بعد وقوف عدة جهات (البنك الدولي، المجلس الأعلى للتعليم...) عند الاختلالات التي تعرفها منظومتنا التربوية، والاعتراف بهذه الاختلالات، تجندت وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي لمعالجة الوضعية المترتبة عن ذلك، والتي لم تعد تحتمل السكوت عنها أو إخفاء نتائجها الكارثية. وكانت الوصفة السحرية المقدمة هي: البرنامج الاستعجالي.
لست في موقع يؤهلني لتقييم حصيلة هذا البرنامج منذ انطلاقه الى الآن، وربما من السابق لأوانه الحديث عن التقييم، إلا أن بعض المؤشرات تدل على أن وزارتنا لم تتوفق في الخروج من عنق الزجاجة. فملامح الأزمة بارزة ولا تستطيع الوزارة طمسها. والخطير في الأمر أن نتائج هذه الأزمة تشكك في طموحات البرنامج الاستعجالي ولا تتلاءم معها. ويمكن الوقوف عند نقطتين بارزتين تعكس غياب الجدية في التعاطي مع القضايا المصيرية للمواطنين.
* وضعية المؤسسات التعليمية:
فرغم كل الشعارات، ومنها شعارات التأهيل (مدرسة النجاح، جمعية النجاح...)، ورغم الميزانيات التي رصدت للاهتمام بهذا المجال، ما زالت مؤسساتنا التعليمية على حالها. وهناك العديد من المؤسسات التي تفاقمت أحوالها، ليس فقط بالوسط القروي، بل حتى في الوسط الحضري. وهو ما يستطيع الجميع متابعته على أرض الواقع وبالعين المجردة.
وحتى أبقى في حدود مجال اشتغالي، أي الاستشارة والتوجيه، أو باللغة الجديدة الإعلام والمساعدة على التوجيه، أشير الى بعض الإجراءات التي صدرت بشأنها المذكرات تلو المذكرات، لكن بدون جدوى. وأخص بالذكر:
مراكز الاستشارة والتوجيه، أو المراكز الإقليمية/الجهوية للإعلام والمساعدة على التوجيه:
حسب ما جاء في المذكرة 18 الصادرة في 18 فبراير 2010 المتعلقة بإحداث المراكز الجهوية والإقليمية للإعلام والمساعدة على التوجيه، يصعب التمييز، بل لا يمكن التمييز بين بنية ومهام المراكز الإقليمية عن مثيلاتها بالنسبة للمراكز الجهوية. فهناك خلط غير مبرر، بالإضافة الى عدم الإشارة لا من قريب ولا من بعيد لعلاقة هذه المراكز بأطر التوجيه التربوي العاملة بالقطاعات المدرسية، وكأن هذه الأخيرة غير معنية بالأمر.
أما المذكرة 17 الصادرة في 17 فبراير 2010 والمتعلقة بالإطار التنظيمي لمجال التوجيه التربوي، فتحدد المهام الأساسية لهذه المراكز كالتالي:
-تقديم معلومات حول مراحل التعليم الأولي والابتدائي والثانوي، وآفاقها الدراسية والتكوينية العليا بالمغرب والخارج، والمنح الوطنية ومنح التعاون، والتكوينات المهنية، والمهن؛
-التنسيق مع قطاعي التعليم العالي، والتكوين المهني، فيما يتعلق بإشراكهم في تقديم الخدمات التي يقدمها المركز للمستفيدين، من خلال تفعيل لجنتي التنسيق مع هذين القطاعين طبقا للمادة 6 من القانون 07.00 القاضي بإحداث الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين؛
-إجراء مقابلات فردية، ومساعدة حاملي المشاريع الشخصية للتوجيه الراغبين في ذلك؛
-تنظيم وتنشيط تظاهرات إعلامية حول الدراسات والتكوينات والمهن (منتديات، أبواب مفتوحة، أيام إعلامية، قوافل إعلامية لفائدة المناطق النائية...) والمشاركة في تظاهرات إعلامية من تنظيم جهات أخرى؛
-إنجاز دراسات وبحوث وتجارب مرتبطة بمجال التوجيه التربوي ونشر منائجها.
إلا أن الواقع، وحتى الآن، يكذب هذه المذكرات، كما كذب قبل ذلك المذكرة 81 لتأهيل وتعميم بنيات الاستشارة والتوجيه الصادرة في 16 يونيو 2008 عن مديرية التقويم وتنظيم الحياة المدرسية والتكوينات المشتركة بين الأكاديميات. وفيما يلي مقال سبق أن تناولت من خلاله مآل المذكرة 81:
إن الجدية في أي إصلاح تقتضي الواقعية، بلوالكثير من الواقعية. ليس طبعا الى حدود الابتذال، لأن الطموح مشروع، خاصةإذا كان قائما على معطيات دقيقة ومؤطرا برؤية سياسية ضمن مشروع مجتمعيمتكامل. وما يجعلنا، على الأقل بالمغرب وفي مجال التربية والتكوين، نحرصعلى الجدية أو الواقعية هو الفشل الذي لازم جل المشاريع الإصلاحية التيعرفتها بلادنا منذ 1956. وحتى لا أذهب بعيدا أذكر بمآل الميثاق الوطنيللتربية والتكوين، هذا الأخير الذي استدعى العمل على "إسعافه"، وهو إسعافميئوس منه، وخاصة بعد تقريري البنك الدولي والمجلس الأعلى للتعليم، الدخولفي متاهات (البرنامج الاستعجالي مثلا) يصعب حتى الآن التكهن بالخروج منهابنتائج ملموسة ترقى بالمجال الى مستوى تطلعات المواطنات والمواطنينوبناتهم وأبنائهم. وبالنظر الى الوضعية الراهنة للمدرسة العمومية، حيثالمشاكل المتراكمة (البنيات المهترئة، الخصاص في الأطر الإدارية والتربويةوفي التجهيزات، الاكتظاظ، الهدر...) وغياب التأهيل وتحفيز الأطر العاملةفي الميدان واعتماد الارتجال والترقيع...، تبقى كل الرهانات مفتوحة علىالمجهول..
وفي سياق هذه المعطيات، لنلق نظرة عامة على فحوى المذكرة 81الخاصة بتأهيل وتعميم بنيات الاستشارة والتوجيه، الصادرة في 16 يونيو 2008عن مديرية التقويم وتنظيم الحياة المدرسية والتكوينات المشتركة بينالأكاديميات. وما يميز هذه المذكرة، ومن الوهلة الأولى هو افتقادها الىالواقعية. فلا يكفي الإشارة الى أهمية وقيمة آليات الاستشارة والتوجيه فيعلاقتها بحاجيات الفئات المستهدفة، ثم سرد مجموعة من العمليات للنهوض (المحتمل) بمراكز الاستشارة والتوجيه ومراكز إنتاج وثائق الإعلام، لنعتقدأننا وضعنا القطار فوق سكته. إن المطلوب هو تدخلات حقيقية لإعادة الثقةلكل مكونات النظام التربوي وإعطاء انطلاقة فعلية لورش النهوض بآلياتالاستشارة والتوجيه، خاصة وأن المذكرة قد صدرت في نهاية الموسم الدراسيالسابق وفي شروط مرتبكة (16/06/2008) وأكدت على "دراسة وضعية بنياتالاستشارة والتوجيه بالجهة للوقوف على مكامن ضعفها وقوتها، ووضع مخطط جهويمندمج ومتكامل لتأهيلها وتعميمها، ابتداء من الموسم الدراسي الحالي" (أيالموسم الدراسي السابق 2007/2008)، مع العلم أنه وحتى الآن، أي منتصفالموسم الدراسي 2008/2009 لم نر شيئا من طموحات المذكرة المذكورة على أرضالواقع، وكأنها سقطت سهوا..
وفيما يلي أهم العناصر التي لا نرى لها حظوظا وافرة في التحقق هذا الموسم على الأقل:
-
التأهيل المادي:
تخصيص مقرات وظيفية ملائمة لمراكز الاستشارة والتوجيه ومراكز إنتاج وثائقالإعلام، تتوفر فيها المرافق الضرورية كما وكيفا: لا يخفى أن جل هذهالمراكز، وأخص بالذكر مراكز الاستشارة والتوجيه، لا "تتوفر فيها المرافقالضرورية"، لأنها عبارة فقط عن مكاتب (مستعارة). كما أنها ليست مقراتملائمة، فأغلبها يقبع داخل مؤسسات قد "يستحيل" على التلاميذ ومن يهمهالأمر من أسرهم أن يلج إليها، وهذا في حالة اكتشافها. أما التفكير في بناءأو البحث عن مقرات ملائمة فيصطدم بالحاجة أولا الى الحجرات الدراسية والىالمختبرات وحتى الى المراحيض، وخاصة بالوسط القروي...
توفيرالتجهيزات المكتبية، والمعلوماتية، والسمعية البصرية، وآلات الاستنساخوالطباعة اللازمة، وصيانة المعدات المحتاجة لذلك بالنسبة لهذه المراكز: حتى الآن لا تتوفر جل مراكز الاستشارة والتوجيه على الحد الأدنى منالتجهيزات الضرورية، وحتى التجهيزات المتوفرة تبقى في حاجة الى الصيانة،ونادرا ما يتم ذلك، لكن على حساب هذه المصلحة النيابية أو تلك أو بأمر منالنائب الإقليمي. وكما يهم الأمر المحيط "غير النافع" يهم كذلك المركز. ويمكن من خلال زيارات ميدانية الوقوف على هذه الحقائق المؤلمة.
تخصيصميزانية سنوية للتسيير والتجهيز لهذه المراكز ضمن الميزانية الخاصةبالأكاديمية: نشك في أن ترصد فعلا ميزانية كافية لتجاوز الأوضاع الحاليةلهذه المراكز ما دامت العديد من المؤسسات تفتقر الى الكثير من الأولويات،خاصة وفشل التوقعات التي سادت إبان منتديات الإصلاح حول الشراكات وضعفالاستيعاب حاليا وبالتالي غياب الشروط الموضوعية لخوض تجربة "مشروعالمؤسسة" وفق أسسه النظرية السليمة، دون أن ننسى التدبير السيئ، إن لم نقلالهدر في أحيان كثيرة للمال العام في ظل الإفلات من العقاب وفي غيابالحكامة الرشيدة وما تستدعيه من متابعة وتقويم...
تحفيز المكلفينبتسيير المراكز (...) ومنحهم تعويضات مادية تناسب المهام الموكولة إليهم: قد نتحدث عن أشياء كثيرة وقد نصدقها، إلا حكاية التحفيز والتعويضاتالمادية المناسبة، ووضعية أطر التوجيه والتخطيط عموما توضح ذلك. فمنذسنوات وهذه الفئة "غير المحظوظة" تناضل من أجل مطالب عادلة وبسيطة، لكن لاحياة لمن تنادي. فمن الوعود الى الوعود، وكم شنف أسماعنا الوزير السابقبالكلام المعسول وكم من تطمينات، لكن دون جدوى. وهل يمكن والحال هذه أننصدق مرة أخرى حكاية التحفيز والتعويضات المناسبة؟
-
التأهيل المهني:
اعتماد معايير وشروط مهنية موضوعية عند تعيين المكلفين بتسيير هذه المراكزمن بين أطر التوجيه التربوي العاملين بالجهة مع احترام الشروط المسطرة فيالمذكرة رقم 91 بتاريخ 19 غشت 2005 المؤطرة لمجال الاستشارة والتوجيه: لانريد الطعن في الزملاء المكلفين بهذه المراكز (ونكن الاحترام للكثيرينمنهم)، إلا أن التعيينات في ظل الواقع الحالي تتم بأشكال أقل ما يقال عنهاأنها غير معلومة...
تدعيم مراكز إنتاج وثائق الإعلام ومراكزالاستشارة والتوجيه بأطر التوجيه التربوي، والأطر التقنية (إعلاميائيون،موثقون، أعوان...) وفق حاجيات كل مركز على حدة: معلوم أن الوزارة الوصيةلم تصل بعد الى تغطية كافة المؤسسات بأطر التوجيه التربوي، ولا يخفىالخصاص المهول على هذا المستوى، مع استحضار "الهجرة" المفروضة على هذهالأطر والتي قد تتطور أكثر نحو الإدارة التربوية، خاصة والحيف الممارسعليها. إذن؟ كيف سيتم هذا التدعيم؟ (...)
لنترك الكلمة للواقع والمستقبل فيما تبقى من العناصر التي لا يتطلب تحققها سوى الإرادة السياسية، وبعيدا عن أي تكلفة مادية...
وخلاصةالقول، فما تغير بالنسبة لهذه المراكز ليس سوى الاسم، فبدل مراكز الإعلاموالتوجيه وخلايا إنتاج وثائق الإعلام أصبحت على التوالي مراكز الاستشارةوالتوجيه ومراكز إنتاج وثائق الإعلام !! كفى من "التفاؤل" المفرط !

فعلا، والى حدود الآن، لا شيء تحقق، باستثناء تغيير الاسم. وأتمنى أن لا تكون المذكرات 17 و18 و19 قد سقطت سهوا هي الأخرى وأن لا تلقى نفس المصير..
* معدلات أو عتبات النجاح:
اعتمد في العديد من المؤسسات التعليمية إبان هذا الموسم، خاصة بالثانوي الإعدادي، على معدلات للنجاح أقل من معدلات الموسم الفارط. وهذا التراجع يطرح سؤالين وجيهين:
-كيف يتم التراجع في ظل البرنامج الاستعجالي رغم كل الإمكانيات التي رصدت له؟
-لماذا اعتماد معدلات للنجاح تقل عن 10 من 20، بل لا تتجاوز أحيانا 07 من 20؟
إن التراجع في ظل البرنامج الاستعجالي يشكك في مصداقية هذا الأخير، ويضع الجميع أمام مسؤوليته حتى لا تكرر حكاية الميثاق الوطني للتربية والتكوين. وفي جميع الأحوال، لا معنى لتجاهل هذه الوضعية غير السليمة أو القفز عليها من خلال تقديم نتائج مغشوشة. وهذا التحايل فرض اعتماد معدلات للنجاح أقل من 10 من 20 لإعلان نسب نجاح مرتفعة.
فعندما تكون نسبة نجاح بإحدى النيابات الإقليمية (مستوى الثالثة ثانوي إعدادي) 49.69% وبعتبة نجاح في حدود 08.50 من 20 بالوسط الحضري و08 من 20 بالوسط القروي، كيف ستكون عليها الحال إذا تم اعتماد عتبة نجاح لا تقل عن 10 من 20؟ فقد تنزلق هذه النسبة الى أقل من 30%، وهذا طبعا في ظل سنة من التطبيق الفعلي للبرنامج الاستعجالي...
مرة أخرى، كفى من "التفاؤل" المفرط !