (التازي)، لذلك فشعرية المكان في 'منزل اليمام' تتأسس على ما يمكن تسميته بحداد المكان: الكتابة على المفقود، ومحاولة استرجاعه بالتذكر، وإعادة بنائه بالحلم والوهم.. وطقوس الحداد وما يحيل عليه، تشتغل في المكان، وترجح كفة الموت على الحياة، وإن كانت النصوص القصصية تقارب موت المكان من حميمية الحياة.. وبذلك فأول جملة، أي الجملة الاستهلالية التي تفصل الخارج عن الداخل، العالم الواقعي عن العالم النصي، جاءت كما يلي: ' كآبتي أنا أم كآبة هذا المنزل؟'، وبعدها بأسطر قليلة نقرأ ما يلي: 'الرائحة الوحيدة هي رائحة الموت التي تخرج من أبواب الغرف العلوية وتهبط الأدراج...'(ص6) كلمات تنذر بعالم حدادي، وتصف المكان وأشياءه، وهي تعلن هذا الحداد المكاني الذي يرتكز على تذكر فاس واسترجاع زمنها القديم، والاحتفاء به، بل والإعلاء من شأنه، وبذلك فالكتابة هنا هي 'اغتسال بالحداد ألاسترجاعي...'(6) حيث البكاء على الماضي والتأسف عليه، أمام ما تعيشه فاس اليوم (زمن النص) من تحولات وتغيرات، يبدو معها السارد غير راض عما آلت إليه، لذلك فهو يبكي فاس فيما يسترجع لحظاتها الجميلة، وتفاصيل حياتها كمكان له أثره في الزمن.. نقرأ في الصفحة 16 'هل يحمل موته أم موتي؟ أم أن موت زمن فاس القديم هو الذي يعود الآن ليمارس موته'، فالموت يمارس سلطته بشكل قوي في 'منزل اليمام' وذلك لأن السارد ومنذ البداية يعلن أثناء اقترابه من فاس كمكان، انفلاتها، واختفاءها، مما يضع هذا الاقتراب من المكان/ فاس، على مستوى الكتابة، في إطار ما يسمى بـ 'حداد الفقدان'(7)؛ فقدان فاس والبكاء عليها، ومحاولة القبض على آثارها في الحاضر، لكن دون جدوى، يقول السارد 'حين يمسح الضوء سطوح البنايات تبدو المدينة وكأنها خرجت من الحرب ودخلت منطقة النسيان(...) أية حرب يمكن أن ترد وجه فاس على هذه الصورة؟ وهل هذه هي فاس؟'(ص59) سؤال جوهري، يحرك مياه السرد، ويجعل عجلة الحكي تدور على إيقاع حداد يتأسس على: 1- اسرجاع فاس في زمنها الباذخ 2- الإعلان عن موت فاس وفقدانها 3- اشتغال الحداد، ولا يمكن الفصل بين هذه العناصر الثلاثة، لأنها متشابكة ومتداخلة في عملية الحكي في إطار كتابة سردية أشرنا إلى خصوصيتها في البداية.. ومن هذا المنطلق فالسارد قد عانى وجع المكان، وقربنا كقراء من تلك الخيبة التي عاشها وهو يعاين فاس من داخل أحاسيس فاجعة الفقدان، لينتهي في آخر جملة في المجموعة القصصية إلى ما يلي: ' لكني حين رأيت وتأكدت تيقنت من أنها المدينة الوحيدة التي يمكن أن تنام وتستيقظ على هذه الصورة، وتكون حربها على هذه الشاكلة. مدينة لحلم، مدينة لوهم، مدينة لكابوس، وكأنها فاس، المدينة الموبوءة/ المدينة المولودة/ المدينة الموؤودة/ المدينة الموعودة ' (ص60)..
    -4-
    'منزل اليمام' نص واحد بغرف متعددة، تفضي الواحدة إلى الآخرى، في شكل تركيبي، يشبه لعبة الدمى الروسية، بنفس سردي، تتلاحق فيه الحكايات والمشاهد والصور، لتقول فاس في جغرافيتها المتعددة، وفي تاريخها العريق الممتد في تضاريس الزمن.. لكن بإحساس من فقد شيئا ويعتقد أنه لن يسترده، فتبقى ظلال فاجعة الغياب أثرا، تجلى في كتابة سردية تحتفي بالمحو والنسيان..
    نطــالب بإلغــاء تقـاعــد البرلمانييــن والوزراء.

  3. #3
    تربوي ذهبي الصورة الرمزية عبدالرحيم محمد احمد
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    الدولة
    أجمل بلد في العالم !
    المشاركات
    2,571

    افتراضي رد: قــراءات في الســرد العـربي..

    أشهر من شهريــار
    رواية لهاشم شفيق



    صدرت حديثاً للشاعر العراقي هاشم شفيق روايته الثانية تحت عنوان: 'أشهر من شهريار' عن دار 'ثقافة' للنشر والتوزيع في بيروت.
    استعرضت الرواية حكايات العراقيين واشكال الحياة التي يحيونها، وما حصل لهم في ظل حكم الأنظمة التي تعاقبت على حكمهم، معرجة على الخراب الحالي الذي اكتسح العراق: انساناً وارضاً وحضارة، خراب امتد الى كل الأشياء ليصل الى جوهر الأشياء وكينونتها.
    يحاول الكاتب في اثني عشر فصلاً ان يسدّ فجوة الزمن الفاصل بين الماضي والحاضر، بين السيرة الذاتية والمتخيل، في حكايات متشعبة ومتشابكة بين الأقرباء والأصدقاء والمعارف.
    يلمس المؤلف أن الماضي مهدد بالزوال وفي طريقه للاندثار وانه لم يعد سوى مساحة تشغلها الأحلام ومراجعة للحسابات ووقفة مع الذات لاكتشاف الهنات التي رافقت حياتنا، باعتبار ان الرواية العراقية حاضراً هي الوليد الشرعي لحديث العراقيين، بانتظار ان تحمل الأجوبة عن اسئلة طالما شغلتهم وراودت مخيلتهم.
    لكن لماذا الرواية الآن بعد سلسلة طويلة من مجموعات شعرية؟ يعلل شفيق: 'انها خطوة للهروب من الشعر. كتبت الكثير من الشعر ولدي خزين هائل منه، احسست بحاجة الى كتابة اشياء عبر الرواية التي وجدتها اداة مناسبة للسرد لقول المحكي، ومكاناً جميلاً لقول المرئيات المخفية والمسكوت عنها في الحياة بشكل عام. الرواية تمنحك مساحة واسعة وتجعلك تتحرك بحرية. وقد كتبتها بإيقاع متواتر وحرقة، وكأن الافكار كانت تهطل عليّ، وهناك مشروع رواية جديدة مقبلة'.
    'أشهر من شهريار' نص انساني يلامس مناخه الاجتماعي، ومعايناً بالقدر ذاته الحكايات التي صاغت حياة العراقيين، جامعاً المتخيل بالحسي والواقعي بالروحي، والحلم بالانكسار، عبر لغة شاعرية استمدت الكثير من المحكية العراقية لتضيف متانة مبسطة للنص.
    الرواية هي التجربة الثانية للشاعر هاشم شفيق بعد رواية 'بيت تحت السحاب' الصادرة عام 1992 عن دار ميريم في بيروت.
    من اجواء الرواية: 'كانت ظلال اليوكالبتوس قد غمرت جبهتي حين فرغت من قراءة سورة الفاتحة، هكذا طفقت أتمتم آيات، كنت حفظتها منذ صغري، على قبور هولاء الموتى النازلين تحت طبقات عميقة من الظلام، الثاوين في مدرجات من التراب الضارب في الأسافل، قرأت العديد من الآيات، فأحسست بشطر من الدين يستيقظ فيّ ويترك بعضاً من الحروف تتمشى فوق شفتي، التقطت حجراً من الأرض وعمقت الخط الافتراضي للقبر، حددت حجم المثوى وكتبت اسم الوالدة واسم والدها وتاريخ ولادتها وموتها وسلمته للقائم على شؤون المقبرة من اجل خط الشاهد، مع مبلغ اضافي لزرع شتلات من الآس وسقيه لمدة شهر حتى تينع وتكبر الشتلات وتضفي على المثوى شذى نفحة من الأريج ونوعاً من الاخضرار وسط تلك الوحشة البارزة في مجاهل المقبرة'.




    نطــالب بإلغــاء تقـاعــد البرلمانييــن والوزراء.

  4. #4
    تربوي ذهبي الصورة الرمزية عبدالرحيم محمد احمد
    تاريخ التسجيل
    Nov 2011
    الدولة
    أجمل بلد في العالم !
    المشاركات
    2,571

    افتراضي رد: قــراءات في الســرد العـربي..

    "تحت سماء كوبنهاغن"
    ل: حوراء النداوي

    وجع الكتابة والغربة



    كيف يمكن للاغتراب أن يخلق كل ذلك الاختلاف بين أبناء الوطن الواحد، وهل يستطيع المهاجرون أن يتكئوا على الإرث "الوطني" المشترك لإرجاع تلك "اللحمة" التي تجمع فيما بينهم أكثر مما تفرّق؟ وهل يمكن لصوتين روائيين مختلفين في النص (ذكري وأنثوي) أن يتمكنا من إيصال هواجس المغتربين من جيلين مختلفين؟
    هذه بعض الهواجس التي تناولتها الكاتبة العراقية المغتربة حوراء النداوي في روايتها "تحت سماء كوبنهاغن" الصادرة عن منشورات دار الساقي اللبنانية، والمرشحة كرواية نسائية وحيدة ضمن قائمة البوكر الطويلة للرواية العربية لعام 2012 والتي يعلن عن الفائز بها مطلع الشهر المقبل.
    وحتى وإن بدت بطلة الرواية "هدى" تحمل الكثير من الشبه بالروائية إلاّ أن الكاتبة تنفي عن الرواية طابع السيرة الذاتية، وتعتبر أن حكاية هدى هي حكاية الاغتراب والمراهقة المتقلبة والمشحونة برصيد هائل من المساءلة والحيرة والتغيرات التي يفرضها حال الوطن البديل.
    "
    حكاية هدى -بطلة الرواية- هي حكاية الاغتراب والمراهقة المتقلبة والمشحونة برصيد هائل من المساءلة والحيرة والتغيرات التي يفرضها حال الوطن البديل
    "
    صوتان وحكاية
    يلتقي القرّاء "تحت سماء كوبنهاغن" بصوتين متناغمين رغم اختلافاتهما. "هدى" المراهقة التي أحبت شخصا يكبرها وظلت تلاحقه بطرق مكشوفة ومستترة، هي الفتاة التي ولدت بالدانمارك لأبوين عراقيين، وصوت "رافد" الرجل الذي اضطرته الظروف الصعبة إلى ترك العراق واللجوء إلى هدوء ودلال البلاد الإسكندنافية.

    وتبدأ الحكاية مع الرواية التي قدمتها هدى لرافد لكي يترجمها، يستغرب هو ذلك كونه ليس كاتبا ولا مترجما محترفا، وسرعان ما يجد نفسه مغموسا في الرواية وفي تفاصيل شخصيتها البطلة وحتى كاتبتها.

    لبطلة الرواية هدى وجع آخر يسكن العائلة. هو شقيقها عماد الذي تركه والداها فترة هروبهما من العراق خوفا عليه من سوء يمسه، يبقى هناك ولا يلتحق بهم مغتربا إلا شابا. ويأتي بكل زخمه العراقي المختلف في الذهنية والتصرف والمزاج، ينبت هكذا فجأة بينهم محدثا تغييرا نفسيا هائلا بداخل أخته الصغرى.
    ‎"راحة البال هذه لم تكتب لنا نحن كعراقيين، ولأن أمي امرأة عراقية أصيلة فإن راحة البال هذه لم تكتب لها قط، فولدت ذكرا جديدا، ثم آخر. وما إن اشتد عود أحدهما حتى قتل..". هكذا يحكي رافد هامش حياته الذي يلتقي فيه بحكايا آخرين. هو الفقد العراقي الذي سكن جذور العائلات والعشائر والوطن. "
    ترتفع غصة الاغتراب اللاإرادي الذي كان من نصيب الكثيرين في الرواية، وأبدعت الكاتبة العراقية حوراء النداوي في تصوير حافاته الخاصة
    "الحبكة المشتركة
    "لأنني عراقي مغترب، فلست بحاجة إلى سرد قصة ما. بين هجر الوطن وطريق الغربة العاثر ثمة ما يصل العراقيين بعضهم ببعض، فكل تجاربهم وقصصهم وأحلامهم تتشابه، ما إن يوضعوا على هذا الطريق. ولعل البعض يقع إعياء، فيما البعض الآخر يتابع بمثابرة نادرة، وغيرهم يحلم بالعودة ولا يعود، فيراوح مكانه..".
    حتى وإن كانت الرواية بصوتين، إلا أنّ صوت هدى كان أكثر رسوخا وحضورا من صوت رافد. كانت الأجزاء المترجمة لرواياتها تتدافع جزءا خلف الآخر كاشفة عن انطباعات وأفكار كثيرة. فيما ظلّ مونولوغ الصوت الآخر لرافد مختصرا وإن كان مكثفا، وقد نجحت الروائية في اللعب على الهويتين المختلفتين: مراهقة ورجل.
    واستخدمت الروائية العراقية حوراء النداوي في ذلك لغة شاعرية محببة، وكشفت عن تمكنها من أسرار اللغة بكل تموجاتها، وهو ما يبدو أمرا محفزا بالنسبة لشخص تعلم اللغة الفصحى في المنزل فقط.
    "لعل الغربة تعطيكَ كثيرا حين تكون فردا، وتأخذ منك أكثر حين تصبح جماعة". هو نموذج من تفكيكات لواقع اغتراب تعيه جيدا الكاتبة والشخصية المحورية في النص.
    هناك في الرواية أيضا إشارات لأهمية الدين والوازع الأخلاقي والرصيد الشعبي المشترك كجزئيات يمكنها أن تدعم المهاجرين المختلفين الذين تركوا الوطن، كحال إجباري في أغلب الأحايين. وهنا ترتفع غصة الاغتراب اللإرادي الذي كان من نصيب الكثيرين، وأبدعت الكاتبة العراقية في تصوير حافاته الخاصة.

    التعديل الأخير تم بواسطة عبدالرحيم محمد احمد ; 05-06-2012 الساعة 22:12
    نطــالب بإلغــاء تقـاعــد البرلمانييــن والوزراء.

صفحة 1 من 34 12311 ... الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •