صفحة 5 من 89 الأولىالأولى ... 345671555 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 17 إلى 20 من 354
  1. #17
    مراقب عام
    مراقب قسم المؤسسات التعليمية
    الصورة الرمزية محمد الرامي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    المشاركات
    17,623

    افتراضي

    3 ـ الطفل والمحيط
    من المبادئ الأساسية التي لا يمكن تجاهلها أو التغافل عنها، هو أثر المحيط القوي والفعال في تكوين شخصية الفرد. فالطفل في بداية ولادته يأخذ بالتأثر والانفعال بالمحيط، ويبدأ بالتفاعل معه والاكتساب منه... فيقتبس مختلف انماط السلوك والمعتقد وأساليب العيش والانحراف، فللوالدين وسلوك العائلة ووضع الطفل فيها مثلاً دور كبير في بلورة شخصية الطفل وتحديد معالمها، كما للمعلم وأصدقاء الطفل وللمجتمع ووسائله الفكرية والاعلامية وعاداته وأُسلوب حياته سلطان كبير على سلوك الطفل وتفكيره، غير أن من الاُمور المهمة التي يجب أن نلاحظها هنا، وانطلاقاً من فلسفة الاسلام العامة، هي أن العالم الخارجي بالنسبة للانسان وبمختلف مصادره، ومع شدة تأثيره لا يقرر كلياً وبصورة حاسمة والى الأبد مواقف الانسان وشخصيته، بل الارادة والقوة الذاتية سيكون لهما الدور الفعال في تحديد السلوك والمعتقد. ذلك لأن الانسان في نظر الاسلام حُر مختار يمكن أن يتصرف في اختيار المواقف وتحديد أنماط السلوك، ولكن هذه الارادة كما هو واضح تنمو مع الطفل وتقوى كلما نما وقوي حتى تكتمل وتنضج مُواكِبة نموّ واكتمال شخصيته العامة، وأما في مرحلة الطفولة فسيكون للعالم الخارجي ولموضوعاته الأثر الأكبر والبالغ الأهمية في تشكيل الذات وتكوينها، لانعدام الارادة والقدرة أو ضعفها عن التمييز والاختيار في هذه المرحلة.
    ومن الواضح أن تأثير العالم الخارجي ـ البيت والمدرسة والمجتمع ـ لا يقف عند مرحلة الطفولة، بل إنّ ما يشاهده الطفل، أو ينفعل به، أو يسمعه، أو يعاينه، يبقى ذا مغزى ومدلول عميق مترسباً في أعماق العقل الباطن، يفعل ويؤثر، وينازع الارادة في المستقبل ويقلقها ويثير المتاعب أمامها، أو على العكس من ذلك إذا كان مما يوافقها.
    وإذن فقد يعين العالم الخارجي الانسان على السلوك الخيِّر البناء، وقد يحرفه نحو سلوك شرِّير هدّام.
    من هنا جاء التأكيد في التربية الاسلامية على القيم والأخلاق والمبادئ كحقائـق مستقلـة متعاليـة على تأثيـرات الواقع لتسلـم من انحرافاتـه وآثاره.
    ولذا أيضاً صار الاهتمام بالغاً بتربية الارادة، لما لها من دور وفاعلية في حياة الأفرد والشعوب والاُمم. فبالارادة المنفصلة عن تأثيرات المحيط والملتزمة بالقيم والمبادئ المتعالية على واقع العالم المحيط بالانسان برز القادة والمفكّرون والمصلحون، ونادوا بالثورة على الواقع وتغييره، بعد أن اكتشفوا مواطن الداء والانحراف فيه، واستطاعوا أن يصنعوا موضوعاً اجتماعياً جديداً بواسطة الارادة والفكرة المجردة.
    وهذا التقويم الواقعي المسنود من قبل منطق التأريخ ومردود حركته، والذي يعطي الانسان القيمة الحقيقية في هذا الكون، ويضعه موضع الايجابية والفاعلية، هو تقويم الاسلام الذي جاء صريحاً بقول الله الحق: (بلِ الانسانُ على نفسهِ بصيرةٌ* ولو ألقى معاذيرهُ).
    ويقول الرسول (صلى الله عليه وآله) : (لا تكن إمعةً تقول أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساؤوا أسأت، بل وطِّنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا، وإن أساؤوا أن تجتنبوا إساءتهم)(1).
    وإذن الى جانب الاعتناء بالارادة، أو بذاتية الانسان الداخلية وقوة اختياره يلجأ الاسلام الى الاهتمام بالبيئة الخارجية، لأنها الأداة التي تمدّ الذات بألوان من الصور والانفعالات، وتعمل على ملء محتوى الانسان عن طريق الحس، لذا كان الاعتناء بما يغذي الانسان من معلومات خارجية ـ بيئية ـ تساهم في بناء ذاته أمراً ضرورياً واُسلوباً من اساليب حماية الشخصية وتنقيحها.
    من هنا كان واجباً على التربية أن تبعد الطفل عن كل ما له تأثير سيّئ وضارّ في نفسه، وأن تحيطه بجو يساعده على النمو السليم، ويحفظه من التعقيد والانحراف، سواء في المحيط الاجتماعي أو الطبيعي وذلك لان للظواهر الطبيعية أثراً فعالاً ومؤثراً في نفسية الطفل، كما للظروف الاجتماعية تأثيرها ـ وبصماتها على شخصيته وعلاقاته ـ.
    ولزيادة الايضاح فلنستوضح تأثير كل من المحيطين ـ الطبيعي والاجتماعي ـ على شخصية الطفل وسلوكه.
    ولنفرد لكل موضوع من هذه المواضيع بحثاً به:
    1 ـ المحيط الطبيعي: إن القاعدة الأساسية في تربية الطفل في هذا المجال هي أن تكون العلاقة بين الطفل والطبيعة قائمة على أساس من التّفهم والطمأنينة والاهتمام بالطبيعة، وأن نعمل على إبعاد المخاوف عنه، ونلفت نظره الى مواطن السرور والأمان في هذا العالم، لنصونه من ردود الفعل النفسية المؤلمة والضارّة من جهة، ونجعله يتجه نحو الطبيعة يستلهم منها معاني الحب والبهجة والجمال ويتشوق الى البحث والتعرف والاكتشاف من جهة أُخرى.
    قال تعالى:
    { أولَم ينظرُوا في ملكوتِ السماواتِ والأرضِ وما خلقَ اللهُ منْ شيءٍ }.
    ومن الواضح لدينا أن الطفل يتأثر بالمحيط، وينفعل به، فيتوجه الينا بتساؤلات كثيرة عن هذا العالم الذي يثير إعجابه فيستهويه، ويستجلب نظره.. فالرعد والحيوان الغريب، ونباح الكلب ودويّ الريح ومياهُ النهر والبحر والظلام..الخ، كلها أمور تثير مخاوف الطفل وتبعث في نفسه القلق وتجعله ينظر اليها بحذر وخوف، ويعدّها في عداد الخطر، فيتطور هذا الخوف، ويأخذ أشكالاً مختلفة، وتحوّلات مناسبة لنمو الانسان، فتترسّب حالات الخوف في اللاشعور فتنشأ شخصيته على القلق والتردد والتهيب والشعور بالخوف.
    وكما تفعل الظواهر الطبيعية هذا الفعل السلبي الخطر في نفسية الطفل، فإنها تؤثر أيضاً تأثيراً إيجابياً نافعاً في نفسه؛ فالطفل يفرح ويُسرّ بمنظر المطر، وتمتلئ نفسه سروراً وارتياحاً بمناظر الحقول والحدائق الجميلة، ويأنس بصوت الطيور ومشاهدة الأزهار، فواجب المربيّن إذن ـ المعلم والأبوين ـ أن يعملوا على إيجاد علاقة وديّة ومُسرّة بين الطفل والطبيعة، لندربه على مواجهة الاُمور التي يخافها ونطمئنه ونحيطه بالثقة والعطف، فنزيح من نفسه الخوف وروح الانطواء والحزن، أو نستصحبه معنا الى النزهة فنشعره بمظاهر البهجة والسرور، ونعطيه القدر الكافي من الحرية، ونجيب عن تساؤلاته التي يثيرها حول المطر والشمس والنجوم والقمر والرعد والظلام…الخ، فننمي فيه روح الاستطلاع، وحبّ الطبيعة بما فيها من آيات بارعة مثيرة للاعجاب، لينشدّ اليها، ويعرف مكانه فيها، وعلاقته بها، ويدرك عظمة خالقه، ومواطن القدرة والابداع، فيتجه نحوها مطمئناً متواضعاً، يملأ قلبه الحب والخير، ويتركز في نفسه مفهوم هام علمي وعقيدي، وهو أن الطبيعة بما فيها وضعت وخلقت للانسان ليتصرف فيها، ويستفيد منها، ويكيِّف طاقاتها لصالحه، معززاً ذلك بالتوجيه القرآني القائل:
    { هوَ الذي خلَق لكُم ما في الأرضِ جميعاً }(1).
    وهذا التسخير هو تمكين الانسان من تكييف قوى الطبيعة، واستخدام مخزونها لصالح الانسان، ووفق الاُسس والمفاهيم الانسانية التي كوَّنها من خلال علاقته بعالم الطبيعة: مفاهيم الحب والخير والجمال والسلام. والعلم هو الأداة الفعالة في هذا المجال لاكتشاف ما في الطبيعة من قوى وقوانين كونية تسخرّ لصالح الانسان.
    2 ـ تأثير البيئة الاجتماعية: البيئة الاجتماعية هي تلك الصيغة الحياتية والعلاقات الانسانية المختلفة التي تتكون نتيجة التفاعل والتعامل الانساني القائم بين الأفراد، وهذه الوضعية الاجتماعية تؤثر بلا شك في أفرادها القادمين اليها بعد الولادة، وهي غالباً ما تطبعهم بطابعها وتمنحهم صفاتها، وحينما نتكلم على البيئة الاجتماعية للطفل نقصد بها الأجواء الاجتماعية التي تحتضنه، وتؤثر عليه في أدوار نموه وتكامله، كالعقائد والأعراف والتقاليد وطريقة التفكير...الخ.
    ويمكن تلخيص البيئة الاجتماعية بالمجالات الآتية:
    أ ـ الاُسرة.
    ب ـ المجتمع.
    ج ـ المدرسة.
    د ـ الدولة.
    أ ـ الاُسرة: الاُسرة هي المحيط الاجتماعي الأول الذي يحتضن الطفل، فينمو ويترعرع في أوساطه، ويتأثر بأخلاقه، ويكتسب صفاته وعاداته وتقاليده، سواء بالقدوة أو بالخبرة والسلوك العملي الذي يعامل به، أو بما يسمعه ويشاهده، أو يستوحيه من ظروف أُسرته.
    فالطفل يرى في أبويه ـ وخصوصاً في والده ـ الكيان الأعظم، والوجود المقدس، والصورة المثالية لكل شيء، ولذا فان علاقته به تكون علاقة تقدير وإعجاب واحترام من جهة، وعلاقة خوف وتصاغر من جهة اُخرى؛ ولذا أيضاً فإنه يسعى دائماً الى الاكتساب منه وتقمّص شخصيته وتقليده والمحافظة على رضاه، في حين يرى في الاُم مصدراً لإرضاء واشباع نزعاته الوجدانية والنفسية من حب وعطف وحنان وعناية ورعاية؛ ولذا فإن شخصية الام تؤثر تأثيراً بالغاً في نفس الطفل وسلوكه في المستقبل. ولذلك كله كان لأوضاع الاُسرة وظروفها الاجتماعية والعقيدية والأخلاقية والاقتصادية..الخ، طابعها وآثارها الأساسية في تكوين شخصية الطفل، ونموّ ذاته. فالطفل يتأثر بذلك كله، وينعكس على تفكيره وعواطفه ووجدانه وسلوكه. فعلاقة الوالدين مع بعضهما، أو تعامل أفراد الاُسرة من إخوة وأقارب في ما بينهم، يوحي للطفل بنوعية السلوك الذي يسلكه في المستقبل، ويزرع في نفسه مفاهيم عن كيفية التعامل وطبيعة العلاقة مع الآخرين. فحينما يرى هذه العلاقة قائمة على الود والعطف والاحترام والتعاون يألف هذا السلوك، ويتأثر به، فتكون علاقته بوالديه وإخوته وبقية أفراد أُسرته قائمة على هذا الأساس، وعندما يخرج الى المجتمع يبقى يتعامل معه على هذا الأساس أيضاً. أما إذا كان يعيش وسط أُسرة منهارة متفككة، تقوم علاقاتها على الشجار والخلاف وعدم التعاون والاحترام فإنّه يتأثر بذلك السلوك أيضاً، ويبني علاقاته بالآخرين على هذا الأساس. والطفل الذي يُعامل بقسوة ويلاقي من أبويه أو إخوته الاهانة، وعدم التقدير، ولا يحصل على حاجته الطبيعية من الحنان والعطف والاهتمام سينشأ انساناً مشرداً قاسياً وهداماً في سلوكه. يعاني من الجفوة والقسوة


    والشعور بالنقص، وربما كان انتقامياً حقوداً، أو سلك ألواناً أُخرى من السلوك المريض الذي يضر بشخصيته ومجتمعه؛ لذلك كان الاعتناء بكيان الاُسرة وأوضاعها وعلاقاتها القائمة بين أفرادها ونظامها أمراً حيوياً وخطيراً في حياة الاُمة. ولهذا كان اعتناء الاسلام بالاُسرة بالغ الأهمية؛ لأن الاُسرة بهذا الاعتبار هي المصنع الأول الذي يمد الاُمة بالفرد الصالح وبالجيل السليم. فكثيراً ما تكون حياة الانسان في مرحلة الطفولة صورة انعكاسية لحياة العائلة وطبيعة الجو العائلي، ونوع المعاملة والرعاية التي كان يلقاها، فالطفل الذي يعامل معاملة خاصّة، ويميز على بعض إخوته، أو الذي يبالغ بتدليله ـ مثلاً ـ ينشأ أنانياً اتّكالياً، وقد تنمو معه روح الكبرياء، أو بالعكس إذا كان الطفل يعامل باحتقار ويفضل عليه بعض اخوته، فإن هذا التعامل يزرع في نفسه الشعور بالنقص والكراهية تجاه الآخرين.
    وللعائلة، وبصورة خاصة السلوك الأبوي، الأثر الكبير في صنع مستقبل الطفل ومكانته، فمعاملة الطفل معاملة تشعره باحترام شخصيته تزرع فيه روح الثقة، وتعدّه لأن يكون انساناً ذا شخصية قوية، يملك روح العزيمة وتتفجر في نفسه ينابيع العبقرية.
    إن سلوك الأبوين بصورة خاصة، وسلوك الآخرين بصورة عامة، تجاه الطفل يكشف له ذاته ويُعرِّفه بحقيقة استعداداته، ويوحي له بقيمته الذاتية، فيؤثر هذا الايحاء بسلوكه وشخصيته. من هنا جاءت عناية التربية الاسلامية بالطفل والاهتمام بمعاملته. فقد جاء في الحديث الشريف عن الرسول (صلى الله عليه وآله): (أحبّوا الصبيان وارحموهم).


  2. #18
    مراقب عام
    مراقب قسم المؤسسات التعليمية
    الصورة الرمزية محمد الرامي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    المشاركات
    17,623

    افتراضي

    تابع الطفل والمحيط وعن الامام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (من قبَّل ولده كتب الله عز وجل له حسنة ومن فرَّحه فرَّحه الله يوم القيامة)(2).
    وقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله): (أنّه كان يصلّي يوماً في فئة والحسين (عليه السلام) صغير بالقرب منه فكان النبي إذا سجد جاء الحسين (عليه السلام) فركب ظهره ثمّ حرّك رجليه فقال: (حَلْ.حَلْ) فإذا أراد رسول الله أن يرفع رأسه أخذه فوضعه إلى جانبه، فإذا سجد عاد على ظهره، وقال: (حَلْ. حَلْ) فلم يزل يفعل ذلك حتى فرغ النبي من صلاته، فقال اليهودي: يا محمد انّكم لتفعلون بالصبيان شيئاً ما نفعله نحن، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): (أما لو كنتم تؤمنون بالله ورسوله لرحمتم الصبيان). قال: انّي أُؤمن بالله ورسوله فأسلم)(3).
    كما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال:
    (من كان عنده صبيّ فليتصابَ له)(4).
    وهكذا نقرأ في هذه النصوص تركيز التربية الاسلامية على دور الاُسرة والوالدين في تنمية روح الحب والرحمة والرعاية والحنان للطفل، وإشعاره بالتكريم والمساواة والاهتمام بشخصه، وتأديبه وتعويده على العادات الحسنة والفضائل العالية، لينشأ الطفل سليماً من التعقيد والانحراف والسلوك العدواني الهدّام.
    ب ـ المجتمع: المجتمع هو المحيط الثاني الذي يتلقى الطفل ويحتضنه بعد أبويه وأُسرته، ويشيع فيه روحه، وينقل اليه عاداته ومفاهيمه وسلوكه. والمجتمع هو ملتقى ما يحمله وينتجه الأفراد المعاصرون من أفكار وعادات وتقاليد وأخلاق، كما أنه الوارث الطبيعي للأسلاف والأجيال الماضية، وهو الذي ينقل للجيل الحاضر ما كان عليه آباؤه وأجداده من أوضاع وعادات، لذا فان البيئة الاجتماعية لها بالغ الأثر في شخصية الطفل وسلوكه. إن الفرد الذي يحمل أفكاراً وسلوكاً وتقاليد اسلامية تخالف الأوضاع الاجتماعية السائدة، يعيش حالة من الحرج أو الازدواجية، كما ويكون معرضاً للذوبان ما لم يتكوّن تيار اجتماعي جديد يتلاءم وتطلعات الأفراد الاسلاميين ويحدث التغيير الاسلامي.
    والفرد المسلم في المجتمع الاسلامي يجد البيئة الصالحة لنموه ونشأته واستقامة شخصيته، لتوفّر الأجواء والظروف اللازمة لنمو الشخصية الاسلامية اجتماعياً. فهذه الوسائل كلها تؤثر في الطفل ، ويكتسب منها عاداته ومفاهيمه وسلوكه، وتوجه شخصيته سلباً وايجاباً؛ فالصديق الذي يرافقه الطفل ويلعب معه يؤثر فيه، وينقل اليه الكثير من أنماط السلوك، ومعاملة الضيوف والأقارب وغيرهم من الكبار والاختلاط بهم تكون ايضاً لها أضرارها ومنافعها، والمؤسسات العامة كالملاعب والنوادي والجمعيات والمسارح والسينما، أو المظاهر العامة كالأعياد والمناسبات التاريخية التي يحتكّ بها الطفل تزرع في نفسه مفهوماً خاصاً وتوجهه توجيهاً معيناً، وكذا المثل والقصة والنكتة والحكايات الشعبية، فإنها تترك في الطفل أثراً ومفهوماً. ويزيد على ذلك كله من حيث الأثر والتوجيه تأثير الدولة في الأفراد وصبغهم بصبغتها الخاصّة، نتيجة لما تمتلكه من وسائل تأثير قوية وفعالة ومدروسة ومبرمجة؛ فالصورة التي يشاهدها الطفل على شاشة التلفزيون، والكلمة التي يسمعها والمشاعر التي يلتقي بها في المناسبات وغيرها تؤثر في نفسه، وتكوِّن جانباً من شخصيته، لذا كان الاعتناء واجباً وضرورياً بالحياة الاجتماعية ووسائل الاعلام والمظاهرات والمؤسسات الاجتماعية العامة، حرصاً على جيل المستقبل، وصيانة له، كما ينبغي الاعتناء ببرامج الأطفال ووسائل النشر الملائمة لذهنياتهم، كالمجلة ومكتبة الأطفال والملاعب الخاصة بهم.
    والتربية الاسلامية تعتمد كثيراً على المحيط الاجتماعي في التوجيه والاعداد كما تعتني بإصلاح الطفل وتوجيهه.
    وجدير ذكره أن هناك جانباً مهماً في القضية التربوية له اثره المهم والفعّال في الشخصية الانسانية، وهو الانسجام وعدم التناقض بين حياة المجتمع والمدرسة والبيت، ليسلم الطفل من الصراع والتوزع وانقسام الشخصية.
    والمجتمع الاسلامي، الذي يؤمن بالاسلام عقيدة ومنهجاً للحياة وسلوكاً ينسجم تماماً مع الاُسرة والمدرسة، ويلقى الطفل فيه الحياة المتزنة المستقرة المنسجمة. كما أن الطفل اينما حوّل وجههُ في البيت أو المجتمع أو المدرسة، وجد الاُم والأب والأقارب والأصدقاء والمؤسسة والمظهر الاجتماعي ووسيلة الاعلام وحياة الناس العامة وسياسة الدولة كلها تجري على قاعدة فكرية وسلوكية تسعى الى الخير والاصلاح، وتجري بانسجام تام، وتتعاون بشكل دقيق ومتقن على أُسس فلسفة حياتية وفكرية واحدة، من أجل بناء الفرد الصالح والمجتمع القويم والدولة القوية المهابة.
    ج ـ المدرسة: والمدرسة هي الحاضنة الثالثة بعد البيت والمجتمع الذي يحتضن الطفل ويؤثر في تكوين شخصيته وصياغة فكره وسلوكه. وتشترك أربعة عناصر أساسية في اخراج الأثر المدرسي الى حيّز الوجود، وتعمل كلها مؤثرة في شخصية الطفل وسلوكه، وهي: المعلم، المنهج، المحيط الطلابي، والنظام والنشاطات والمظاهر المدرسية العامة:
    1 ـ فالطفل يرى المعلم مثلاً أعلى، وينظر اليه باهتمام بالغ، وينزله في مكانة عالية من نفسه، فيعمل دائماً على التأثر والاقتداء به، والانفعال بشخصيته، ويحاول تقليده؛ فكلمات المعلم وثقافته وسلوكه ومظهره ومعاملته للطالب كلّها تترك أثرها الفعال في حياة الطفل، فإذا كان المعلم يعامل الطالب برفق أبوي وعناية، ويسبغ على علاقاتهما روح العطف والاحترام لشخصية الطالب، ويحبب إليه السلوك الحسن.
    ثمّ يتلّقى من معلّمه النظام والنظافة والعناية والسلوك المستقيم، والكلمة الطيّبة، ويشعر بالمحاسبة من قبل معلّمه الذي يُنبهه إلى خطئه إذا أخطأ، ويُحسّن إليه المواقف الحسنة، ويشجّعه
    عليها إذا هو أتى بها، أو يلفت نظره إلى أُمور لم ينتبه إليها، ثمّ هو يتابع مواهب الطفل واستعداداته الذاتية التي يأخذ على عاتقه اكتشافها وتنميتها لكي يساعده على استثمارها والاستفادة منها. وأخيراً فإنّ شخصية المعلّم تترك أثرها في شخصية الطفل من خلال المؤثّرات الآتية:
    أ ـ إن الطفل يكتسب من معلمه عن طريق التقليد والايحاء الذي يترك أثره في نفسه، من دون أن يشعر الطالب بذلك، في غالب الأحيان.
    ب ـ اكتشاف مواهب الطفل وتنميتها وتوجيهها.
    ج ـ مراقبة سلوك الطفل وتصحيحه. وبذا تتعاظم مسؤولية المربي ودوره في التربية الاسلامية.
    2 ـ وأما المنهج: فهو (مجموعة من العلوم والمبادئ التربوية والخطط التي تساعدنا على تنمية مواهب الطفل واعداده إعداداً صالحاً للحياة). ولكي يؤدي المنهج غرضه ينبغي أن يعالج ثلاثة مبادئ أساسية ويتحمل مسؤوليتها وهي:
    أ ـ الجانب التربوي: إن العنصر الأساس في بناء المنهج في مراحله الاُولى هو العنصر التربوي، فالمنهج هو المسؤول عن أن يزرع في ذهن الطالب ونفسه القيم والأخلاق الصالحة، ويعوِّده الحياة الاجتماعية والسلوك القويم؛ كالصدق والصبر وحب العلم والتعاون والشجاعة والنظافة والايمان بالله وحب الوطن والالتزام بالنظام وطاعة الوالدين..الخ، وهذا الجانب التربوي هو المسؤول عن تصحيح أخطاء البيئة الاجتماعية، وانحرافاتها، كالعادات والخرافات والتقاليد البالية..الخ.
    ب ـ الجانب العلمي والثقافي: ويشمل هذا الجانب تدريس الطفل مبادئ العلوم والمعارف النافعة، سواء الطبيعية منها أو الاجتماعية، والتي تؤهله لأن يتعلم في المستقبل علوماً ومعارف أرقى.
    ج ـ وأما الجانب الثالث من المنهج فيشمل تنمية مواهب الطفل وملكاته الأدبية والفنية والجسمية والعقلية؛ كالكتابة والخطابة والرسم والتطريز والخياطة أو الرياضة والألعاب الكشفية والاختراع والابداع...الخ.
    فاذا وضع المنهج بهذه الطريقة استطاع ان يستوعب أهداف التربية ويحقق أغراضها، ويعيننا على خلق الانسان الصالح والفرد النافع.
    3 ـ المحيط الطلابي: والمحيط الطلابي هو وسط اجتماعي تتلاقى فيه مختلف الحالات والأوضاع والتقاليد، وأنماط السلوك والمشاعر التي يحملها الطلاب معهم الى المدرسة، والتي اكتسبوها من بيئاتهم وأُسرهم، وحملوها الى زملائهم، فتنتقل من بعضهم الى بعض عن طريق الاحتكاك والاكتساب، وطبعاً سيكون الوسط الطلابي على هذا الأساس زاخراً بالمتناقضات من أنماط السلوك والمشاعر ـ سيما إذا كان المجتمع مجتمعاً غير متجانس ـ التي يبديها الطلبة، فمنها المنحرف الضارّ، ومنها المستقيم الخيّر، لذا كان واجب المدرسة أن تهتم بمراقبة السلوك الطلابي وخصوصاً الطلبة الذين يسلكون سلوكاً ضاراً وتعمل على تصحيحه ومنع سريانه الى الآخرين، وتشجيع السلوك الاجتماعي النافع البنّاء، كتنمية الحياة التعاونية، والتدريب على أعمال القيادة الجماعية والرضا بالانقياد، والالتزام بمقررات الجماعة الطلابية، لينشأ الطالب اجتماعياً تعاونياً، ينضوي تحت لواء القيادة التي يقررها المجموع والتي تحقق مصلحة الجماعة. كما يتدرّب الطالب من خلال ممارسة الحياة في المحيط الطلابي على احترام حقوق الآخرين ومعرفة حقوقه عليهم.
    4 ـ النظام والمظهر المدرسي العام: لما كان الطلبة يشعرون في اليوم الذي يدخلون فيه المدرسة أنّ للمدرسة نظاماً خاصّاً يختلف عن الوضع الذي ألفوه في الاُسرة، فإنّهم يشعرون بضرورة الالتزام بهذا النظام والتكيف له. فإذا كان نظام المدرسة قد أُقيم على أُسس علمية متقنة، وشيّد على قواعد تربوية صحيحة فإن الطالب سيكتسب طباعاً جديدة في مراعاة هذا النظام، والعيش في كنفه،
    فمثلاً إذا كان الطالب المشاكس الذي يعتدي على رفاقه والطالب الآخر الذي يُعتدى عليه يشعران بأن نظام المدرسة سيلاحق هذه القضية، وأن هذا الطالب المعتدي سوف لن يُترك ليتصرف بلا ردع ولا علاج، فإن الطرفين سيفهمان حقيقة مهمة في الحياة وهي أن القانون والسلطة والهيئة الاجتماعية يردعون المعتدي، وينزلون به العقاب، وأن المعتدى عليه هو في حماية القانون والسلطة والهيئة الاجتماعية، ولا ضرورة للرد الشخصي واحداث المشاكل بين الأفراد.
    إن هذه الممارسة المدرسية تربي في الطفل احترام القانون والشعور بالعدل. والنظام المدرسي الذي يتابع مشكلة التقصير في اداء الواجبات والغياب عن الدروس، ويحاول حل هذه المشكلة، فإن الطالب في هذه المدرسة سيتعود من خلال ذلك على الانضباط والمواظبة والشعور بالمسؤولية...الخ.


  3. #19
    مراقب عام
    مراقب قسم المؤسسات التعليمية
    الصورة الرمزية محمد الرامي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    المشاركات
    17,623

    افتراضي

    4 ـ التربية الأخلاقية والنفسية تشكل الأخلاق الفاضلة الركن الأساس في بناء الشخصية الاسلامية وتنظيم المجتمع.
    وهي مصدر سعادة الانسان واستقامة شخصيته، وبناء الانسان السوي السلوك والنزعة.
    لذا كانت التربية الأخلاقية من أهم عناصر التربية الانسانية التي اعتنى بها الاسلام، وأكّد الاهتمام بها.
    ونستطيع أن نعرف قيمة الأخلاق في الاسلام من ثناء الله على نبيه الكريم محمد (صلى الله عليه وآله) عندما وصفه بقوله: (وإنّك لعلى خُلقٍ عظيمٍ) ومن قول الرسول (صلى الله عليه وآله): (بُعثتُ لاُتمّم مكارمَ الأخلاق
    ومن قوله (صلى الله عليه وآله): (إن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلُقاً.
    وكما يقترن كمال الايمان والسعادة النفسية في عالم الدنيا بحسن الخلق، تقترن المعاناة النفسية، وعذاب الضمير بسوء الخلق أيضاً: لذا يحذّر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوله (من ساء خلقه فقد عذَّب نفسه.
    إن هذا الحديث الشريف يشرح لنا العلاقة بين التكوين الداخلي للانسان، وبين السعادة والشقاء اللذين يحيطان بالانسان، فالانسان الأحمق السريع الغضب، والحسود الحقود، والأناني، والجشع، والساخط المتبرم...الخ، يعاني من مرارة هذا السلوك ومردوداته، مما يحيل حياته الى شقاء وعذاب نفسي وقلق دائم.
    من ذلك نعرف ان قيمة الشخصية في الاسلام وسر السعادة في الحياة مرتبطان بمستوى ما يتمتّع به الانسان من أخلاق سامية، ونزعات نفسيّة سويّة، والتربية الأخلاقية تعني بناء المحتوى الداخلي للانسان على أساس الفضيلة والقيم السامية: من الصدق والرحمة والعدل والأمانة والمحبة والايثار والثقة بالنفس والجد في العمل...الخ، لتكوين الملكات الخيِّرة، والنزعات الانسانية الفاضلة التي توجه سلوكه نحو الخير والاستقامة وتتفاعل مع قيم الحق والفضيلة.
    وتفيد الدراسات وتجارب التحليل النفسي أن معظم السلوك البشري هو عبارة عن استجابة داخلية للمثيرات الخارجية، لذا فإن موقف الانسان من المثيرات الخارجية التي يواجهها: كالمثير المالي، أو الجنسي، أو السلطوي، أو الوجداني، والتحديات التي يواجهها...الخ، تتوقف على طبيعة الملكة النفسية، ونوعية المحتوى الداخلي للانسان، فانطلاقاً من هذا المحتوى يتحدد موقفه من المثير، ومدى الاستجابة له.
    وجدير ذكره أن تربية الطفل المتوازنة نفسياً وأخلاقياً لها الأثر البالغ على استقرار الشخصية وحمايتها من القلق والعقد التي كثيراً ما تقود الى الأمراض النفسية والعصبية والسلوك العدواني.
    لذا كانت التربية الأخلاقية والنفسية لها الأثر البالغ في سعادة الطفل المستقبلية، وحمايته من الانحراف وضعف الشخصية.
    وكما يحتاج الطفل الى الحب والحنان لتكوين الشخصية السويّة يحتاج كذلك الى توفير المستلزمات المادية، وتدريبه على احترام ملكية الآخرين وشخصياتهم ليبتعد عن العادات السيّئة، كالسرقة والتزوير والاحتيال والاعتداء على الآخرين، وممارسة الطرق المحرّمة للحصول على المال.
    وتربية الطفل على القناعة والايثار العملي، والتسوية بينه وبين إخوته في البيت بالعطاء والعناية والحب، يشعره بالمساواة مع الآخرين، والرضا بما يتوفر لديه.
    وكما يحث الاسلام على منح الحب والحنان، فإن المبالغة فيهما تولد شخصية اتكالية مائعة، لذا ينبغي الاعتدال والاتزان في التعامل مع الطفل في درجات الحب واللين والشدة والردع.
    ومما يجدر الاهتمام به هو مراقبة سلوك الطفل وعباراته، وتصحيح أخطائه وممارساته في البيت والمدرسة، فإن هذه المراقبة عملية أساسية ذات أثر في تقويم شخصيته وتنقيح سلوكه.
    وقد يمارس الطفل ممارسات خاطئة يحتاج ردعه عنها للعقاب، واشعاره بارتكاب الخطيئة، وضرورة التوبة والاقلاع عن تلك الممارسة. فإن استخدام العقاب الجسدي أو الأدبي أمر ضروري وتربوي في بعض الأحيان، شريطة أن لا يصل الى حد الاضرار الجسدي، أو التعقيد النفسي الذي كثيراً ما يتسبب بتشريد الأطفال، وتكوين الكراهية للبيت والأبوين.
    ويشخص الرسول المربي مسؤولية الأبوين التربوية فيقول: (رحم الله والدين أعانا ولدهما على برِّهما
    ومن أُسس التربية السليمة أن يُمنح الطفل في السنوات الاولى من حياته حرية التعبير عن الذات والاشباع النفسي من اللعب، فإنها تجربة الانسان في التعبير عن ذاته، وتعامله مع العالم الخارجي، وتنمية الخيال والممارسة.
    لذا جاءت الدعوة التربوية لمنح الطفل فرصة سنين عديدة للعب، فقد ورد عن الامام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) : (أمهل صبيَّك حتى يأتي به ست سنين، ثم ضُمَّه اليك سبع سنين، فأدبه بأدبك، فإن قبل وصلح وإلا فخلّ عنه)().
    وورد عنه (عليه السلام) توجيهه التربوي : (الغلام يلعب سبع سنين، ويتعلم الكتاب سبع سنين، ويتعلم الحلال والحرام سبع سنين.





  4. #20
    مراقب عام
    مراقب قسم المؤسسات التعليمية
    الصورة الرمزية محمد الرامي
    تاريخ التسجيل
    Oct 2008
    المشاركات
    17,623

    افتراضي

    5 ـ التربية العبادية والايمانية يتحدث القرآن الكريم في العديد من آياته عن علاقة الموجودات العبادية بالله سبحانه، والارتباط العبودي بينه وبين الخلائق كلها، فيؤكد أن هذه العلاقة حقيقة تنظم الوجود بأسره: الطبيعة والحيوان والنبات والانسان، فكل شيء في هذا العالم متجه الى بارئه وسائر اليه بتشوق وعشق تكاملي، وشاهد له بالوحدانية والربوبية، ومعبّر بوجوده عن العبودية.
    ويقرر القرآن هذا المبدأ، مبدأ العبادة والتسبيح والصلاة في العوالم كلّها فيقول:
    { ألمْ ترَ أنَّ اللهَ يُسبّحُ لهُ مَنْ في السماواتِ والأرضِ والطيرُ صافاتٍ كلٌّ قدْ عَلِمَ صلاتَهُ وتسبيحَهُ واللهُ عليمٌ بما يفعلونَالنور/41)
    { ألمْ ترَ أنَّ اللهَ يسجُد لهُ منْ في السماواتِ والأرضِ والشمسُ والقمرُ والنجومُ والجبالُ والدوابُّ وكثيرٌ منَ الناسِ وكثيرٌ حقَّ عليهِ العذابُ ومَنْ يُهنِ اللهُ فما لهُ منْ مكرمٍ إَّن اللهَ يفعلُ ما يشاءُ }. (الحج/18)
    ويؤكد القرآن في موارد أخرى أن العبادة هي غاية الخلق وسر الوجود البشري فيقول: {وما خلقتُ الجِنَّ والإِنسَ إلاّ ليعبدُون }.
    وحين يتحدث عن مبدأ خلق الانسان وتكوين وجوده يؤكد أن الانسان فُطر على التوحيد وكوّن على الاتجاه الى بارئه، قال تعالى:
    { فطرةَ اللهِ التي فطرَ الناسَ عليها لا تبديلَ لخلقِ اللهِ ذلكَ الدينُ القيمُ ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يعلمونَ }.
    ثم أوضح الامام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) معنى هذه الآية فقال: (فطَرهم على التوحيد)(1).
    وروي عن الامام الباقر (عليه السلام) عن النبي قوله: (كل مولود يولد على الفطرة).
    ثم فسرّ هذا القول النبوي بقوله: (يعني على المعرفة بأن الله خالقه)(
    ويروي الامام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) أن موسى بن عمران قال في مناجاته لرب العزة: (يا رب أي الأعمال أفضل عندك؟ فقال: حب الأطفال، فإن فطرتهم على توحيدي، فإن أُمتهم أُدخلهم برحمتي بجنتي.
    إن دراسة تحليلية لمضمون هذا النص وأفكاره لا تشرح أثر الحب الأبوي المتطبع في نفس الطفل وحسب، بل وتوضح الأثر النفسي المنطبع في نفس الأب المحبّ.
    فحب الطفل ببراءته ونقاء فطرته يشيع في النفس حب الفطرة والنقاء والبراءة، وبذا يعكس الحب أثره التربوي في نفس الطفل والأب معاً.
    ]
    وجاء في الحديث النبوي الشريف أن كل طفل يولد على الفطرة، إنما البيئة التربوية هي التي تغير اتجاهه في الحياة... فقد روي عنه قوله(صلى الله عليه وآله): (ما من مولود يولد إلاّ على هذه الفطرة فأبواه يُهوّدانه ويُنصّرانه)(1)، ولذا أكد الاسلام أهمية التربية ومسؤوليتها في الحفاظ على النقاء وبراءة الفطرة واستقامتها.
    ومن هنا تبدأ عملية التربية وهي المحافظة على نقاء الفطرة وحمايتها من التلوث والانحراف في النفس البشرية كما أوضحنا آنفاً، لأنّها نقية طاهرة من التعقيد والانحرافات، فمسؤولية المربي إذن هي تنشئة الفطرة على استقامتها ونقائها، والأخذ بيد الطفل ليسير سيراً أميناً نحو بارئه...فالطفل مثلاً يولد في أحضان الطبيعة، والطبيعة مليئة بإثارات الجمال والاستهواء والغرابة بالنسبة له... فهو يشاهد السماء والشمس والقمر والنجوم والغيوم والأمطار والأشجار والبحار والأنهار وألوان الأزهار والثمار، وحين يبدأ وعيه بالتفتح يريد أن يفهم العالم فهماً عقلياً فيسأل أبويه أو إخوته الكبار أو معلّمه: كيف تكوّنت تلك الموجودات؟ ومن خلقها…؟ ويريد أن يفهم الأشياء على أساس ربطها بعللها وأسبابها.
    وعلى الأبوين والمربّين أن يجيبوا عن أسئلة الطفل إجابة تتناسب ووعيه، مستعينين بالمثل المبسط للتعريف بالأشياء المحسوسة لديه كاللعب والصور، كيف صنعها الصانع، أو صوّرها الفنان، للتعريف بخالق الوجود، أو تكوين رابطة نفسية بين الطفل ومظاهر الطبيعة الموصلة الى الخالق العظيم، لتكون تلك الاجابات إيضاحاً لعلاقته بخالق الوجود وأساساً لإثارة الاحساس بالفضل والاحسان الالهي، أو تدريبه على أداء الشكر، منطلقين معه بضرب الأمثلة الحسّية الدّالة على وجوب شكر من يصنع المعروف، ويهب لنا الاحسان.
    ولتكن البداية من إشعاره باحسان الأبوين المحسوس لديه واستحقاقهما للشكر، ليكون هذا الاحسان أساساً للقياس، وإثارة مشاعر الشكر والحب لله سبحانه.
    والطفل في مراحل حياته الاُولى يملك قدرة عالية على التلقي والتقبل.. وواجب الأبوين والمربّين أن يقدموا له المعلومات العبادية: كتعليم الصلاة وتحفيظ الأناشيد والقصص التي تزرع في نفسه معاني الايمان والارتباط بالله سبحانه وتشعره بصفات الله من: العدل والرحمة وعقاب المجرمين وقدرته على الخلق والإحياء..الخ.
    وجرياً على القواعد النفسية فإن الظروف والأجواء التي تصاحب عملية تدريب الطفل على العبادة تشكل مثيراً ومنبهاً يقترن بأدائها؛ لذا فإن توفير أجواء السرور والمحبة والتشجيع للطفل بالثناء على عمله أو تقديم الهدايا له، أو التقاط صورة ملونة له، وهو في حال الصلاة..الخ يثير السرور في نفسه، ويجعل من العبادة عملا محبباً لديه يترسخ في الوعي الباطني، بعكس الاُسلوب القاسي، واستخدام الاكراه والتشديد على الطفل، فإنه يشكل حالة من الرفض الداخلي، وعدم الاقبال على العبادة.
    وتوظيف الفن السينمائي والفلم والصور في تعليم العبادات وتقديمها بشكل إيحائي أو صريح اُسلوب ناجح من أساليب التربية العبادية، فهي أعمق أثراً من التلقي اللفظي المجرد، وأكثر تقبلاً لديه.
    والتدريب العملي المشفوع بالحب والعناية من الأبوين للطفل، كاصطحابه الى المسجد وصلاة الجماعة وصلاة العيد، له عميق الأثر في نفسه وعلاقته بالعمل العبادي.
    ـلذا جاء الحث على تعليم الطفل والصبي القرآن والأحكام والعبادات بشكل تدريجي؛ فقد روى الصادق عن النبي (صلى الله عليه وآله) قوله: (… ومن علّمه القرآن دُعي بالابوين فكسيا حلتين تضيء من نورهما وجوه أهل الجنة).
    ويثبت الامام الصادق منهج التربية العبادية للصبي والناشئ وتعليمه مبادئ الشريعة بقوله: (ويتعلم الكتاب سبع سنين ويتعلم الحلال والحرام سبع سنين).
    وورد عنه (صلى الله عليه وآله): (علُموا صبيانكم الصلاة، وخذوهم بها اذا بلغوا الحلم)(
    وروي عن الامام علي بن الحسين السجاد (عليه السلام) أنه كان يدرب صبيانه بشكل تدريجي على الصلاة حتى لا تثقل عليهم:(انه كان يأخذ من عنده من الصبيان بأن يصلوا الظهر والعصر في وقت واحد، والمغرب والعشاء في وقت واحد، فقيل له في ذلك. فقال: هو أخف عليهم، وأجدر ان يسارعوا اليها، ولا يضيعوها ولا يناموا عنها، ولا يشتغلوا، وكان لا يأخذهم بغير الصلاة المكتوبة ويقول: اذا طاقوا الصلاة، فلا تؤخروها عن المكتوبة)(


صفحة 5 من 89 الأولىالأولى ... 345671555 ... الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. موسوعة أساليب التعلم الحديثة :التعلم باللعب
    بواسطة ahmida في المنتدى دفاتر أساليب التربية الصحيحة
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 09-02-2011, 15:43
  2. أبناؤنا و أبناء الغير ، أساليب التربية الحديثة
    بواسطة نسمة المنتدى في المنتدى دفاتر أساليب التربية الصحيحة
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 14-08-2010, 18:16
  3. موسوعة أساليب التعلم الحديثة
    بواسطة سيبويه في المنتدى ديداكتيك ومنهجيات التدريس
    مشاركات: 14
    آخر مشاركة: 18-11-2009, 22:52
  4. موسوعة أساليب التعلم الحديثة
    بواسطة ahmida في المنتدى دفـتـر المواضيع الـتربـــوية الـعــــامة
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 07-06-2009, 18:57
  5. موسوعة أساليب التعلم الحديثة :1) التعلم بالاكتشاف
    بواسطة ahmida في المنتدى ديداكتيك ومنهجيات التدريس
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 04-04-2009, 20:55

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •