• أخـي الزائر/أختـي الزائرة أعضـاء المنتـدى يبذلون مجـهودات كبيرة من أجـل إفادتك .فبادر بالتسجيل لافـادتهم أو لشكرهم.ولا تبـق مجرد زائر فقط .نحن في انتظار ما يفيـض به قلمـك من جديد ومفـيد. ,يمكنك التسجيل من خلال الرابط التالي تسجيل او باستعمال حسابك بالفايس بوك
  • نخبر اعضاءنا الكرام انه نظرا لعملية الترقية والصيانة التي لازلت مستمرة ,فان العديد من الخاصيات غير مشغلة كما قد تواجهون بعض المشاكل سواء في التسجيل او تحميل المرفقات او ولوج بعض الدفاتر, فشكرا لتفهمكم.

إعـــــــلان

تقليص
لا يوجد إعلان حتى الآن.

قــراءات في الســرد العـربي..

تقليص
هذا موضوع مثبت
X
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • قــراءات في الســرد العـربي..

    يسعدني أن أفتح هذا الدفتر ، من أجل متابعة الأعمال الأدبية السردية ، بالدرس والتحليل ، ملاحقين أسئلتها وخصوصياتها البنائية والتيماتية..محاولين اكتشاف مستويات أخرى من التقاطعات المفترضة بين النصوص ..
    سأقدم قراءات شخصية لنصوص كلما توافرت الظروف ذلك ، كما سأعمل على تقديم قراءات نقاد معروفين في الساحة الأدبية العربية..وأدعو باقي الإخوة الدفاتريين لإغناء هذا الدفتر بما تيسر لهم من درس للنص السردي، سواء بقراءاتهم الشخصية ، أو بتقديم دراسات نقدية لكتاب معروفين..
    نسأل الله التوفيق .

    نطــالب بإلغــاء تقـاعــد البرلمانييــن والوزراء.

  • #2
    رد: قــراءات في الســرد العـربي..

    منزل اليمام لمحمد عز الدين التازي.
    كتابة المكان ومحاولة استرداده.
    بقلم: ابراهيم أولحيان.

    -1 تكتسي تجربة محمد عزالدين التازي أهمية كبيرة في السرد المغربي، نظرا للتراكم الذي أغنى به هذا الحقل الأدبي، وأيضا لتواصل إنتاجاته بشكل مستمر، وبدون انقطاع لأكثر من أربعة عقود، إضافة إلى مراهنته على الإضافة والنوعية، في سياق كتابة تتجاوز ذاتها، وتتجدد مع كل نص إبداعي، ضمن مشروع سردي يقاوم التكرار، وينشد الاختلاف.
    كتابة عابرة للأجيال، تشتغل على التحديث في الأشكال، والتنويع في الموضوعات، والإنصات إلى الذات في تصدعاتها وجراحاتها وأوهامها، وإلى المجتمع في حركيته واهتزازاته وتقلبات أحواله، وفي تفاعل هذه الذات مع العالم، منخرطة في أسئلة الكتابة، مغامرة باقتحام أدغالها السرية المحفوفة بالمخاطر؛ وهو ما جعل كل نص سردي جديد لمحمد عزالدين التازي انكشاف آخر في تضاريس الذات والعالم والكتابة..
    ورغم أن محمد عزالدين التازي قد كتب أكثر من عشرين رواية، منذ العام 1978 إلى الآن (2012)، أي من روايته 'أبراج المدينة' إلى 'وهج الليل'، فإنه لم يتخل عن 'طفلته الخالدة'؛ القصة القصيرة التي بدأ بها مساره الإبداعي، منذ أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، حيث أصدر أول مجموعة قصصية سنة 1975 بعنوان 'أوصال الشجر المقطوعة'، وبعد ذلك جاءت مجاميع قصصية أخرى: 'النداء بالأسماء'(1981)، 'منزل اليمام'(1995)، 'الشبابيك'(1996)، 'يتعرى القلب'(1998)، 'شيء من رائحته'(1999)، 'شمس سوداء'(2000)، 'باب العين'(2005(..
    لقد جاء محمد عزالدين التازي إلى الإبداع من بوابة القصة القصيرة، وأسهم منذ بدايته في تحديث هذا الجنس الأدبي، حيث ابتدع لنفسه طريقه الخاص والمتميز. فإذا كانت أسماء مثل: محمد شكري، محمد زفزاف، ادريس الخوري، قد راهنت في كتابتها للقصة القصيرة على الاشتغال على الخصوصية المغربية، سواء في المضامين أو في الأشكال، وتخليصها من التأثير المشرقي الذي هيمن على مجموعة من الكتابات في هذا الجنس الأدبي، بتطويع نثريتها، وفتحها على الروح المغربية، فإن محمد عزالدين التازي إلى جانب أحمد المديني بمجموعته 'العنف في الدماغ' (1971)- قد قلب السائد في جنس القصة القصيرة، وراهن على التحديث، بتجاوز الأشكال السابقة، وفتح كوة أخرى في مسار التجديد، تخلخل المتعارف عليه آنذاك، وتؤسس لكتابة جديدة 'تبعث على القلق: بلغتها، وأسلوبها، ورموزها، وعالمها...'(1).
    -2-
    ترتكز الكتابة القصصية عند محمد عزالدين التازي على التقويض، الذي نفهم منه التدمير والبناء، والاشتغال على التخوم: هدم الجاهز والمتعارف عليه، وخلخلة ليقينيات الكتابة، بالانفتاح على المجهول، في بناء عوالم يسكنها التصدع والتمزق والضياع. وتعتبر اللغة أساس كل ذلك، لأن التازي يدفع بها إلى أقصى الحدود، لتوسيع أفقها، وجعلها قادرة على التعبير عن واقع متشابك، ومعقد، وعن الكائن وهو يمارس طقوس العيش من داخل هواجسه وأحلامه وأوهامه، وبذلك فالكتابة السردية (القصصية) بهذا المعنى 'لا تحيل إلا على واقعها ككتابة، أي تشكيلها لملامحه وبنائها لعوالمه ونسجها لتفاصيله وتوثرا ته وقدرتها على تدميره والسخرية منه حتى وهي توهم بواقعيته، لأن مهمتها هي البناء والتدمير، وفي ذلك تمارس التعبيرعن رؤيتها للواقع، وعن متخيلها الذي هو استحضار لأحداث وشخصيات من عالم الأحلام والاستيهامات' (التازي). كتابة يمتزج فيها الواقعي والمحتمل، الكائن والممكن، الأسطوري والخرافي، المقدس والمدنس، الرمزي والاستعاري، الأحلام والكوابيس، المعقول واللامعقول، النثري والشعري، الحكي الشعبي والحكي التاريخي والتراثي... كل ذلك يشتغل داخل عالم حكائي قصصي يريده محمد عزالدين التازي مغايرا، تتناسل فيه الحكايات، بتوظيف تقنيات سردية جديدة، تعتمد على ثقافة بصرية كبيرة؛ في استخدام تقنيات التقطيع السردي السينمائي، الذي يعتمد على التقاطعات الحكائية، التي ترتكز على الانتقالات السريعة اللامنطقية أحيانا، وهناك أيضا الاشتغال على عنصر الذاكرة بمنطقها، المرتبط بالصور المتداخلة، وبالاسترجاعات والتأملات، لذلك ' فتجربة التذكر (...) نستحضر فيها أحيانا (...) صورا بصرية أو سمعية أو لمسية، أو شمية' (2)، ومن هنا نجد هذا الاحتفاء الباذخ بالمكان عند عزالدين التازي، لكن المكان كذاكرة، يتم من خلاله استحضار كثير من التفاصيل، والإحساسات، والمشاعر، وبلورة رؤى للعالم متعددة ومتنوعة، وتشكيل لغة في تعدداتها وطبقاتها خاصة بالأمكنة، والاشتغال على الطرسية بما هي محو ونسيان وتذكر، لأن الكتابة بهذا المعنى الذي أشرنا إليه عند محمد عزالدين التازي 'محو والمحو هو الفضاء الحقيقي للكتابة التي تحتاج دوما إلى محو'(التازي).
    لقد اشتغل محمد عزالدين التازي على المكان في مجموعته 'منزل اليمام' (3)، وجعل منه بؤرة نصه الإبداعي، بل شكل الشخصية الأساسية التي عبرها وبها يتدفق الحكي، وتتناسل الحكايات. ويمكن أن نستشف، من خلال قراءتنا لهذه المجموعة استراتيجية اشتغال المكان، ارتباطا بما يناسب هذا المقام:
    1 ـ بعث المكان وإعادة كتابته: إن المكان الذي يستحضره عز الدين التازي، له وجود تاريخي، ومسار زمني، بمعنى توالت عليه الأزمنة والحضارات، وأقامت فيه الحياة، وعبره الموت، المكان باعتباره ذاكرة ممتلئة بالفراغات والبياضات، ذاكرة يسكنها النسيان كفعل إنساني، يترك آثارا يهتدي من خلالها المبدع إلى إعادة كتابة المكان بحثا عن 'بياضات تاريخه السري'، فالأمكنة، كما يقول محمد عزالدين التازي 'منذورة للخراب، أي أنها منذورة للحياة والموت، فلا يبقى منها غير التواريخ والذكريات، ولكن يبقى منها شيء مهم، وهو استعادة حياتها الخاصة في شريط الكتابة عنها، لا للتوثيق، ولكن لبعثها من الرماد'.
    2 ـ إبداع المكان وإعادة خلقه: إن المكان الذي كتب عنه أو كتبه التازي، قد عايش تفاصيله، كتجربة في الحياة، حيث كانت إقامته فيه لمدة طويلة، وسكن أعماقه كإحساسات أبدية، دفعته إلى تعميق رؤيته، بخصوص تجربة قراءة تاريخه الرسمي، ومن خلال هاتين التجربتين (الحياة والقراءة)، يحاول التازي الإقامة في مكانه الخاص، بالكتابة عنه، وإعادة خلقه، وبذلك فإنه يبدع مكانا آخر، لا يوجد سوى في الكتابة، رغم أن خلفيته واقعية. هكذا يرى التازي بأن 'بين الكتابة كتخييل وبين فضاء الكتابة يسكن التاريخي والسياسي واليومي والأسطوري، وحيث تتملك الكتابة أبعاد الواقعي، والممكن، والمحتمل'، فالمكان الجغرافي لا يحضر إلا في تعالقه بالمكان الأسطوري، في ارتباط مع أزمنة للمعيش وأخرى للحلم، إلى جانب شخصيات تاريخية وأخرى ورقية.
    3ـ المدينة مكان الأمكنة: لا يخفى على المطلع على الكتابات الإبداعية للتازي، شغفه بالكتابة عن المدينة، وجعلها فضاء لتفجير ممكنات الكتابة، وبذلك يستحضر فضاءات مغربية وأجنبية، شخصيات ذات أبعاد دينية مختلفة ومتعددة: إسلامية، يهودية، نصرانية، كل ذلك تستدعيه المدن التي يلجأ للكتابة عنها، نذكر منها: طنجة، أصيلة، مارتيل، فاس... لكن فاس تبقى مدينة المدن، وإن صح التعبير فإن استدعاء المدن الأخرى ما هو إلا صدى لفاس ومرآة لها، وتضعيف لتجلياتها.. لننصت للمبدع محمد عزالدين التازي وهو يتحدث عن فاس ومبررات استحضارها يقول: 'تحضر فاس في كثير من أعمالي (...) وكأنها سلطة لذاكرة جريحة، ذاكرة فردية وجماعية، فهي فضاء لمعيش متعدد ومتنوع(...) مدينة تتجاور فيها أنماط من العيش مع ما يطبعها من أثر لحوادث التاريخ، وللثقافة الشعبية، وللسحري والأسطوري...' لقد استدعينا هذا النص للوقوف على مدينة فاس كما يرى توظيفها محمد عزالدين التازي، فاس التي افتتن بها في مجموعته القصصية 'منزل اليمام'.
    -3-
    تتكون مجموعة 'منزل اليمام' من ست قصص، متقاربة في الطول، وهي كالتالي: 'منزل اليمام'، 'اتجاهات الحرف'، 'المتفرد'، 'الوقوف على الأطلال'، 'بقايا المدن'، 'الغبار'. نصوص كأنها نص واحد يتناسل ليحكي حكاية فاس، وإيقاع الكتابة السردية في هذه المجموعة يجعل القارئ يحس بالاسترسال، كأنها فصول مترابطة، يكمل بعضها الآخر، ومن هنا يمكن إعادة تجنيس هذا العمل، فقد وضع على غلافه 'قصص'، مما يعني أن كل نص له رؤيته ومواقفه وعالمه الخاص، في حين أن 'مجموعة قصصية' هي المناسبة، لأنها ستحيل على تشارك العوالم والرؤية، والسمات الفنية؛ بل حتى الإيقاع والإحساس الداخلي الذي ينقله السرد له نفس النغمة.. نصوص تتصادى فيما بينها ؛ لعبة مرايا، كل واحدة تظهر جانبا معينا من فاس، وتكشف زاوية ما، بل وفي تقابل هذه المرايا يتعدد المكان ويتضاعف ليحيل على فاس الأخرى، الموجودة هناك، في الزمن الغابر، ويحاول التازي في هذه النصوص السردية أن يستدعيها، عبر استعمال مجموعة من التقنيات:
    الاسترجاع والتذكر: يعتمد السارد هنا على الذاكرة، مادام يسترجع مجموعة من تفاصيل المكان/فاس، عبر أسماء حقيقية للأزقة والشوارع والمحلات، وللمساجد والأولياء... وهذا بطبيعة الحال هو نوع من الإيهام بالواقع، لإعادة ترتيب الأشياء وتنظيمها، وإعطائها دلالات أخرى..
    سرد أحلام اليقظة: وهذا يعطي للسارد حرية كبيرة للتنقل في الأماكن، دون عوائق منطقية، وتعطي للمكان، في الوقت نفسه، الدفء والحميمية، لأنه بهذه الطريقة، القارئ لا يرى المكان فقط، بل يسمع أصواته، ويشم روائحه، ويحس حياته وموته..
    المنولوج الداخلي: يدخل القارئ منذ البداية إلى أعماق السارد الشخصية، ويجعله يطل على أفكاره اتجاه العالم، فـالمونولوج الداخلي يعبر بطريقة مباشرة وبلا وساطة عن أفكار الشخصية ومشاعرها وتأملاتها. ففي هذا النوع من المونولوج هناك دائما تواصل بين ذات وآخر، يقول السارد في نص ' اتجاهات الحرف': ' لن أقترب حتى لا يضطرني القول إلى افتضاض البكارة. يجب أن أظل بعيدا عن المكان الذي اسمه فاس (...) ها أنا أقترب مأخوذا إلى المكان، وبغير طواعية'(ص16)، ويحس القارئ بأنه هو ذاك الآخر الذي يحدثه السارد، فيتم نسج السرد، وهذا يمنح، بطبيعة الحال، استرسالا في الحديث، واقترابا من جوهر المكان وحميميته..
    هذه العناصر الثلاثة التي يتم بها اشتغال السرد، وتحريك آلياته، غير منفصلة عن بعضها البعض، بل هي متداخلة ومتلاحمة، وبذلك يمكن وضعها في دائرة ما سمي بتيار الوعي في الكتابة باعتباره 'صيغة لعرض الوعي الإنساني بالتركيز على تيار الفكر، ومركزا على الطبيعة اللامنطقية(...) المرتبطة به' (4). فشساعة المكان وامتداداته الجغرافية والتاريخية، وأبعاده الإنسانية والرمزية، وقصدية توظيفه التخييلي الإبداعي، هي التي استدعت هذا النوع من الكتابة السردية، وهي طريقة محفوفة بكثير من الانزلاقات في القصة القصيرة على الخصوص. فإذا كان ' المكان (المكان الفني) من صفاته أنه متناه، فإنه يحاكي موضوعا لا متناهيا هو العالم الخارجي، الذي يتجاوز حدود العمل الفني' (لوتمان)(5). فضيق المكان الفني، وضيق جنس القصة القصيرة أيضا، هو الدافع إلى هذا النوع من الكتابة، التي تحاول أن تقبض على المكان وأشيائه في حركيتها اللامتناهية، وخرقها لقوانين جنس القصة القصيرة بوعي وإصرار، إضافة إلى ذلك التكامل، الذي أشرنا إليه سابقا، بين قصص مجموعة 'منزل اليمام'، فهي علاقة بين نصوص حكائية تقارب المكان/ فاس من جوانب متعددة، لم يكن بإمكان نص واحد أن يقوم بذلك.
    إن السارد(بصيغته المتعددة) في 'منزل اليمام' يكابد للقبض على فاس، المنفلتة في أزمنة تاريخية غابرة، فهو لا يرى فاس الحاضر، بل متشبت بذاكرة المكان وبعبق التاريخ، يريد استرداد مكان طاله المسخ، والزيف، واشتعلت نيران المحو والنسيان في أرجائه..
    وبطبيعة الحال، فالمكان يتأسس عمقه، وبعده الرمزي والإنساني في علاقته بالإنسان، وبأحواله، لذلك ففاس'منزل اليمام' ارتبطت بمجموعة من الشخصيات التي تتفاعل مع الأمكنة، وتمنحه معنى، نذكر منها: علاقة السارد التهامي بـ لالة البتول، وبنساء المنزل الذي يحيل على تقاليد وعادات عريقة، أو علاقة السارد بالحرف الممتد في ذاكرة المدينة، والمتجسد في جدرانها وسقوفها سواء في المنازل أو في الجوامع، وعبر ذلك تتدفق حكاية فاس الأخرى، أو أيضا 'سيد العابد'، الفقيه إمام جامع القرويين، ومن هنا استحضار فاس وهي تمارس طقوسها الدينية، وذلك للتركيز على البعد الروحي لفاس المفقودة...إلخ.
    إن محمد عزالدين التازي يعيد خلق مدينة فاس بإعادة كتابتها، لكنه يفعل ذلك بـ 'استعادة حياتها الخاصة في شريط الكتابة عنها لا للتوثيق، ولكن لبعثها من الرماد' (التازي)، لذلك فشعرية المكان في 'منزل اليمام' تتأسس على ما يمكن تسميته بحداد المكان: الكتابة على المفقود، ومحاولة استرجاعه بالتذكر، وإعادة بنائه بالحلم والوهم.. وطقوس الحداد وما يحيل عليه، تشتغل في المكان، وترجح كفة الموت على الحياة، وإن كانت النصوص القصصية تقارب موت المكان من حميمية الحياة.. وبذلك فأول جملة، أي الجملة الاستهلالية التي تفصل الخارج عن الداخل، العالم الواقعي عن العالم النصي، جاءت كما يلي: ' كآبتي أنا أم كآبة هذا المنزل؟'، وبعدها بأسطر قليلة نقرأ ما يلي: 'الرائحة الوحيدة هي رائحة الموت التي تخرج من أبواب الغرف العلوية وتهبط الأدراج...'(ص6) كلمات تنذر بعالم حدادي، وتصف المكان وأشياءه، وهي تعلن هذا الحداد المكاني الذي يرتكز على تذكر فاس واسترجاع زمنها القديم، والاحتفاء به، بل والإعلاء من شأنه، وبذلك فالكتابة هنا هي 'اغتسال بالحداد ألاسترجاعي...'(6) حيث البكاء على الماضي والتأسف عليه، أمام ما تعيشه فاس اليوم (زمن النص) من تحولات وتغيرات، يبدو معها السارد غير راض عما آلت إليه، لذلك فهو يبكي فاس فيما يسترجع لحظاتها الجميلة، وتفاصيل حياتها كمكان له أثره في الزمن.. نقرأ في الصفحة 16 'هل يحمل موته أم موتي؟ أم أن موت زمن فاس القديم هو الذي يعود الآن ليمارس موته'، فالموت يمارس سلطته بشكل قوي في 'منزل اليمام' وذلك لأن السارد ومنذ البداية يعلن أثناء اقترابه من فاس كمكان، انفلاتها، واختفاءها، مما يضع هذا الاقتراب من المكان/ فاس، على مستوى الكتابة، في إطار ما يسمى بـ 'حداد الفقدان'(7)؛ فقدان فاس والبكاء عليها، ومحاولة القبض على آثارها في الحاضر، لكن دون جدوى، يقول السارد 'حين يمسح الضوء سطوح البنايات تبدو المدينة وكأنها خرجت من الحرب ودخلت منطقة النسيان(...) أية حرب يمكن أن ترد وجه فاس على هذه الصورة؟ وهل هذه هي فاس؟'(ص59) سؤال جوهري، يحرك مياه السرد، ويجعل عجلة الحكي تدور على إيقاع حداد يتأسس على: 1- اسرجاع فاس في زمنها الباذخ 2- الإعلان عن موت فاس وفقدانها 3- اشتغال الحداد، ولا يمكن الفصل بين هذه العناصر الثلاثة، لأنها متشابكة ومتداخلة في عملية الحكي في إطار كتابة سردية أشرنا إلى خصوصيتها في البداية.. ومن هذا المنطلق فالسارد قد عانى وجع المكان، وقربنا كقراء من تلك الخيبة التي عاشها وهو يعاين فاس من داخل أحاسيس فاجعة الفقدان، لينتهي في آخر جملة في المجموعة القصصية إلى ما يلي: ' لكني حين رأيت وتأكدت تيقنت من أنها المدينة الوحيدة التي يمكن أن تنام وتستيقظ على هذه الصورة، وتكون حربها على هذه الشاكلة. مدينة لحلم، مدينة لوهم، مدينة لكابوس، وكأنها فاس، المدينة الموبوءة/ المدينة المولودة/ المدينة الموؤودة/ المدينة الموعودة ' (ص60)..
    -4-
    'منزل اليمام' نص واحد بغرف متعددة، تفضي الواحدة إلى الآخرى، في شكل تركيبي، يشبه لعبة الدمى الروسية، بنفس سردي، تتلاحق فيه الحكايات والمشاهد والصور، لتقول فاس في جغرافيتها المتعددة، وفي تاريخها العريق الممتد في تضاريس الزمن.. لكن بإحساس من فقد شيئا ويعتقد أنه لن يسترده، فتبقى ظلال فاجعة الغياب أثرا، تجلى في كتابة سردية تحتفي بالمحو والنسيان..
    نطــالب بإلغــاء تقـاعــد البرلمانييــن والوزراء.

    تعليق


    • #3
      رد: قــراءات في الســرد العـربي..

      أشهر من شهريــار
      رواية لهاشم شفيق



      صدرت حديثاً للشاعر العراقي هاشم شفيق روايته الثانية تحت عنوان: 'أشهر من شهريار' عن دار 'ثقافة' للنشر والتوزيع في بيروت.
      استعرضت الرواية حكايات العراقيين واشكال الحياة التي يحيونها، وما حصل لهم في ظل حكم الأنظمة التي تعاقبت على حكمهم، معرجة على الخراب الحالي الذي اكتسح العراق: انساناً وارضاً وحضارة، خراب امتد الى كل الأشياء ليصل الى جوهر الأشياء وكينونتها.
      يحاول الكاتب في اثني عشر فصلاً ان يسدّ فجوة الزمن الفاصل بين الماضي والحاضر، بين السيرة الذاتية والمتخيل، في حكايات متشعبة ومتشابكة بين الأقرباء والأصدقاء والمعارف.
      يلمس المؤلف أن الماضي مهدد بالزوال وفي طريقه للاندثار وانه لم يعد سوى مساحة تشغلها الأحلام ومراجعة للحسابات ووقفة مع الذات لاكتشاف الهنات التي رافقت حياتنا، باعتبار ان الرواية العراقية حاضراً هي الوليد الشرعي لحديث العراقيين، بانتظار ان تحمل الأجوبة عن اسئلة طالما شغلتهم وراودت مخيلتهم.
      لكن لماذا الرواية الآن بعد سلسلة طويلة من مجموعات شعرية؟ يعلل شفيق: 'انها خطوة للهروب من الشعر. كتبت الكثير من الشعر ولدي خزين هائل منه، احسست بحاجة الى كتابة اشياء عبر الرواية التي وجدتها اداة مناسبة للسرد لقول المحكي، ومكاناً جميلاً لقول المرئيات المخفية والمسكوت عنها في الحياة بشكل عام. الرواية تمنحك مساحة واسعة وتجعلك تتحرك بحرية. وقد كتبتها بإيقاع متواتر وحرقة، وكأن الافكار كانت تهطل عليّ، وهناك مشروع رواية جديدة مقبلة'.
      'أشهر من شهريار' نص انساني يلامس مناخه الاجتماعي، ومعايناً بالقدر ذاته الحكايات التي صاغت حياة العراقيين، جامعاً المتخيل بالحسي والواقعي بالروحي، والحلم بالانكسار، عبر لغة شاعرية استمدت الكثير من المحكية العراقية لتضيف متانة مبسطة للنص.
      الرواية هي التجربة الثانية للشاعر هاشم شفيق بعد رواية 'بيت تحت السحاب' الصادرة عام 1992 عن دار ميريم في بيروت.
      من اجواء الرواية: 'كانت ظلال اليوكالبتوس قد غمرت جبهتي حين فرغت من قراءة سورة الفاتحة، هكذا طفقت أتمتم آيات، كنت حفظتها منذ صغري، على قبور هولاء الموتى النازلين تحت طبقات عميقة من الظلام، الثاوين في مدرجات من التراب الضارب في الأسافل، قرأت العديد من الآيات، فأحسست بشطر من الدين يستيقظ فيّ ويترك بعضاً من الحروف تتمشى فوق شفتي، التقطت حجراً من الأرض وعمقت الخط الافتراضي للقبر، حددت حجم المثوى وكتبت اسم الوالدة واسم والدها وتاريخ ولادتها وموتها وسلمته للقائم على شؤون المقبرة من اجل خط الشاهد، مع مبلغ اضافي لزرع شتلات من الآس وسقيه لمدة شهر حتى تينع وتكبر الشتلات وتضفي على المثوى شذى نفحة من الأريج ونوعاً من الاخضرار وسط تلك الوحشة البارزة في مجاهل المقبرة'.




      نطــالب بإلغــاء تقـاعــد البرلمانييــن والوزراء.

      تعليق


      • #4
        رد: قــراءات في الســرد العـربي..

        "تحت سماء كوبنهاغن"
        ل: حوراء النداوي

        وجع الكتابة والغربة



        كيف يمكن للاغتراب أن يخلق كل ذلك الاختلاف بين أبناء الوطن الواحد، وهل يستطيع المهاجرون أن يتكئوا على الإرث "الوطني" المشترك لإرجاع تلك "اللحمة" التي تجمع فيما بينهم أكثر مما تفرّق؟ وهل يمكن لصوتين روائيين مختلفين في النص (ذكري وأنثوي) أن يتمكنا من إيصال هواجس المغتربين من جيلين مختلفين؟
        هذه بعض الهواجس التي تناولتها الكاتبة العراقية المغتربة حوراء النداوي في روايتها "تحت سماء كوبنهاغن" الصادرة عن منشورات دار الساقي اللبنانية، والمرشحة كرواية نسائية وحيدة ضمن قائمة البوكر الطويلة للرواية العربية لعام 2012 والتي يعلن عن الفائز بها مطلع الشهر المقبل.
        وحتى وإن بدت بطلة الرواية "هدى" تحمل الكثير من الشبه بالروائية إلاّ أن الكاتبة تنفي عن الرواية طابع السيرة الذاتية، وتعتبر أن حكاية هدى هي حكاية الاغتراب والمراهقة المتقلبة والمشحونة برصيد هائل من المساءلة والحيرة والتغيرات التي يفرضها حال الوطن البديل.
        "
        حكاية هدى -بطلة الرواية- هي حكاية الاغتراب والمراهقة المتقلبة والمشحونة برصيد هائل من المساءلة والحيرة والتغيرات التي يفرضها حال الوطن البديل
        "
        صوتان وحكاية
        يلتقي القرّاء "تحت سماء كوبنهاغن" بصوتين متناغمين رغم اختلافاتهما. "هدى" المراهقة التي أحبت شخصا يكبرها وظلت تلاحقه بطرق مكشوفة ومستترة، هي الفتاة التي ولدت بالدانمارك لأبوين عراقيين، وصوت "رافد" الرجل الذي اضطرته الظروف الصعبة إلى ترك العراق واللجوء إلى هدوء ودلال البلاد الإسكندنافية.

        وتبدأ الحكاية مع الرواية التي قدمتها هدى لرافد لكي يترجمها، يستغرب هو ذلك كونه ليس كاتبا ولا مترجما محترفا، وسرعان ما يجد نفسه مغموسا في الرواية وفي تفاصيل شخصيتها البطلة وحتى كاتبتها.

        لبطلة الرواية هدى وجع آخر يسكن العائلة. هو شقيقها عماد الذي تركه والداها فترة هروبهما من العراق خوفا عليه من سوء يمسه، يبقى هناك ولا يلتحق بهم مغتربا إلا شابا. ويأتي بكل زخمه العراقي المختلف في الذهنية والتصرف والمزاج، ينبت هكذا فجأة بينهم محدثا تغييرا نفسيا هائلا بداخل أخته الصغرى.
        ‎"راحة البال هذه لم تكتب لنا نحن كعراقيين، ولأن أمي امرأة عراقية أصيلة فإن راحة البال هذه لم تكتب لها قط، فولدت ذكرا جديدا، ثم آخر. وما إن اشتد عود أحدهما حتى قتل..". هكذا يحكي رافد هامش حياته الذي يلتقي فيه بحكايا آخرين. هو الفقد العراقي الذي سكن جذور العائلات والعشائر والوطن. "
        ترتفع غصة الاغتراب اللاإرادي الذي كان من نصيب الكثيرين في الرواية، وأبدعت الكاتبة العراقية حوراء النداوي في تصوير حافاته الخاصة
        "الحبكة المشتركة
        "لأنني عراقي مغترب، فلست بحاجة إلى سرد قصة ما. بين هجر الوطن وطريق الغربة العاثر ثمة ما يصل العراقيين بعضهم ببعض، فكل تجاربهم وقصصهم وأحلامهم تتشابه، ما إن يوضعوا على هذا الطريق. ولعل البعض يقع إعياء، فيما البعض الآخر يتابع بمثابرة نادرة، وغيرهم يحلم بالعودة ولا يعود، فيراوح مكانه..".
        حتى وإن كانت الرواية بصوتين، إلا أنّ صوت هدى كان أكثر رسوخا وحضورا من صوت رافد. كانت الأجزاء المترجمة لرواياتها تتدافع جزءا خلف الآخر كاشفة عن انطباعات وأفكار كثيرة. فيما ظلّ مونولوغ الصوت الآخر لرافد مختصرا وإن كان مكثفا، وقد نجحت الروائية في اللعب على الهويتين المختلفتين: مراهقة ورجل.
        واستخدمت الروائية العراقية حوراء النداوي في ذلك لغة شاعرية محببة، وكشفت عن تمكنها من أسرار اللغة بكل تموجاتها، وهو ما يبدو أمرا محفزا بالنسبة لشخص تعلم اللغة الفصحى في المنزل فقط.
        "لعل الغربة تعطيكَ كثيرا حين تكون فردا، وتأخذ منك أكثر حين تصبح جماعة". هو نموذج من تفكيكات لواقع اغتراب تعيه جيدا الكاتبة والشخصية المحورية في النص.
        هناك في الرواية أيضا إشارات لأهمية الدين والوازع الأخلاقي والرصيد الشعبي المشترك كجزئيات يمكنها أن تدعم المهاجرين المختلفين الذين تركوا الوطن، كحال إجباري في أغلب الأحايين. وهنا ترتفع غصة الاغتراب اللإرادي الذي كان من نصيب الكثيرين، وأبدعت الكاتبة العراقية في تصوير حافاته الخاصة.

        التعديل الأخير تم بواسطة عبدالرحيم محمد احمد; الساعة 05-06-2012, 22:12.
        نطــالب بإلغــاء تقـاعــد البرلمانييــن والوزراء.

        تعليق


        • #5
          رد: قــراءات في الســرد العـربي..

          المشاركة الأصلية بواسطة عبدالرحيم محمد احمد مشاهدة المشاركة
          "تحت سماء كوبنهاغن"
          ل: حوراء النداوي

          وجع الكتابة والغربة



          كيف يمكن للاغتراب أن يخلق كل ذلك الاختلاف بين أبناء الوطن الواحد، وهل يستطيع المهاجرون أن يتكئوا على الإرث "الوطني" المشترك لإرجاع تلك "اللحمة" التي تجمع فيما بينهم أكثر مما تفرّق؟ وهل يمكن لصوتين روائيين مختلفين في النص (ذكري وأنثوي) أن يتمكنا من إيصال هواجس المغتربين من جيلين مختلفين؟
          هذه بعض الهواجس التي تناولتها الكاتبة العراقية المغتربة حوراء النداوي في روايتها "تحت سماء كوبنهاغن" الصادرة عن منشورات دار الساقي اللبنانية، والمرشحة كرواية نسائية وحيدة ضمن قائمة البوكر الطويلة للرواية العربية لعام 2012 والتي يعلن عن الفائز بها مطلع الشهر المقبل.
          وحتى وإن بدت بطلة الرواية "هدى" تحمل الكثير من الشبه بالروائية إلاّ أن الكاتبة تنفي عن الرواية طابع السيرة الذاتية، وتعتبر أن حكاية هدى هي حكاية الاغتراب والمراهقة المتقلبة والمشحونة برصيد هائل من المساءلة والحيرة والتغيرات التي يفرضها حال الوطن البديل.
          "
          حكاية هدى -بطلة الرواية- هي حكاية الاغتراب والمراهقة المتقلبة والمشحونة برصيد هائل من المساءلة والحيرة والتغيرات التي يفرضها حال الوطن البديل
          "
          صوتان وحكاية
          يلتقي القرّاء "تحت سماء كوبنهاغن" بصوتين متناغمين رغم اختلافاتهما. "هدى" المراهقة التي أحبت شخصا يكبرها وظلت تلاحقه بطرق مكشوفة ومستترة، هي الفتاة التي ولدت بالدانمارك لأبوين عراقيين، وصوت "رافد" الرجل الذي اضطرته الظروف الصعبة إلى ترك العراق واللجوء إلى هدوء ودلال البلاد الإسكندنافية.

          وتبدأ الحكاية مع الرواية التي قدمتها هدى لرافد لكي يترجمها، يستغرب هو ذلك كونه ليس كاتبا ولا مترجما محترفا، وسرعان ما يجد نفسه مغموسا في الرواية وفي تفاصيل شخصيتها البطلة وحتى كاتبتها.

          لبطلة الرواية هدى وجع آخر يسكن العائلة. هو شقيقها عماد الذي تركه والداها فترة هروبهما من العراق خوفا عليه من سوء يمسه، يبقى هناك ولا يلتحق بهم مغتربا إلا شابا. ويأتي بكل زخمه العراقي المختلف في الذهنية والتصرف والمزاج، ينبت هكذا فجأة بينهم محدثا تغييرا نفسيا هائلا بداخل أخته الصغرى.
          ‎"راحة البال هذه لم تكتب لنا نحن كعراقيين، ولأن أمي امرأة عراقية أصيلة فإن راحة البال هذه لم تكتب لها قط، فولدت ذكرا جديدا، ثم آخر. وما إن اشتد عود أحدهما حتى قتل..". هكذا يحكي رافد هامش حياته الذي يلتقي فيه بحكايا آخرين. هو الفقد العراقي الذي سكن جذور العائلات والعشائر والوطن. "
          ترتفع غصة الاغتراب اللاإرادي الذي كان من نصيب الكثيرين في الرواية، وأبدعت الكاتبة العراقية حوراء النداوي في تصوير حافاته الخاصة
          "الحبكة المشتركة
          "لأنني عراقي مغترب، فلست بحاجة إلى سرد قصة ما. بين هجر الوطن وطريق الغربة العاثر ثمة ما يصل العراقيين بعضهم ببعض، فكل تجاربهم وقصصهم وأحلامهم تتشابه، ما إن يوضعوا على هذا الطريق. ولعل البعض يقع إعياء، فيما البعض الآخر يتابع بمثابرة نادرة، وغيرهم يحلم بالعودة ولا يعود، فيراوح مكانه..".
          حتى وإن كانت الرواية بصوتين، إلا أنّ صوت هدى كان أكثر رسوخا وحضورا من صوت رافد. كانت الأجزاء المترجمة لرواياتها تتدافع جزءا خلف الآخر كاشفة عن انطباعات وأفكار كثيرة. فيما ظلّ مونولوغ الصوت الآخر لرافد مختصرا وإن كان مكثفا، وقد نجحت الروائية في اللعب على الهويتين المختلفتين: مراهقة ورجل.
          واستخدمت الروائية العراقية حوراء النداوي في ذلك لغة شاعرية محببة، وكشفت عن تمكنها من أسرار اللغة بكل تموجاتها، وهو ما يبدو أمرا محفزا بالنسبة لشخص تعلم اللغة الفصحى في المنزل فقط.
          "لعل الغربة تعطيكَ كثيرا حين تكون فردا، وتأخذ منك أكثر حين تصبح جماعة". هو نموذج من تفكيكات لواقع اغتراب تعيه جيدا الكاتبة والشخصية المحورية في النص.
          هناك في الرواية أيضا إشارات لأهمية الدين والوازع الأخلاقي والرصيد الشعبي المشترك كجزئيات يمكنها أن تدعم المهاجرين المختلفين الذين تركوا الوطن، كحال إجباري في أغلب الأحايين. وهنا ترتفع غصة الاغتراب اللإرادي الذي كان من نصيب الكثيرين، وأبدعت الكاتبة العراقية في تصوير حافاته الخاصة.

          استمتعت بقراءة الموضوع القيم ....فألف شكر لك أخي عبد الرحيم
          sigpic

          تعليق


          • #6
            رد: قــراءات في الســرد العـربي..



            رواية
            ابن الحـــرام
            كفى الزغبي

            صـــراع الثنـــائيـــات


            تحمل الرواية في كل سطر من ثناياها صراعا يفهمه كل حسب تركيبته النفسية، صراع داخلي وخارجي صراع بين الانا وبين الآخر، صراع بين الفرد والجماعة، صراع بين الدين واللادين، صراع بين الوطنية والخيانة، بين المبدئية والانتهازية بين الحق وبين الباطل بين الله وبين الشيطان، وفي كل سطر حكاية، وفي كل حكاية اغتراب تكاد تصل بالقارئ الى حافة الانفصام الشخصي، الكل يتجاذب الكل والكل ضد الكل، من خلال استنزاف كل طاقات الروح والعقل، لتتجلى فيها صورة الجهل والتمرد والنفاق والخيانة والجنس والطهر والعفة والانانية والايثار والتسلط والخرافات والواقع والخيال، بانسجام يبهر القارئ ويجعله لا يستطيع ان يترك اي صفحة من صفحات تلك الرواية.
            في رواية 'ابن الحرام' من الصعب الخوض في التفاصيل لتكثيفها، وان محاولة التجرؤ على ذلك، يفقدها عنصر التشويق والاثارة ،هي بحاجة الى القراءة مرة ومرات، لأننا في كل مرة سوف نكتشف فيها حقيقة ما!
            'ابن الحرام' اختزلت الزمن والمكان باستثنائية، تنم عن قدرة في ثقافة الدين والسياسة والجنس، بالرغم مما فيها من تشابك يحتاج الى قدرات عالية للتركيز والسرح في بعض الاحيان لإظهار تلك التجليات فيها .. وهو ما جعلها تصنع فينا اثرا لا يمكن نسيانه.....

            نطــالب بإلغــاء تقـاعــد البرلمانييــن والوزراء.

            تعليق


            • #7
              رد: قــراءات في الســرد العـربي..


              أكابيــــللا
              لو أن كل البشر يعيشون من أجل اللحظة؟

              بقلم : محمــد برادة.




              بـعد روايـتـيـْن متـمـيـزتـيـْن:» دنـيـا زاد « و « هـليـوبوليس «،تـطالعـنا مي التلـمساني بـرواية عمـيقة الدلالة،مـمتعة ومشوقة، هي « أكـابــيـللا «(دار شرقيات،2012 ) . وتحيـل كلمة العنوان في القاموس الإيطالي على الصوت المنـفـرد الذي يـؤدي أغـنـية من دون مــُرافقة آلات موسيـقية،وهو عـنوان يـوحي بالظلال الكـثـيفة التي تـرتادها الـرواية لاستجلاء الـكامـن، الغـامض،الـمـثـيـر لأسـئلة مـقلـقة نحاول تـجـنـُّـبـها، لكنها تـنـجح في أن تجـرف السـدود المصطنعة التي نتمتـرس خلفها،فـيـتـدفــق ذلك الصوت المـنفـرد جـاهـرا بالـمكبوت والـمـُـتـواري خلف المواضعات .وأول ما يسـتـوقفـنا في الرواية بـنـاؤها المعتـمد على شخـصـيـتـي امـرأتـيـْـن مـتـعارضتيـن في السـلوك والـرؤية والعلاقة بالجسـد،ولكن نوعـا غـريبا من الصداقة يجـمعـهما، وسط شـلـّة من أربعـة رجال يـجـذبـهم سـحـر عـايدة الرسامة المتحـررة، المغامـرة،وحضـور «مـاهي « السـاردة، المتــزوجـة، المحافظة على وفائها لـزوجها،والمـسـرورة بهذه العلاقة التي تـوفـر لها سهـرات تـعـوضها عـــن رتابة الحياة الـزوجية . وفي الواقع،علاقة الساردة بـعايـدة المـلــتـبسة والمـتـوتـرة،هي المـسـألة التي تسـعى «ماهي» إلى فـهـمها واسـتـيـعابها ، خـاصة وأن عـايدة فـاجـأت الشلة بـمـوتها المـفاجئ وهي في عــزّ شبابها، مخـلفة يـوميات متـفرقة كـتـبتها في فتـرات متـباعدة، واستطاعت الساردة أن تختـلس بعضها في حياة عـايدة وأن تأخذ الجزء المتـبقي بعد موتها . ما كان يهمّ الساردة، في البداية، هو أن تـتـعرف على حقيقة مشاعـر عايدة تجاهـهـا، لكن اليوميات تكـشف لها ولـنـا،جوانب من غـرامياتها ورؤيـتها الحياتية، وتـقـيـيـمها لأصدقاء الشلة المكونة من أسـامة زوجها الأول، وحسـام آخـر عشيق لعايدة، وكـريم الروائي المعروف، والطبيب عادل الذي يحاول الكتابة في أوقات فـراغـه : « أسـامة وحـسام ليـسـا متـزوجــيـْـن ، كـريم وعادل متـزوجـان وزواجهما عـاطـل من البـهجـة رغـم الأولاد والاستـقـرار المادي « ص9 . كل واحد من الرجال الأربـعة منـجذب إلى عـايدة التي تمـتـلك إشـعـاعا لا يـُـقـاوم، وتـعـرف كيف تـضفي على الحياة اللمسـات التي تكـسـر رتابتها،وتـفتـح نـوافذ على فـضاء الانــتـشـاء والتـحـرر من القيـود . ومـا تفـعـله السـاردة ، انطـلاقا من يوميات عـايدة الغـائبة، هـو أن تـعـيـد كـتـابة مـسار حياتها مـُـزاوجـَـة ً بين مـا ورد في اليوميـات والتفاصيـل التي عاشـتـْها معها ومع شـلة الأنـس . إلا أن الـساردة لا تفعـل ذلك بـحـيادٍ وتـبـاعـُــد، بـل هي تـستـحـضـر ذاتها وأسـئلتها ورؤيـتـها الحياتية ، فـيـغدو شكل الرواية ثـنـائي الصوت والرؤية ، عـبـْـرَ جـدلـية مـتـعـارضة بين شخـصيـتـيْ عايدة المغـامرة، المتحدية للقيم السائدة، والساردة المتمسكة بالأخلاق العامة والباحثة عن مسـرّات لا تـزعـزع وضعها الـزوجي المـسـتـقـر : « ..التـقيـتُ عايدة والتصقـتُ بها كما يـلـتـصق الغريق بـطـوْق النـجاة، وهي النقيض الكامـل لــي، ثم انـزلـقتُ بعيدا عنها كـأنـني فضلت الغــرق الدائـم في حياتي على الـطــفـُـوّ المـؤقـت في مــداراتـها . هل كنتُ أحافظ على وَهـْـم ِالاستــقرار وألــفـَـة الأخلاق الـرشيدة، أم كنتُ أحـاكمـها حتى أثـبـت لـنفــسي أني الأفـضل، الأعــقـل،الأنـجـح ، الأكــمل؟ أدرك الآن بعد وفاتها،أن عـالمي كان مصـقولا كـحـجـر أمـلس، وكانت عـايدة وســيلتي للخروج من هذا العالم والتــشبـث بـخشـونة عـالم آخـر يـَـعِـدُني بـمشاعـر جديدة ليس من بـيـنها المــلل وعـدم الـرضــا .» ص 44 . ومن خلال لـجـوء الكاتبة إلى تـقـنيـة «إعــادة الكتابة « التي تـُـستعـمـَل عادة لـتـبـريـر تـحـويـر الحكايات والأسـاطـيـر واليـوميات والـسـّـيـَـر...،اسـتـطاعت السـاردة أن تـتـمـلـّك دفــّـة الحـكـي ،وأن تجـعـل التـجــربة مـسـتـمـرة حتى بـعد مـوت عـايدة التي كانت هي مـركـز الثـقـل ومدار الأفـعال . لـم تتـوقف التـجربة لأن السـاردة مـُـصـرّة على أن تـتـبــيـّـن موقـعـها، مُـقـارَنة ً بـعايدة التي تـجـسـّد «حـالـة قـصـوى» في التحدي وخــفـّـة السـلوك : هي امـرأة لا تـتـورع عـن الكذب، لا تـتـردد في أن تــسـرق أشياء نفيـسة وملابس من منازل صديقاتها ومن المحلات التجارية، وتسـتـجيـب بسـهولة لـنـداء جسـدها،وأيـضـا لـعـاطفة الحب الجـارف وعـذاباته . ولـتـبـريـر إقـبالها على مـغـامرات العشـق المــكـررة، تـورد في مذكــراتها رأي أوسكار وايلـد : « في كل مـرة يحبّ فيها الـمـرءُ،تكون هي أول مـرة يحب فيـها .اخـتلاف المحبوب لا يـغـيـر شـيئا من تـفـرّد العاطفة؛ يجعلها أكــثـر كـثـافة فـحسب. لا يمكننـا أن نعيش تـجربة حب عظيم سـوى مـرة واحدة على الأكـثـر،وسـر الحياة هو إنـتـاج هذه التجـربة كـلـما أمكن ذلك .»ص 73. على هذا النـحـو، جعلت عـايدة من الحب المـتـعدد عـنصـرا ضـروريا لحـماية الحياة من المـلـل والاسـتـقـرار البـليد .
              وعندما التـقتْ حسـام بعد ثلاثين سنة مضت على لـقاءاتهـما الطفولية ، عـاشت معه تجـربة حب مـلـتـهبة، عـبـّرت عنها في يومياتها من خلال ست رسائل كانت ترسلها إلى الحبيـب ، رجل الأعمال الناجح المتـنـقـل بين عواصم العالم . ولـم تستـطع السـاردة أن تحـافظ على نـظــرتها إلى ضـرورة الوفاء لبيـت الزوجيـة؛ بـدأت تحس أن آراء عايدة تـتـسـرب إلى أعماقها، وأنها لـم تعـد مقتنعة بعـقلانية زوجـها المحافظ : « يـقول زوجي إن القلب الســليم يـتـشاور مع العقـل السليم ويصلان معا إلى قـرار صـائب، والقـرار الصائب من وجـهة نـظـره يتـعلق بالـبـُـعد عن الشبــهات سواء كانت شبـهة الحب أو شبـهة الانجــذاب العاطفي، كـأنـه يقـفـلُ باب النقــاش في حديث لا يـدري عـواقبـه . وأقـول مـرددة آراء عـايدة : مـهما كانت العـواقب، تظـل خـفـقـة القـلب هذه بلا ثــمن .من حق كل إنسان أن يخفـق قـلبه مـرات، أن يقـع- لـو أراد- مـرة أو مرات، والإرادة عليها المـعـوّل في قـياس حجـم الـوقعة ومـداها وإمكانيـة مـُـداواة الألـم النـاتـج عنها .» ص72 . وتـحكي لــنـا السـاردة،أن كـريم الروائي كان هو مَنْ يـغازلها من بين أفـراد الشـلة ، وكانت تـصدّه لأنه يبحث عن مغـامرات عـابـرة، ويـبني علاقاته على أساس من مصالح مـادية . وذات سـهـرة، فـاجـأها بـتـقـبــيـلها عـنـوة أمام الآخـرين، وهـو حادث وجدت صـداه في يوميات عـايدة التي كانت تعـتـبـر كريم من ضمن عشـاقــها، وأن السـاردة اسـتمـتـعت بالقبلة على رغم تـمـنـُّـعـها واحتجاجها . ولم تكـن ملاحظة عـايدة مُجـانـبـة للصواب ، لأن السـاردة قــررت شــراء الشقة التي كانت عايدة تسكـنـها وتجعـل منها ملـتـقى لسـهرات الشــلـة،وعندما أنـهـَـتْ إعادة كتابة اليوميات، عــرَضـتـْـها على كـريم الذي بـدأ يتردد بانتظـام على الشقة، وامتـد الحوار بيـنـهما، ليــكتـشـفا أن الـوحدة غـول يـتـربص بهما وأن لا مـناص من أن يلـتـحـم الجسـدان ، وأن تـسـتـمـر لقاءات الشلة لمـقاومة الـرتابة وتـكـلـّــس العلاقات .
              صـيـرورة الأضــداد

              أعتـقد أن شـكل رواية « أكـابــيـللا « الـمـبـنـي على شخـصـيـتـيـْن مـتـعارضتي الاتجـاه والـرؤية، هـو ما سـمح بـتـجسـيد دلالات غـنـية تـنـطـوي على أكـثر من مسـتوى للقـراءة والتأويــل .ذلك أن سيـرورة الجـدلية الكـامنة وراء السـرد تقـتـرن بـزمـنيـةٍ مفـتـوحة، تـتـقبـّـل التحولات الطارئة على الشخصيات وعـلى الـرؤية إلى العالم المـتـحـدّرة من دلالة الرواية . ومن هذا المنـظـور، يمكن أن نبـرز دلالــتـيـْـن لافـتــتـيـْـن: أولاهما، تـتـصـل بـحريـة المـرأة في مجتـمـع ذكـوري لا يسمح للنسـاء بمـا يسمح به للـرجال في مجال العـشـق المـُـتـعـدد،والبـوْح بالعـواطف،وإرواء الجسـد . بـعـبارة ثـانية،لا يمكـن للمـرأة، في مجتمعاتـنا العـربية أن تمـارس حـريـتـها في شمـولـيتـها الـوجودية والميـتافـيـزيقية التي تجعلها هي أيضا نـهـبـاً للقـلق والنـزوات والاشتـهاء والتـمـرد على المـواضعات ...وهذا وضــع يعود إلى الإطـار الذي يســجـن المـرأة داخل ســياج الزواج والأمومة والحفــاظ على الشــرف والأخلاق المــوروثـة . من ثـمّ تـبـدو شخصـية عـايدة شــاذة ومـقـلقـة لأنها تبيح لنـفسها أن تحب متى تشـاء،وتـُـعـطى الأسـبقـية للإحساس المبـاشـر، وتـُـقـبـِـل على لـحظـات البهجة والانــتـشاء. وفي المقابل، نجد شخصية « ماهي» السـاردة التي اكـتـشفت قيمة الحرية من خلال سلـوك عايـدة المـتـحايـلة على المجتمع، فـقررت السيـر على طـريقها، تـفـاديا ً للرتابة والـوحدة والعيش في ظـلّ الغــبـاء .
              والـدلالة الثـانية يمكن أن نـخـمـنـها من خـلال تأويـل بعض الإشارات وربـطها بـإشكالــية كبـيـرة، طـرحـتـْـها تطورات المجتمعات الحديثـة المتـسارعة، والتي تـتعـلـق بالـوضـع الاعـتـباري لـلـعـائلة اليـوم . بــتـعـبـيـر آخـر، هل الـزواج وتكوين أسـرة شـكل ضروري لاسـتمـرار المجتمعات التي طـبـعتْ أفـرادها بـاللااسـتقـرار والعلائق العـابـرة،والعواطف المـؤقـتـة ؟ هـو تـحـول وارد،تـزكيـه أشكال التـنظيم الاجتماعي في الـمدن العملاقة التي تـُـحبـذ الـتـمـرد على مـؤسسة الزواج،وتـيـسـر أسباب المـتـعية الجسـدية،والعيش من أجل اللحظة التي لا تـشـبه غـيـرها ...
              إن رواية « أكــابـيـللا « تـكـتـنـز إيحاءات كثـيـرة، وتـسـتـثــيـر عند القارئ أفـكارا وتـأملات عميقة ومتشعبة، تبـدأ من الذات لـتـلامس أسـئلة متـجـذرة في الكـيـنـونة وصـيـرورة الأضـداد التي لا تـعـرف حـدودا مسـبـقة . وكل ذلك يصلنا عبر شكل محـكم، ولغة رقـراقة دقـيقة، خالية من الحشو والثـرثـرة،وخلفـية ثقـافية تجمع بين الأدب والتشكيل والسينما ...فعلا،هي رواية أشبـه بأغـنيـة يُنـشدها صوت منفـرد، تـدعونا إلى نـعيد التـأمل في ثـوابت تـُقـلـّص حـريـتـنا .

              نطــالب بإلغــاء تقـاعــد البرلمانييــن والوزراء.

              تعليق


              • #8
                رد: قــراءات في الســرد العـربي..

                مبادرة طيبة
                قراءات جد مفيدة
                شكرا لك سيدي

                تعليق


                • #9
                  رد: قــراءات في الســرد العـربي..


                  ' إمرأة من ورق'
                  ربيع علم الدين
                  حبّ القراءة في أزمنة الويلات و الحروب


                  بقلم: محمد الخطابي


                  بعد النجاح الذي حققه الكاتب اللبناني ربيع علم الدين (الذي يعيش بين كاليفورنيا وبيروت) بكتابه السابق 'الحكواتي' الصادرعن 'دار نوف النيويوركية' (2008)، ثم في إسبانيا وعدّة بلدان أخرى والذي كان قد أثار ضجّة كبرى، صدرت له مؤخرا في إسبانيا عن دار النشرالإسبانية 'لومين' رواية جديدة تحت عنوان 'إمرأة من ورق'مترجمة عن الإنجليزية قبل أن تصدر في أيّ مكان آخر في العالم، كما تمّ تقديم هذه الرواية في 'البيت العربي' بمدريد بتاريخ 29 ايار/مايو المنصرم، وقد لقيت هذه الرواية مثل سابقتها ترحيبا كبيرا من طرف القراء والنقاد على حد سواء .وكان عنوان الرواية الاصلي بالانجليزية Unnecessary Woman:.
                  تنقلنا هذه الرواية التي تقع في 336 صفحة منذ اللحظة الأولى إلى منزل عتيق في مدينة بيروت، وهناك نجد 'عالية' وهي إمرأة في السبعين من عمرها ،تعمل في إحدى المكتبات، شعرها مصبوغ باللون الأزرق، تعيش في هذا المنزل منذ أن هجرها زوجها عندما كانت في السادسة عشرة من عمرها. إنها تغوص في الذاكرة لتحكي لنا قصّة حياتها ولكن أيّ حياة،إنها حياة خارج المألوف.
                  'إمرأة من ورق'رواية عن اللامنتمين، أو الغرباء، أو المهمّشين الذين لم يستسلموا لهيمنة الثقافة الوافدة،هذه الثقافة التي تحدّد إجحافا من هو الطيّب ومن هم السيّئ،يقول الكاتب: إنه يمكننا قياس مستوى حضارة شعب بقدر ما له أو فيه من 'اللامنتمين' . ويضيف: ومن مثل هذه الشخصية الوهنة يمكنها أن تجسّد هذه الحالة، إنها إمرأة مسنّة غير متزوّجة، ليس لها أولاد، مثل 'ّعالية 'التي وهبت كل عمرها للقراءة النهمة، والتهام أمّهات الكتب الحديثة ثم ترجمتها بعد ذلك، بينما تسمع في الشوارع خارج المنزل أصوات القنابل، ودويّ المتفجّرات حيث تدور فيها حرب ضروس، ومواجهات مسلّحة عنيفة لا تخمد نارها، ولا ينطفئ أوارها ولقد حوّلت هذه الحرب الكثير من الشباب إلى جواسيس وقتلة ،وأرغم هذا الوضع المؤسف هذه المرأة أن تنام وبجوار سريرها بندقية للدفاع بها عن نفسها. في هذا الجوّ المشحون بالخوف والرهبة والترقب والمعاناة تنطلق رواية 'إمرأة من ورق'.
                  قال أحد الحكماء: 'إننا مصنوعون ممّا نقرأ ' و'عالية' من هذاالقبيل إنها إمرأة قد صيغت من ورق، تعيش بين الورق ومع الورق ومن أجل الورق، إنها لا تنقطع عن القراءة بنهم وشراهة إلى أبعد الحدود، إنها تبحث في هذه الكتب عن الحب الذي حرمتها منه عائلتها .
                  هذه الرواية تدنيك وتغوص بك في العالم الذي تعيشه أوتعيش فيه 'عالية' لتشاركها خوفها، وتوجساتها،و شجاعتها وصبرها . إنها تجربة مثيرة- كما يقول الكاتب- تقرّبنا من الآلاف من النساء اللاّ ئي يعشن تجارب شبيهة او مماثلة في الوقت الراهن في خضمّ الفتن والقلاقل والصعاب التي ما زالت تعيشها بعض البلدان العربية ممّا أو فيما أصبح يطلق عليه إصطلاحا بالربيع العربي .

                  متعة القراءة
                  الكاتب اللبناني 'ربيع علم الدين' يعيد لنا متعة القراءة بهذا الكتاب الجيّد، الذي يلقننا بألمعيّة كذلك أن القراءة قد تغيّر مجرى قدر الإنسان، إن 'عالية' خلال رحلتها الأدبية المثيرة، وعوالمها المجازية الملوّنة والمنوّعة رفقة أجود الأقلام العالمية في مختلف فضاءات الإبداع الواسعة، والقراءات الجيّدة لا تغيّر فقط حياتها بل إنها تغيّر حتى حياة قرّائها. رفقاؤها خلال هذه الرحلة العديد من الكتّاب العالمييّن مثل 'بيسّوا' و'غليوت'و'لامبيدوسا' و'خبيير مارياس' و'روبيرتو بولانيو'و'غارسيا مركيز'و'ماغريس'و'فولكنر'و' كالفينو'و'نابوكوف' و'ديكنز'، والقرآن الكريم الذي تهيم عالية به ،وتعشق موسيقى حروفه وكلماته التي تسيطر على مجامعها وتأخذ بلبّها.
                  ربيع علم الدين يدعونا في هذا الكتاب إلى :حب ّ القراءة مهما كانت ظروف العيش قاسية وصعبة مثلما هو عليه الحال في مدينة بيروت أيام الويلات و الحروب، حيث تغدو الحياة فيها أكثر قساوة وصعوبة، وأشدّ مرارة وشراسة من أيّ وقت مضى. يقول علم الدين: 'إن الادب قد غيّر حياته' ويضيف مداعبا انه إختار الكتابة ربّما ليتنصّل من مسؤوليات إجتماعية أخرى، ولهذا السبب إنغمس في القراءة تماما مثل الذي حدث لبطلة روايته 'إمرأة من ورق' عالية.
                  تقول الكاتبة الإسبانية 'سوسانا غابينيا'فى مقال لها بجريدة 'أ. ب .س'الإسبانية بتاريخ29 مايو 2012 ان رواية 'إمرأة من ورق' هي حكاية تحكي قصّة إمرأة أخرى،هذه القصّة التي تدور أحداثها وسط الحروب الاهلية اللبنانية 1975 -1990 حول عائلة قاسية، صعبة المراس، وتركّز على حياة هذه المرأة 'عالية' منذ أن كانت طفلة ومات أبوها وتركها يتيمة .
                  يفتتح الكاتب 'ربيع علم الدين' كتابه على لسان الشاعر البرتغالي الكبير 'بيسّوا' بعبارته التي يقول فيها: إن 'ضيعتي' أو قريتي لهي أكبر من أيّ أرض مهما كبرت، وحجمي يقاس بما أرى، وليس بقياس طولي. هذه الرواية رحلة شيّقة في أعمال وأعماق العديد من الكتّاب والشعراء عبر كتبهم وإبداعاتهم. يقول الكاتب إنّه لبناني، ولكن لبنان الذي يظهر في كتبه هو من محض الخيال، فأدبه مطبوع ببلده ولكنه لا يحب ان يوضع الكاتب في خانة حدودية ضيّقة معيّنة ،فحتى ولو نسب كاتب إلى بلد مّا مثل 'بروست' إلى باريس، و'دويستوفسكي' إلى روسيا و'بيسّوا' إلى لشبونة، فإنّه لا ينبغي أن ننسى بأنّ فوق أيّ اعتبار هناك دائما الجانب أو البعد الإنساني لكل كاتب.
                  الثقافة المهيمنة
                  تقول الكاتبة 'سوسانا غابينيا': إن الكاتب اختار شخصية هذه المرأة بالذات، ذلك لأنه دائما كانت له الرغبة في الكتابة عن اللامنتمين أو الغرباء في الثقافة المهيمنة، أيّ عن هؤلاء اللامنتمين الذين يغصّ بهم المجتمع. يقول الكاتب في هذا الصدد: ان الثقافات المهيمنة مهووسة بالنجاح الذي حققته في المجتمع المغلوب ،حيث يشجّع ذلك على خلق المزيد من اللامنتمين أو المهمّشين وهذا ما كان يهمّه في المقام الاوّل، فلم يكن يعنيه قط أن ينتمي إلى هذه الثقافة المهيمنة أو تلك. إلا انه يضيف ولا يعني ذلك انّه فوضوي إنه يحبّ أن تكون هناك مثل هذه الثقافة، إذ لوكان الامرعكس ذلك فقد لا يكون شيّقا القيام بمعارضتها أو مواجهتها.ويخوّل هذا الوضع للكاتب أن يكتب، وأن ينتقد ،وان يبحث، وأن يدلي برأيه بشأنها فهو بواسطة 'عالية' يبدو شديد الإنتقاد لإسرائيل ـ على سبيل المثال- وهو أمر غير مزعج البتّة في لبنان، كما انّه مظهر آخر من مظاهر آثار الثقافة المهيمنة كذلك، ولا بد أن العكس من ذلك هو الذي كان سيحدث في حالة انتقاده للمسلمين او للبنان ذاته الذي ألقى بنفسه في أتون حروب ونزاعات مسلحة في العقود الاخيرة، ويضيف على لسان 'عالية' ان جميع البيروتيين قد تعلموا أنهم عندما يخرجون للفسحة لا يمكنهم الجزم بأنهم سيعودون حتما إلى دورهم أو إلى مقار سكناهم سالمين، ليس فقط لأنه قد يحدث لهم مكروه خارج المنزل، بل لأنّ دورهم نفسها ربما تكون قد انهارت.
                  وعندما سألت الكاتبة الإسبانية 'سوسانا غابينيا': المؤلف أنه في 'إمرأة من ورق' يعود ليكتب عن ماضي لبنان وحاضره، وهل هو في حاجة للقيام بذلك ربما لكي يلتئم جرح، أم لعدم تكرار نفس الاخطاء السابقة.؟ فقال مازحا : 'نعم لبنان يمكن أن يتغيّر في المستقبل، كما يمكن أن أتحوّل أنا غدا إلى قرد، كل شيء ممكن،أمّا فيما يتعلق بالجروح فإنه يصعب التئامها بواسطة الكتابة ولست أدري إذا كانت كلمة 'جرح' مناسبة في هذا المقام، فأنا مبهور بلبنان، ولقد كتبت عنه الكثير، أنا دائم التفكير فيه،إنه حاضر في عقلي وكياني'.
                  'عالية' تصف بيروت بأنها 'إليزابيت تايلور المدن' إنّها حمقاء، رائعة، مبتذلة، مدمّرة ،عجوز، ودائما محمّلة بالدراما.وهي مستعدّة للزواج من أيّ خاطب متيّم يتقدّم لها الذي قد يعدها بحياة أكثر راحة واستقرارا حتى ولو لم يكن مناسبا لها البتّة'.
                  قيام 'عالية' بجولة في عالم الترجمة للعديد من الكتّاب المفضّلين عند المؤلف بالذات ليس وراءه ـ كما يؤكد الكاتب- أيّ نيّة سوى إظهار الشخصية كما هي في الرواية. كما تعبّر بطلة الرواية بالمقابل عن عدم رضاها عن بعض الكتّاب مثل همينغواي. يقول الكاتب عن ذلك : إنها تمقت همينغواي، اما أنا فلست معجبا به، مشكل هذا الكاتب لا يكمن فيما يكتبه، بل كيف يراه الناس، فولكنر على سبيل المثال يعتبر عبقريا بالنسبة لهمينغواي، ومع ذلك كان لهذا الكاتب تأثير أبلغ من تأثير فولكنر في الأدب الامريكي، في حين كان لفولكنر تأثير بليغ في الادب العالمي أكثر مما كان لهمينغواي،ولكن مع ذلك فـ'عالية 'لا يروقها هذا الأخير، ألا يجوز أن أختفي خلفها لأقول ذلك ؟.
                  الكتب الملاذ الوحيد
                  الموسيقى حاضرة كذلك في هذه الرواية، فعلى لسان 'عالية' تنثال أسماء موسيقيين عالمييّن كبار أمثال شوبان، وبروكنر،بل لقد بلغ بها الأمر أنها تقارن عملية الترجمة مع إحدى أوبرات 'ريتشارد فاغنر'.
                  'عالية' بطلة رواية'إمرأة من ورق'بانغماسها في عملها الإختياري بترجمة العديد من الأعمال الادبية والإبداعية الكبرى إنما هي تفرّ من عالمها الكئيب، وواقعها الحزين، وظروفها القاسية، وهكذا تكدّس آلاف الأوراق المترجمة داخل صناديق في غرفة التخزين. إنها تهرب من هذا الواقع المرّ الذي لا يملأه سوى العنف والقسوة والموت والدمار، لتختفي داخل صفحات هؤلاء الكتّاب الافذاذ الذين أصبحوا ملاذها الوحيد. إنها تعتبرهم أحياء يرزقون، ولابدّ أنهم يتفهّمون شكواها ويصغون إلى أنينها ولوعتها، إنها تحاور 'لوليتا'، وتناقش 'أنا كارنينا'وسواهما من الشخصيات الادبية الشهيرة.
                  الروائي اللبناني ربيع علم الدين' ولد في الاردن عام 1956من أبوين لبنانيين من أصول درزية وعاش في البداية بين الكويت ولبنان، وعندما إندلعت الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 إنتقل إلى إنجلترّا للدراسة بها، ثم بعد ذلك إنتقل ليتابع دراسته في جامعة كاليفورنيا حيث حصل على الماجستير في إدارة الاعمال، وعلى بكالوريوس هندسة، كما أنه فنّان تشكيلي وسبق له أن نظّم عدّة معارض في هذا القبيل . بصدور روايته 'الحكواتي' عام 2008 جاءته الشهرة منقادة إليه تجرجر أذيالها.
                  التعديل الأخير تم بواسطة عبدالرحيم محمد احمد; الساعة 11-06-2012, 22:18.
                  نطــالب بإلغــاء تقـاعــد البرلمانييــن والوزراء.

                  تعليق


                  • #10
                    رد: قــراءات في الســرد العـربي..

                    حيـــاة بـــاسلـــة
                    حسن النواب









                    بين آونة وأخرى تظهر هنا وهناك طروحات وآراء نقدية مثيرة للجدل، عن الرواية العراقية تحديدا، بعضها صائب، ومنها ما ينطوي على مغالاة يمتطيها المعنيون بالسرد العراقي وغيرهم، تقول تلك الآراء بأن الرواية العراقية لم تؤد ما عليها من دور مهم، خاصة ازاء الاحداث الجسام التي تشكّل منها تأريخ العراق القريب، وهم يعنون بذلك (الاعوام الخمسين الماضية) على نحو خاص !.
                    يقول بعض هذه الطروحات أن الرواية العراقية فشلت في استقصاء خفايا الوجوه الاخرى الخفية أو العميقة، لما جرى بالعراق في ميادين السياسة والاجتماع والثقافة وغيرها (كما قرأنا مثلا في احد مقالات حيدر سعيد التي أعاب فيها على الرواية العراقية عدم تصديها لجسامة الاحداث)، واذا كان التوثيق النمطي لما يتعلق بالسياسة، من اختصاص المؤرخين، فإن مهمة استغوار بواطن الوجوه الخفية للحياة يقع على عاتق الرواية قبل سواها، ليس بمعنى التوثيق التقليدي البارد، بل تدوين الاحداث والفواجع والكوارث التي سقطت على رؤوس العراقيين طيلة نصف قرن، بوساطة السرد الفني، ويأتي فن (السيرة الذاتية) في مقدمة الاساليب الروائية او السردية لتحقيق هذا الهدف، فهل تفوق صوت السرد على صمت التاريخ وهل قالت رواية حياة باسلة ما لايقال؟؟.
                    هذا السؤال يطرح نفسه بقوة على المثقف ومن يعنيهم الأمر من الآخرين، لاسيما أننا كعراقيين وعرب (وأعني الوسط المثقف، وسواه) لا نثق بتأريخنا كما يجب، فهو وإن تحدّث للآخرين عمّا مضى، لكنه في الغالب يتلفع برداء الزيف أو التحريف والمغالاة، لذا يظهر حديثه أقرب الى الصمت أو التشويه في افضل الحالات، وما يزيد المشهد تعقيدا، ذلك الضمور البيِّن في مهام السرد، بوصفه البديل المؤتمَن، الذي اصبح بمقدوره التعويض عن تكاسل التاريخ من جهة، وتزييفه من جهة أخرى.
                    رواية (حياة باسلة) التي صدرت في القاهرة عن دار عين (1012) تدخل في اطار السيرة الذاتية، وهي عبارة عن سرد لتجربة عاشها كاتبها كوقائع ملتبسة متداخلة، لكنها حصلت فعلا، وهذا ما يزيد الامر صعوبة واستعصاءً، بخصوص التخلّص من سطوة التاريخ وفجاجته، وصعوبة تحييد الغلواء الذاتي، أي فيما تجترحه الذات من بدائل فنية، تقمع أو تكبح حضور التأريخ الحاد الذي قد يصل لدرجة إلغاء الفن الروائي، فهل نجح مؤلف رواية (حياة باسلة)، في انجاز أهداف روايته التي يمكن حصرها بما يلي:
                    أولا: سرد الاحداث الواقعية لا يعني إلغاء الفن وشرط التجنيس، إذ ينبغي التخلص كليا من آلية التدوين التأريخي الرتيب.
                    ثانيا: تجنب المغالاة، بسبب تضخّم الانا الساردة، والحيادية والصدق مع الحضور الفاعل للفن الروائي.
                    ثالثا: تقديم الذات بوصفها مرآة عاكسة لضخامة ما أحدثته الحروب والحصارات.
                    رابعا: كشف الوجه المضمَر للثقافة العراقية خلال عقديّ الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.
                    خامسا: توظيف الهاجس الشعري كبديل راجح عن السرد عندما يكون الأخير عاجزا عن وصف هول الفجيعة واللامعقول في الدمار الذي حدث لنفسية الإنسان الذي واجه الحرب وتبعاتها .. وبصورة تبدو اشد صدقا من الخيال.
                    للخوض في النقاط الخمس أعلاه، يستدعي الامر قراءة متأنية، لحياة باسلة، وتمحيص الاسلوب التلقائي المباشر لكتابتها، لأن سرد الوقائع (ثقافية أو حربية أو يوميات حياة عادية) قد يُسقط عملية السرد في فخ (التدوين التأريخي)، وينحو الى إلغاء الانتماء لفن الرواية، هذا الفن الذي قال عنه كولن ولسن في كتابه الموسوم بـ (فن الرواية/ إن الكتابة الابداعية تشبه عملية الصعود الى أعلى التل، حيث يتصاعد الاقوياء، فيما يتساقط الضعفاء على السفح تباعا) فهل تخلّص حسن النواب مدوّن هذه الرواية من رتابة السرد وتجنب السقوط في فخ الكتابة العادية؟، لنقرأ المقطع التالي معا: (حين اصبحنا في غرفة الاستقبال، دنت مني وشمّت بعمق رائحة صدري، ومرغت وجهها القمحي الطري على يدي، ثم ابتعدت لتجلس على الاريكة بعد ان تركت عباءتها تستريح على ارضية الغرفة، كانت ترتدي زيها المدرسي، تنورة سوداء وقميصا ابيض شفافا، يظهر مفاتن نهديها الطليقين، وبدأت تفتح ازرار القميص على مهل حتى لمحتُ حبات عرق صغيرة تضيء على نهديها) ص79. إن اسلوب السرد هنا كان متهاديا شاعريا وهو يتسلل إلينا على مهل بتلقائيته المحببة التي ارتفعت باللقطة وهذبتها بتصوير جمالي لغوي مدهش، لكي تروق للمتلقي تماما.
                    لقد أثارت رواية حياة باسلة قبل الصدور وبعده، جملة من الآراء البنّاءة لعدد من الأدباء المخلصين للأدب، وقد أكد هؤلاء في نصوص منشورة نجاح حياة باسلة بسبب اسلوبها الابداعي الأخّاذ، وأنا أكرر هذا التوصيف، فقد تمكن حسن النواب من تحويل الوقائع التي عاشها الى مشاهد ولقطات ساخنة مدهشة، بلغة بيضاء، تلقائية، نافرة، متوترة بلذة خفيّة، ما أن يطالعها المتلقي حتى تترسخ صورها في أعماقه، فتحيله (من قارئ خارج النص) الى عنصر منصهر في دوامة الاحداث، فيصبح احد شخوص حياة باسلة، ويعيش لهيب الحرب والجوع والحصار والحب والموت المزروع في كل صفحة من صفحاتها.
                    وفي هذا النوع من الروايات التي تعتمد السيرة، تكمن الخطورة كلها في التضحيم الذاتي، حيث يقع الراوي أو المؤلف نفسه غالبا، في مشكلة تمجيد الذات من دون أن يعي ذلك، إنه يكتب عن نفسه وحياته وذكرياته، إنه ينساق بحنين جارف الى تلك الاحداث، لذا هو يعشقها وربما يقدسها، حتى المميت منها يبدو له في دهاليز الذاكرة الروائية مضيئا، كونه يصب في تمجيد الذات، فهل قفز حسن النواب هذا العارض؟ وهل نجح في تحييد ذاته ازاء المتن المدوَّن؟، هناك دلائل يمكن أن نستقيها من المتن الروائي، وما يؤكد ذلك مشاهد البؤس والخوف والتردد والجبن أحيانا، التي تتلبس وتعتري بطل الرواية ومؤلفها في مواقف كثيرة يكاد يعج بها نسيج السرد، فالنواب لا يطرح نفسه بطلا، لا في وقائع الحروب، ولا في صراعه الذاتي بالميدان الثقافي، بل لم نر ما ينصف حقيقة الراوي أحيانا، وهو يعرض لحياة باسلة تمتد على عقدين من الزمن، قدمّها الكاتب بطرائق سرد لم نألفها من قبل وهي تزج في روح الشعر بمناطق عديدة من الرواية، فيتعاضد اسلوب التحييد الذاتي، مع الميل الى التجنيس السردي، ليسهما بنجاح، في تقديم (حياة باسلة) كرواية تمتلك شروط الانتماء الى هذا الجنس الادبي المتسيِّد.
                    أما النقطة الثالثة، أي تقديم الذات بوصفها مرآة عاكسة، فقد بلغت هذه الرواية قمتها، في عرضها لمشاهد الفجيعة المزمنة التي بدأت بافرازات الحرب العراقية الايرانية وسواترها وضخامة ويلاتها والارواح التي أزهقت فوق سواترها في كلا الجبهتين، وصولا الى حرب الخليج الثانية وفواجعها، ثم بدء صفحة الحصار المفتوح وحروب الاستنزاف المحايثة لتجويع لم يحدث أن عاناه شعب آخر في عموم الارض، لنبدأ مع النقطة الرابعة.
                    أي مع مسار آخر، مواز لويلات الحروب يتعلق برصد المشهد الثقافي وصراعاته الفردية والشللية، فانعكست صورة سياسية ثقافية تكاد تكون مكتملة وبالغة الصدق، لمرحلة كتب عنها كثيرون، لكن حسنة (حياة باسلة) أنها لم تتردد في قول ما لا يُقال. سيما في توثيق الكاتب لمجريات حساسة وخطيرة مع عرض تفاصيلها بدقة مدهشة وتلقائية عالية ومفارقات مذهلة، لتتولد لدى القارئ أجواء نفسية يمكنه استعادتها كما لو انها تحدث الآن، لقد اراد حسن النواب أن يكون صادقا بصورة مطلقة، لذا رسم المواقف كما هي ولكن بحساسية صافية وموجعة وطريفة احيانا نحسده عليها، أو كما حدثت تماما، حتى تلك التي ربما تمس بشخصه وابداعه وتاريخه، وهو يعي بالضرر الذي قد تلحقه به هذه التفاصيل الصادقة، وكان يمكنه تجميلها، أو إهمالها او التغاضي عنها في اضعف الايمان، لكنه اراد أن يقدم حياة باسلة بمجرياتها المشرّفة والمؤسفة في آن.
                    وفيما يتعلق بتوظيف الهاجس الشعري لمنح الاسلوب السردي خصوصيته، حرص كاتب حياة باسلة على استخدام المفردة الأشد وضوحا والأسرع تقاربا من ذائقة المتلقي، آخذا بنصيحة موباسان التي يقول في مضمونها بخصوص الكتابة السردية (إحذف كل كلمة تعتقد أنها فائضة عن الحاجة، واستخدم الكلمات التي تشعر بأنها تنقل شعورك بصورة مباشرة الى القارئ)، ولكن تمكن مع هذا الوضوح، أن يجعل لنفحات الشعر حضورا متدفقا ومؤثرا في معالجة الاحداث والمواقف المادية والنفسية في آن، كما نقرأ ذلك في هذا المقطع: (إقتربتْ منه فجأة، وألقت بجسدها النحيف على صدره، فوضع الوشق البري يده على رأسها، يمسد شعرها كما لو انه يمرر يده على فروة قطة أليفة، بينما ساحتْ دموع اخته نورما على قميصه الرث، واستمر عناقهما لدقائق قبل ان تدعه طليقا مرة اخرى... مسحت دموعها التي ما زالت تنهمر بأصابعها الشمعية وغادرتنا بهدوء) ص424. يغلب مثل هذا الاسلوب على مساحة السرد، مما اعطى الرواية نكهة شاعرية أسهمت بانقاذها من السقوط في الرتابة لاسيما أن صفحاتها تجاوزت الـ (500 صفحة/ قطع متوسط). هكذا اذن يكتب الصعاليك سيرتهم!!.
                    وهذا ما أعرفه وقرأته من قبل عن سيرة الصعاليك الشجعان والنبلاء، كما حدث لي مع هذه السيرة الحرجة؟! التي قرأتها بمتعة لا يشاطرها إلا الدمع الذي انهمر من روحي بصمت.

                    علي حسن عبيد
                    التعديل الأخير تم بواسطة عبدالرحيم محمد احمد; الساعة 12-06-2012, 22:33.
                    نطــالب بإلغــاء تقـاعــد البرلمانييــن والوزراء.

                    تعليق


                    • #11
                      رد: قــراءات في الســرد العـربي..

                      الموضوع يستحق التثبيث
                      مزيدا من العطاء والإفادة سيدي

                      تعليق


                      • #12
                        رد: قــراءات في الســرد العـربي..






                        على الجــدار
                        رواية لحليمة زين العابدين


                        "على الجدار" عنوان آخر رواية للمبدعة "حليمة زين العابدين"* وهي رواية مختلفة، استلهمتها مؤلفتها من الإنترنيت ومواقعه الاجتماعية ومنتديات الشات والجرائد الإلكترونية. شخصياتها من العالم الافتراضي، وأهم أحداثها هي أحداث "الحراك العربي" من بداية صفعة "بوعزيزي" تونس إلى الانتخابات الرئاسية في اليمن، يتخللها حب افتراضي وتلك الحياة البديلة التي تجري خلف شاشة الحاسوب، بمتعها ولذاتها ومعاناتها...


                        الرواية تعبر عن رؤية متفائلة بالآتي، وإن كانت تصب جام نقدها على الراهن بكل تجلياته ومستوياته. وهي تتمحور حول شخصية "نفيسة يخلف"،امرأة مثقفة/ شاعرة/ موظفة تمارس العمل السياسي والجمعوي، تتعرض لمجموعة من الهزات والأزمات والخيبات في حياتها... حياة تعيشها عبر ثلاثة مسارات متداخلة هي:
                        -المسار المجتمعي الواقعي داخل الأسرة والعمل... وفيه تتعايش مع أفراد الأسرة (الأب الابن والزوج...) ومع الأصدقاء وزملاء العمل...
                        -المسار الافتراضي على الإنترنيت وتتفاعل فيه مع أصدقائها الحقيقيين والافتراضيين، وعبره، تعبر عن مواقفها من الحياة بمختلف تجلياتها، خصوصا منها "الحراك العربي".
                        -المسار الواقعي/ الحلمي وهو مسار تحقق فيه مع البطل المحلوم به (رجل البحر) ما تعجز عن تحقيقه في المسارين السالفين... خصوصا في المجال العاطفي والحميمي...
                        والملاحظ هو أن الفشل كان مصير المسارين الأول (مسار الأسرة والعمل...) والثاني (المسار الافتراضي، المواكب للحراك العربي) فيما ينجح المسار الثالث (مسار الواقع الحلمي/ الحلم الواقعي).
                        وهكذا، تكشف لنا الرواية أن المسار الأسري ل"نفيسة" يؤول إلى الفشل، بعد وفاة ابنها سعد، وبعد أن لم يعد يجمعها بزوجها سوى "عقد" لا يتوفر فيه بنده الأساسي (النكاح)، ما جعلها تتفق وإياه على الطلاق، خصوصا بعد أن أحست نفسها محاصرة الجسد واللسان...
                        وفي مجال العمل، أصيبت نفيسة بالإحباط والسبب هو أن مدير المؤسسة حيث تشتغل تحول إلى ديكتاتور هو القادم من قلب اليسار الراديكالي، والذي كان مؤمنا، ولزمن طويل، بحق كل مواطن في الكرامة وبالحق في الحياة الكريمة بلا مهانة ولا إذلال، و كان متعففا عن استعمال سيارة الدولة، أيام العطل،و توظيف سائق المؤسسة في أغراضه الخاصة...
                        لذلك، فإنها تضطر لولوج العالم الافتراضي، "بحثا عن استعادة ما أضاعته من ذاتها"، وهذا العالم هو ملاذها للبوح والحديث في كل الموضوعات التي تستأثر باهتمامها، وخصوصا منها موضوع الحراك العربي، سيما أنها كثيرا ما حلمت "أن ترى الثورة بعينيها لا أن تقرأ عنها فقط..." ومع حلم الثورة، "كانت تجتر جراح الفقر والتهميش وآمالا كبرى بغد أفضل"، وفعلا، عاشت، ورأت "صفعة الإذلال تحرق بوعزيزي تونس، وتحول شظايا جسده إلى ثورة، ثورة للأحرار تندلع في كل المناطق المهمشة من البحر إلى البحر، وترعد في كل الأرجاء: "الشعب يريد إسقاط النظام"... وتردد معها "حرية كرامة عدالة اجتماعية"... كما رأت بحارا "من البشر تزحف على أسوار الاستغلال والظلم والدكتاتوريات، شهداء وجرحى... وحمامات الدم...".
                        ولذلك أيضا، تمنت لو "يصلنا هذا الربيع العربي"، على أن التغيير، بل الثورة الحقيقية، كما تراها هي، ينبغي أن تطول (في المغرب) بنيات المؤسسة وفكرها، وأن تكون "مع الملك لا ضده". ثورة ضد بؤر الفساد السياسي ونهب المال العام وزارعي الخوف، ومعه طعم الذل الذي طال... خصوصا أن تباشير الإصلاح اختفت، بعد وقت وجيز، وعاد الماضي وبضراوة أشد، ومن أجل ذلك، كانت تشارك في تظاهرات حركة 20 فبراير...
                        وعبر التفاعل مع أصدقائها، واكبت "نفيسة" الثورات العربية في مختلف أقطارها، غير أن خيبة أملها وأمل أصدقائها كانت كبيرة لمآل هذه الثورات، فتحول الخطاب بخصوصها من التفاؤل والفرح إلى البكاء والتشاؤم... ما جعل نفيسة تعتبر أن "هذا الذي نعيشه ليس ربيعا بل زحف زوابع رملية..." وهي، حسب أحد أصدقائها "زوابع أفغانية زاحفة مع رمال الصحراء من الخليج إلى المحيط". وهذا ما جعلها تؤكد أن "سنة 2011 بدت في ظاهرها كأجمل ما تكون السنوات، ثورات وشجاعة وحلم التخلص من عالم الفساد والقمع، وانتهت كأبشع ما يكون، خوف وريبة وسلفية في الحكم وتكالب على المناصب...!!!"
                        وسبب هذا التحول هو أن القوى الإسلامية هي من استلمت زمام الأمور في البلدان التي حدث فيها التغيير. لذلك، فإن نفيسة "أحست العالم يختنق من رائحة المسك وعود القماري، ويعج بأصوات الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر... فاستبد بها خوف من مستقبل قد تعود معه البلد إلى عهود الحريم وملك اليمين وزواج القاصر..." سيما أنه "سبق لها أن عانت من رعبهم، وخبرتهم عن قرب، (إبان) خطة إدماج المرأة في التنمية... ورأت كيف تقف المرأة الإسلامية في وجه كل النساء بشراسة تدافع عن التعدد، وعن الهجر في الفراش، وزواج القاصر، وفرض الولاية على المرأة... خبرتهم في المسيرة المضادة للمسيرة الدولية ضد العنف والفقر ومن أجل المساواة، وهم يرددون شعارات: "يثرب يثرب يا يهود جيش محمد سيعود"/"يثرب يثرب يا يهود دولة الإسلام ستعود".
                        وطبعا، فنفيسة لا تقف عند النتائج فحسب، بل تتعداها إلى الأسباب، حيث تعتبر أن سبب وصول هؤلاء إلى السلطة، هو أنهم استطاعوا تأطير الشعب الذي "لم تؤطره القوى الحداثية"، وعوضها أطره القهر والظلم، فوجد ضالته في الإسلاميين، الذين، حسبها، ساعدت ظروف قمعهم وتخويف المؤسسات الحاكمة منهم على تغلغلهم وسط الفئات المسحوقة من الشعب...
                        والإيجابي هو أنه، رغم كل شيء، ظل يراودها بعض الأمل في أن البلاد العربية لن تلبس كلها الجلباب الأفغاني، تقول مخاطبة إحدى صديقاتها: "لقد هيأت لهم مجموعة من الظروف صناعة تاريخهم... فلنصنع لنا تاريخا آخر".
                        وفي المجال العاطفي، تعترف نفيسة أنها "لا شيء من غير حب..." وأنها "لا تخشى شيئا في حياتها أكثر من الإحساس بالفراغ العاطفي"، لأنه، حسبها، "يصيبها بالاكتئاب، ويصيب قلمها بالجفاف..." لذلك، فلكي "تكتب، تنسج في ذهنها قصص حب تعيشها وتكتب عنها..." من ثمة، فإن "الحب يسكنها، يغذي خيالها، فتكتبه شعرا... تعيش القصة من بدايتها... حبا عاصفا مجنونا يهذي به لسانها..." وهذا ما حدث فعلا، ذلك، أنه، ونتيجة إخفاقها في الزواج، وإصابتها بالإحباط في العمل، ونظرا للمآل غير المتوقع للربيع العربي، لم تجد بدا من ركوب الحلم، وشد الرحال نحو حب جديد لتنسج من أحلامه قصة عشق مغايرة... حيث "رأت" رجل بحر بهي الطلعة، يركب الموج آتيا من قلب المحيط الهادر. شعاع عينيه... يلهب الكتابة، يحول الموج مدادا...
                        والمثير هو أن رجل البحر هذا "أرسى مركبه على الشط، صعد الدرج النازل من بلكونة بيتها إلى رمل الشاطئ... ومعه التهب جسدها بالحمى، وارتعشت ضلوعها، وأصابها دوار البحر، وهي تنظر في عمق عينيه.
                        ورجل البحر هذا هو من نزع عن "نفيسة" تعب السنين وملأها "ذاتا ووجدانا من شعر رأسها إلى أخمص قدميها بهذا الشعور الذي عرفته طفلة، ومن يومها لم تعش ارتعاشته، سوى لحظة أوصله الموج إلى الشط قرب بلكونة بيتها، وإن استمرت منذ طفولتها تكتب قصائد حب، استنفذت مخزون الذاكرة والخيال..."
                        وسحر عينيه هو ما جعلها تحب من جديد، إذ أحبته لتكتب، تكتبه، تنكتب من جديد، تكتب نشوة السفر إلى عالم جديد... حيث انقادت إلى غرفة نومها... وأوقدت شمعة... وهيأت لائحة موسيقى... وكان ما كان... استطاع هذا الرجل أن يكشف غموضها، ويستخرج منها امرأة لا تعرفها، لم تكنها... ولأن رجل البحر هذا بلبل كيانها، قبل أن يرحل، فلا غرابة أن نجدها تسمع المطعم يردد "أحبك"، دون أن تدرك إن كانت تقولها في صمت أو كان صوتها يتردد صداه بالمطعم.
                        ولذلك، فإنها، وتشبثا منها بتحقيق حلمها، والمجيء الفعلي لرجل البحر هذا، تصعد في خاتمة الرواية الدرج الرابط بلكونتها بالشاطئ... وتقف تتابع شراعا، "رأته"، وكانت الريح مواتية تدفعه نحوها دون تجديف... مؤكدة بذلك رؤيتها المنفتحة المستبشرة المتفائلة بالآتي، والتي مفادها أنه "لن يكون الغد إلا أجمل، لأنه يحمل تباشير الأمل... رغم السواد..." وتضيف في موضع آخر "دم هؤلاء الذين سقطوا تنديدا بالفساد لم يتحول ذرات بعثرتها الريح... فهاهم الشباب يشمرون على ساعد الجد، يبحثون عن أشكال أجرأة القوانين وتفعيل المبادرات الشعبية لتقوم بدورها في تفعيل الديمقراطية وصيانتها..." وهذه الرؤية هي ما يؤكده أحد أصدقائها الافتراضيين حين يقول: "نحن على طريق استكمال أهداف الثورة سائرون، يحدونا الأمل بغد أجمل رغم كل النقاط السود المتبقية."
                        والملاحظ هو أنه رغم محاولة الرواية إيهامنا بتعدد الأصوات ، إلا أن صوتا واحدا ظل مهيمنا فيها وعليها، ألا وهو صوت العقل والتفاؤل، صوت الساردة المنسردة، وهو الصوت الذي كانت له الغلبة في النهاية. وقد انعكس هذا المعطى على الشخصيات، إذ جاء جلها في الرواية، كما هي في الواقع الافتراضي، كائنات سياسية مسطحة، بلا قسمات أو ملامح ولا عمق نفسي، باستثناء نفيسة الشخصية المحورية التي انتصرت الرواية لها ولرؤيتها و جاءت كائنا كامل الأوصاف...
                        ولأن الرواية تقدم لنا عالمين متقابلين أحدهما "واقعي" منحط وغير مسعف والثاني فردوسي تتحقق فيه الأحلام والرغبات، فقد زاوجت في التعبير عنهما بين أسلوبين أحدهما نثري تقريري مباشر يحاكي اللغة اليومية المحكية، والثاني شعري حابل بالمجاز والصور الشعرية العميقة.

                        حليمة زين العابدين: على الجدار، كلمات للنشر والطباعة والتوزيع، مارس 2012 المغرب


                        علي بن ساعود

                        نطــالب بإلغــاء تقـاعــد البرلمانييــن والوزراء.

                        تعليق


                        • #13
                          رد: قــراءات في الســرد العـربي..

                          الحي اللاتيني
                          سهيل ادريس

                          قراءة في مكونات الصوغ السردي وبناء الدلالة.



                          أ‌- الحيّ اللاتيني: بحثٌ عن المغايرة في الكتابة والدلالة

                          يتوزّع فضاءُ الحيّ اللاتيني إلى ثلاثة أقسام، يؤطّرها تمهيدٌ وخاتمة. غير أنّ شخصية البطل تبقى إحدى العلامات المميّزة في سبك خيوط المحكيّ وتأثيث بنياته السردية. فمن سطح الباخرة التي تَمخر عبابَ البحر إلى باريس، ننفتح على فضاءٍ مكثّفٍ قابعٍ داخل وعي البطل. ومن خلال هذا الوعي تتعالق الأشياءُ، وبفضله تنتظم الحوافزُ المؤطِِّرةُ للوحدات السردية والمراقِِبة لتحوّلاتها في تيماتٍ خاصةٍ، لتَستكمل أشواطَ رحلةٍ مقلقةٍ إلى الضفة الأخرى من كينونة البطل التي تشغله أحلامُه المترقّبة للحظة التغيير.
                          فمنذ الصفحة الأولى برز سؤالٌ قلقٌ لم يلبث أن كشف البطلُ عن إجاباته المحتملة على امتداد المحكيات المتتالية. فالسؤال: "ولكن ما الذي أبغيه في حياتي هذه الجديدة؟" يحدّد هويةَ البطل في رحلته الباحثة عن هذه الحياة الجديدة المرغوبة، ليأخذ معها البحثُ شكلَ رواية، ولتأخذ الروايةُ شكلَ مغامرة. ومن زمن تقلّبات الذات يرسم صوتُ السارد البرّاني Héterodiegétique) معالمَ حياة البطل باعتبارها مركزَ توجيه الأحداث: فحياته الجديدة، التي هي حياةُ التحرر والبحث عن القيم الإيجابية البديلة، سيتمّ الشروعُ في تأسيسها عبر اختراق القيم البالية، قيم الاختناق داخل قمقم الأعراف وسلطة التحريمات. لكن كم احتمالاً للأجوبة صادفتها الشخصيةُ في رحلة البحث هذه؟ وكم موطنًا اطمأنت إليها لتستفيقَ على خيبة أملٍ مروِّعة؟ وكيف أتت إلى جوابها الحاسم المطمئنّ، الذي يتحول فيه الساردُ من صائغٍ للجملة السردية عبر صيغة الخطاب المسرود إلى مجرد ناقلٍ للخطاب المباشر عبر الحوار ("بل الآن نبدأ يا أمي")، ولتختفي معه الأنا المفردةُ القلقةُ ("ما الذي أبغيه؟") داخل أنا جماعيةٍ واثقةٍ، وليكتشف البطلُ في آخر الرحلة أنّ "تقويمَ ذاته في حساب الشخصية الفردية" تقويمٌ خاطئ، وأنّ الذات كانت في الأصل في رحلة جماعية مستترة خلف الأنا العليا؟ ألم يكن البطلُ المفردُ في الحيّ اللاتيني واحدًا منا "نتحدّث إليه ونتحدّث عبره"؟Françoise-van rossum guyon, Critique du roman (Paris: Gallimard, 1970), p 135. ألم يكن ككلّ عربي "يعيش في المرحلة الحالية من تاريخنا، يفتقد وجودَه الأصيل، ويشعر أنّ ثمة شيئًا، ثمة رسالةً ومثلاً أعلى، تضيء له من بعيد وتومض، ويفيض عليها في بعض لمحاته ولمحات نفسه، ولكنها ما تلبث حتى تفرّ من قبضته مخلّفةً وراءها سرابًا"؟ ألم يكن واحدًا "من ذلك الجيل المعذَّب القلق الذي يشكو الحيرة ولم يستقرّ بعدُ على قيمٍ حقيقية توجِّه حياتَه وترشد سبلَ سلوكه"؟عبد الله عبد الدايم، "الحي اللاتيني،" مجلة الآداب، أيار (مايو)، السنة الثانية، ص 36
                          يشكّل التمهيدُ والخاتمة ملامحََ البعد الاستراتيجي للعملية السردية في الحيّ اللاتيني. فهما معًا يمثّلان استثمارًا فنيّاً عامّاً تأتي المحكياتُ المبثوثةُ بينهما تمفصلاتٍ حكائيةً لهما، ورحلةًٌ مسكونةًٌ بهواجسهما، حيث البدايةُ مشوبةٌ بالقلق والحيرة ("ها أنا وحدي، وسط هذا البحر الذي اختفت شطآنُه، فإلى أين تراني أسير؟ وأين أضع قدمي بعد؟...")، وحيث الخاتمةُ مدثّرةٌ بدفء اليقين الجازم بأهداف الرحلة الجديدة ("لا بل الآن نبدأ يا أمي!").
                          وبالرغم من تعدّد الضمائر، فإنّ السارد البرّاني هو الذي يضطلع بوظيفة السرد، في حين تقوم شخصية البطل بوظيفة رصد "الأفعال والأحداث والمواضيع المؤثِّثة للكون التخيلي الممثّل داخل العمل السردي."Michel Glowinski, «Sur le roman à la première personne, » in Esthétique et poétique, coll/point (Paris : Seuil, 1992), p. 230. ويوجد الساردُ البرّاني في مستوًى حكائيّ أول أو ما يُصطلح عليه بـ "الخارج حكائي"Extradiegétique) ، يؤطِّر تحت مراقبته مستوياتٍ حكائيةً تضطلع بها الشخصياتُ عبر مكوِّنين أساسين يَحضران بقوة في الحيّ اللاتيني، وهما: محكيُّ الرسالة ومحكيُّ المذكّرة. خذ مثلاً:
                          "وغشيته موجةُ رهبةٍ وخشيةٍ، وغرق في جوٍّ من الصمت. ها أنا الآن وحدي وسط هذا البحر الذي اختفت شطآنه. فإلى أين أسير؟ وأين أضع قدمي بعد؟ كنتُ مطمئنّاً في جوّي ذلك الوادعٍ! أيُّ ساذجٍ أنتَ! أكنتَ تعي ما أنتَ حتى تشعر بالاطمئنان أو بالقلق؟ ولكن ما بالُكَ عالقًا بعدُ بذكرى الأمس؟ أما شعرتَ منذ هنيهةٍ أنّ ماضيكَ سقط عن كاهلكَ ليضيعَ في النسيان، كما سقط ذلك المنديلُ ليضيعَ في الأمواج؟!" (ص 7)
                          فهذا المقطع السردي، شأن العديد من المقاطع السردية في هذه الرواية، يعتمد على الشكل السردي البرّاني. وعبر المونولوج الداخلي تبرز ذاتُ البطل المدركةُ مَركزًا للتوجيه السردي، موظِّفةً لأجل ذلك تناوبَ الضميرين: المتكلِّم والمخاطَب. ويبقى ضميرُ الغائب منحصرُا في ذات التلفّظ الساردة، التي تتموقع في موقع الحياد، لتهيّء لنا ظروفَ ولوج أعماق نفسية البطل والإنصات إلى صوت دواخلها: إنه الصوتُ السلبي الذي يهاب المغامرة، ويتقصّد الاحتماءَ بالتقاليد التي تعفيه من أسئلة الذات الملحّة ومن تعب الرحلة المجهولة الهدف. لكن، إلى جانب هذه الذات السلبية، تنتصب من داخل صيغة المونولوج المنقول ذاتٌ إيجابيةٌ متحفّزة ("ولكن ما بالكََ عالقًا..." إلى "ليضيع في الأمواج"): إنها ذاتٌ تهدف إلى تكسير نغمة التناغم المصطنعة التي تريد الذاتُ السلبيةُ إضفاءها على خطابها الماضوي.
                          ما يثير الانتباهَ في تحليلنا لمحكيّ التمهيد حضورُ موضوعة الرحلة التي اتّخذت منها الحيُّ اللاتيني مركزَ انطلاقها في صياغة كونها التخييلي. ولئن اكتف الساردُ بإخبارنا بلحظة انطلاق الرحلة نحو باريس دون أن تأخذ وسيلةُ السفر (الباخرة) أيةَ دلالة فنية أو إيديولوجية كالتي سنصادفها في ما بعد مع رواية السفينة لجبرا، فإنّ هذا لا يقصي ملامحَ تشكل "رواية الرحلة" عن رواية سهيل إدريس، والتي تتجلّى في تداخل محكيين:
                          أ- محكيّ مغامرة الذات التي تبحث عن كينونتها منذ انطلاق الرحلة. فكلّ الروايات التي تتخذ من الرحلة أفقَ اشتغالها، تكون الرحلةُ بالنسبة إليها رمزًا للتخلّص من قبضة زمن مرفوض، ورغبةً في القبض على خيوطِ زمنٍ مأمول. وهذا ما نلمسه لدى بطل تحوّلات لميشيل بوتور الذي يقوم برحلة من باريس العتمة المرتبطة بشخصية سيسيل إلى روما التحرر من أعباء الماضي الثقيلة. في الحيّ اللاتيني نجد البطل يعيش الوضعية نفسها تقريبا: "للمرة الأولى منذ بدأ يعي شعر بقوة هذه الإرادة التي تعصف بوجوده في أن يولد من جديد. إنه يريد أن ينسى حداثتَه وأصحابَه وبضعَ فتياتٍ عبرن حياتَه بغموض، ليبدأ من أول الطريق إنسانًا جديدًا يستلهم الحياةَ شخصيةً جديدة" (ص 6).
                          ب – محكيّ استجلاء الماضي عبر استرجاع صورته القابعة في ركن معتم من ذاكرة الذات القلقة، بما يؤدّي إلى تمزّقٍ في دواخل هذه الذات: بين وعي منطلق في بحثٍ شغوفٍ عن أفق الممكن، ووعيٍ كابحٍ مشدودٍ إلى أثقال الماضي. وستَكشف لنا المساراتُ السرديةُ كيف اتخذ البطلُ من ذاته حلبةً للصراع مستعينًا بتقنية لعبة التضمير، الأمرُ الذي يلغي إدراجَ الحيّ اللاتيني ضمن سياق رواية "صراع الأنا والآخر" أو "صراع الشرق والغرب."
                          فالغرب في رواية إدريس ليس سوى مرآةٍ تعكس حقيقةََ الذات وتفضح أسرارَها، وهو جزء أساس من أدوات التعلّم وساحةٌ لبلورة مشروع الذات في رحلة التغيير.

                          والحال أنّ القلق والحيرة اللذين يشعر بهما البطلُ في حياته الجديدة ينعكسان على مستوى البنية السردية. فرغم أنّ المنظور المتحكّم في إنتاج السرد في الرواية واحد، فإنّ الاصطراع داخل نفسية البطل استدعى-تقنيّاً-منظورين متنابذين ينتج عن مواجهتهما صراعٌ بين القيم المضادّة، وإن جرى ذلك في إطار من التماسك المنطقي الذي يحدّد تمفصلات السرود. فالمحكيّات تصلنا عبر رصدٍ فوقيٍّ يسيِّر دفّتَي الحكي، ويدقِّق في التفاصيل، وينثر الأحكامَ بين ثناياها وفق خطةٍ سرديةٍ مرسومةِ المعالم سلفًا، وهو ما أدّى أحيانًا إلى الرتابة في تفاصيل بعض الأحداث التي بدت مقحمةً، كحدث عودة البطل إلى باريس وبحثه عن جانين بعد أن تخلّى عن مسؤوليته تجاهها ولقائها في أحد المقاهي الباريسية: فهذا الحدث لم يشكل أية إضافة جديدة على مستوى بناء الحدث المركزي إذ غابت عنه ملامحُ الصراع الحقيقي بين الشخصيتين؛ غير أنّ المهمة الإيجابية التي يجسّدها البطلُ في سيرورة المحكيّات فرضت عدمَ ظهور حقائقَ لا تخدم الفكرةَ المركزيةَ للرواية، ألا وهي الانتصار لرغبة الجيل الجديد في الاعتقاد بمقوِّماتٍ جديدةٍ أساسُها النزعةُ القوميةُ العربية. وهذا عمومًا هو حالُ "روايةُ الأطروحة" التي قد تضحّي في لحظةٍٍ ما بنسقية البناء الروائي وجماليته على مذبحها.
                          والملاحَظ أنّ صوت هذه الذات يكاد يَشغل حيّزًا متعاليًا يجعله أقربَ إلى صوت المؤلف. فهو يحاول أن يوجِّه منظور الذات المدركة السلبية نحو التطهّر من إرغامات الماضي. لكنّ صوتَ هذه الذات قد ينتصر مؤقّتا، خصوصًا عندما يتدخّل الماضي، ممثَّلاً في صوت الأم، رهانًا مضادّاً لرهانات التحوّل ولقيم التغيير التي تسعى الذاتُ المدركةُ الإيجابيةُ إلى تكريسها. ويَحضر صوتُ الأم ليربط البطلََ بماضيه من خلال الرسالة، باعتبارها أحدَ مكوّنات الإستراتيجية السردية في الحيّ اللاتيني (إلى جانب المذكّرة): "أعود فأحذِّركَ يا بنيَّ من نساء باريس، وقاكَ اللهُ شرَّ بنات الحرام." فبالرغم من أنّ صوت الأم لم يظهر إلاّ من خلال مقتطفات رسائل وجّهتها إلى البطل أثناء وجوده في باريس، أو من خلال حوارٍ قصيرٍ يدور بينهما عند عودة البطل المؤقتة إلى بيروت في العطلة الصيفية، فإنه قويُّ الحضور كلما كنّا أمام انعطافٍ جديدٍ في سلوكيات البطل ومعارفه. فبعد كلّ تجربة يمرّ بها البطل يبرز صوتُ الأم داعمًًا للصوت السلبي داخل ذات البطل المدركة، وحريصًا على تثبيت قيم الماضي: "أعود فأحذركَ يا بنيّ من نساء باريس، وقاك الله شرَّ بنات الحرام...فيذكر ليليان، ويذكر مارغريت، وإن كان في ودّه أن يستبعد مارغريت، ومع ذلك أليست منهنّ أولئك اللواتي تحذّره منهنّ أمُّه؟ ما القولُ في امرأةٍ تستسلم منذ اللقاء الأول؟ أتراها من هاتيك الفتيات الشريفات؟" (ص 77). وفي قمة حبّ البطل لجانين، يأتي صوتُ الأم يعاتبه على تأخّر وصول رسائله إليها، فتنزع الذاتُ السلبية إلى وحدتها المسكونة بالخوف من "الشرق" وتحذيراته، وتَشعر بالذنب، فتسرع إلى البحث عن سبل لتبرير الوضع: "وجلس يكتب إلى أمه، ينتابه شعورٌ كشعور المذنب يسعى إلى تبرير نفسه، وحدّثها عمّا خلّفه نبأُ العملية التي أُجريت لها من ضيقٍ وقلقٍ في نفسه، ثم روى أنه كان ينوي الإبراقَ لهم ولكنه آثر العدول توفيرًا للنفقات... وأدرك كذبتَه هذه التي أشعرته بهذا الوخز، كمثل الإبر في جبينه وجلدة رأسه، وتساءل في همٍّ زافرٍ: لِمَ يكذب ولا يصارح أمَّه، وهي خيرُ مَن يحبّه، بحقيقة الأمر؟ لِِمَ لا يحدّثها عن جانين، هذه التي تملأ الآن حياتَه بالسعادة؟ وابتسم في سخرية مريرة: أنّى لأمّه أن تُقرَّه على شيءٍ من هذا!" (ص 127). وهكذا نجد الحبَّ، فى وصفه عنصرًا أساسًا في تحوّل وعي الشخصية، يتطوّر وفق منظورٍ انشطاريٍّ يتحكّم فيه مبدأان: مبدأُُ الواجب الذي يمثّله وفاءُ البطل لأمّه ولقيم الشرق فيه، ومبدأُ الحرية الذي انفتح من خلاله البطلُ على حبّ جانين وعلى عوالمَ خاليةٍ من كوابح الذات.
                          لقد مكّننا البحثُ في تمفصلات المنظور السردي والتدقيقُ في تنويعاته الداخلية من التوصّل إلى أنّ علاقة البطل بالشرق علاقةُ كائناتٍ دمويةٍ يستمدّ منها تاريخَه ومعانيَ وجوده. ومن هنا كان لارتجاج منظور البطل وانقسامِه إلى ثنائيةٍ سلوكيةٍ دلالةٌ جوهريةٌ في البناء الفني والإيديولوجي للرواية، نستطيع من خلاله الكشفَ عن مصدر قلق البطل. فالقلق، كما عرّفه فرويد، هو العملةُ البديلةُ للاستثارات العاطفية إذا ما حُرم محتواها من التمثّل أو تعرّض للكبت. ومن ثمة، فإنّ قلق البطل يجد مسوِّغاتِه في المتطلّبات المتغلغلة في أعماقه، وأهمُّها مطلبُ التخلّص من شبح الأم التي ليست "أمّاً حقيقيةً للبطل وحسب، وإنما هي أيضًا الماضي بمختلف إيديولوجيته."جورج أزوط، سهيل إدريس في قصصه ومواقفه (بيروت: دار الآداب، ط 1 1989)، ص97.
                          الميتاحكائي باعتبار الدلالي والجمالي
                          يشتغل الميتاحكائي في الحيّ اللاتيني باعتباره أجناسًا متخلّلة تسهم في توليد المحكيّات، وفي إنتاج الوضعيات السردية من مستويات مختلفة. وقد حاولت أن تضفي تنويعًا على الإخبار السردي من خلال امتلاك صاحب الرسالة أو المذكّرة الكلامَ بعد تنازل السارد الأول عن ذلك، مع احتفاظ الأخير بوظيفتي المراقبة والإدارة. والملاحَظ أنّ المحكيّات الميتاحكائية الواردة في الرواية جاءت، في مجملها، مرتبطةً بمنظور البطل ولا تكاد تخرج عن مجال إدراكه. فرسائلُ الأم ومذكّراتُ جانين ما كانت لتأخذ قيمتَها في نسيج السرد لو لم تحمل بعضَ الإجابات على استفساراتٍ يطرحها البطلُ؛ فكأنّ السارد البرّاني لا يتيح الكلامَ للشخصيات من أجل التعبير عن مواقفها، وإنما لتجيبَ عن أسئلة البطل. ففي رسالة جانين إلى البطل بعد عودته إلى بيروت، نجد أنّ التي تحكي هي جانين. ولأنها تحكي عن أشياء تتّصل بها مباشرةً، فإنه يمكن اعتبارُ الرتبة السردية التي ترد فيها الموضوعاتُ المسرودة من قبيل الشكل السردي الذاتي-الحكائي، وذلك استنادًا إلى التفريع الثنائي الذي وظّفه جونيت في تحديده للشكل السردي الجوّاني. تكتب: "أحاول منذ يومين أن أخرج إلى دنيا الناس مع أني أعيش بينهم، فتذهب محاولتي عبثًا، إذ أسقط من جديد في دنيا حبّي. وكثيرًا ما أفتح بابَ غرفتي في المساء، وألبث ردحًا وأنا أنظر إلى باب غرفتك، فإخال كلَّ لحظة أنه سينبثق، فتبرز منه باسمًا..." (ص217). فالنوع السردي هنا هو النوع السردي الفعلي على اعتبار أنّ ذاتَ الإدراك لجانين تشتغل مركزًا للتوجيه؛ أما موضوعُ الإدراك فمزدوج: فهو تارةً نفسيةُ جانين المتأزّمة جرّاء افتقادها حبيبَها، وهو تارةً طيفُ هذا الحبيب وذكرياتُه وصورتُه المرسومة في مخيلتها- وهو ما يدلّل على امتداد حضور مركز التوجيه السردي للبطل وإن غاب عن فضاء باريس. وستبدو هذه الوضعية أكثرَ وضوحًا في المذكّرات، الأمرُ الذي يجعلنا نستنتج أنّ الجنس المتخلّل (الرسائل والمذكّرات) لم يُلقِِ الضوءَ على التجارب النفسية وعلى حقيقة جانين، بل اكتفى بتثبيت قيم النصّ ممثّلةً في التركيز على سيرورة حياة البطل للوصول إلى النضج الفكري. وتأسيسًا على هذا، نذهب إلى أنّ تنوّع المنظورات والأصوات داخل هذه الرواية، وعلى قلّته، يتمّ ضمن خدمة الموقع المفرد الذي تحتلّه الشخصيةُ المحورية. "تهمّكََ بعضُ أنبائي": هذا ما تقوله جانين في إحدى رسائلها إلى البطل في بيروت. فالشخصية-السارد هنا تكتفي بسرد الأنباء التي تهمّ البطل،" وبالتالي فإنّ صوتها لم يكن في العمق سوى النبرةِ الأخرى لصوت السارد الأول، والمنظورِ المكمِّلِ لمنظور البطل المحوري.

                          الخندق الغميق: رواية الذات في رحلة البحث عن مسوِّغات وجودها
                          هذه الرواية، كما العديد من روايات الخمسينيات وبدايات الستينيات، تتعقّب الذاتَ من خلال علائقها بالفضاءات الاجتماعية المفتوحة من جهة، وبالفضاءات النفسية المسكونة بهواجسها من جهةٍ ثانية، بهدف تأريخ مرحلة أساسية من مراحل تشكّل المجتمع العربي. وترتبط معرفتُنا بالأخبار السردية في الرواية بالشخصية المحورية سامي، التي تَشغل مركزَ التوجيه، وتكاد تمثِّل الذاتَ المدركة بامتياز في مجمل الموضوعات المسرودة. وعليه، فإنّ الخندق الغميق يندرج ضمن الشكل السردي البرّاني، حيث الساردُ لا يتشخّص داخل محكيّاته بل يكتفي بأداء وظيفته الأساس: السرد، ومراقبة تحوّلِ الأحداث وتحرك الشخصيات عبر أنساقٍ زمنيةٍ محدّدة. وإذا كان السردُ يتمّ هنا بضمير الغائب، فإنّ المنظور السردي يقترن بموقع البطل سامي، إذ يتعذّر علينا أن نخطو خطوةً واحدة داخل عالم الحكاية من دون أن يكون توجيهُنا المركزي هو منظور سامي.
                          منذ البداية يعلن السارد انه يعتنق المنظورَ السردي الفعلي للشخصية المركزية سامي من خلال هذا المقطع الافتتاحي: "وظلّ واقفًا خلف الباب المشقوق ينظر إليهم وقد بدأوا يأكلون، وإلى أيديهم ترتفع من الصحون إلى الأفواه" (ص7). فهنا نجد أنّ صورة اجتماع "الجماعة" على مائدة الأكل تشكّلت لدينا انطلاقًا من منظور سامي، أما العمق فخارجيّ محدود يعتمد على حاسة البصر ("ينظر إليهم"). واعتماد السارد البرّاني في توصيل خبره السردي الأول على سامي يعود إلى رغبته في احتلال موقعٍ محايدٍ في علاقته بالأشياء والأحداث، بحيث لا يتدخّل فيها بل يكتفي بعرضها كما التقطتها عينا البطل من خلال منظورها الضيق "خلف الباب المشقوق." وانطلاقًا من هذا المنظور ننفتح على مسارات السرد المشكِّلة لفضاء الرواية، ليأخذ "البابُ" صفةَ الرمز للمكوِّن الفكري داخل الرواية: فالمساحة التي يتحرّك داخلها الجيلُ الجديدُ غايةٌ في الضيق، والحجابُ بين قيم الماضي المتحجّرة وقيم الحاضر الباحثة عن ملاذٍ يحميها من عسف التقاليد بات أكثرَ شفافيةً إذ سمح بالاقتحام بل والتجاوز. وهذا ما سيعلن عنه سلوكُ البطل في جلسة الشهر التالي، حين يجد نفسَه مدفوعًا برغبة جامحة في الاندساس بين أفراد الجماعة: "ولم ينتظر في الشهر التالي أن يقوم الناسُ عن الطعام ليأكل هو وذووه ما خلّفوه، بل اندسّ بين رجلين أخذ يربّتان على كتفيه، وراح يأكل كالجميع غيرَ عابئٍ بأنظار أبيه" (ص 7). وهذه المتوالية السردية ستنقلنا مع سامي من وضعية المراقب من زاويةٍ ضيقةٍ ومحكومةٍ بأعراف التربية وسلوك الأسرة الشرقية (التي لم تكن تسمح للأبناء وللأم بالمشاركة في جلسات الضيوف) إلى وضعية أكثر اتساعًا تنتعش في أجواءِ جرأةٍ غيرِ معهودة من طفلٍ صغيرٍ. وهذه الوضعية تمثّل، على مستوى المسار السردي، لحظةَ انفتاحِ المنظور السردي على مواضيعِ إدراكٍ أكثر اتساعًا وتنويعًا. وهذا الانتقال يعطي مؤشّراتٍ أوليةً إلى موضوع الرواية، والذي يتلخّص في الصراع بين البطل (كصورة تختزل أحلامَ الجيل الجديد) والموروث (كصورة تمثّل الجيلَ القديم الذي تجسِّده هنا شخصيةُ الأب). وهذا الصراع لا يمكنه أن يتمّ إلا من خلال التفاعل مع الصورة المناقضة: فرغبةُ البطل في مشاركة الضيوف في السهرة الدينية تؤكّدها ضرورةُ معايشة أجواء الجماعة من داخلها وتجاوُز حاجز "الباب المشقوق."
                          ويمكن بناءً على ذلك اعتبارُ الخندق الغميق "روايةَ تمرُّّس،" فيها يوضع البطلُ على محكّ سيرورة تربوية "ونصحٍ مكتسبٍ ومحصَّلٍ عليه بواسطة معرفة ضارية." ويتميّز هذا النوعُ من الروايات بكون أبطالها يختزلون كلّيةَ العالم في رحلة البحث والاستكشاف، كما يؤكّد لوكاش: "إنّ البطل لا يُعزل عن البشر العاديين الذين يقاسمونه تطلّعاتِه، ولا يوضع في مركز الكتاب، إلاّ لأنّ كلّية العالم لا تتجلّى بوضوح إلاّ في بحثه واكتشافاته."جورج لوكاش، نظرية الرواية، ترجمة الحسين سحبان (منشورات دار التل، ط 1 ، 1988)، ص 189
                          غير أنّ هيمنة النوع السردي الفعلي الوحيد للشخصية البطل سامي لم تمنع من بروز نتوءاتٍ في سيرورة المحكيّات التي تتحكّم فيها بعضُ المنظورات المركّبة، والتي تكون فيها ذاتُ الإدراك مزدوجةً لموضوعِ إدراكٍ واحد. فتحرّكُ المنظور السردي الوحيد للشخصية البطل نحو التعالق مع منظور شخصيةٍ أخرى يقوم على إبرازِ ما بين الشخصيتين من توحّد في الرؤى إلى الأشياء. وهذا ما تتميّز به روايةُ التمرّس التي تجعل من رحلة التعلّم في حاجة إلى بطلٍ مساعدٍ ينير للبطل طريقَه نحو غايته الكبرى. فلم يكن منظورُ "فريد" ليتراكب مع منظور الشخصية البطل لو لم يكن فريد شخصيةً ألهمت البطلَ سبلَ الخروج من رحلة القلق. وهذا ما سيتكرّر مع عزيز الذي سيتعرّف عليه البطلُ في مرحلة حاسمة من سيرورة تعلمه وتمرّسه، وسيكون بمثابة عاملٍ مساعدٍ يفتح ذهنَه على عوالم المعرفة الجديدة: "وكانت أواصرُ الصداقة تتوطّد بينه وبين عزيز، وكان يجلس طويلاً يستمع إليه وهو يقرأ بعضَ الأقاصيص الفرنسية ليختار منها أفضلَها للترجمة، ويشجّعه على أن يترجم هو أيضًا بعض القصص..." (ص 55).

                          الميتاحكائي والموقف الإيديولوجي للكاتب المجرد
                          ينهض البناءُ السردي في الخندق الغميق على ثنائية الضمير: ضمير الغائب في القسم الأول وفي أربعة فصول من القسم الثاني، وضمير المتكلم في ثلثي محكيّات القسم الثاني. ولهذا التنويع الضمائري ما يبرِّره فنيّاً وإيديولوجيّاً: فهو يعطي الرواية ]نظريّا[ً فرصةَ التعدد على مستوى الصيغ الحكائية والتنوع على مستوى الأصوات والمنظورات. فإلى أيّ مدًى ساهمت تقنيةُ التنويع في الخندق الغميق في إفراز تعدديةٍ صوتيةٍ حقيقيةٍ ضمن السرود والمنظورات على مستوى إدراك الموضوعات المسرودة؟ ولنا، تحديدًا، أن نتساءل: هل حقّق صوتُ "هدى" تميّزَه داخل الكون الحكائي للرواية؟

                          إنّ الطبيعة التفسيرية والسببية التي اختصّت بها محكيّاتُ هدى جعل من صوتها قابعًا في أحضان سلطة السارد الأول، إذ لم يتح له هذا الأخيرُ إمكانيةَ الكشف عن مسارات حكائية خاصة به تجعل من السرد فضاءً أوسعَ لجدل الرؤى والأصوات. فلقد اكتفى صوتُ هدى بإعادة إنتاج ما سبق أن ألمح إليه الساردُ الأول، وقليلةٌ هي اللحظاتُ السرديةُ التي انفلت فيها صوتُ هدى من سلطة الحكاية الأولى لتكون بطلَ محكيّاتها الخاصة. ويمكن أن نمثّل على هذه اللحظات السردية بما افتتحت به هدى محكيّاتِها في الفصل الثاني: "حين خرجتُ من المدرسة بعد ظهر ذلك اليوم، كنتُ أوشك أن أعدو في الطريق عدوًا. ولكني حين بلغتُ منعطفَ الشارع الرئيسي في حيّنا تمهّلتُ في سيري خشيةَ أن ألفت إليَّ الأنظار وأثيرَ الهمسات. والواقع أني كنتُ أشعر بضيقٍ شديدٍ كلّما بلغتُ ذلك الشارع؛ فقد كان أقلّ ما يتوجّب عليَّ هو أن أُحكمَ الحجابَ على وجهي، وأن أزرِّرَ معطفي، وأن أترصّن في مشيتي. وما كان لي أن أنسى تعليماتِ أبي وتوصياتِه في ذلك." (ص 104). فمن خلال هذا النموذج تبدو لنا هدى شخصيةً مكبّلةً بأعراف التقاليد، وتنبثق أمامنا ثنائيةُ القيم المتصارعة والمتنابذة: قيم التسلّط والقهر التي تمثّلها وصايا الأب اليوميةُ إلى ابنته؛ وقيم الرغبة التي تتولّد داخل وعي البطلة، والتي تنير أمامها طريقَ التحرر من قبضة القيم الأولى. وعليه، فإننا أمام امتدادٍ لتيمة الصراع بين القيم المتنابذة التي أطّرت محكيّات السارد البرّاني وتوسيعٍ لها من خلال إقحام طرفٍ آخر من أطراف الصراع، وهو المرأة. فوضعية هدى المشار إليها في هذا المقطع السردي سبق وأن اخبرنا عنها الساردُ الأولُ في إحدى محكيّات القسم الأول من الرواية. وكلُّ ما أضفته هدى في محكيّها هذا مجردُ تصويرٍ للبعد النفسي الناتج عن هذه الوضعية.
                          وما يمكننا ملاحظتُه أيضًا بخصوص محكيّات هدى أنّ السارد الأول لم يتنازل كليّاً عن سلطة الحكي، بل ظلّ مراقبًا لسيرورة محكيّاتها، متدخِّلاً في تقطيعها النصّي، ومتحكِّمًا في زمام السرد: يسلمه متى شاء، ويستردّه أنّى شاء. فالتوزيع في المستويات السردية كان محكومًا بالفكرة الإيديولوجية والخلفية المرجعية، المتمثّلتين أساسًا في إشراك صوت المرأة الجديد في هموم التأسيس للمستقبل، وتحمّلِ المسؤولية في مواجهة قيم الابتذال وهشاشة الحياة التقليدية. بل إنّ صوت هدى لم يصل إلى حدود إقناع المؤلِّف المجرّد بكفاءته لأجل احتلال مساحةٍ أكبر في الحكي، فظلّ صوتًا تابعًا غيرَ خلاّق يردّد قيم سامي المطلقة، من دون أن يسعى إلى اختلاق لغته الخاصة به: إنه صوت تلك الفتاة التي تضحّي من أجل أخيها، فتتيح له فرصةَ السفر لاستكمال تعليمه وحصوله على درجة الدكتوراه ، في حين تظلّ هي راعيةً لشؤون زوجها وأمها المريضة. وهذا ما يعبِّر به البطلُ عند وداعه لأخته لحظة سفره: "إنّ أمامكِ أنتِ أيضًا يا هدى رحلةً تقومين بها مع رفيق في عالم عشكما الصغير." (ص 170).
                          ومما يؤكِّد تبعيةَ محكيّات هدى ومنظورها لمحكيات البطل ومنظوره النموذج التالي: "غير انه اتّخذ فجأةً مظهرَ الجِدّ وصارح أختَه بأنه يعرف حبَّها لرفيق، ويقدّر عاطفتَها حقَّ قدرها، وهو لا يقف دونها؛ ولكنه يريدها أن تنتهي نهايةً شريفةً يعتقد أنّها ستكون أمامها بعد أن تنهي دراستَها، وأنّ أمام صديقه أن يثبت مركزَه وأن يوفِّر بعض المال للمستقبل" (ص 136). فالخبر السردي هنا جاء خاضعًا لمنظور سامي: فعبر إدراكاته نكتشف موقفَه من علاقة أخته بصديقه رفيق، وموقفَه بالتالي من الحبّ، محطِّمًا التقاليدَ المتكلّسة التي تمنع المرأةَ من الإفصاح عن مشاعرها، بعد أن كان قد هيّأ لها سبلَ التحصيل العلمي الذي كانت الثقافةُ التقليديةُ تعتبره مجردَ مطمحٍٍ ثانويّ بالنسبة إلى المرأة. ثم يأتي منظورُ هدى في هذا السياق ليزكّي منظورَ سامي بقولها: "والواقع أنّ سامي شقّ أمام عاطفتي دروبًا للمستقبل لم أكن قد فكّرتُ فيها. فهو قد أفهمني من غير مداورة أنه لا يقف موقفَ المُعارِض من هذا الحبّ، ولكنه يريد له أن يسير في الدرب المشروع. وهو يرى تحقيقَ ذلك في أن أواصلَ دراستي حتى يتاحَ لي أن أحكم على مصير هذا الحبّ حكمًا عاقلاً ناضجًا، وحتى يتاحَ لرفيق أن يهيِّئ أسبابَ الحياة المشتركة." (ص 139). وهكذا نجد أنّ ما ورد على لسان هدى لم يكن سوى تلخيصٍ لما ورد في الخطاب غير المباشر لسامي، وهذا ما يجعلنا أمام منظور سردي متحول ومتعدد الإدراك polyscopique.
                          وقد تبادر إلى ذهننا، ونحن نحلّل الخندق الغميق، أسئلةٌ من نوع: لماذا لم يعمد سهيل إدريس إلى منح الأب–الشيخ ،الحريصِ على استمرار القيم التقليدية، سلطةََ الحكي، ولاسيما أنّ ذلك كان سيقدّم للرواية إمكانيةً حقيقيةً لتعدّد الأصوات والمنظورات، علمًا أنّ الرواية تقوم على مبدإ الصراع الذي يؤسِّس للتحول المنشود لدى البطل؟ وقد تبيّن لنا بعد تحليلنا لمجموع المقاطع السردية السابقة أنّ تغييب صوت الأب، أو صوت الأخ الأكبر فوزي، باعتبارهما امتدادًا لسلطة التقاليد والأعراف الاجتماعية، لم يكن نتيجةً لقصورٍ في الإدراك والوعي الفنيين عند سهيل إدريس، وإنما كان مظهرًا من مظاهر سيطرة الوعي الإيديولوجي على العمل الروائي، هذا الوعي الذي كان يحلم بانتصارات الجيل الجديد، ويسعى إلى التأسيس لثقافةٍ مغايرةٍ تشهد ولادتها من رحم المواجهة ضد حماة القيم المبتذلة والأفكار والأقانيم المجمدة. فقيمُ الأب ومواقفه المعارضة لقيم التحرر التي يؤمن بها الجيلُ الجديد لم تصلنا عبر محكيّاتٍ من إنجاز صوته الخاص، وإنما كانت تتخلّل بعضَ الحوارات أو المونولوجات أو التأملات السردية التي سيطر فيها منظورُ سامي وصوتُ السارد البرّاني تارةً، أو منظورُ هدى وصوتُها تارةً أخرى.
                          على سبيل الختام
                          قد لا تكتمل الرؤيةُ التحليليةُ والنقديةُ لروايتي الحيّ اللاتيني والخندق الغميق من دون تحقق شرطين أساسيين: أولُهما إدراج أصابعنا التي تحترق، التي تمثّل البنيةَ الثالثةَ في المشروع الروائي للكاتب الراحل سهيل إدريس، ضمن مقاربة شاملة للوقوف على خصائص البعد الدلالي والجمالي لثلاثية سهيل إدريس الرائدة. وثانيهما: القراءة المتكاملة لعناصر الخطاب الروائي من خلال مستويات السرد والزمن والصيغة والكرونوطوب والشخصيات، ومستويات تشخيص اللغة. ذلك لأنّ مثل هذه القراءة الشاملة والمتكاملة هي القادرة وحدها على الكشف عن روائية الروائي سهيل إدريس وخصائص الكتابة عنده، مفهومًا وأداةَ فعلٍ ورؤيةً إلى لعالم والذات.
                          والشرطان معًا لم يكونا غائبين عن بالنا، ونحن نروم قراءة المتن الروائي للكاتب المبدع سهيل إدريس. لكنّ ضيق مساحة القول حدّ من أفق تعاملنا مع هذا المتن، أملين في تحقق مساحة أكثر اتساعًا لتحليلنا لهذا المتن الإبداعي الذي يظلّ علامةً بارزةً في سيرورة الإبداع الروائي العربي.



                          عبدالحق لبيض.
























                          التعديل الأخير تم بواسطة عبدالرحيم محمد احمد; الساعة 15-06-2012, 10:39.
                          نطــالب بإلغــاء تقـاعــد البرلمانييــن والوزراء.

                          تعليق


                          • #14
                            رد: قــراءات في الســرد العـربي..

                            قوة الأدب والحياة في مواجهة القمع وآلة الموت

                            'حب وقمامة' ... وملاحظات حول كافكا في رواية إيفان كليما
                            'أمرتني المرأة الجالسة في المكتب أن أذهب إلى غرفة الخزائن. كان عليَّ الانتظار في تلك الغرفة، فعبرت الباحة متجهاً صوب بابٍ عليه لوحة تحمل كلمة واحدة: 'الخزائن'. كان المكتب رمادياً يبعث كآبة في النفس. ومثله الباحة التي لم أرَ فيها إلا كومة من النفايات. وقطع القرميد المكسّرة في الزاوية مع كثير من عربات القمامة ذات العجلتين وكثير من حاويات القمامة. ولا شيء من الخُضرة إطلاقاً. بدت لي غرفة الخزائن أكثر كآبة حتى من تلك الباحة نفسها. جلست على مقعد قرب نافذة مطلة على الباحة الكئيبة... كنت ممسكاً بحقيبة جلدية صغيرة فيها ثلاث كعكاتٍ حلوة صغيرة مع كتاب ودفتر ملاحظات اعتدت أن أسجّل فيه كل ما يخطر لي ويتصل بما أكتبه. أنا الآن على وشك إنهاء مقالة عن كافكا'.
                            بهذا المقطع الصغير يفتتح إيفان كليما روايته 'حب وقمامة' التي انتهى من كتابتها عام 1986 وقد صدرت ترجمتها العربية مؤخرا عن 'دار التنوير' في بيروت، بتوقيع الصديق الحارث النبهان مترجماً. وهي أول ترجمة عربية للكاتب التشيكي كليما، الذي لا يقل أهمية إبداعية في نظر الكثير من النقاد عن مواطنيه فاتسلاف هافيل الذي أصبح رئيسا لتشيكوسلوفاكيا ثم لجمهورية التشيك من عام 1989 إلى عام 2003، وميلان كونديرا الذي نال جائزة نوبل للآداب، كانوا من جيل واحد ساهمت الحرب العالمية الأولى بتشكيل ملامح وعيهم الأيديولوجي، وعاشوا التجربة المجهضة لـ'ربيع براغ' 1968 الذي اغتاله الاستبداد الشيوعي، لكنه ساهم بتشكيل ملامح عطائهم الإبداعي لاحقا، فكانوا أوفياء للكتابة قدر وفائهم للديمقراطية ونزوعهم باتجاه الحرية والبحث عن مساحة لتحقيق إنسانية الفرد في عالم تسوده السلطة الغبية، سلطة الأيديولوجيا والكلمات 'ولغة الحمقى' كما يُعبر كليما.
                            وبالعودة إلى المقطع الأول من الرواية، يُفاجئنا ذلك الوصف البارد للمكان وعربات القمامة، بعد أن فاجأتنا تلك المفردة في عنوان الرواية ذاته، غير أن ذلك الوصف البارد للمكان وعربات القمامة أبعد الدلالة الرمزية الكامنة في العنوان لصالح تفسيرات أكثر واقعية، أكدها لاحقا قرار الراوي أن يبدأ العمل في كنس القمامة من شوارع مدينته براغ، ليقودنا في الجملة الأخيرة من تلك الفقرة 'أنا الآن على وشك إنهاء مقالة عن كافكا'، إلى لبّ الإشكالية الوجودية لحياته وتجربته، ربما بالاستناد إلى حياة وتجربة كافكا.
                            وأعتقد أن هذه المفارقة تحمل شيئاً من الكافكاوية التي تعمدها الكاتب، رغم أن خياره لهذا العمل ولهذه الإشكالية لم يخل من شحنة رمزية عبر عنها في أكثر من مقطع داخل الرواية، فها هو يتحدث عن كناسين من نمط آخر: 'كان كناسو (لغة الحمقى) يصلون في مركباتهم المزينة بالأعلام، متظاهرين بأنهم يكملون ذلك التنظيف الكبير، يكنسون ذكريات الماضي كلها، كل ما كان عظيماً في الماضي! وعندما يتوقفون فرحين في مكان يبدو لهم أنه قد صار نظيفا تماماً، يأتون بواحد من فناني (لغة الحمقى)، بواحد منهم، فيقيم هنا نصباً للنسيان، تمثالاً مؤلفاً من جزمة طويلة ومعطف وبنطال وحقيبة، وفوقها كلها وجه خالد لا نشعر أن وراءه روحا أو حياة لكنهم يعلنونه، وفق العقيدة الرسمية، وجه فنان أو مفكر أو عالم أو شخصية وطنية'.
                            وفي موضع آخر يكتب كليما 'إن كتل الأفكار المرمية هي الأكثر خطورة بين القمامة كلها، القمامة التي تُغرقنا وتهددنا بأنفاس التحلل المنبعثة منها، إنها تندفع من حولنا وتنزلق هابطة منحدرات أرواحنا، والروح التي تلمسها تلك الأفكار تروح تذوي وسرعان ما لا يراها أحد حية من جديد'. وفي مكان آخر يوضح: 'إن شرح طريقة الإزالة الاقتصادية الفعالة للقمامة البشرية من هذا العالم على نحو عملي محكم وفق روح زمننا الثوري ووفق أفكاره وأهدافه وارد في المذكرات التي كتبها الضابط هوس، آمر معسكر أوشفيتز'
                            لكننا بعيدا عن التباسات مفردة القمامة، سنجد في الرواية دراسة معمقة لكافكا الذي يعيده الكاتب إلى أصله التشيكي وإشكاليتهما المشتركة كيهود مضطهدين من قبل أنظمة شمولية، 'كانت لغة كافكا التشيكية ممتازة، لعله فيها شيء لا يذكر من التيبس! لكنه كان يكتب بالألمانية مع أنه ليس ألمانياً، لقد كان يهودياً'. وأهمية هذه الجملة التقريرية لأنه 'لم يجد أي مؤرخ أدبي تشيكي على الإطلاق في نفسه ما يكفي من كرم أو شجاعة أو لطف ليصنفه ضمن الكتاب التشيك'.
                            والروائي إيفان كليما الذي أمضى سنة ونيفا من عمره الفتيّ في أحد المعسكرات النازية، قبل أن تضع الحرب الكونية الثانية أوزارها عام 1945. قرأ سراً خلال فترة أسره، ديكنز وهوميروس وجول فارن، ليكتشف فرانز كافكا لاحقا: 'كانت أول قصة قرأتها لفرانز كافكا، قصة تضم المقطوعات الشعرية الطويلة القليلة التي أنجزها، وكانت القصة تتحدث عن رحالة أراد ضابط في إحدى الجزر أن يريه آلة الإعدام الغريبة التي صنعها بمحبة وتفان. لكن الآلة تعطلت أثناء العرض وشعر الضابط بخزي كبير جراء هذا، فوضع نفسه على كرسي الإعدام. يصف الكاتب تفاصيل الآلة الفظيعة بلغة تقريرية باردة كأنه يستطيع بهذا أن يحجب الغموض والمفارقة غير المفهومة في الأحداث التي قام بتسجيلها...
                            ثم يربط بين التجربتين من خلال فهمه لوظيفة الأدب 'وعجبت كيف يستطيع الأدب لا أن يعيد إلى الحياة من ماتوا فحسب، بل أن يتنبأ بملامح أولئك الذين لم يولدوا بعد!'.
                            لذلك شكلت الكتابة بالنسبة لكافكا طريقة للعيش 'عندما كان كافكا يكتب، لم يكن يهرب من عذاباته فحسب بل كان يتمكن من العيش أيضاً،...كانت الكتابة صلاة بالنسبة له، هذه واحدة من العبارات القليلة التي كتبها عن معنى الأدب عنده، لقد نقل السؤال إلى حيز آخر: ما هي الصلاة؟ ما معناها بالنسبة له، ... الأرجح هو أنها كانت سبيلاً إلى اعتراف شخصي صادق بأي شيء في عقل المرء'.
                            ويتابع كليما قراءته في يوميات كافكا 'تأكد مرة أخرى أن أحدنا لا يمكن أن يحيا في عزلة مطبقة وأن الخيوط التي تربطنا بالآخرين قد تكون شبكة عنكبوت خانقة، لكنها أيضاً شبكة الحماية الوحيدة التي تمنعنا من السقوط في الهوّة السوداء' ويتابع حديثه عن كافكا في موضع آخر من الرواية فيقول:
                            'من المؤكد أن فرانز كافكا واحد من أهم الكتاب الذين عاشوا وعملوا في بوهيميا، كان يلعن براغ ويلعن موطنه لكنه لم يستطع حمل نفسه على الرحيل، لم يستطع اتخاذ قرار بانتزاع نفسه منهما...
                            لا بد أن ذلك الشعور بالوحدة والإقصاء الذي ينبعث من كتاباته النثرية مرة بعد مرة نابع من إبعاده عن موطنه، عن شروط حياته، الحقيقة أنه يشترك في هذا مع كثير من معاصريه، لكن براغ كثفت هذا الأمر إلى حد كبير، كان يتوق إلى الهرب منها، تماما كما يتوق إلى الهرب من وحدة عزوبيته المتقدمة في السن، لم يستطع ذلك! وما كان قادرا على تحرير نفسه إلا من خلال الكتابة.
                            لو كان قادرا على تحرير نفسه بأي طريقة أخرى لعاش زمناً أطول، على الأرجح، ولعاش في مكان آخر أيضاً، لكنه ما كان ليكتب شيئاً في تلك الحالة!'.
                            أعتقد أنه يمكننا أن نقرأ في هذه الرواية شيئاً مهما وعميقا بالمعنى النقدي حول تجربة كافكا، حياته وأدبه وموته، كما نقرأ شيئا آخر عن الثقافة والنخب المثقفة في ظل الأنظمة الشمولية، أشخاص ومجموعات مستلبة للنظام، وأخرى سحقتها الحقبة الشيوعية والتضليل الأيديولوجي، حيث المظالم التي يتعرض لها الناس تغدو بطولات وطنية، وفي بعض الأحيان أممية، وشيئا عن الحرب والموت لا يقل أهمية عن ذلك في تصوير عمليات القتل أو الإبادة الجماعية بأبشع صورها وأكثرها وحشية.
                            'عندما عرفت بعد الحرب أن جميع الأشخاص الذين كنت مولعا بهم، جميع من كنت أعرفهم،قد ماتوا، سمموا بالغاز ثم أحرقوا مثلما تحرق النفايات، استبد بي اليأس، كنت أسير معهم كل يوم تقريباً وأدخل معهم إلى أماكن مغلقة، كنا عراة كلنا، وفجأة يبدأ اختناقنا، كنت أحاول الصراخ لكنني أعجز عن ذلك، أسمع الحشرجة في حناجر الآخرين وأرى وجوههم تكشّر ثم تفقد أشكالها الأصلية، كنت أستيقظ مذعوراً، أخاف أن أعاود النوم...كان واضحا أنني لم أبق حياً إلا بسبب سهو ما، أو بسبب غلطة يمكن أن تصحح في أي لحظة'.
                            مع ذلك لا يمكن لتلك المقبوسات أن تغني عن قراءة الرواية، فهي عمل اختزالي يلغي الكثير من الحيوات التي نفخ الكاتب فيها من مداده حياة، ولكثير من التجارب التي تمتد من 'الخمير الحمر' في كمبوديا إلى طقوس التضحية عند البوذيين، حيوات وتجارب تعشقت نسيج الرواية وحياة الراوي التي انتظمت في فكرة الحرية وعبر عنها في كل ما كتب: 'دخلت الحياة حاملاً هذا العبء، ما كان عمري قد بلغ الثامنة عشرة عندما بدأت كتابة مسرحية عن ثورة في معسكر اعتقال للنساء، عن قرار يائس بالحياة الحرة أو الموت، بدا لي وقتها أن فكرة المعاناة الناجمة عن حياة معدومة الحرية أهم الأفكار إطلاقا...كنت أحس بأن وجودي كله متعلق بالحرية'.
                            في رواية 'حب وقمامة' نتمثل تلك الجرعة النقدية في الأدب والسياسة دون أن نفارق السرد الأدبي، ودون انقطاعات حادة في هذا المستوى، حيث الحب المستحيل والذي لا يبحث عن نهاية درامية، إن صح التعبير، حب يقارب السيرة الشخصية لراو تتنازعه علاقتان، الزوجة ليدا والأولاد والأسرة ومفهوم الإخلاص والثقة، 'عدت الى البيت متأخراً تلك الليلة ومضيت لأرقد في السرير إلى جانب زوجتي، لم يخامرها أي شك فقد انحشرت بي كعادتها، مازالت مفرطة الثقة مثل طفل صغير!' وتعتبر أن عجز زوجها عن الحسم في كثير من الأمور يعود إلى تجربة الاعتقال التي لم يستطع تجاوزها.
                            مقابل صديقته داريا التي لا تعرف الإشباع ومتطلبة باستمرار 'كل شيء حياة بالنسبة لها، وكل ثانية نمضيها معا يجب أن تمتلئ حباً... تطلب ألا أتركها، أن أبقى معها' وتستغرب كيف يكتب عن الحرية وهو لا يستطيع أن يتحرر من زوجته ليعيش الحب معها فقط، لكنه يعلق على ذلك مستنكراً: 'الحياة لا تعني ممارسة الحب وحده بالتأكيد'؟
                            هكذا تمضي الرواية إلى نهايتها دون أن يحسم الراوي قراره، فالحب بالنسبة له نقيض الوحدة التي يعاني منها، لكن الحب في النهاية، أو تلك العلاقة التي تستهلك الجسد تفقده حريته، وقد عبر عن هذه الإشكالية بشكل مباشر في قصة قصيرة له بعنوان 'البيت الأبيض' تتحدث عن علاقة بين فتاة عمياء تعزف على الكمان وبين شاب ثري، حيث نقرأ: 'غالباً، الوحدة فقط هي التي تدفع الناس نحو الحب، وفي الحقيقة هم دائماً يتردّدون بين الحرية والوحدة، لكن في جميع الحالات، هم يخسرون حريتهم، لكن من دون أن يتمكنوا من التخلص من وحدتهم'. وهو يحاول أن يقرأ علاقات كافكا النسائية الفاشلة على ضوء ذلك الفهم للحب باعتباره توقاً للحرية، فيقول: 'كان اللقاء البشري نفسه في نظره آتياً من ارتباط وثيق مع امرأة يحبها، في فرصة لتحقيق معنى حياته، فرصة لا ينفك يُضيعها، وأما الصراع الذي يخوضه مع نفسه فقد أنهكه واستنفده تماماً'.
                            لكننا بعد الانتهاء من قراءة هذا العمل سنجد أنفسنا في مقارنة حتمية بين تجربة الكاتب في مواجهة الاعتقال والقمع وفظائع الاستبداد الذي يلغي حرية الأفراد، وبين ما نعيشه في ظل الربيع العربي راهناً، شيء ينبئنا أن الزمن مستمر، لكن بفارق صفحة يشبه اختلاف التوقيت بين بلد وآخر، وأن تجارب أوربا الشرقية والكثير من دول العالم تتكرر الآن في العالم العربي، وهذا ما يدعونا للتمعن مليا في ما يجري بين ظهرانينا، يدعونا إلى الإخلاص المستمر لحرية الأفراد وديمقراطية الأنظمة مهما كان الثمن، وهو في كل الحالات ثمن فادح من القمع والتعذيب وصولا إلى القتل ومجازر الإبادة الجماعية.
                            *****
                            * 'حب وقمامة' رواية للكاتب التشيكي إيفان كليما، ترجمها إلى العربية الحارث النبهان، وصدرت مؤخراً عن دار التنوير - بيروت.
                            * كما صدر للكاتب إيفان كليما عدة أعمال أدبية أشهرها رواية 'القاضي يُحاكم'، إضافة لمجموعاته القصصية 'شهر العسل' و'نداء الغريب'، وصدر له عام 1990 كتاب نظري بعنوان 'محاورة في براغ'، وفيه يتحاور مع الكاتب الأمريكي فيليب روث حول العديد من القضايا المتعلقة بالأدب والسياسة والتاريخ والفلسفة.
                            أنور بدر

                            نطــالب بإلغــاء تقـاعــد البرلمانييــن والوزراء.

                            تعليق


                            • #15
                              رد: قــراءات في الســرد العـربي..

                              'غريبُ النهر'
                              رواية جديدة لجمال ناجي

                              عن الدار العربية للعلوم ناشرون صدرت في بيروت الرواية الجديدة لجمال ناجي بعنوان (غريب النهر ) .
                              تقع الرواية في 216 صفحة، وتدور أحداثها في كل من فلسطين والأردن، وتمتد إلى تركيا ولبنان وسوريا وعدد من بلدان آسيا وإفريقيا، وتتناول فانتازيا النفير الفلسطيني منذ الحرب العالمية الأولى وحتى نهايات القرن العشرين عبر سلسلة من الأحداث التي تقوم على استجواب التاريخ وخوض السباقات في مساحاته .
                              ويستخدم الروائي في عمله الجديد تقنية زمنية تحطم التراتب التقليدي للزمن لتستنبط منه زمنا جديدا ذا إيقاع تناقلي يفضي إلى مفارقات تبدو غريبة للوهلة، لكنها في الرواية تتحول إلى حقائق يصعب التشكيك في إمكانية حدوثها .
                              هي رواية 'فانتازيا' النفير الفلسطيني، لكن هذا النفير يظهر في الرواية برؤية جديدة تمزج بين مفارقات الشتات واستحقاقات البقاء، وبين غرائب التحولات الإنسانية وأبعادها النفسية والاجتماعية والسياسية، بما في ذلك نجاحات الشخوص وإخفاقاتها وقوتها وضعفها أمام المنعطفات الحادة .
                              أبطال الرواية هم أفراد من عائلة افتراضية واحدة يعود أصلها إلى قرية فلسطينية، يعايشون مراحل ضياع الوطن ومنعطفات السياسة وشتات العائلة الواحدة في أصقاع الأرض، وهي العائلة التي تتعدد جنسيات أفرادها وتتشعب ولاءاتهم، ويعايشون عصرهم ويحاكمونه بطرق متعددة، وفي أماكن تترك بصماتها على ألوانهم وأساليب تفكيرهم وسلوكهم.
                              مقتطف من الرواية :
                              ( قبل أن يبادر إلى توجيه أسئلته الاستقصائية المعروفة التي يفكر المضيف بها في مثل تلك المواقف، كالسؤال عمن يكون الضيف، وما الذي يريده، وهل هو مرسل من أحد أقاربه أو معارفه إليه، وغير ذلك من الأسئلة التي قد تخطر بباله، سبقه الستيني شوكت بسؤال غريب عن الوقت الذي يناسبه من أجل اصطحابه إلى مقام أمين الأمة، أبو عبيدة عامر بن الجراح، الذي يبعد عن البيارة مسافة ثلاثين دقيقة بالسيارة، من أجل زيارة قبر المرحومة عائشة، وقبر شهيد العائلة .
                              ولقد أثار ذلك الطلب في نفسه بعض التشاؤم، فقد تذكر بأن أشهر الموت في العائلة تنتهي في اليوم الأخير من شهر آذار، بعد ثلاثة وأربعين يوماً من لحظته تلك، ومن المحتمل أن تحل منيته قبل انتهاء تلك الأيام، وهو اعتقاد ترسخ على مر السنين والعقود بين أفراد عائلة أبو حلة، وتعزز بعد أن قضى كل أمواتهم الذين يذكرونهم خلال أشهر الموت، وهي كانون الثاني وشباط وآذار من كل عام من أعوام الموت، حتى إن أجدادهم كانوا يحتفلون في الأول من نيسان من كل عام بنجاتهم من تلك الأشهر الثلاثة، ويذبحون الذبائح ويوزعونها على الفقراء، ويحرقون البخور، ويسهرون في عليّات بيوتهم حتى الصباح، وقبل أن يناموا يلقون بجِرار الفخار الفارغة من علّياتهم كي تنكسر في باحات بيوتهم، معتقدين أن كسر الجرار يزيل آثار تلك الأشهر وتوجساتها .)

                              نطــالب بإلغــاء تقـاعــد البرلمانييــن والوزراء.

                              تعليق

                              يعمل...
                              X