المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قــراءات في الســرد العـربي..


عبدالرحيم محمد احمد
01-06-2012, 19:04
يسعدني أن أفتح هذا الدفتر ، من أجل متابعة الأعمال الأدبية السردية ، بالدرس والتحليل ، ملاحقين أسئلتها وخصوصياتها البنائية والتيماتية..محاولين اكتشاف مستويات أخرى من التقاطعات المفترضة بين النصوص ..
سأقدم قراءات شخصية لنصوص كلما توافرت الظروف ذلك ، كما سأعمل على تقديم قراءات نقاد معروفين في الساحة الأدبية العربية..وأدعو باقي الإخوة الدفاتريين لإغناء هذا الدفتر بما تيسر لهم من درس للنص السردي، سواء بقراءاتهم الشخصية ، أو بتقديم دراسات نقدية لكتاب معروفين..
نسأل الله التوفيق .

عبدالرحيم محمد احمد
01-06-2012, 19:16
منزل اليمام لمحمد عز الدين التازي.
كتابة المكان ومحاولة استرداده.
بقلم: ابراهيم أولحيان.

-1 تكتسي تجربة محمد عزالدين التازي أهمية كبيرة في السرد المغربي، نظرا للتراكم الذي أغنى به هذا الحقل الأدبي، وأيضا لتواصل إنتاجاته بشكل مستمر، وبدون انقطاع لأكثر من أربعة عقود، إضافة إلى مراهنته على الإضافة والنوعية، في سياق كتابة تتجاوز ذاتها، وتتجدد مع كل نص إبداعي، ضمن مشروع سردي يقاوم التكرار، وينشد الاختلاف.
كتابة عابرة للأجيال، تشتغل على التحديث في الأشكال، والتنويع في الموضوعات، والإنصات إلى الذات في تصدعاتها وجراحاتها وأوهامها، وإلى المجتمع في حركيته واهتزازاته وتقلبات أحواله، وفي تفاعل هذه الذات مع العالم، منخرطة في أسئلة الكتابة، مغامرة باقتحام أدغالها السرية المحفوفة بالمخاطر؛ وهو ما جعل كل نص سردي جديد لمحمد عزالدين التازي انكشاف آخر في تضاريس الذات والعالم والكتابة..
ورغم أن محمد عزالدين التازي قد كتب أكثر من عشرين رواية، منذ العام 1978 إلى الآن (2012)، أي من روايته 'أبراج المدينة' إلى 'وهج الليل'، فإنه لم يتخل عن 'طفلته الخالدة'؛ القصة القصيرة التي بدأ بها مساره الإبداعي، منذ أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، حيث أصدر أول مجموعة قصصية سنة 1975 بعنوان 'أوصال الشجر المقطوعة'، وبعد ذلك جاءت مجاميع قصصية أخرى: 'النداء بالأسماء'(1981)، 'منزل اليمام'(1995)، 'الشبابيك'(1996)، 'يتعرى القلب'(1998)، 'شيء من رائحته'(1999)، 'شمس سوداء'(2000)، 'باب العين'(2005(..
لقد جاء محمد عزالدين التازي إلى الإبداع من بوابة القصة القصيرة، وأسهم منذ بدايته في تحديث هذا الجنس الأدبي، حيث ابتدع لنفسه طريقه الخاص والمتميز. فإذا كانت أسماء مثل: محمد شكري، محمد زفزاف، ادريس الخوري، قد راهنت في كتابتها للقصة القصيرة على الاشتغال على الخصوصية المغربية، سواء في المضامين أو في الأشكال، وتخليصها من التأثير المشرقي الذي هيمن على مجموعة من الكتابات في هذا الجنس الأدبي، بتطويع نثريتها، وفتحها على الروح المغربية، فإن محمد عزالدين التازي إلى جانب أحمد المديني بمجموعته 'العنف في الدماغ' (1971)- قد قلب السائد في جنس القصة القصيرة، وراهن على التحديث، بتجاوز الأشكال السابقة، وفتح كوة أخرى في مسار التجديد، تخلخل المتعارف عليه آنذاك، وتؤسس لكتابة جديدة 'تبعث على القلق: بلغتها، وأسلوبها، ورموزها، وعالمها...'(1).
-2-
ترتكز الكتابة القصصية عند محمد عزالدين التازي على التقويض، الذي نفهم منه التدمير والبناء، والاشتغال على التخوم: هدم الجاهز والمتعارف عليه، وخلخلة ليقينيات الكتابة، بالانفتاح على المجهول، في بناء عوالم يسكنها التصدع والتمزق والضياع. وتعتبر اللغة أساس كل ذلك، لأن التازي يدفع بها إلى أقصى الحدود، لتوسيع أفقها، وجعلها قادرة على التعبير عن واقع متشابك، ومعقد، وعن الكائن وهو يمارس طقوس العيش من داخل هواجسه وأحلامه وأوهامه، وبذلك فالكتابة السردية (القصصية) بهذا المعنى 'لا تحيل إلا على واقعها ككتابة، أي تشكيلها لملامحه وبنائها لعوالمه ونسجها لتفاصيله وتوثرا ته وقدرتها على تدميره والسخرية منه حتى وهي توهم بواقعيته، لأن مهمتها هي البناء والتدمير، وفي ذلك تمارس التعبيرعن رؤيتها للواقع، وعن متخيلها الذي هو استحضار لأحداث وشخصيات من عالم الأحلام والاستيهامات' (التازي). كتابة يمتزج فيها الواقعي والمحتمل، الكائن والممكن، الأسطوري والخرافي، المقدس والمدنس، الرمزي والاستعاري، الأحلام والكوابيس، المعقول واللامعقول، النثري والشعري، الحكي الشعبي والحكي التاريخي والتراثي... كل ذلك يشتغل داخل عالم حكائي قصصي يريده محمد عزالدين التازي مغايرا، تتناسل فيه الحكايات، بتوظيف تقنيات سردية جديدة، تعتمد على ثقافة بصرية كبيرة؛ في استخدام تقنيات التقطيع السردي السينمائي، الذي يعتمد على التقاطعات الحكائية، التي ترتكز على الانتقالات السريعة اللامنطقية أحيانا، وهناك أيضا الاشتغال على عنصر الذاكرة بمنطقها، المرتبط بالصور المتداخلة، وبالاسترجاعات والتأملات، لذلك ' فتجربة التذكر (...) نستحضر فيها أحيانا (...) صورا بصرية أو سمعية أو لمسية، أو شمية' (2)، ومن هنا نجد هذا الاحتفاء الباذخ بالمكان عند عزالدين التازي، لكن المكان كذاكرة، يتم من خلاله استحضار كثير من التفاصيل، والإحساسات، والمشاعر، وبلورة رؤى للعالم متعددة ومتنوعة، وتشكيل لغة في تعدداتها وطبقاتها خاصة بالأمكنة، والاشتغال على الطرسية بما هي محو ونسيان وتذكر، لأن الكتابة بهذا المعنى الذي أشرنا إليه عند محمد عزالدين التازي 'محو والمحو هو الفضاء الحقيقي للكتابة التي تحتاج دوما إلى محو'(التازي).
لقد اشتغل محمد عزالدين التازي على المكان في مجموعته 'منزل اليمام' (3)، وجعل منه بؤرة نصه الإبداعي، بل شكل الشخصية الأساسية التي عبرها وبها يتدفق الحكي، وتتناسل الحكايات. ويمكن أن نستشف، من خلال قراءتنا لهذه المجموعة استراتيجية اشتغال المكان، ارتباطا بما يناسب هذا المقام:
1 ـ بعث المكان وإعادة كتابته: إن المكان الذي يستحضره عز الدين التازي، له وجود تاريخي، ومسار زمني، بمعنى توالت عليه الأزمنة والحضارات، وأقامت فيه الحياة، وعبره الموت، المكان باعتباره ذاكرة ممتلئة بالفراغات والبياضات، ذاكرة يسكنها النسيان كفعل إنساني، يترك آثارا يهتدي من خلالها المبدع إلى إعادة كتابة المكان بحثا عن 'بياضات تاريخه السري'، فالأمكنة، كما يقول محمد عزالدين التازي 'منذورة للخراب، أي أنها منذورة للحياة والموت، فلا يبقى منها غير التواريخ والذكريات، ولكن يبقى منها شيء مهم، وهو استعادة حياتها الخاصة في شريط الكتابة عنها، لا للتوثيق، ولكن لبعثها من الرماد'.
2 ـ إبداع المكان وإعادة خلقه: إن المكان الذي كتب عنه أو كتبه التازي، قد عايش تفاصيله، كتجربة في الحياة، حيث كانت إقامته فيه لمدة طويلة، وسكن أعماقه كإحساسات أبدية، دفعته إلى تعميق رؤيته، بخصوص تجربة قراءة تاريخه الرسمي، ومن خلال هاتين التجربتين (الحياة والقراءة)، يحاول التازي الإقامة في مكانه الخاص، بالكتابة عنه، وإعادة خلقه، وبذلك فإنه يبدع مكانا آخر، لا يوجد سوى في الكتابة، رغم أن خلفيته واقعية. هكذا يرى التازي بأن 'بين الكتابة كتخييل وبين فضاء الكتابة يسكن التاريخي والسياسي واليومي والأسطوري، وحيث تتملك الكتابة أبعاد الواقعي، والممكن، والمحتمل'، فالمكان الجغرافي لا يحضر إلا في تعالقه بالمكان الأسطوري، في ارتباط مع أزمنة للمعيش وأخرى للحلم، إلى جانب شخصيات تاريخية وأخرى ورقية.
3ـ المدينة مكان الأمكنة: لا يخفى على المطلع على الكتابات الإبداعية للتازي، شغفه بالكتابة عن المدينة، وجعلها فضاء لتفجير ممكنات الكتابة، وبذلك يستحضر فضاءات مغربية وأجنبية، شخصيات ذات أبعاد دينية مختلفة ومتعددة: إسلامية، يهودية، نصرانية، كل ذلك تستدعيه المدن التي يلجأ للكتابة عنها، نذكر منها: طنجة، أصيلة، مارتيل، فاس... لكن فاس تبقى مدينة المدن، وإن صح التعبير فإن استدعاء المدن الأخرى ما هو إلا صدى لفاس ومرآة لها، وتضعيف لتجلياتها.. لننصت للمبدع محمد عزالدين التازي وهو يتحدث عن فاس ومبررات استحضارها يقول: 'تحضر فاس في كثير من أعمالي (...) وكأنها سلطة لذاكرة جريحة، ذاكرة فردية وجماعية، فهي فضاء لمعيش متعدد ومتنوع(...) مدينة تتجاور فيها أنماط من العيش مع ما يطبعها من أثر لحوادث التاريخ، وللثقافة الشعبية، وللسحري والأسطوري...' لقد استدعينا هذا النص للوقوف على مدينة فاس كما يرى توظيفها محمد عزالدين التازي، فاس التي افتتن بها في مجموعته القصصية 'منزل اليمام'.
-3-
تتكون مجموعة 'منزل اليمام' من ست قصص، متقاربة في الطول، وهي كالتالي: 'منزل اليمام'، 'اتجاهات الحرف'، 'المتفرد'، 'الوقوف على الأطلال'، 'بقايا المدن'، 'الغبار'. نصوص كأنها نص واحد يتناسل ليحكي حكاية فاس، وإيقاع الكتابة السردية في هذه المجموعة يجعل القارئ يحس بالاسترسال، كأنها فصول مترابطة، يكمل بعضها الآخر، ومن هنا يمكن إعادة تجنيس هذا العمل، فقد وضع على غلافه 'قصص'، مما يعني أن كل نص له رؤيته ومواقفه وعالمه الخاص، في حين أن 'مجموعة قصصية' هي المناسبة، لأنها ستحيل على تشارك العوالم والرؤية، والسمات الفنية؛ بل حتى الإيقاع والإحساس الداخلي الذي ينقله السرد له نفس النغمة.. نصوص تتصادى فيما بينها ؛ لعبة مرايا، كل واحدة تظهر جانبا معينا من فاس، وتكشف زاوية ما، بل وفي تقابل هذه المرايا يتعدد المكان ويتضاعف ليحيل على فاس الأخرى، الموجودة هناك، في الزمن الغابر، ويحاول التازي في هذه النصوص السردية أن يستدعيها، عبر استعمال مجموعة من التقنيات:
الاسترجاع والتذكر: يعتمد السارد هنا على الذاكرة، مادام يسترجع مجموعة من تفاصيل المكان/فاس، عبر أسماء حقيقية للأزقة والشوارع والمحلات، وللمساجد والأولياء... وهذا بطبيعة الحال هو نوع من الإيهام بالواقع، لإعادة ترتيب الأشياء وتنظيمها، وإعطائها دلالات أخرى..
سرد أحلام اليقظة: وهذا يعطي للسارد حرية كبيرة للتنقل في الأماكن، دون عوائق منطقية، وتعطي للمكان، في الوقت نفسه، الدفء والحميمية، لأنه بهذه الطريقة، القارئ لا يرى المكان فقط، بل يسمع أصواته، ويشم روائحه، ويحس حياته وموته..
المنولوج الداخلي: يدخل القارئ منذ البداية إلى أعماق السارد الشخصية، ويجعله يطل على أفكاره اتجاه العالم، فـالمونولوج الداخلي يعبر بطريقة مباشرة وبلا وساطة عن أفكار الشخصية ومشاعرها وتأملاتها. ففي هذا النوع من المونولوج هناك دائما تواصل بين ذات وآخر، يقول السارد في نص ' اتجاهات الحرف': ' لن أقترب حتى لا يضطرني القول إلى افتضاض البكارة. يجب أن أظل بعيدا عن المكان الذي اسمه فاس (...) ها أنا أقترب مأخوذا إلى المكان، وبغير طواعية'(ص16)، ويحس القارئ بأنه هو ذاك الآخر الذي يحدثه السارد، فيتم نسج السرد، وهذا يمنح، بطبيعة الحال، استرسالا في الحديث، واقترابا من جوهر المكان وحميميته..
هذه العناصر الثلاثة التي يتم بها اشتغال السرد، وتحريك آلياته، غير منفصلة عن بعضها البعض، بل هي متداخلة ومتلاحمة، وبذلك يمكن وضعها في دائرة ما سمي بتيار الوعي في الكتابة باعتباره 'صيغة لعرض الوعي الإنساني بالتركيز على تيار الفكر، ومركزا على الطبيعة اللامنطقية(...) المرتبطة به' (4). فشساعة المكان وامتداداته الجغرافية والتاريخية، وأبعاده الإنسانية والرمزية، وقصدية توظيفه التخييلي الإبداعي، هي التي استدعت هذا النوع من الكتابة السردية، وهي طريقة محفوفة بكثير من الانزلاقات في القصة القصيرة على الخصوص. فإذا كان ' المكان (المكان الفني) من صفاته أنه متناه، فإنه يحاكي موضوعا لا متناهيا هو العالم الخارجي، الذي يتجاوز حدود العمل الفني' (لوتمان)(5). فضيق المكان الفني، وضيق جنس القصة القصيرة أيضا، هو الدافع إلى هذا النوع من الكتابة، التي تحاول أن تقبض على المكان وأشيائه في حركيتها اللامتناهية، وخرقها لقوانين جنس القصة القصيرة بوعي وإصرار، إضافة إلى ذلك التكامل، الذي أشرنا إليه سابقا، بين قصص مجموعة 'منزل اليمام'، فهي علاقة بين نصوص حكائية تقارب المكان/ فاس من جوانب متعددة، لم يكن بإمكان نص واحد أن يقوم بذلك.
إن السارد(بصيغته المتعددة) في 'منزل اليمام' يكابد للقبض على فاس، المنفلتة في أزمنة تاريخية غابرة، فهو لا يرى فاس الحاضر، بل متشبت بذاكرة المكان وبعبق التاريخ، يريد استرداد مكان طاله المسخ، والزيف، واشتعلت نيران المحو والنسيان في أرجائه..
وبطبيعة الحال، فالمكان يتأسس عمقه، وبعده الرمزي والإنساني في علاقته بالإنسان، وبأحواله، لذلك ففاس'منزل اليمام' ارتبطت بمجموعة من الشخصيات التي تتفاعل مع الأمكنة، وتمنحه معنى، نذكر منها: علاقة السارد التهامي بـ لالة البتول، وبنساء المنزل الذي يحيل على تقاليد وعادات عريقة، أو علاقة السارد بالحرف الممتد في ذاكرة المدينة، والمتجسد في جدرانها وسقوفها سواء في المنازل أو في الجوامع، وعبر ذلك تتدفق حكاية فاس الأخرى، أو أيضا 'سيد العابد'، الفقيه إمام جامع القرويين، ومن هنا استحضار فاس وهي تمارس طقوسها الدينية، وذلك للتركيز على البعد الروحي لفاس المفقودة...إلخ.
إن محمد عزالدين التازي يعيد خلق مدينة فاس بإعادة كتابتها، لكنه يفعل ذلك بـ 'استعادة حياتها الخاصة في شريط الكتابة عنها لا للتوثيق، ولكن لبعثها من الرماد' (التازي)، لذلك فشعرية المكان في 'منزل اليمام' تتأسس على ما يمكن تسميته بحداد المكان: الكتابة على المفقود، ومحاولة استرجاعه بالتذكر، وإعادة بنائه بالحلم والوهم.. وطقوس الحداد وما يحيل عليه، تشتغل في المكان، وترجح كفة الموت على الحياة، وإن كانت النصوص القصصية تقارب موت المكان من حميمية الحياة.. وبذلك فأول جملة، أي الجملة الاستهلالية التي تفصل الخارج عن الداخل، العالم الواقعي عن العالم النصي، جاءت كما يلي: ' كآبتي أنا أم كآبة هذا المنزل؟'، وبعدها بأسطر قليلة نقرأ ما يلي: 'الرائحة الوحيدة هي رائحة الموت التي تخرج من أبواب الغرف العلوية وتهبط الأدراج...'(ص6) كلمات تنذر بعالم حدادي، وتصف المكان وأشياءه، وهي تعلن هذا الحداد المكاني الذي يرتكز على تذكر فاس واسترجاع زمنها القديم، والاحتفاء به، بل والإعلاء من شأنه، وبذلك فالكتابة هنا هي 'اغتسال بالحداد ألاسترجاعي...'(6) حيث البكاء على الماضي والتأسف عليه، أمام ما تعيشه فاس اليوم (زمن النص) من تحولات وتغيرات، يبدو معها السارد غير راض عما آلت إليه، لذلك فهو يبكي فاس فيما يسترجع لحظاتها الجميلة، وتفاصيل حياتها كمكان له أثره في الزمن.. نقرأ في الصفحة 16 'هل يحمل موته أم موتي؟ أم أن موت زمن فاس القديم هو الذي يعود الآن ليمارس موته'، فالموت يمارس سلطته بشكل قوي في 'منزل اليمام' وذلك لأن السارد ومنذ البداية يعلن أثناء اقترابه من فاس كمكان، انفلاتها، واختفاءها، مما يضع هذا الاقتراب من المكان/ فاس، على مستوى الكتابة، في إطار ما يسمى بـ 'حداد الفقدان'(7)؛ فقدان فاس والبكاء عليها، ومحاولة القبض على آثارها في الحاضر، لكن دون جدوى، يقول السارد 'حين يمسح الضوء سطوح البنايات تبدو المدينة وكأنها خرجت من الحرب ودخلت منطقة النسيان(...) أية حرب يمكن أن ترد وجه فاس على هذه الصورة؟ وهل هذه هي فاس؟'(ص59) سؤال جوهري، يحرك مياه السرد، ويجعل عجلة الحكي تدور على إيقاع حداد يتأسس على: 1- اسرجاع فاس في زمنها الباذخ 2- الإعلان عن موت فاس وفقدانها 3- اشتغال الحداد، ولا يمكن الفصل بين هذه العناصر الثلاثة، لأنها متشابكة ومتداخلة في عملية الحكي في إطار كتابة سردية أشرنا إلى خصوصيتها في البداية.. ومن هذا المنطلق فالسارد قد عانى وجع المكان، وقربنا كقراء من تلك الخيبة التي عاشها وهو يعاين فاس من داخل أحاسيس فاجعة الفقدان، لينتهي في آخر جملة في المجموعة القصصية إلى ما يلي: ' لكني حين رأيت وتأكدت تيقنت من أنها المدينة الوحيدة التي يمكن أن تنام وتستيقظ على هذه الصورة، وتكون حربها على هذه الشاكلة. مدينة لحلم، مدينة لوهم، مدينة لكابوس، وكأنها فاس، المدينة الموبوءة/ المدينة المولودة/ المدينة الموؤودة/ المدينة الموعودة ' (ص60)..
-4-
'منزل اليمام' نص واحد بغرف متعددة، تفضي الواحدة إلى الآخرى، في شكل تركيبي، يشبه لعبة الدمى الروسية، بنفس سردي، تتلاحق فيه الحكايات والمشاهد والصور، لتقول فاس في جغرافيتها المتعددة، وفي تاريخها العريق الممتد في تضاريس الزمن.. لكن بإحساس من فقد شيئا ويعتقد أنه لن يسترده، فتبقى ظلال فاجعة الغياب أثرا، تجلى في كتابة سردية تحتفي بالمحو والنسيان..

عبدالرحيم محمد احمد
04-06-2012, 01:10
أشهر من شهريــار
رواية لهاشم شفيق



صدرت حديثاً للشاعر العراقي هاشم شفيق روايته الثانية تحت عنوان: 'أشهر من شهريار' عن دار 'ثقافة' للنشر والتوزيع في بيروت.
استعرضت الرواية حكايات العراقيين واشكال الحياة التي يحيونها، وما حصل لهم في ظل حكم الأنظمة التي تعاقبت على حكمهم، معرجة على الخراب الحالي الذي اكتسح العراق: انساناً وارضاً وحضارة، خراب امتد الى كل الأشياء ليصل الى جوهر الأشياء وكينونتها.
يحاول الكاتب في اثني عشر فصلاً ان يسدّ فجوة الزمن الفاصل بين الماضي والحاضر، بين السيرة الذاتية والمتخيل، في حكايات متشعبة ومتشابكة بين الأقرباء والأصدقاء والمعارف.
يلمس المؤلف أن الماضي مهدد بالزوال وفي طريقه للاندثار وانه لم يعد سوى مساحة تشغلها الأحلام ومراجعة للحسابات ووقفة مع الذات لاكتشاف الهنات التي رافقت حياتنا، باعتبار ان الرواية العراقية حاضراً هي الوليد الشرعي لحديث العراقيين، بانتظار ان تحمل الأجوبة عن اسئلة طالما شغلتهم وراودت مخيلتهم.
لكن لماذا الرواية الآن بعد سلسلة طويلة من مجموعات شعرية؟ يعلل شفيق: 'انها خطوة للهروب من الشعر. كتبت الكثير من الشعر ولدي خزين هائل منه، احسست بحاجة الى كتابة اشياء عبر الرواية التي وجدتها اداة مناسبة للسرد لقول المحكي، ومكاناً جميلاً لقول المرئيات المخفية والمسكوت عنها في الحياة بشكل عام. الرواية تمنحك مساحة واسعة وتجعلك تتحرك بحرية. وقد كتبتها بإيقاع متواتر وحرقة، وكأن الافكار كانت تهطل عليّ، وهناك مشروع رواية جديدة مقبلة'.
'أشهر من شهريار' نص انساني يلامس مناخه الاجتماعي، ومعايناً بالقدر ذاته الحكايات التي صاغت حياة العراقيين، جامعاً المتخيل بالحسي والواقعي بالروحي، والحلم بالانكسار، عبر لغة شاعرية استمدت الكثير من المحكية العراقية لتضيف متانة مبسطة للنص.
الرواية هي التجربة الثانية للشاعر هاشم شفيق بعد رواية 'بيت تحت السحاب' الصادرة عام 1992 عن دار ميريم في بيروت.
من اجواء الرواية: 'كانت ظلال اليوكالبتوس قد غمرت جبهتي حين فرغت من قراءة سورة الفاتحة، هكذا طفقت أتمتم آيات، كنت حفظتها منذ صغري، على قبور هولاء الموتى النازلين تحت طبقات عميقة من الظلام، الثاوين في مدرجات من التراب الضارب في الأسافل، قرأت العديد من الآيات، فأحسست بشطر من الدين يستيقظ فيّ ويترك بعضاً من الحروف تتمشى فوق شفتي، التقطت حجراً من الأرض وعمقت الخط الافتراضي للقبر، حددت حجم المثوى وكتبت اسم الوالدة واسم والدها وتاريخ ولادتها وموتها وسلمته للقائم على شؤون المقبرة من اجل خط الشاهد، مع مبلغ اضافي لزرع شتلات من الآس وسقيه لمدة شهر حتى تينع وتكبر الشتلات وتضفي على المثوى شذى نفحة من الأريج ونوعاً من الاخضرار وسط تلك الوحشة البارزة في مجاهل المقبرة'.

عبدالرحيم محمد احمد
05-06-2012, 22:04
"تحت سماء كوبنهاغن"
ل: حوراء النداوي

وجع الكتابة والغربة





(http://www.aljazeera.net/news/pages/74b71ad2-e6fe-45d6-92e8-6e8866a14736#2)
كيف يمكن للاغتراب أن يخلق كل ذلك الاختلاف بين أبناء الوطن الواحد، وهل يستطيع المهاجرون أن يتكئوا على الإرث "الوطني" المشترك لإرجاع تلك "اللحمة" التي تجمع فيما بينهم أكثر مما تفرّق؟ وهل يمكن لصوتين روائيين مختلفين في النص (ذكري وأنثوي) أن يتمكنا من إيصال هواجس المغتربين من جيلين مختلفين؟
هذه بعض الهواجس التي تناولتها الكاتبة العراقية المغتربة حوراء النداوي في روايتها "تحت سماء كوبنهاغن" الصادرة عن منشورات دار الساقي اللبنانية، والمرشحة كرواية نسائية وحيدة ضمن قائمة البوكر الطويلة للرواية العربية لعام 2012 والتي يعلن عن الفائز بها مطلع الشهر المقبل.
وحتى وإن بدت بطلة الرواية "هدى" تحمل الكثير من الشبه بالروائية إلاّ أن الكاتبة تنفي عن الرواية طابع السيرة الذاتية، وتعتبر أن حكاية هدى هي حكاية الاغتراب والمراهقة المتقلبة والمشحونة برصيد هائل من المساءلة والحيرة والتغيرات التي يفرضها حال الوطن البديل.
"
حكاية هدى -بطلة الرواية- هي حكاية الاغتراب والمراهقة المتقلبة والمشحونة برصيد هائل من المساءلة والحيرة والتغيرات التي يفرضها حال الوطن البديل
"
صوتان وحكاية
يلتقي القرّاء "تحت سماء كوبنهاغن" بصوتين متناغمين رغم اختلافاتهما. "هدى" المراهقة التي أحبت شخصا يكبرها وظلت تلاحقه بطرق مكشوفة ومستترة، هي الفتاة التي ولدت بالدانمارك لأبوين عراقيين، وصوت "رافد" الرجل الذي اضطرته الظروف الصعبة إلى ترك العراق واللجوء إلى هدوء ودلال البلاد الإسكندنافية.
وتبدأ الحكاية مع الرواية التي قدمتها هدى لرافد لكي يترجمها، يستغرب هو ذلك كونه ليس كاتبا ولا مترجما محترفا، وسرعان ما يجد نفسه مغموسا في الرواية وفي تفاصيل شخصيتها البطلة وحتى كاتبتها.
[/URL]http://www.aljazeera.net/NEWS/KEngine/imgs/top-page.gif (http://www.aljazeera.net/NEWS/KEngine/imgs/top-page.gif)
لبطلة الرواية هدى وجع آخر يسكن العائلة. هو شقيقها عماد الذي تركه والداها فترة هروبهما من العراق خوفا عليه من سوء يمسه، يبقى هناك ولا يلتحق بهم مغتربا إلا شابا. ويأتي بكل زخمه العراقي المختلف في الذهنية والتصرف والمزاج، ينبت هكذا فجأة بينهم محدثا تغييرا نفسيا هائلا بداخل أخته الصغرى.
‎"راحة البال هذه لم تكتب لنا نحن كعراقيين، ولأن أمي امرأة عراقية أصيلة فإن راحة البال هذه لم تكتب لها قط، فولدت ذكرا جديدا، ثم آخر. وما إن اشتد عود أحدهما حتى قتل..". هكذا يحكي رافد هامش حياته الذي يلتقي فيه بحكايا آخرين. هو الفقد العراقي الذي سكن جذور العائلات والعشائر والوطن.[U] "
ترتفع غصة الاغتراب اللاإرادي الذي كان من نصيب الكثيرين في الرواية، وأبدعت الكاتبة العراقية حوراء النداوي في تصوير حافاته الخاصة
"الحبكة المشتركة
"لأنني عراقي مغترب، فلست بحاجة إلى سرد قصة ما. بين هجر الوطن وطريق الغربة العاثر ثمة ما يصل العراقيين بعضهم ببعض، فكل تجاربهم وقصصهم وأحلامهم تتشابه، ما إن يوضعوا على هذا الطريق. ولعل البعض يقع إعياء، فيما البعض الآخر يتابع بمثابرة نادرة، وغيرهم يحلم بالعودة ولا يعود، فيراوح مكانه..".
حتى وإن كانت الرواية بصوتين، إلا أنّ صوت هدى كان أكثر رسوخا وحضورا من صوت رافد. كانت الأجزاء المترجمة لرواياتها تتدافع جزءا خلف الآخر كاشفة عن انطباعات وأفكار كثيرة. فيما ظلّ مونولوغ الصوت الآخر لرافد مختصرا وإن كان مكثفا، وقد نجحت الروائية في اللعب على الهويتين المختلفتين: مراهقة ورجل.
واستخدمت الروائية العراقية حوراء النداوي في ذلك لغة شاعرية محببة، وكشفت عن تمكنها من أسرار اللغة بكل تموجاتها، وهو ما يبدو أمرا محفزا بالنسبة لشخص تعلم اللغة الفصحى في المنزل فقط.
"لعل الغربة تعطيكَ كثيرا حين تكون فردا، وتأخذ منك أكثر حين تصبح جماعة". هو نموذج من تفكيكات لواقع اغتراب تعيه جيدا الكاتبة والشخصية المحورية في النص.
هناك في الرواية أيضا إشارات لأهمية الدين والوازع الأخلاقي والرصيد الشعبي المشترك كجزئيات يمكنها أن تدعم المهاجرين المختلفين الذين تركوا الوطن، كحال إجباري في أغلب الأحايين. وهنا ترتفع غصة الاغتراب اللإرادي الذي كان من نصيب الكثيرين، وأبدعت الكاتبة العراقية في تصوير حافاته الخاصة.

بنت الرقراق
06-06-2012, 01:03
"تحت سماء كوبنهاغن"
ل: حوراء النداوي

وجع الكتابة والغربة





(http://www.aljazeera.net/news/pages/74b71ad2-e6fe-45d6-92e8-6e8866a14736#2)
كيف يمكن للاغتراب أن يخلق كل ذلك الاختلاف بين أبناء الوطن الواحد، وهل يستطيع المهاجرون أن يتكئوا على الإرث "الوطني" المشترك لإرجاع تلك "اللحمة" التي تجمع فيما بينهم أكثر مما تفرّق؟ وهل يمكن لصوتين روائيين مختلفين في النص (ذكري وأنثوي) أن يتمكنا من إيصال هواجس المغتربين من جيلين مختلفين؟
هذه بعض الهواجس التي تناولتها الكاتبة العراقية المغتربة حوراء النداوي في روايتها "تحت سماء كوبنهاغن" الصادرة عن منشورات دار الساقي اللبنانية، والمرشحة كرواية نسائية وحيدة ضمن قائمة البوكر الطويلة للرواية العربية لعام 2012 والتي يعلن عن الفائز بها مطلع الشهر المقبل.
وحتى وإن بدت بطلة الرواية "هدى" تحمل الكثير من الشبه بالروائية إلاّ أن الكاتبة تنفي عن الرواية طابع السيرة الذاتية، وتعتبر أن حكاية هدى هي حكاية الاغتراب والمراهقة المتقلبة والمشحونة برصيد هائل من المساءلة والحيرة والتغيرات التي يفرضها حال الوطن البديل.
"
حكاية هدى -بطلة الرواية- هي حكاية الاغتراب والمراهقة المتقلبة والمشحونة برصيد هائل من المساءلة والحيرة والتغيرات التي يفرضها حال الوطن البديل
"
صوتان وحكاية
يلتقي القرّاء "تحت سماء كوبنهاغن" بصوتين متناغمين رغم اختلافاتهما. "هدى" المراهقة التي أحبت شخصا يكبرها وظلت تلاحقه بطرق مكشوفة ومستترة، هي الفتاة التي ولدت بالدانمارك لأبوين عراقيين، وصوت "رافد" الرجل الذي اضطرته الظروف الصعبة إلى ترك العراق واللجوء إلى هدوء ودلال البلاد الإسكندنافية.
وتبدأ الحكاية مع الرواية التي قدمتها هدى لرافد لكي يترجمها، يستغرب هو ذلك كونه ليس كاتبا ولا مترجما محترفا، وسرعان ما يجد نفسه مغموسا في الرواية وفي تفاصيل شخصيتها البطلة وحتى كاتبتها.
[/url]http://www.aljazeera.net/news/kengine/imgs/top-page.gif (http://www.aljazeera.net/news/kengine/imgs/top-page.gif)
لبطلة الرواية هدى وجع آخر يسكن العائلة. هو شقيقها عماد الذي تركه والداها فترة هروبهما من العراق خوفا عليه من سوء يمسه، يبقى هناك ولا يلتحق بهم مغتربا إلا شابا. ويأتي بكل زخمه العراقي المختلف في الذهنية والتصرف والمزاج، ينبت هكذا فجأة بينهم محدثا تغييرا نفسيا هائلا بداخل أخته الصغرى.
‎"راحة البال هذه لم تكتب لنا نحن كعراقيين، ولأن أمي امرأة عراقية أصيلة فإن راحة البال هذه لم تكتب لها قط، فولدت ذكرا جديدا، ثم آخر. وما إن اشتد عود أحدهما حتى قتل..". هكذا يحكي رافد هامش حياته الذي يلتقي فيه بحكايا آخرين. هو الفقد العراقي الذي سكن جذور العائلات والعشائر والوطن.[u] "
ترتفع غصة الاغتراب اللاإرادي الذي كان من نصيب الكثيرين في الرواية، وأبدعت الكاتبة العراقية حوراء النداوي في تصوير حافاته الخاصة
"الحبكة المشتركة
"لأنني عراقي مغترب، فلست بحاجة إلى سرد قصة ما. بين هجر الوطن وطريق الغربة العاثر ثمة ما يصل العراقيين بعضهم ببعض، فكل تجاربهم وقصصهم وأحلامهم تتشابه، ما إن يوضعوا على هذا الطريق. ولعل البعض يقع إعياء، فيما البعض الآخر يتابع بمثابرة نادرة، وغيرهم يحلم بالعودة ولا يعود، فيراوح مكانه..".
حتى وإن كانت الرواية بصوتين، إلا أنّ صوت هدى كان أكثر رسوخا وحضورا من صوت رافد. كانت الأجزاء المترجمة لرواياتها تتدافع جزءا خلف الآخر كاشفة عن انطباعات وأفكار كثيرة. فيما ظلّ مونولوغ الصوت الآخر لرافد مختصرا وإن كان مكثفا، وقد نجحت الروائية في اللعب على الهويتين المختلفتين: مراهقة ورجل.
واستخدمت الروائية العراقية حوراء النداوي في ذلك لغة شاعرية محببة، وكشفت عن تمكنها من أسرار اللغة بكل تموجاتها، وهو ما يبدو أمرا محفزا بالنسبة لشخص تعلم اللغة الفصحى في المنزل فقط.
"لعل الغربة تعطيكَ كثيرا حين تكون فردا، وتأخذ منك أكثر حين تصبح جماعة". هو نموذج من تفكيكات لواقع اغتراب تعيه جيدا الكاتبة والشخصية المحورية في النص.
هناك في الرواية أيضا إشارات لأهمية الدين والوازع الأخلاقي والرصيد الشعبي المشترك كجزئيات يمكنها أن تدعم المهاجرين المختلفين الذين تركوا الوطن، كحال إجباري في أغلب الأحايين. وهنا ترتفع غصة الاغتراب اللإرادي الذي كان من نصيب الكثيرين، وأبدعت الكاتبة العراقية في تصوير حافاته الخاصة.



استمتعت بقراءة الموضوع القيم ....فألف شكر لك أخي عبد الرحيم

عبدالرحيم محمد احمد
07-06-2012, 21:51
رواية
ابن الحـــرام
كفى الزغبي

صـــراع الثنـــائيـــات


تحمل الرواية في كل سطر من ثناياها صراعا يفهمه كل حسب تركيبته النفسية، صراع داخلي وخارجي صراع بين الانا وبين الآخر، صراع بين الفرد والجماعة، صراع بين الدين واللادين، صراع بين الوطنية والخيانة، بين المبدئية والانتهازية بين الحق وبين الباطل بين الله وبين الشيطان، وفي كل سطر حكاية، وفي كل حكاية اغتراب تكاد تصل بالقارئ الى حافة الانفصام الشخصي، الكل يتجاذب الكل والكل ضد الكل، من خلال استنزاف كل طاقات الروح والعقل، لتتجلى فيها صورة الجهل والتمرد والنفاق والخيانة والجنس والطهر والعفة والانانية والايثار والتسلط والخرافات والواقع والخيال، بانسجام يبهر القارئ ويجعله لا يستطيع ان يترك اي صفحة من صفحات تلك الرواية.
في رواية 'ابن الحرام' من الصعب الخوض في التفاصيل لتكثيفها، وان محاولة التجرؤ على ذلك، يفقدها عنصر التشويق والاثارة ،هي بحاجة الى القراءة مرة ومرات، لأننا في كل مرة سوف نكتشف فيها حقيقة ما!
'ابن الحرام' اختزلت الزمن والمكان باستثنائية، تنم عن قدرة في ثقافة الدين والسياسة والجنس، بالرغم مما فيها من تشابك يحتاج الى قدرات عالية للتركيز والسرح في بعض الاحيان لإظهار تلك التجليات فيها .. وهو ما جعلها تصنع فينا اثرا لا يمكن نسيانه.....

عبدالرحيم محمد احمد
08-06-2012, 22:34
أكابيــــللا
لو أن كل البشر يعيشون من أجل اللحظة؟

بقلم : محمــد برادة.




بـعد روايـتـيـْن متـمـيـزتـيـْن:» دنـيـا زاد « و « هـليـوبوليس «،تـطالعـنا مي التلـمساني بـرواية عمـيقة الدلالة،مـمتعة ومشوقة، هي « أكـابــيـللا «(دار شرقيات،2012 ) . وتحيـل كلمة العنوان في القاموس الإيطالي على الصوت المنـفـرد الذي يـؤدي أغـنـية من دون مــُرافقة آلات موسيـقية،وهو عـنوان يـوحي بالظلال الكـثـيفة التي تـرتادها الـرواية لاستجلاء الـكامـن، الغـامض،الـمـثـيـر لأسـئلة مـقلـقة نحاول تـجـنـُّـبـها، لكنها تـنـجح في أن تجـرف السـدود المصطنعة التي نتمتـرس خلفها،فـيـتـدفــق ذلك الصوت المـنفـرد جـاهـرا بالـمكبوت والـمـُـتـواري خلف المواضعات .وأول ما يسـتـوقفـنا في الرواية بـنـاؤها المعتـمد على شخـصـيـتـي امـرأتـيـْـن مـتـعارضتيـن في السـلوك والـرؤية والعلاقة بالجسـد،ولكن نوعـا غـريبا من الصداقة يجـمعـهما، وسط شـلـّة من أربعـة رجال يـجـذبـهم سـحـر عـايدة الرسامة المتحـررة، المغامـرة،وحضـور «مـاهي « السـاردة، المتــزوجـة، المحافظة على وفائها لـزوجها،والمـسـرورة بهذه العلاقة التي تـوفـر لها سهـرات تـعـوضها عـــن رتابة الحياة الـزوجية . وفي الواقع،علاقة الساردة بـعايـدة المـلــتـبسة والمـتـوتـرة،هي المـسـألة التي تسـعى «ماهي» إلى فـهـمها واسـتـيـعابها ، خـاصة وأن عـايدة فـاجـأت الشلة بـمـوتها المـفاجئ وهي في عــزّ شبابها، مخـلفة يـوميات متـفرقة كـتـبتها في فتـرات متـباعدة، واستطاعت الساردة أن تختـلس بعضها في حياة عـايدة وأن تأخذ الجزء المتـبقي بعد موتها . ما كان يهمّ الساردة، في البداية، هو أن تـتـعرف على حقيقة مشاعـر عايدة تجاهـهـا، لكن اليوميات تكـشف لها ولـنـا،جوانب من غـرامياتها ورؤيـتها الحياتية، وتـقـيـيـمها لأصدقاء الشلة المكونة من أسـامة زوجها الأول، وحسـام آخـر عشيق لعايدة، وكـريم الروائي المعروف، والطبيب عادل الذي يحاول الكتابة في أوقات فـراغـه : « أسـامة وحـسام ليـسـا متـزوجــيـْـن ، كـريم وعادل متـزوجـان وزواجهما عـاطـل من البـهجـة رغـم الأولاد والاستـقـرار المادي « ص9 . كل واحد من الرجال الأربـعة منـجذب إلى عـايدة التي تمـتـلك إشـعـاعا لا يـُـقـاوم، وتـعـرف كيف تـضفي على الحياة اللمسـات التي تكـسـر رتابتها،وتـفتـح نـوافذ على فـضاء الانــتـشـاء والتـحـرر من القيـود . ومـا تفـعـله السـاردة ، انطـلاقا من يوميات عـايدة الغـائبة، هـو أن تـعـيـد كـتـابة مـسار حياتها مـُـزاوجـَـة ً بين مـا ورد في اليوميـات والتفاصيـل التي عاشـتـْها معها ومع شـلة الأنـس . إلا أن الـساردة لا تفعـل ذلك بـحـيادٍ وتـبـاعـُــد، بـل هي تـستـحـضـر ذاتها وأسـئلتها ورؤيـتـها الحياتية ، فـيـغدو شكل الرواية ثـنـائي الصوت والرؤية ، عـبـْـرَ جـدلـية مـتـعـارضة بين شخـصيـتـيْ عايدة المغـامرة، المتحدية للقيم السائدة، والساردة المتمسكة بالأخلاق العامة والباحثة عن مسـرّات لا تـزعـزع وضعها الـزوجي المـسـتـقـر : « ..التـقيـتُ عايدة والتصقـتُ بها كما يـلـتـصق الغريق بـطـوْق النـجاة، وهي النقيض الكامـل لــي، ثم انـزلـقتُ بعيدا عنها كـأنـني فضلت الغــرق الدائـم في حياتي على الـطــفـُـوّ المـؤقـت في مــداراتـها . هل كنتُ أحافظ على وَهـْـم ِالاستــقرار وألــفـَـة الأخلاق الـرشيدة، أم كنتُ أحـاكمـها حتى أثـبـت لـنفــسي أني الأفـضل، الأعــقـل،الأنـجـح ، الأكــمل؟ أدرك الآن بعد وفاتها،أن عـالمي كان مصـقولا كـحـجـر أمـلس، وكانت عـايدة وســيلتي للخروج من هذا العالم والتــشبـث بـخشـونة عـالم آخـر يـَـعِـدُني بـمشاعـر جديدة ليس من بـيـنها المــلل وعـدم الـرضــا .» ص 44 . ومن خلال لـجـوء الكاتبة إلى تـقـنيـة «إعــادة الكتابة « التي تـُـستعـمـَل عادة لـتـبـريـر تـحـويـر الحكايات والأسـاطـيـر واليـوميات والـسـّـيـَـر...،اسـتـطاعت السـاردة أن تـتـمـلـّك دفــّـة الحـكـي ،وأن تجـعـل التـجــربة مـسـتـمـرة حتى بـعد مـوت عـايدة التي كانت هي مـركـز الثـقـل ومدار الأفـعال . لـم تتـوقف التـجربة لأن السـاردة مـُـصـرّة على أن تـتـبــيـّـن موقـعـها، مُـقـارَنة ً بـعايدة التي تـجـسـّد «حـالـة قـصـوى» في التحدي وخــفـّـة السـلوك : هي امـرأة لا تـتـورع عـن الكذب، لا تـتـردد في أن تــسـرق أشياء نفيـسة وملابس من منازل صديقاتها ومن المحلات التجارية، وتسـتـجيـب بسـهولة لـنـداء جسـدها،وأيـضـا لـعـاطفة الحب الجـارف وعـذاباته . ولـتـبـريـر إقـبالها على مـغـامرات العشـق المــكـررة، تـورد في مذكــراتها رأي أوسكار وايلـد : « في كل مـرة يحبّ فيها الـمـرءُ،تكون هي أول مـرة يحب فيـها .اخـتلاف المحبوب لا يـغـيـر شـيئا من تـفـرّد العاطفة؛ يجعلها أكــثـر كـثـافة فـحسب. لا يمكننـا أن نعيش تـجربة حب عظيم سـوى مـرة واحدة على الأكـثـر،وسـر الحياة هو إنـتـاج هذه التجـربة كـلـما أمكن ذلك .»ص 73. على هذا النـحـو، جعلت عـايدة من الحب المـتـعدد عـنصـرا ضـروريا لحـماية الحياة من المـلـل والاسـتـقـرار البـليد .
وعندما التـقتْ حسـام بعد ثلاثين سنة مضت على لـقاءاتهـما الطفولية ، عـاشت معه تجـربة حب مـلـتـهبة، عـبـّرت عنها في يومياتها من خلال ست رسائل كانت ترسلها إلى الحبيـب ، رجل الأعمال الناجح المتـنـقـل بين عواصم العالم . ولـم تستـطع السـاردة أن تحـافظ على نـظــرتها إلى ضـرورة الوفاء لبيـت الزوجيـة؛ بـدأت تحس أن آراء عايدة تـتـسـرب إلى أعماقها، وأنها لـم تعـد مقتنعة بعـقلانية زوجـها المحافظ : « يـقول زوجي إن القلب الســليم يـتـشاور مع العقـل السليم ويصلان معا إلى قـرار صـائب، والقـرار الصائب من وجـهة نـظـره يتـعلق بالـبـُـعد عن الشبــهات سواء كانت شبـهة الحب أو شبـهة الانجــذاب العاطفي، كـأنـه يقـفـلُ باب النقــاش في حديث لا يـدري عـواقبـه . وأقـول مـرددة آراء عـايدة : مـهما كانت العـواقب، تظـل خـفـقـة القـلب هذه بلا ثــمن .من حق كل إنسان أن يخفـق قـلبه مـرات، أن يقـع- لـو أراد- مـرة أو مرات، والإرادة عليها المـعـوّل في قـياس حجـم الـوقعة ومـداها وإمكانيـة مـُـداواة الألـم النـاتـج عنها .» ص72 . وتـحكي لــنـا السـاردة،أن كـريم الروائي كان هو مَنْ يـغازلها من بين أفـراد الشـلة ، وكانت تـصدّه لأنه يبحث عن مغـامرات عـابـرة، ويـبني علاقاته على أساس من مصالح مـادية . وذات سـهـرة، فـاجـأها بـتـقـبــيـلها عـنـوة أمام الآخـرين، وهـو حادث وجدت صـداه في يوميات عـايدة التي كانت تعـتـبـر كريم من ضمن عشـاقــها، وأن السـاردة اسـتمـتـعت بالقبلة على رغم تـمـنـُّـعـها واحتجاجها . ولم تكـن ملاحظة عـايدة مُجـانـبـة للصواب ، لأن السـاردة قــررت شــراء الشقة التي كانت عايدة تسكـنـها وتجعـل منها ملـتـقى لسـهرات الشــلـة،وعندما أنـهـَـتْ إعادة كتابة اليوميات، عــرَضـتـْـها على كـريم الذي بـدأ يتردد بانتظـام على الشقة، وامتـد الحوار بيـنـهما، ليــكتـشـفا أن الـوحدة غـول يـتـربص بهما وأن لا مـناص من أن يلـتـحـم الجسـدان ، وأن تـسـتـمـر لقاءات الشلة لمـقاومة الـرتابة وتـكـلـّــس العلاقات .
صـيـرورة الأضــداد

أعتـقد أن شـكل رواية « أكـابــيـللا « الـمـبـنـي على شخـصـيـتـيـْن مـتـعارضتي الاتجـاه والـرؤية، هـو ما سـمح بـتـجسـيد دلالات غـنـية تـنـطـوي على أكـثر من مسـتوى للقـراءة والتأويــل .ذلك أن سيـرورة الجـدلية الكـامنة وراء السـرد تقـتـرن بـزمـنيـةٍ مفـتـوحة، تـتـقبـّـل التحولات الطارئة على الشخصيات وعـلى الـرؤية إلى العالم المـتـحـدّرة من دلالة الرواية . ومن هذا المنـظـور، يمكن أن نبـرز دلالــتـيـْـن لافـتــتـيـْـن: أولاهما، تـتـصـل بـحريـة المـرأة في مجتـمـع ذكـوري لا يسمح للنسـاء بمـا يسمح به للـرجال في مجال العـشـق المـُـتـعـدد،والبـوْح بالعـواطف،وإرواء الجسـد . بـعـبارة ثـانية،لا يمكـن للمـرأة، في مجتمعاتـنا العـربية أن تمـارس حـريـتـها في شمـولـيتـها الـوجودية والميـتافـيـزيقية التي تجعلها هي أيضا نـهـبـاً للقـلق والنـزوات والاشتـهاء والتـمـرد على المـواضعات ...وهذا وضــع يعود إلى الإطـار الذي يســجـن المـرأة داخل ســياج الزواج والأمومة والحفــاظ على الشــرف والأخلاق المــوروثـة . من ثـمّ تـبـدو شخصـية عـايدة شــاذة ومـقـلقـة لأنها تبيح لنـفسها أن تحب متى تشـاء،وتـُـعـطى الأسـبقـية للإحساس المبـاشـر، وتـُـقـبـِـل على لـحظـات البهجة والانــتـشاء. وفي المقابل، نجد شخصية « ماهي» السـاردة التي اكـتـشفت قيمة الحرية من خلال سلـوك عايـدة المـتـحايـلة على المجتمع، فـقررت السيـر على طـريقها، تـفـاديا ً للرتابة والـوحدة والعيش في ظـلّ الغــبـاء .
والـدلالة الثـانية يمكن أن نـخـمـنـها من خـلال تأويـل بعض الإشارات وربـطها بـإشكالــية كبـيـرة، طـرحـتـْـها تطورات المجتمعات الحديثـة المتـسارعة، والتي تـتعـلـق بالـوضـع الاعـتـباري لـلـعـائلة اليـوم . بــتـعـبـيـر آخـر، هل الـزواج وتكوين أسـرة شـكل ضروري لاسـتمـرار المجتمعات التي طـبـعتْ أفـرادها بـاللااسـتقـرار والعلائق العـابـرة،والعواطف المـؤقـتـة ؟ هـو تـحـول وارد،تـزكيـه أشكال التـنظيم الاجتماعي في الـمدن العملاقة التي تـُـحبـذ الـتـمـرد على مـؤسسة الزواج،وتـيـسـر أسباب المـتـعية الجسـدية،والعيش من أجل اللحظة التي لا تـشـبه غـيـرها ...
إن رواية « أكــابـيـللا « تـكـتـنـز إيحاءات كثـيـرة، وتـسـتـثــيـر عند القارئ أفـكارا وتـأملات عميقة ومتشعبة، تبـدأ من الذات لـتـلامس أسـئلة متـجـذرة في الكـيـنـونة وصـيـرورة الأضـداد التي لا تـعـرف حـدودا مسـبـقة . وكل ذلك يصلنا عبر شكل محـكم، ولغة رقـراقة دقـيقة، خالية من الحشو والثـرثـرة،وخلفـية ثقـافية تجمع بين الأدب والتشكيل والسينما ...فعلا،هي رواية أشبـه بأغـنيـة يُنـشدها صوت منفـرد، تـدعونا إلى نـعيد التـأمل في ثـوابت تـُقـلـّص حـريـتـنا .

رشيدة محمد
08-06-2012, 22:35
مبادرة طيبة
قراءات جد مفيدة
شكرا لك سيدي

عبدالرحيم محمد احمد
11-06-2012, 22:14
' إمرأة من ورق'
ربيع علم الدين
حبّ القراءة في أزمنة الويلات و الحروب


بقلم: محمد الخطابي




بعد النجاح الذي حققه الكاتب اللبناني ربيع علم الدين (الذي يعيش بين كاليفورنيا وبيروت) بكتابه السابق 'الحكواتي' الصادرعن 'دار نوف النيويوركية' (2008)، ثم في إسبانيا وعدّة بلدان أخرى والذي كان قد أثار ضجّة كبرى، صدرت له مؤخرا في إسبانيا عن دار النشرالإسبانية 'لومين' رواية جديدة تحت عنوان 'إمرأة من ورق'مترجمة عن الإنجليزية قبل أن تصدر في أيّ مكان آخر في العالم، كما تمّ تقديم هذه الرواية في 'البيت العربي' بمدريد بتاريخ 29 ايار/مايو المنصرم، وقد لقيت هذه الرواية مثل سابقتها ترحيبا كبيرا من طرف القراء والنقاد على حد سواء .وكان عنوان الرواية الاصلي بالانجليزية Unnecessary Woman:.
تنقلنا هذه الرواية التي تقع في 336 صفحة منذ اللحظة الأولى إلى منزل عتيق في مدينة بيروت، وهناك نجد 'عالية' وهي إمرأة في السبعين من عمرها ،تعمل في إحدى المكتبات، شعرها مصبوغ باللون الأزرق، تعيش في هذا المنزل منذ أن هجرها زوجها عندما كانت في السادسة عشرة من عمرها. إنها تغوص في الذاكرة لتحكي لنا قصّة حياتها ولكن أيّ حياة،إنها حياة خارج المألوف.
'إمرأة من ورق'رواية عن اللامنتمين، أو الغرباء، أو المهمّشين الذين لم يستسلموا لهيمنة الثقافة الوافدة،هذه الثقافة التي تحدّد إجحافا من هو الطيّب ومن هم السيّئ،يقول الكاتب: إنه يمكننا قياس مستوى حضارة شعب بقدر ما له أو فيه من 'اللامنتمين' . ويضيف: ومن مثل هذه الشخصية الوهنة يمكنها أن تجسّد هذه الحالة، إنها إمرأة مسنّة غير متزوّجة، ليس لها أولاد، مثل 'ّعالية 'التي وهبت كل عمرها للقراءة النهمة، والتهام أمّهات الكتب الحديثة ثم ترجمتها بعد ذلك، بينما تسمع في الشوارع خارج المنزل أصوات القنابل، ودويّ المتفجّرات حيث تدور فيها حرب ضروس، ومواجهات مسلّحة عنيفة لا تخمد نارها، ولا ينطفئ أوارها ولقد حوّلت هذه الحرب الكثير من الشباب إلى جواسيس وقتلة ،وأرغم هذا الوضع المؤسف هذه المرأة أن تنام وبجوار سريرها بندقية للدفاع بها عن نفسها. في هذا الجوّ المشحون بالخوف والرهبة والترقب والمعاناة تنطلق رواية 'إمرأة من ورق'.
قال أحد الحكماء: 'إننا مصنوعون ممّا نقرأ ' و'عالية' من هذاالقبيل إنها إمرأة قد صيغت من ورق، تعيش بين الورق ومع الورق ومن أجل الورق، إنها لا تنقطع عن القراءة بنهم وشراهة إلى أبعد الحدود، إنها تبحث في هذه الكتب عن الحب الذي حرمتها منه عائلتها .
هذه الرواية تدنيك وتغوص بك في العالم الذي تعيشه أوتعيش فيه 'عالية' لتشاركها خوفها، وتوجساتها،و شجاعتها وصبرها . إنها تجربة مثيرة- كما يقول الكاتب- تقرّبنا من الآلاف من النساء اللاّ ئي يعشن تجارب شبيهة او مماثلة في الوقت الراهن في خضمّ الفتن والقلاقل والصعاب التي ما زالت تعيشها بعض البلدان العربية ممّا أو فيما أصبح يطلق عليه إصطلاحا بالربيع العربي .

متعة القراءة
الكاتب اللبناني 'ربيع علم الدين' يعيد لنا متعة القراءة بهذا الكتاب الجيّد، الذي يلقننا بألمعيّة كذلك أن القراءة قد تغيّر مجرى قدر الإنسان، إن 'عالية' خلال رحلتها الأدبية المثيرة، وعوالمها المجازية الملوّنة والمنوّعة رفقة أجود الأقلام العالمية في مختلف فضاءات الإبداع الواسعة، والقراءات الجيّدة لا تغيّر فقط حياتها بل إنها تغيّر حتى حياة قرّائها. رفقاؤها خلال هذه الرحلة العديد من الكتّاب العالمييّن مثل 'بيسّوا' و'غليوت'و'لامبيدوسا' و'خبيير مارياس' و'روبيرتو بولانيو'و'غارسيا مركيز'و'ماغريس'و'فولكنر'و' كالفينو'و'نابوكوف' و'ديكنز'، والقرآن الكريم الذي تهيم عالية به ،وتعشق موسيقى حروفه وكلماته التي تسيطر على مجامعها وتأخذ بلبّها.
ربيع علم الدين يدعونا في هذا الكتاب إلى :حب ّ القراءة مهما كانت ظروف العيش قاسية وصعبة مثلما هو عليه الحال في مدينة بيروت أيام الويلات و الحروب، حيث تغدو الحياة فيها أكثر قساوة وصعوبة، وأشدّ مرارة وشراسة من أيّ وقت مضى. يقول علم الدين: 'إن الادب قد غيّر حياته' ويضيف مداعبا انه إختار الكتابة ربّما ليتنصّل من مسؤوليات إجتماعية أخرى، ولهذا السبب إنغمس في القراءة تماما مثل الذي حدث لبطلة روايته 'إمرأة من ورق' عالية.
تقول الكاتبة الإسبانية 'سوسانا غابينيا'فى مقال لها بجريدة 'أ. ب .س'الإسبانية بتاريخ29 مايو 2012 ان رواية 'إمرأة من ورق' هي حكاية تحكي قصّة إمرأة أخرى،هذه القصّة التي تدور أحداثها وسط الحروب الاهلية اللبنانية 1975 -1990 حول عائلة قاسية، صعبة المراس، وتركّز على حياة هذه المرأة 'عالية' منذ أن كانت طفلة ومات أبوها وتركها يتيمة .
يفتتح الكاتب 'ربيع علم الدين' كتابه على لسان الشاعر البرتغالي الكبير 'بيسّوا' بعبارته التي يقول فيها: إن 'ضيعتي' أو قريتي لهي أكبر من أيّ أرض مهما كبرت، وحجمي يقاس بما أرى، وليس بقياس طولي. هذه الرواية رحلة شيّقة في أعمال وأعماق العديد من الكتّاب والشعراء عبر كتبهم وإبداعاتهم. يقول الكاتب إنّه لبناني، ولكن لبنان الذي يظهر في كتبه هو من محض الخيال، فأدبه مطبوع ببلده ولكنه لا يحب ان يوضع الكاتب في خانة حدودية ضيّقة معيّنة ،فحتى ولو نسب كاتب إلى بلد مّا مثل 'بروست' إلى باريس، و'دويستوفسكي' إلى روسيا و'بيسّوا' إلى لشبونة، فإنّه لا ينبغي أن ننسى بأنّ فوق أيّ اعتبار هناك دائما الجانب أو البعد الإنساني لكل كاتب.
الثقافة المهيمنة
تقول الكاتبة 'سوسانا غابينيا': إن الكاتب اختار شخصية هذه المرأة بالذات، ذلك لأنه دائما كانت له الرغبة في الكتابة عن اللامنتمين أو الغرباء في الثقافة المهيمنة، أيّ عن هؤلاء اللامنتمين الذين يغصّ بهم المجتمع. يقول الكاتب في هذا الصدد: ان الثقافات المهيمنة مهووسة بالنجاح الذي حققته في المجتمع المغلوب ،حيث يشجّع ذلك على خلق المزيد من اللامنتمين أو المهمّشين وهذا ما كان يهمّه في المقام الاوّل، فلم يكن يعنيه قط أن ينتمي إلى هذه الثقافة المهيمنة أو تلك. إلا انه يضيف ولا يعني ذلك انّه فوضوي إنه يحبّ أن تكون هناك مثل هذه الثقافة، إذ لوكان الامرعكس ذلك فقد لا يكون شيّقا القيام بمعارضتها أو مواجهتها.ويخوّل هذا الوضع للكاتب أن يكتب، وأن ينتقد ،وان يبحث، وأن يدلي برأيه بشأنها فهو بواسطة 'عالية' يبدو شديد الإنتقاد لإسرائيل ـ على سبيل المثال- وهو أمر غير مزعج البتّة في لبنان، كما انّه مظهر آخر من مظاهر آثار الثقافة المهيمنة كذلك، ولا بد أن العكس من ذلك هو الذي كان سيحدث في حالة انتقاده للمسلمين او للبنان ذاته الذي ألقى بنفسه في أتون حروب ونزاعات مسلحة في العقود الاخيرة، ويضيف على لسان 'عالية' ان جميع البيروتيين قد تعلموا أنهم عندما يخرجون للفسحة لا يمكنهم الجزم بأنهم سيعودون حتما إلى دورهم أو إلى مقار سكناهم سالمين، ليس فقط لأنه قد يحدث لهم مكروه خارج المنزل، بل لأنّ دورهم نفسها ربما تكون قد انهارت.
وعندما سألت الكاتبة الإسبانية 'سوسانا غابينيا': المؤلف أنه في 'إمرأة من ورق' يعود ليكتب عن ماضي لبنان وحاضره، وهل هو في حاجة للقيام بذلك ربما لكي يلتئم جرح، أم لعدم تكرار نفس الاخطاء السابقة.؟ فقال مازحا : 'نعم لبنان يمكن أن يتغيّر في المستقبل، كما يمكن أن أتحوّل أنا غدا إلى قرد، كل شيء ممكن،أمّا فيما يتعلق بالجروح فإنه يصعب التئامها بواسطة الكتابة ولست أدري إذا كانت كلمة 'جرح' مناسبة في هذا المقام، فأنا مبهور بلبنان، ولقد كتبت عنه الكثير، أنا دائم التفكير فيه،إنه حاضر في عقلي وكياني'.
'عالية' تصف بيروت بأنها 'إليزابيت تايلور المدن' إنّها حمقاء، رائعة، مبتذلة، مدمّرة ،عجوز، ودائما محمّلة بالدراما.وهي مستعدّة للزواج من أيّ خاطب متيّم يتقدّم لها الذي قد يعدها بحياة أكثر راحة واستقرارا حتى ولو لم يكن مناسبا لها البتّة'.
قيام 'عالية' بجولة في عالم الترجمة للعديد من الكتّاب المفضّلين عند المؤلف بالذات ليس وراءه ـ كما يؤكد الكاتب- أيّ نيّة سوى إظهار الشخصية كما هي في الرواية. كما تعبّر بطلة الرواية بالمقابل عن عدم رضاها عن بعض الكتّاب مثل همينغواي. يقول الكاتب عن ذلك : إنها تمقت همينغواي، اما أنا فلست معجبا به، مشكل هذا الكاتب لا يكمن فيما يكتبه، بل كيف يراه الناس، فولكنر على سبيل المثال يعتبر عبقريا بالنسبة لهمينغواي، ومع ذلك كان لهذا الكاتب تأثير أبلغ من تأثير فولكنر في الأدب الامريكي، في حين كان لفولكنر تأثير بليغ في الادب العالمي أكثر مما كان لهمينغواي،ولكن مع ذلك فـ'عالية 'لا يروقها هذا الأخير، ألا يجوز أن أختفي خلفها لأقول ذلك ؟.
الكتب الملاذ الوحيد
الموسيقى حاضرة كذلك في هذه الرواية، فعلى لسان 'عالية' تنثال أسماء موسيقيين عالمييّن كبار أمثال شوبان، وبروكنر،بل لقد بلغ بها الأمر أنها تقارن عملية الترجمة مع إحدى أوبرات 'ريتشارد فاغنر'.
'عالية' بطلة رواية'إمرأة من ورق'بانغماسها في عملها الإختياري بترجمة العديد من الأعمال الادبية والإبداعية الكبرى إنما هي تفرّ من عالمها الكئيب، وواقعها الحزين، وظروفها القاسية، وهكذا تكدّس آلاف الأوراق المترجمة داخل صناديق في غرفة التخزين. إنها تهرب من هذا الواقع المرّ الذي لا يملأه سوى العنف والقسوة والموت والدمار، لتختفي داخل صفحات هؤلاء الكتّاب الافذاذ الذين أصبحوا ملاذها الوحيد. إنها تعتبرهم أحياء يرزقون، ولابدّ أنهم يتفهّمون شكواها ويصغون إلى أنينها ولوعتها، إنها تحاور 'لوليتا'، وتناقش 'أنا كارنينا'وسواهما من الشخصيات الادبية الشهيرة.
الروائي اللبناني ربيع علم الدين' ولد في الاردن عام 1956من أبوين لبنانيين من أصول درزية وعاش في البداية بين الكويت ولبنان، وعندما إندلعت الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 إنتقل إلى إنجلترّا للدراسة بها، ثم بعد ذلك إنتقل ليتابع دراسته في جامعة كاليفورنيا حيث حصل على الماجستير في إدارة الاعمال، وعلى بكالوريوس هندسة، كما أنه فنّان تشكيلي وسبق له أن نظّم عدّة معارض في هذا القبيل . بصدور روايته 'الحكواتي' عام 2008 جاءته الشهرة منقادة إليه تجرجر أذيالها.

عبدالرحيم محمد احمد
12-06-2012, 22:31
حيـــاة بـــاسلـــة
حسن النواب










بين آونة وأخرى تظهر هنا وهناك طروحات وآراء نقدية مثيرة للجدل، عن الرواية العراقية تحديدا، بعضها صائب، ومنها ما ينطوي على مغالاة يمتطيها المعنيون بالسرد العراقي وغيرهم، تقول تلك الآراء بأن الرواية العراقية لم تؤد ما عليها من دور مهم، خاصة ازاء الاحداث الجسام التي تشكّل منها تأريخ العراق القريب، وهم يعنون بذلك (الاعوام الخمسين الماضية) على نحو خاص !.
يقول بعض هذه الطروحات أن الرواية العراقية فشلت في استقصاء خفايا الوجوه الاخرى الخفية أو العميقة، لما جرى بالعراق في ميادين السياسة والاجتماع والثقافة وغيرها (كما قرأنا مثلا في احد مقالات حيدر سعيد التي أعاب فيها على الرواية العراقية عدم تصديها لجسامة الاحداث)، واذا كان التوثيق النمطي لما يتعلق بالسياسة، من اختصاص المؤرخين، فإن مهمة استغوار بواطن الوجوه الخفية للحياة يقع على عاتق الرواية قبل سواها، ليس بمعنى التوثيق التقليدي البارد، بل تدوين الاحداث والفواجع والكوارث التي سقطت على رؤوس العراقيين طيلة نصف قرن، بوساطة السرد الفني، ويأتي فن (السيرة الذاتية) في مقدمة الاساليب الروائية او السردية لتحقيق هذا الهدف، فهل تفوق صوت السرد على صمت التاريخ وهل قالت رواية حياة باسلة ما لايقال؟؟.
هذا السؤال يطرح نفسه بقوة على المثقف ومن يعنيهم الأمر من الآخرين، لاسيما أننا كعراقيين وعرب (وأعني الوسط المثقف، وسواه) لا نثق بتأريخنا كما يجب، فهو وإن تحدّث للآخرين عمّا مضى، لكنه في الغالب يتلفع برداء الزيف أو التحريف والمغالاة، لذا يظهر حديثه أقرب الى الصمت أو التشويه في افضل الحالات، وما يزيد المشهد تعقيدا، ذلك الضمور البيِّن في مهام السرد، بوصفه البديل المؤتمَن، الذي اصبح بمقدوره التعويض عن تكاسل التاريخ من جهة، وتزييفه من جهة أخرى.
رواية (حياة باسلة) التي صدرت في القاهرة عن دار عين (1012) تدخل في اطار السيرة الذاتية، وهي عبارة عن سرد لتجربة عاشها كاتبها كوقائع ملتبسة متداخلة، لكنها حصلت فعلا، وهذا ما يزيد الامر صعوبة واستعصاءً، بخصوص التخلّص من سطوة التاريخ وفجاجته، وصعوبة تحييد الغلواء الذاتي، أي فيما تجترحه الذات من بدائل فنية، تقمع أو تكبح حضور التأريخ الحاد الذي قد يصل لدرجة إلغاء الفن الروائي، فهل نجح مؤلف رواية (حياة باسلة)، في انجاز أهداف روايته التي يمكن حصرها بما يلي:
أولا: سرد الاحداث الواقعية لا يعني إلغاء الفن وشرط التجنيس، إذ ينبغي التخلص كليا من آلية التدوين التأريخي الرتيب.
ثانيا: تجنب المغالاة، بسبب تضخّم الانا الساردة، والحيادية والصدق مع الحضور الفاعل للفن الروائي.
ثالثا: تقديم الذات بوصفها مرآة عاكسة لضخامة ما أحدثته الحروب والحصارات.
رابعا: كشف الوجه المضمَر للثقافة العراقية خلال عقديّ الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي.
خامسا: توظيف الهاجس الشعري كبديل راجح عن السرد عندما يكون الأخير عاجزا عن وصف هول الفجيعة واللامعقول في الدمار الذي حدث لنفسية الإنسان الذي واجه الحرب وتبعاتها .. وبصورة تبدو اشد صدقا من الخيال.
للخوض في النقاط الخمس أعلاه، يستدعي الامر قراءة متأنية، لحياة باسلة، وتمحيص الاسلوب التلقائي المباشر لكتابتها، لأن سرد الوقائع (ثقافية أو حربية أو يوميات حياة عادية) قد يُسقط عملية السرد في فخ (التدوين التأريخي)، وينحو الى إلغاء الانتماء لفن الرواية، هذا الفن الذي قال عنه كولن ولسن في كتابه الموسوم بـ (فن الرواية/ إن الكتابة الابداعية تشبه عملية الصعود الى أعلى التل، حيث يتصاعد الاقوياء، فيما يتساقط الضعفاء على السفح تباعا) فهل تخلّص حسن النواب مدوّن هذه الرواية من رتابة السرد وتجنب السقوط في فخ الكتابة العادية؟، لنقرأ المقطع التالي معا: (حين اصبحنا في غرفة الاستقبال، دنت مني وشمّت بعمق رائحة صدري، ومرغت وجهها القمحي الطري على يدي، ثم ابتعدت لتجلس على الاريكة بعد ان تركت عباءتها تستريح على ارضية الغرفة، كانت ترتدي زيها المدرسي، تنورة سوداء وقميصا ابيض شفافا، يظهر مفاتن نهديها الطليقين، وبدأت تفتح ازرار القميص على مهل حتى لمحتُ حبات عرق صغيرة تضيء على نهديها) ص79. إن اسلوب السرد هنا كان متهاديا شاعريا وهو يتسلل إلينا على مهل بتلقائيته المحببة التي ارتفعت باللقطة وهذبتها بتصوير جمالي لغوي مدهش، لكي تروق للمتلقي تماما.
لقد أثارت رواية حياة باسلة قبل الصدور وبعده، جملة من الآراء البنّاءة لعدد من الأدباء المخلصين للأدب، وقد أكد هؤلاء في نصوص منشورة نجاح حياة باسلة بسبب اسلوبها الابداعي الأخّاذ، وأنا أكرر هذا التوصيف، فقد تمكن حسن النواب من تحويل الوقائع التي عاشها الى مشاهد ولقطات ساخنة مدهشة، بلغة بيضاء، تلقائية، نافرة، متوترة بلذة خفيّة، ما أن يطالعها المتلقي حتى تترسخ صورها في أعماقه، فتحيله (من قارئ خارج النص) الى عنصر منصهر في دوامة الاحداث، فيصبح احد شخوص حياة باسلة، ويعيش لهيب الحرب والجوع والحصار والحب والموت المزروع في كل صفحة من صفحاتها.
وفي هذا النوع من الروايات التي تعتمد السيرة، تكمن الخطورة كلها في التضحيم الذاتي، حيث يقع الراوي أو المؤلف نفسه غالبا، في مشكلة تمجيد الذات من دون أن يعي ذلك، إنه يكتب عن نفسه وحياته وذكرياته، إنه ينساق بحنين جارف الى تلك الاحداث، لذا هو يعشقها وربما يقدسها، حتى المميت منها يبدو له في دهاليز الذاكرة الروائية مضيئا، كونه يصب في تمجيد الذات، فهل قفز حسن النواب هذا العارض؟ وهل نجح في تحييد ذاته ازاء المتن المدوَّن؟، هناك دلائل يمكن أن نستقيها من المتن الروائي، وما يؤكد ذلك مشاهد البؤس والخوف والتردد والجبن أحيانا، التي تتلبس وتعتري بطل الرواية ومؤلفها في مواقف كثيرة يكاد يعج بها نسيج السرد، فالنواب لا يطرح نفسه بطلا، لا في وقائع الحروب، ولا في صراعه الذاتي بالميدان الثقافي، بل لم نر ما ينصف حقيقة الراوي أحيانا، وهو يعرض لحياة باسلة تمتد على عقدين من الزمن، قدمّها الكاتب بطرائق سرد لم نألفها من قبل وهي تزج في روح الشعر بمناطق عديدة من الرواية، فيتعاضد اسلوب التحييد الذاتي، مع الميل الى التجنيس السردي، ليسهما بنجاح، في تقديم (حياة باسلة) كرواية تمتلك شروط الانتماء الى هذا الجنس الادبي المتسيِّد.
أما النقطة الثالثة، أي تقديم الذات بوصفها مرآة عاكسة، فقد بلغت هذه الرواية قمتها، في عرضها لمشاهد الفجيعة المزمنة التي بدأت بافرازات الحرب العراقية الايرانية وسواترها وضخامة ويلاتها والارواح التي أزهقت فوق سواترها في كلا الجبهتين، وصولا الى حرب الخليج الثانية وفواجعها، ثم بدء صفحة الحصار المفتوح وحروب الاستنزاف المحايثة لتجويع لم يحدث أن عاناه شعب آخر في عموم الارض، لنبدأ مع النقطة الرابعة.
أي مع مسار آخر، مواز لويلات الحروب يتعلق برصد المشهد الثقافي وصراعاته الفردية والشللية، فانعكست صورة سياسية ثقافية تكاد تكون مكتملة وبالغة الصدق، لمرحلة كتب عنها كثيرون، لكن حسنة (حياة باسلة) أنها لم تتردد في قول ما لا يُقال. سيما في توثيق الكاتب لمجريات حساسة وخطيرة مع عرض تفاصيلها بدقة مدهشة وتلقائية عالية ومفارقات مذهلة، لتتولد لدى القارئ أجواء نفسية يمكنه استعادتها كما لو انها تحدث الآن، لقد اراد حسن النواب أن يكون صادقا بصورة مطلقة، لذا رسم المواقف كما هي ولكن بحساسية صافية وموجعة وطريفة احيانا نحسده عليها، أو كما حدثت تماما، حتى تلك التي ربما تمس بشخصه وابداعه وتاريخه، وهو يعي بالضرر الذي قد تلحقه به هذه التفاصيل الصادقة، وكان يمكنه تجميلها، أو إهمالها او التغاضي عنها في اضعف الايمان، لكنه اراد أن يقدم حياة باسلة بمجرياتها المشرّفة والمؤسفة في آن.
وفيما يتعلق بتوظيف الهاجس الشعري لمنح الاسلوب السردي خصوصيته، حرص كاتب حياة باسلة على استخدام المفردة الأشد وضوحا والأسرع تقاربا من ذائقة المتلقي، آخذا بنصيحة موباسان التي يقول في مضمونها بخصوص الكتابة السردية (إحذف كل كلمة تعتقد أنها فائضة عن الحاجة، واستخدم الكلمات التي تشعر بأنها تنقل شعورك بصورة مباشرة الى القارئ)، ولكن تمكن مع هذا الوضوح، أن يجعل لنفحات الشعر حضورا متدفقا ومؤثرا في معالجة الاحداث والمواقف المادية والنفسية في آن، كما نقرأ ذلك في هذا المقطع: (إقتربتْ منه فجأة، وألقت بجسدها النحيف على صدره، فوضع الوشق البري يده على رأسها، يمسد شعرها كما لو انه يمرر يده على فروة قطة أليفة، بينما ساحتْ دموع اخته نورما على قميصه الرث، واستمر عناقهما لدقائق قبل ان تدعه طليقا مرة اخرى... مسحت دموعها التي ما زالت تنهمر بأصابعها الشمعية وغادرتنا بهدوء) ص424. يغلب مثل هذا الاسلوب على مساحة السرد، مما اعطى الرواية نكهة شاعرية أسهمت بانقاذها من السقوط في الرتابة لاسيما أن صفحاتها تجاوزت الـ (500 صفحة/ قطع متوسط). هكذا اذن يكتب الصعاليك سيرتهم!!.
وهذا ما أعرفه وقرأته من قبل عن سيرة الصعاليك الشجعان والنبلاء، كما حدث لي مع هذه السيرة الحرجة؟! التي قرأتها بمتعة لا يشاطرها إلا الدمع الذي انهمر من روحي بصمت.

علي حسن عبيد

رشيدة محمد
12-06-2012, 22:36
الموضوع يستحق التثبيث
مزيدا من العطاء والإفادة سيدي

عبدالرحيم محمد احمد
14-06-2012, 10:13
على الجــدار
رواية لحليمة زين العابدين


"على الجدار" عنوان آخر رواية للمبدعة "حليمة زين العابدين"* وهي رواية مختلفة، استلهمتها مؤلفتها من الإنترنيت ومواقعه الاجتماعية ومنتديات الشات والجرائد الإلكترونية. شخصياتها من العالم الافتراضي، وأهم أحداثها هي أحداث "الحراك العربي" من بداية صفعة "بوعزيزي" تونس إلى الانتخابات الرئاسية في اليمن، يتخللها حب افتراضي وتلك الحياة البديلة التي تجري خلف شاشة الحاسوب، بمتعها ولذاتها ومعاناتها...


(http://www.alalam.ma/info%5C22532012124303PM1.jpg)

الرواية تعبر عن رؤية متفائلة بالآتي، وإن كانت تصب جام نقدها على الراهن بكل تجلياته ومستوياته. وهي تتمحور حول شخصية "نفيسة يخلف"،امرأة مثقفة/ شاعرة/ موظفة تمارس العمل السياسي والجمعوي، تتعرض لمجموعة من الهزات والأزمات والخيبات في حياتها... حياة تعيشها عبر ثلاثة مسارات متداخلة هي:
-المسار المجتمعي الواقعي داخل الأسرة والعمل... وفيه تتعايش مع أفراد الأسرة (الأب الابن والزوج...) ومع الأصدقاء وزملاء العمل...
-المسار الافتراضي على الإنترنيت وتتفاعل فيه مع أصدقائها الحقيقيين والافتراضيين، وعبره، تعبر عن مواقفها من الحياة بمختلف تجلياتها، خصوصا منها "الحراك العربي".
-المسار الواقعي/ الحلمي وهو مسار تحقق فيه مع البطل المحلوم به (رجل البحر) ما تعجز عن تحقيقه في المسارين السالفين... خصوصا في المجال العاطفي والحميمي...
والملاحظ هو أن الفشل كان مصير المسارين الأول (مسار الأسرة والعمل...) والثاني (المسار الافتراضي، المواكب للحراك العربي) فيما ينجح المسار الثالث (مسار الواقع الحلمي/ الحلم الواقعي).
وهكذا، تكشف لنا الرواية أن المسار الأسري ل"نفيسة" يؤول إلى الفشل، بعد وفاة ابنها سعد، وبعد أن لم يعد يجمعها بزوجها سوى "عقد" لا يتوفر فيه بنده الأساسي (النكاح)، ما جعلها تتفق وإياه على الطلاق، خصوصا بعد أن أحست نفسها محاصرة الجسد واللسان...
وفي مجال العمل، أصيبت نفيسة بالإحباط والسبب هو أن مدير المؤسسة حيث تشتغل تحول إلى ديكتاتور هو القادم من قلب اليسار الراديكالي، والذي كان مؤمنا، ولزمن طويل، بحق كل مواطن في الكرامة وبالحق في الحياة الكريمة بلا مهانة ولا إذلال، و كان متعففا عن استعمال سيارة الدولة، أيام العطل،و توظيف سائق المؤسسة في أغراضه الخاصة...
لذلك، فإنها تضطر لولوج العالم الافتراضي، "بحثا عن استعادة ما أضاعته من ذاتها"، وهذا العالم هو ملاذها للبوح والحديث في كل الموضوعات التي تستأثر باهتمامها، وخصوصا منها موضوع الحراك العربي، سيما أنها كثيرا ما حلمت "أن ترى الثورة بعينيها لا أن تقرأ عنها فقط..." ومع حلم الثورة، "كانت تجتر جراح الفقر والتهميش وآمالا كبرى بغد أفضل"، وفعلا، عاشت، ورأت "صفعة الإذلال تحرق بوعزيزي تونس، وتحول شظايا جسده إلى ثورة، ثورة للأحرار تندلع في كل المناطق المهمشة من البحر إلى البحر، وترعد في كل الأرجاء: "الشعب يريد إسقاط النظام"... وتردد معها "حرية كرامة عدالة اجتماعية"... كما رأت بحارا "من البشر تزحف على أسوار الاستغلال والظلم والدكتاتوريات، شهداء وجرحى... وحمامات الدم...".
ولذلك أيضا، تمنت لو "يصلنا هذا الربيع العربي"، على أن التغيير، بل الثورة الحقيقية، كما تراها هي، ينبغي أن تطول (في المغرب) بنيات المؤسسة وفكرها، وأن تكون "مع الملك لا ضده". ثورة ضد بؤر الفساد السياسي ونهب المال العام وزارعي الخوف، ومعه طعم الذل الذي طال... خصوصا أن تباشير الإصلاح اختفت، بعد وقت وجيز، وعاد الماضي وبضراوة أشد، ومن أجل ذلك، كانت تشارك في تظاهرات حركة 20 فبراير...
وعبر التفاعل مع أصدقائها، واكبت "نفيسة" الثورات العربية في مختلف أقطارها، غير أن خيبة أملها وأمل أصدقائها كانت كبيرة لمآل هذه الثورات، فتحول الخطاب بخصوصها من التفاؤل والفرح إلى البكاء والتشاؤم... ما جعل نفيسة تعتبر أن "هذا الذي نعيشه ليس ربيعا بل زحف زوابع رملية..." وهي، حسب أحد أصدقائها "زوابع أفغانية زاحفة مع رمال الصحراء من الخليج إلى المحيط". وهذا ما جعلها تؤكد أن "سنة 2011 بدت في ظاهرها كأجمل ما تكون السنوات، ثورات وشجاعة وحلم التخلص من عالم الفساد والقمع، وانتهت كأبشع ما يكون، خوف وريبة وسلفية في الحكم وتكالب على المناصب...!!!"
وسبب هذا التحول هو أن القوى الإسلامية هي من استلمت زمام الأمور في البلدان التي حدث فيها التغيير. لذلك، فإن نفيسة "أحست العالم يختنق من رائحة المسك وعود القماري، ويعج بأصوات الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر... فاستبد بها خوف من مستقبل قد تعود معه البلد إلى عهود الحريم وملك اليمين وزواج القاصر..." سيما أنه "سبق لها أن عانت من رعبهم، وخبرتهم عن قرب، (إبان) خطة إدماج المرأة في التنمية... ورأت كيف تقف المرأة الإسلامية في وجه كل النساء بشراسة تدافع عن التعدد، وعن الهجر في الفراش، وزواج القاصر، وفرض الولاية على المرأة... خبرتهم في المسيرة المضادة للمسيرة الدولية ضد العنف والفقر ومن أجل المساواة، وهم يرددون شعارات: "يثرب يثرب يا يهود جيش محمد سيعود"/"يثرب يثرب يا يهود دولة الإسلام ستعود".
وطبعا، فنفيسة لا تقف عند النتائج فحسب، بل تتعداها إلى الأسباب، حيث تعتبر أن سبب وصول هؤلاء إلى السلطة، هو أنهم استطاعوا تأطير الشعب الذي "لم تؤطره القوى الحداثية"، وعوضها أطره القهر والظلم، فوجد ضالته في الإسلاميين، الذين، حسبها، ساعدت ظروف قمعهم وتخويف المؤسسات الحاكمة منهم على تغلغلهم وسط الفئات المسحوقة من الشعب...
والإيجابي هو أنه، رغم كل شيء، ظل يراودها بعض الأمل في أن البلاد العربية لن تلبس كلها الجلباب الأفغاني، تقول مخاطبة إحدى صديقاتها: "لقد هيأت لهم مجموعة من الظروف صناعة تاريخهم... فلنصنع لنا تاريخا آخر".
وفي المجال العاطفي، تعترف نفيسة أنها "لا شيء من غير حب..." وأنها "لا تخشى شيئا في حياتها أكثر من الإحساس بالفراغ العاطفي"، لأنه، حسبها، "يصيبها بالاكتئاب، ويصيب قلمها بالجفاف..." لذلك، فلكي "تكتب، تنسج في ذهنها قصص حب تعيشها وتكتب عنها..." من ثمة، فإن "الحب يسكنها، يغذي خيالها، فتكتبه شعرا... تعيش القصة من بدايتها... حبا عاصفا مجنونا يهذي به لسانها..." وهذا ما حدث فعلا، ذلك، أنه، ونتيجة إخفاقها في الزواج، وإصابتها بالإحباط في العمل، ونظرا للمآل غير المتوقع للربيع العربي، لم تجد بدا من ركوب الحلم، وشد الرحال نحو حب جديد لتنسج من أحلامه قصة عشق مغايرة... حيث "رأت" رجل بحر بهي الطلعة، يركب الموج آتيا من قلب المحيط الهادر. شعاع عينيه... يلهب الكتابة، يحول الموج مدادا...
والمثير هو أن رجل البحر هذا "أرسى مركبه على الشط، صعد الدرج النازل من بلكونة بيتها إلى رمل الشاطئ... ومعه التهب جسدها بالحمى، وارتعشت ضلوعها، وأصابها دوار البحر، وهي تنظر في عمق عينيه.
ورجل البحر هذا هو من نزع عن "نفيسة" تعب السنين وملأها "ذاتا ووجدانا من شعر رأسها إلى أخمص قدميها بهذا الشعور الذي عرفته طفلة، ومن يومها لم تعش ارتعاشته، سوى لحظة أوصله الموج إلى الشط قرب بلكونة بيتها، وإن استمرت منذ طفولتها تكتب قصائد حب، استنفذت مخزون الذاكرة والخيال..."
وسحر عينيه هو ما جعلها تحب من جديد، إذ أحبته لتكتب، تكتبه، تنكتب من جديد، تكتب نشوة السفر إلى عالم جديد... حيث انقادت إلى غرفة نومها... وأوقدت شمعة... وهيأت لائحة موسيقى... وكان ما كان... استطاع هذا الرجل أن يكشف غموضها، ويستخرج منها امرأة لا تعرفها، لم تكنها... ولأن رجل البحر هذا بلبل كيانها، قبل أن يرحل، فلا غرابة أن نجدها تسمع المطعم يردد "أحبك"، دون أن تدرك إن كانت تقولها في صمت أو كان صوتها يتردد صداه بالمطعم.
ولذلك، فإنها، وتشبثا منها بتحقيق حلمها، والمجيء الفعلي لرجل البحر هذا، تصعد في خاتمة الرواية الدرج الرابط بلكونتها بالشاطئ... وتقف تتابع شراعا، "رأته"، وكانت الريح مواتية تدفعه نحوها دون تجديف... مؤكدة بذلك رؤيتها المنفتحة المستبشرة المتفائلة بالآتي، والتي مفادها أنه "لن يكون الغد إلا أجمل، لأنه يحمل تباشير الأمل... رغم السواد..." وتضيف في موضع آخر "دم هؤلاء الذين سقطوا تنديدا بالفساد لم يتحول ذرات بعثرتها الريح... فهاهم الشباب يشمرون على ساعد الجد، يبحثون عن أشكال أجرأة القوانين وتفعيل المبادرات الشعبية لتقوم بدورها في تفعيل الديمقراطية وصيانتها..." وهذه الرؤية هي ما يؤكده أحد أصدقائها الافتراضيين حين يقول: "نحن على طريق استكمال أهداف الثورة سائرون، يحدونا الأمل بغد أجمل رغم كل النقاط السود المتبقية."
والملاحظ هو أنه رغم محاولة الرواية إيهامنا بتعدد الأصوات ، إلا أن صوتا واحدا ظل مهيمنا فيها وعليها، ألا وهو صوت العقل والتفاؤل، صوت الساردة المنسردة، وهو الصوت الذي كانت له الغلبة في النهاية. وقد انعكس هذا المعطى على الشخصيات، إذ جاء جلها في الرواية، كما هي في الواقع الافتراضي، كائنات سياسية مسطحة، بلا قسمات أو ملامح ولا عمق نفسي، باستثناء نفيسة الشخصية المحورية التي انتصرت الرواية لها ولرؤيتها و جاءت كائنا كامل الأوصاف...
ولأن الرواية تقدم لنا عالمين متقابلين أحدهما "واقعي" منحط وغير مسعف والثاني فردوسي تتحقق فيه الأحلام والرغبات، فقد زاوجت في التعبير عنهما بين أسلوبين أحدهما نثري تقريري مباشر يحاكي اللغة اليومية المحكية، والثاني شعري حابل بالمجاز والصور الشعرية العميقة.

حليمة زين العابدين: على الجدار، كلمات للنشر والطباعة والتوزيع، مارس 2012 المغرب

علي بن ساعود

عبدالرحيم محمد احمد
15-06-2012, 10:34
الحي اللاتيني
سهيل ادريس

قراءة في مكونات الصوغ السردي وبناء الدلالة.



أ‌- الحيّ اللاتيني: بحثٌ عن المغايرة في الكتابة والدلالة
يتوزّع فضاءُ الحيّ اللاتيني إلى ثلاثة أقسام، يؤطّرها تمهيدٌ وخاتمة. غير أنّ شخصية البطل تبقى إحدى العلامات المميّزة في سبك خيوط المحكيّ وتأثيث بنياته السردية. فمن سطح الباخرة التي تَمخر عبابَ البحر إلى باريس، ننفتح على فضاءٍ مكثّفٍ قابعٍ داخل وعي البطل. ومن خلال هذا الوعي تتعالق الأشياءُ، وبفضله تنتظم الحوافزُ المؤطِِّرةُ للوحدات السردية والمراقِِبة لتحوّلاتها في تيماتٍ خاصةٍ، لتَستكمل أشواطَ رحلةٍ مقلقةٍ إلى الضفة الأخرى من كينونة البطل التي تشغله أحلامُه المترقّبة للحظة التغيير.
فمنذ الصفحة الأولى برز سؤالٌ قلقٌ لم يلبث أن كشف البطلُ عن إجاباته المحتملة على امتداد المحكيات المتتالية. فالسؤال: "ولكن ما الذي أبغيه في حياتي هذه الجديدة؟" يحدّد هويةَ البطل في رحلته الباحثة عن هذه الحياة الجديدة المرغوبة، ليأخذ معها البحثُ شكلَ رواية، ولتأخذ الروايةُ شكلَ مغامرة. ومن زمن تقلّبات الذات يرسم صوتُ السارد البرّاني Héterodiegétique) معالمَ حياة البطل باعتبارها مركزَ توجيه الأحداث: فحياته الجديدة، التي هي حياةُ التحرر والبحث عن القيم الإيجابية البديلة، سيتمّ الشروعُ في تأسيسها عبر اختراق القيم البالية، قيم الاختناق داخل قمقم الأعراف وسلطة التحريمات. لكن كم احتمالاً للأجوبة صادفتها الشخصيةُ في رحلة البحث هذه؟ وكم موطنًا اطمأنت إليها لتستفيقَ على خيبة أملٍ مروِّعة؟ وكيف أتت إلى جوابها الحاسم المطمئنّ، الذي يتحول فيه الساردُ من صائغٍ للجملة السردية عبر صيغة الخطاب المسرود إلى مجرد ناقلٍ للخطاب المباشر عبر الحوار ("بل الآن نبدأ يا أمي")، ولتختفي معه الأنا المفردةُ القلقةُ ("ما الذي أبغيه؟") داخل أنا جماعيةٍ واثقةٍ، وليكتشف البطلُ في آخر الرحلة أنّ "تقويمَ ذاته في حساب الشخصية الفردية" تقويمٌ خاطئ، وأنّ الذات كانت في الأصل في رحلة جماعية مستترة خلف الأنا العليا؟ ألم يكن البطلُ المفردُ في الحيّ اللاتيني واحدًا منا "نتحدّث إليه ونتحدّث عبره"؟Françoise-van rossum guyon, Critique du roman (Paris: Gallimard, 1970), p 135. ألم يكن ككلّ عربي "يعيش في المرحلة الحالية من تاريخنا، يفتقد وجودَه الأصيل، ويشعر أنّ ثمة شيئًا، ثمة رسالةً ومثلاً أعلى، تضيء له من بعيد وتومض، ويفيض عليها في بعض لمحاته ولمحات نفسه، ولكنها ما تلبث حتى تفرّ من قبضته مخلّفةً وراءها سرابًا"؟ ألم يكن واحدًا "من ذلك الجيل المعذَّب القلق الذي يشكو الحيرة ولم يستقرّ بعدُ على قيمٍ حقيقية توجِّه حياتَه وترشد سبلَ سلوكه"؟عبد الله عبد الدايم، "الحي اللاتيني،" مجلة الآداب، أيار (مايو)، السنة الثانية، ص 36
يشكّل التمهيدُ والخاتمة ملامحََ البعد الاستراتيجي للعملية السردية في الحيّ اللاتيني. فهما معًا يمثّلان استثمارًا فنيّاً عامّاً تأتي المحكياتُ المبثوثةُ بينهما تمفصلاتٍ حكائيةً لهما، ورحلةًٌ مسكونةًٌ بهواجسهما، حيث البدايةُ مشوبةٌ بالقلق والحيرة ("ها أنا وحدي، وسط هذا البحر الذي اختفت شطآنُه، فإلى أين تراني أسير؟ وأين أضع قدمي بعد؟...")، وحيث الخاتمةُ مدثّرةٌ بدفء اليقين الجازم بأهداف الرحلة الجديدة ("لا بل الآن نبدأ يا أمي!").
وبالرغم من تعدّد الضمائر، فإنّ السارد البرّاني هو الذي يضطلع بوظيفة السرد، في حين تقوم شخصية البطل بوظيفة رصد "الأفعال والأحداث والمواضيع المؤثِّثة للكون التخيلي الممثّل داخل العمل السردي."Michel Glowinski, «Sur le roman à la première personne, » in Esthétique et poétique, coll/point (Paris : Seuil, 1992), p. 230. ويوجد الساردُ البرّاني في مستوًى حكائيّ أول أو ما يُصطلح عليه بـ "الخارج حكائي"Extradiegétique) ، يؤطِّر تحت مراقبته مستوياتٍ حكائيةً تضطلع بها الشخصياتُ عبر مكوِّنين أساسين يَحضران بقوة في الحيّ اللاتيني، وهما: محكيُّ الرسالة ومحكيُّ المذكّرة. خذ مثلاً:
"وغشيته موجةُ رهبةٍ وخشيةٍ، وغرق في جوٍّ من الصمت. ها أنا الآن وحدي وسط هذا البحر الذي اختفت شطآنه. فإلى أين أسير؟ وأين أضع قدمي بعد؟ كنتُ مطمئنّاً في جوّي ذلك الوادعٍ! أيُّ ساذجٍ أنتَ! أكنتَ تعي ما أنتَ حتى تشعر بالاطمئنان أو بالقلق؟ ولكن ما بالُكَ عالقًا بعدُ بذكرى الأمس؟ أما شعرتَ منذ هنيهةٍ أنّ ماضيكَ سقط عن كاهلكَ ليضيعَ في النسيان، كما سقط ذلك المنديلُ ليضيعَ في الأمواج؟!" (ص 7)
فهذا المقطع السردي، شأن العديد من المقاطع السردية في هذه الرواية، يعتمد على الشكل السردي البرّاني. وعبر المونولوج الداخلي تبرز ذاتُ البطل المدركةُ مَركزًا للتوجيه السردي، موظِّفةً لأجل ذلك تناوبَ الضميرين: المتكلِّم والمخاطَب. ويبقى ضميرُ الغائب منحصرُا في ذات التلفّظ الساردة، التي تتموقع في موقع الحياد، لتهيّء لنا ظروفَ ولوج أعماق نفسية البطل والإنصات إلى صوت دواخلها: إنه الصوتُ السلبي الذي يهاب المغامرة، ويتقصّد الاحتماءَ بالتقاليد التي تعفيه من أسئلة الذات الملحّة ومن تعب الرحلة المجهولة الهدف. لكن، إلى جانب هذه الذات السلبية، تنتصب من داخل صيغة المونولوج المنقول ذاتٌ إيجابيةٌ متحفّزة ("ولكن ما بالكََ عالقًا..." إلى "ليضيع في الأمواج"): إنها ذاتٌ تهدف إلى تكسير نغمة التناغم المصطنعة التي تريد الذاتُ السلبيةُ إضفاءها على خطابها الماضوي.
ما يثير الانتباهَ في تحليلنا لمحكيّ التمهيد حضورُ موضوعة الرحلة التي اتّخذت منها الحيُّ اللاتيني مركزَ انطلاقها في صياغة كونها التخييلي. ولئن اكتف الساردُ بإخبارنا بلحظة انطلاق الرحلة نحو باريس دون أن تأخذ وسيلةُ السفر (الباخرة) أيةَ دلالة فنية أو إيديولوجية كالتي سنصادفها في ما بعد مع رواية السفينة لجبرا، فإنّ هذا لا يقصي ملامحَ تشكل "رواية الرحلة" عن رواية سهيل إدريس، والتي تتجلّى في تداخل محكيين:
أ- محكيّ مغامرة الذات التي تبحث عن كينونتها منذ انطلاق الرحلة. فكلّ الروايات التي تتخذ من الرحلة أفقَ اشتغالها، تكون الرحلةُ بالنسبة إليها رمزًا للتخلّص من قبضة زمن مرفوض، ورغبةً في القبض على خيوطِ زمنٍ مأمول. وهذا ما نلمسه لدى بطل تحوّلات لميشيل بوتور الذي يقوم برحلة من باريس العتمة المرتبطة بشخصية سيسيل إلى روما التحرر من أعباء الماضي الثقيلة. في الحيّ اللاتيني نجد البطل يعيش الوضعية نفسها تقريبا: "للمرة الأولى منذ بدأ يعي شعر بقوة هذه الإرادة التي تعصف بوجوده في أن يولد من جديد. إنه يريد أن ينسى حداثتَه وأصحابَه وبضعَ فتياتٍ عبرن حياتَه بغموض، ليبدأ من أول الطريق إنسانًا جديدًا يستلهم الحياةَ شخصيةً جديدة" (ص 6).
ب – محكيّ استجلاء الماضي عبر استرجاع صورته القابعة في ركن معتم من ذاكرة الذات القلقة، بما يؤدّي إلى تمزّقٍ في دواخل هذه الذات: بين وعي منطلق في بحثٍ شغوفٍ عن أفق الممكن، ووعيٍ كابحٍ مشدودٍ إلى أثقال الماضي. وستَكشف لنا المساراتُ السرديةُ كيف اتخذ البطلُ من ذاته حلبةً للصراع مستعينًا بتقنية لعبة التضمير، الأمرُ الذي يلغي إدراجَ الحيّ اللاتيني ضمن سياق رواية "صراع الأنا والآخر" أو "صراع الشرق والغرب."
فالغرب في رواية إدريس ليس سوى مرآةٍ تعكس حقيقةََ الذات وتفضح أسرارَها، وهو جزء أساس من أدوات التعلّم وساحةٌ لبلورة مشروع الذات في رحلة التغيير.
والحال أنّ القلق والحيرة اللذين يشعر بهما البطلُ في حياته الجديدة ينعكسان على مستوى البنية السردية. فرغم أنّ المنظور المتحكّم في إنتاج السرد في الرواية واحد، فإنّ الاصطراع داخل نفسية البطل استدعى-تقنيّاً-منظورين متنابذين ينتج عن مواجهتهما صراعٌ بين القيم المضادّة، وإن جرى ذلك في إطار من التماسك المنطقي الذي يحدّد تمفصلات السرود. فالمحكيّات تصلنا عبر رصدٍ فوقيٍّ يسيِّر دفّتَي الحكي، ويدقِّق في التفاصيل، وينثر الأحكامَ بين ثناياها وفق خطةٍ سرديةٍ مرسومةِ المعالم سلفًا، وهو ما أدّى أحيانًا إلى الرتابة في تفاصيل بعض الأحداث التي بدت مقحمةً، كحدث عودة البطل إلى باريس وبحثه عن جانين بعد أن تخلّى عن مسؤوليته تجاهها ولقائها في أحد المقاهي الباريسية: فهذا الحدث لم يشكل أية إضافة جديدة على مستوى بناء الحدث المركزي إذ غابت عنه ملامحُ الصراع الحقيقي بين الشخصيتين؛ غير أنّ المهمة الإيجابية التي يجسّدها البطلُ في سيرورة المحكيّات فرضت عدمَ ظهور حقائقَ لا تخدم الفكرةَ المركزيةَ للرواية، ألا وهي الانتصار لرغبة الجيل الجديد في الاعتقاد بمقوِّماتٍ جديدةٍ أساسُها النزعةُ القوميةُ العربية. وهذا عمومًا هو حالُ "روايةُ الأطروحة" التي قد تضحّي في لحظةٍٍ ما بنسقية البناء الروائي وجماليته على مذبحها.
والملاحَظ أنّ صوت هذه الذات يكاد يَشغل حيّزًا متعاليًا يجعله أقربَ إلى صوت المؤلف. فهو يحاول أن يوجِّه منظور الذات المدركة السلبية نحو التطهّر من إرغامات الماضي. لكنّ صوتَ هذه الذات قد ينتصر مؤقّتا، خصوصًا عندما يتدخّل الماضي، ممثَّلاً في صوت الأم، رهانًا مضادّاً لرهانات التحوّل ولقيم التغيير التي تسعى الذاتُ المدركةُ الإيجابيةُ إلى تكريسها. ويَحضر صوتُ الأم ليربط البطلََ بماضيه من خلال الرسالة، باعتبارها أحدَ مكوّنات الإستراتيجية السردية في الحيّ اللاتيني (إلى جانب المذكّرة): "أعود فأحذِّركَ يا بنيَّ من نساء باريس، وقاكَ اللهُ شرَّ بنات الحرام." فبالرغم من أنّ صوت الأم لم يظهر إلاّ من خلال مقتطفات رسائل وجّهتها إلى البطل أثناء وجوده في باريس، أو من خلال حوارٍ قصيرٍ يدور بينهما عند عودة البطل المؤقتة إلى بيروت في العطلة الصيفية، فإنه قويُّ الحضور كلما كنّا أمام انعطافٍ جديدٍ في سلوكيات البطل ومعارفه. فبعد كلّ تجربة يمرّ بها البطل يبرز صوتُ الأم داعمًًا للصوت السلبي داخل ذات البطل المدركة، وحريصًا على تثبيت قيم الماضي: "أعود فأحذركَ يا بنيّ من نساء باريس، وقاك الله شرَّ بنات الحرام...فيذكر ليليان، ويذكر مارغريت، وإن كان في ودّه أن يستبعد مارغريت، ومع ذلك أليست منهنّ أولئك اللواتي تحذّره منهنّ أمُّه؟ ما القولُ في امرأةٍ تستسلم منذ اللقاء الأول؟ أتراها من هاتيك الفتيات الشريفات؟" (ص 77). وفي قمة حبّ البطل لجانين، يأتي صوتُ الأم يعاتبه على تأخّر وصول رسائله إليها، فتنزع الذاتُ السلبية إلى وحدتها المسكونة بالخوف من "الشرق" وتحذيراته، وتَشعر بالذنب، فتسرع إلى البحث عن سبل لتبرير الوضع: "وجلس يكتب إلى أمه، ينتابه شعورٌ كشعور المذنب يسعى إلى تبرير نفسه، وحدّثها عمّا خلّفه نبأُ العملية التي أُجريت لها من ضيقٍ وقلقٍ في نفسه، ثم روى أنه كان ينوي الإبراقَ لهم ولكنه آثر العدول توفيرًا للنفقات... وأدرك كذبتَه هذه التي أشعرته بهذا الوخز، كمثل الإبر في جبينه وجلدة رأسه، وتساءل في همٍّ زافرٍ: لِمَ يكذب ولا يصارح أمَّه، وهي خيرُ مَن يحبّه، بحقيقة الأمر؟ لِِمَ لا يحدّثها عن جانين، هذه التي تملأ الآن حياتَه بالسعادة؟ وابتسم في سخرية مريرة: أنّى لأمّه أن تُقرَّه على شيءٍ من هذا!" (ص 127). وهكذا نجد الحبَّ، فى وصفه عنصرًا أساسًا في تحوّل وعي الشخصية، يتطوّر وفق منظورٍ انشطاريٍّ يتحكّم فيه مبدأان: مبدأُُ الواجب الذي يمثّله وفاءُ البطل لأمّه ولقيم الشرق فيه، ومبدأُ الحرية الذي انفتح من خلاله البطلُ على حبّ جانين وعلى عوالمَ خاليةٍ من كوابح الذات.
لقد مكّننا البحثُ في تمفصلات المنظور السردي والتدقيقُ في تنويعاته الداخلية من التوصّل إلى أنّ علاقة البطل بالشرق علاقةُ كائناتٍ دمويةٍ يستمدّ منها تاريخَه ومعانيَ وجوده. ومن هنا كان لارتجاج منظور البطل وانقسامِه إلى ثنائيةٍ سلوكيةٍ دلالةٌ جوهريةٌ في البناء الفني والإيديولوجي للرواية، نستطيع من خلاله الكشفَ عن مصدر قلق البطل. فالقلق، كما عرّفه فرويد، هو العملةُ البديلةُ للاستثارات العاطفية إذا ما حُرم محتواها من التمثّل أو تعرّض للكبت. ومن ثمة، فإنّ قلق البطل يجد مسوِّغاتِه في المتطلّبات المتغلغلة في أعماقه، وأهمُّها مطلبُ التخلّص من شبح الأم التي ليست "أمّاً حقيقيةً للبطل وحسب، وإنما هي أيضًا الماضي بمختلف إيديولوجيته."جورج أزوط، سهيل إدريس في قصصه ومواقفه (بيروت: دار الآداب، ط 1 1989)، ص97.
الميتاحكائي باعتبار الدلالي والجمالي
يشتغل الميتاحكائي في الحيّ اللاتيني باعتباره أجناسًا متخلّلة تسهم في توليد المحكيّات، وفي إنتاج الوضعيات السردية من مستويات مختلفة. وقد حاولت أن تضفي تنويعًا على الإخبار السردي من خلال امتلاك صاحب الرسالة أو المذكّرة الكلامَ بعد تنازل السارد الأول عن ذلك، مع احتفاظ الأخير بوظيفتي المراقبة والإدارة. والملاحَظ أنّ المحكيّات الميتاحكائية الواردة في الرواية جاءت، في مجملها، مرتبطةً بمنظور البطل ولا تكاد تخرج عن مجال إدراكه. فرسائلُ الأم ومذكّراتُ جانين ما كانت لتأخذ قيمتَها في نسيج السرد لو لم تحمل بعضَ الإجابات على استفساراتٍ يطرحها البطلُ؛ فكأنّ السارد البرّاني لا يتيح الكلامَ للشخصيات من أجل التعبير عن مواقفها، وإنما لتجيبَ عن أسئلة البطل. ففي رسالة جانين إلى البطل بعد عودته إلى بيروت، نجد أنّ التي تحكي هي جانين. ولأنها تحكي عن أشياء تتّصل بها مباشرةً، فإنه يمكن اعتبارُ الرتبة السردية التي ترد فيها الموضوعاتُ المسرودة من قبيل الشكل السردي الذاتي-الحكائي، وذلك استنادًا إلى التفريع الثنائي الذي وظّفه جونيت في تحديده للشكل السردي الجوّاني. تكتب: "أحاول منذ يومين أن أخرج إلى دنيا الناس مع أني أعيش بينهم، فتذهب محاولتي عبثًا، إذ أسقط من جديد في دنيا حبّي. وكثيرًا ما أفتح بابَ غرفتي في المساء، وألبث ردحًا وأنا أنظر إلى باب غرفتك، فإخال كلَّ لحظة أنه سينبثق، فتبرز منه باسمًا..." (ص217). فالنوع السردي هنا هو النوع السردي الفعلي على اعتبار أنّ ذاتَ الإدراك لجانين تشتغل مركزًا للتوجيه؛ أما موضوعُ الإدراك فمزدوج: فهو تارةً نفسيةُ جانين المتأزّمة جرّاء افتقادها حبيبَها، وهو تارةً طيفُ هذا الحبيب وذكرياتُه وصورتُه المرسومة في مخيلتها- وهو ما يدلّل على امتداد حضور مركز التوجيه السردي للبطل وإن غاب عن فضاء باريس. وستبدو هذه الوضعية أكثرَ وضوحًا في المذكّرات، الأمرُ الذي يجعلنا نستنتج أنّ الجنس المتخلّل (الرسائل والمذكّرات) لم يُلقِِ الضوءَ على التجارب النفسية وعلى حقيقة جانين، بل اكتفى بتثبيت قيم النصّ ممثّلةً في التركيز على سيرورة حياة البطل للوصول إلى النضج الفكري. وتأسيسًا على هذا، نذهب إلى أنّ تنوّع المنظورات والأصوات داخل هذه الرواية، وعلى قلّته، يتمّ ضمن خدمة الموقع المفرد الذي تحتلّه الشخصيةُ المحورية. "تهمّكََ بعضُ أنبائي": هذا ما تقوله جانين في إحدى رسائلها إلى البطل في بيروت. فالشخصية-السارد هنا تكتفي بسرد الأنباء التي تهمّ البطل،" وبالتالي فإنّ صوتها لم يكن في العمق سوى النبرةِ الأخرى لصوت السارد الأول، والمنظورِ المكمِّلِ لمنظور البطل المحوري.
الخندق الغميق: رواية الذات في رحلة البحث عن مسوِّغات وجودها
هذه الرواية، كما العديد من روايات الخمسينيات وبدايات الستينيات، تتعقّب الذاتَ من خلال علائقها بالفضاءات الاجتماعية المفتوحة من جهة، وبالفضاءات النفسية المسكونة بهواجسها من جهةٍ ثانية، بهدف تأريخ مرحلة أساسية من مراحل تشكّل المجتمع العربي. وترتبط معرفتُنا بالأخبار السردية في الرواية بالشخصية المحورية سامي، التي تَشغل مركزَ التوجيه، وتكاد تمثِّل الذاتَ المدركة بامتياز في مجمل الموضوعات المسرودة. وعليه، فإنّ الخندق الغميق يندرج ضمن الشكل السردي البرّاني، حيث الساردُ لا يتشخّص داخل محكيّاته بل يكتفي بأداء وظيفته الأساس: السرد، ومراقبة تحوّلِ الأحداث وتحرك الشخصيات عبر أنساقٍ زمنيةٍ محدّدة. وإذا كان السردُ يتمّ هنا بضمير الغائب، فإنّ المنظور السردي يقترن بموقع البطل سامي، إذ يتعذّر علينا أن نخطو خطوةً واحدة داخل عالم الحكاية من دون أن يكون توجيهُنا المركزي هو منظور سامي.
منذ البداية يعلن السارد انه يعتنق المنظورَ السردي الفعلي للشخصية المركزية سامي من خلال هذا المقطع الافتتاحي: "وظلّ واقفًا خلف الباب المشقوق ينظر إليهم وقد بدأوا يأكلون، وإلى أيديهم ترتفع من الصحون إلى الأفواه" (ص7). فهنا نجد أنّ صورة اجتماع "الجماعة" على مائدة الأكل تشكّلت لدينا انطلاقًا من منظور سامي، أما العمق فخارجيّ محدود يعتمد على حاسة البصر ("ينظر إليهم"). واعتماد السارد البرّاني في توصيل خبره السردي الأول على سامي يعود إلى رغبته في احتلال موقعٍ محايدٍ في علاقته بالأشياء والأحداث، بحيث لا يتدخّل فيها بل يكتفي بعرضها كما التقطتها عينا البطل من خلال منظورها الضيق "خلف الباب المشقوق." وانطلاقًا من هذا المنظور ننفتح على مسارات السرد المشكِّلة لفضاء الرواية، ليأخذ "البابُ" صفةَ الرمز للمكوِّن الفكري داخل الرواية: فالمساحة التي يتحرّك داخلها الجيلُ الجديدُ غايةٌ في الضيق، والحجابُ بين قيم الماضي المتحجّرة وقيم الحاضر الباحثة عن ملاذٍ يحميها من عسف التقاليد بات أكثرَ شفافيةً إذ سمح بالاقتحام بل والتجاوز. وهذا ما سيعلن عنه سلوكُ البطل في جلسة الشهر التالي، حين يجد نفسَه مدفوعًا برغبة جامحة في الاندساس بين أفراد الجماعة: "ولم ينتظر في الشهر التالي أن يقوم الناسُ عن الطعام ليأكل هو وذووه ما خلّفوه، بل اندسّ بين رجلين أخذ يربّتان على كتفيه، وراح يأكل كالجميع غيرَ عابئٍ بأنظار أبيه" (ص 7). وهذه المتوالية السردية ستنقلنا مع سامي من وضعية المراقب من زاويةٍ ضيقةٍ ومحكومةٍ بأعراف التربية وسلوك الأسرة الشرقية (التي لم تكن تسمح للأبناء وللأم بالمشاركة في جلسات الضيوف) إلى وضعية أكثر اتساعًا تنتعش في أجواءِ جرأةٍ غيرِ معهودة من طفلٍ صغيرٍ. وهذه الوضعية تمثّل، على مستوى المسار السردي، لحظةَ انفتاحِ المنظور السردي على مواضيعِ إدراكٍ أكثر اتساعًا وتنويعًا. وهذا الانتقال يعطي مؤشّراتٍ أوليةً إلى موضوع الرواية، والذي يتلخّص في الصراع بين البطل (كصورة تختزل أحلامَ الجيل الجديد) والموروث (كصورة تمثّل الجيلَ القديم الذي تجسِّده هنا شخصيةُ الأب). وهذا الصراع لا يمكنه أن يتمّ إلا من خلال التفاعل مع الصورة المناقضة: فرغبةُ البطل في مشاركة الضيوف في السهرة الدينية تؤكّدها ضرورةُ معايشة أجواء الجماعة من داخلها وتجاوُز حاجز "الباب المشقوق."
ويمكن بناءً على ذلك اعتبارُ الخندق الغميق "روايةَ تمرُّّس،" فيها يوضع البطلُ على محكّ سيرورة تربوية "ونصحٍ مكتسبٍ ومحصَّلٍ عليه بواسطة معرفة ضارية." ويتميّز هذا النوعُ من الروايات بكون أبطالها يختزلون كلّيةَ العالم في رحلة البحث والاستكشاف، كما يؤكّد لوكاش: "إنّ البطل لا يُعزل عن البشر العاديين الذين يقاسمونه تطلّعاتِه، ولا يوضع في مركز الكتاب، إلاّ لأنّ كلّية العالم لا تتجلّى بوضوح إلاّ في بحثه واكتشافاته."جورج لوكاش، نظرية الرواية، ترجمة الحسين سحبان (منشورات دار التل، ط 1 ، 1988)، ص 189
غير أنّ هيمنة النوع السردي الفعلي الوحيد للشخصية البطل سامي لم تمنع من بروز نتوءاتٍ في سيرورة المحكيّات التي تتحكّم فيها بعضُ المنظورات المركّبة، والتي تكون فيها ذاتُ الإدراك مزدوجةً لموضوعِ إدراكٍ واحد. فتحرّكُ المنظور السردي الوحيد للشخصية البطل نحو التعالق مع منظور شخصيةٍ أخرى يقوم على إبرازِ ما بين الشخصيتين من توحّد في الرؤى إلى الأشياء. وهذا ما تتميّز به روايةُ التمرّس التي تجعل من رحلة التعلّم في حاجة إلى بطلٍ مساعدٍ ينير للبطل طريقَه نحو غايته الكبرى. فلم يكن منظورُ "فريد" ليتراكب مع منظور الشخصية البطل لو لم يكن فريد شخصيةً ألهمت البطلَ سبلَ الخروج من رحلة القلق. وهذا ما سيتكرّر مع عزيز الذي سيتعرّف عليه البطلُ في مرحلة حاسمة من سيرورة تعلمه وتمرّسه، وسيكون بمثابة عاملٍ مساعدٍ يفتح ذهنَه على عوالم المعرفة الجديدة: "وكانت أواصرُ الصداقة تتوطّد بينه وبين عزيز، وكان يجلس طويلاً يستمع إليه وهو يقرأ بعضَ الأقاصيص الفرنسية ليختار منها أفضلَها للترجمة، ويشجّعه على أن يترجم هو أيضًا بعض القصص..." (ص 55).
الميتاحكائي والموقف الإيديولوجي للكاتب المجرد
ينهض البناءُ السردي في الخندق الغميق على ثنائية الضمير: ضمير الغائب في القسم الأول وفي أربعة فصول من القسم الثاني، وضمير المتكلم في ثلثي محكيّات القسم الثاني. ولهذا التنويع الضمائري ما يبرِّره فنيّاً وإيديولوجيّاً: فهو يعطي الرواية ]نظريّا[ً فرصةَ التعدد على مستوى الصيغ الحكائية والتنوع على مستوى الأصوات والمنظورات. فإلى أيّ مدًى ساهمت تقنيةُ التنويع في الخندق الغميق في إفراز تعدديةٍ صوتيةٍ حقيقيةٍ ضمن السرود والمنظورات على مستوى إدراك الموضوعات المسرودة؟ ولنا، تحديدًا، أن نتساءل: هل حقّق صوتُ "هدى" تميّزَه داخل الكون الحكائي للرواية؟
إنّ الطبيعة التفسيرية والسببية التي اختصّت بها محكيّاتُ هدى جعل من صوتها قابعًا في أحضان سلطة السارد الأول، إذ لم يتح له هذا الأخيرُ إمكانيةَ الكشف عن مسارات حكائية خاصة به تجعل من السرد فضاءً أوسعَ لجدل الرؤى والأصوات. فلقد اكتفى صوتُ هدى بإعادة إنتاج ما سبق أن ألمح إليه الساردُ الأول، وقليلةٌ هي اللحظاتُ السرديةُ التي انفلت فيها صوتُ هدى من سلطة الحكاية الأولى لتكون بطلَ محكيّاتها الخاصة. ويمكن أن نمثّل على هذه اللحظات السردية بما افتتحت به هدى محكيّاتِها في الفصل الثاني: "حين خرجتُ من المدرسة بعد ظهر ذلك اليوم، كنتُ أوشك أن أعدو في الطريق عدوًا. ولكني حين بلغتُ منعطفَ الشارع الرئيسي في حيّنا تمهّلتُ في سيري خشيةَ أن ألفت إليَّ الأنظار وأثيرَ الهمسات. والواقع أني كنتُ أشعر بضيقٍ شديدٍ كلّما بلغتُ ذلك الشارع؛ فقد كان أقلّ ما يتوجّب عليَّ هو أن أُحكمَ الحجابَ على وجهي، وأن أزرِّرَ معطفي، وأن أترصّن في مشيتي. وما كان لي أن أنسى تعليماتِ أبي وتوصياتِه في ذلك." (ص 104). فمن خلال هذا النموذج تبدو لنا هدى شخصيةً مكبّلةً بأعراف التقاليد، وتنبثق أمامنا ثنائيةُ القيم المتصارعة والمتنابذة: قيم التسلّط والقهر التي تمثّلها وصايا الأب اليوميةُ إلى ابنته؛ وقيم الرغبة التي تتولّد داخل وعي البطلة، والتي تنير أمامها طريقَ التحرر من قبضة القيم الأولى. وعليه، فإننا أمام امتدادٍ لتيمة الصراع بين القيم المتنابذة التي أطّرت محكيّات السارد البرّاني وتوسيعٍ لها من خلال إقحام طرفٍ آخر من أطراف الصراع، وهو المرأة. فوضعية هدى المشار إليها في هذا المقطع السردي سبق وأن اخبرنا عنها الساردُ الأولُ في إحدى محكيّات القسم الأول من الرواية. وكلُّ ما أضفته هدى في محكيّها هذا مجردُ تصويرٍ للبعد النفسي الناتج عن هذه الوضعية.
وما يمكننا ملاحظتُه أيضًا بخصوص محكيّات هدى أنّ السارد الأول لم يتنازل كليّاً عن سلطة الحكي، بل ظلّ مراقبًا لسيرورة محكيّاتها، متدخِّلاً في تقطيعها النصّي، ومتحكِّمًا في زمام السرد: يسلمه متى شاء، ويستردّه أنّى شاء. فالتوزيع في المستويات السردية كان محكومًا بالفكرة الإيديولوجية والخلفية المرجعية، المتمثّلتين أساسًا في إشراك صوت المرأة الجديد في هموم التأسيس للمستقبل، وتحمّلِ المسؤولية في مواجهة قيم الابتذال وهشاشة الحياة التقليدية. بل إنّ صوت هدى لم يصل إلى حدود إقناع المؤلِّف المجرّد بكفاءته لأجل احتلال مساحةٍ أكبر في الحكي، فظلّ صوتًا تابعًا غيرَ خلاّق يردّد قيم سامي المطلقة، من دون أن يسعى إلى اختلاق لغته الخاصة به: إنه صوت تلك الفتاة التي تضحّي من أجل أخيها، فتتيح له فرصةَ السفر لاستكمال تعليمه وحصوله على درجة الدكتوراه ، في حين تظلّ هي راعيةً لشؤون زوجها وأمها المريضة. وهذا ما يعبِّر به البطلُ عند وداعه لأخته لحظة سفره: "إنّ أمامكِ أنتِ أيضًا يا هدى رحلةً تقومين بها مع رفيق في عالم عشكما الصغير." (ص 170).
ومما يؤكِّد تبعيةَ محكيّات هدى ومنظورها لمحكيات البطل ومنظوره النموذج التالي: "غير انه اتّخذ فجأةً مظهرَ الجِدّ وصارح أختَه بأنه يعرف حبَّها لرفيق، ويقدّر عاطفتَها حقَّ قدرها، وهو لا يقف دونها؛ ولكنه يريدها أن تنتهي نهايةً شريفةً يعتقد أنّها ستكون أمامها بعد أن تنهي دراستَها، وأنّ أمام صديقه أن يثبت مركزَه وأن يوفِّر بعض المال للمستقبل" (ص 136). فالخبر السردي هنا جاء خاضعًا لمنظور سامي: فعبر إدراكاته نكتشف موقفَه من علاقة أخته بصديقه رفيق، وموقفَه بالتالي من الحبّ، محطِّمًا التقاليدَ المتكلّسة التي تمنع المرأةَ من الإفصاح عن مشاعرها، بعد أن كان قد هيّأ لها سبلَ التحصيل العلمي الذي كانت الثقافةُ التقليديةُ تعتبره مجردَ مطمحٍٍ ثانويّ بالنسبة إلى المرأة. ثم يأتي منظورُ هدى في هذا السياق ليزكّي منظورَ سامي بقولها: "والواقع أنّ سامي شقّ أمام عاطفتي دروبًا للمستقبل لم أكن قد فكّرتُ فيها. فهو قد أفهمني من غير مداورة أنه لا يقف موقفَ المُعارِض من هذا الحبّ، ولكنه يريد له أن يسير في الدرب المشروع. وهو يرى تحقيقَ ذلك في أن أواصلَ دراستي حتى يتاحَ لي أن أحكم على مصير هذا الحبّ حكمًا عاقلاً ناضجًا، وحتى يتاحَ لرفيق أن يهيِّئ أسبابَ الحياة المشتركة." (ص 139). وهكذا نجد أنّ ما ورد على لسان هدى لم يكن سوى تلخيصٍ لما ورد في الخطاب غير المباشر لسامي، وهذا ما يجعلنا أمام منظور سردي متحول ومتعدد الإدراك polyscopique.
وقد تبادر إلى ذهننا، ونحن نحلّل الخندق الغميق، أسئلةٌ من نوع: لماذا لم يعمد سهيل إدريس إلى منح الأب–الشيخ ،الحريصِ على استمرار القيم التقليدية، سلطةََ الحكي، ولاسيما أنّ ذلك كان سيقدّم للرواية إمكانيةً حقيقيةً لتعدّد الأصوات والمنظورات، علمًا أنّ الرواية تقوم على مبدإ الصراع الذي يؤسِّس للتحول المنشود لدى البطل؟ وقد تبيّن لنا بعد تحليلنا لمجموع المقاطع السردية السابقة أنّ تغييب صوت الأب، أو صوت الأخ الأكبر فوزي، باعتبارهما امتدادًا لسلطة التقاليد والأعراف الاجتماعية، لم يكن نتيجةً لقصورٍ في الإدراك والوعي الفنيين عند سهيل إدريس، وإنما كان مظهرًا من مظاهر سيطرة الوعي الإيديولوجي على العمل الروائي، هذا الوعي الذي كان يحلم بانتصارات الجيل الجديد، ويسعى إلى التأسيس لثقافةٍ مغايرةٍ تشهد ولادتها من رحم المواجهة ضد حماة القيم المبتذلة والأفكار والأقانيم المجمدة. فقيمُ الأب ومواقفه المعارضة لقيم التحرر التي يؤمن بها الجيلُ الجديد لم تصلنا عبر محكيّاتٍ من إنجاز صوته الخاص، وإنما كانت تتخلّل بعضَ الحوارات أو المونولوجات أو التأملات السردية التي سيطر فيها منظورُ سامي وصوتُ السارد البرّاني تارةً، أو منظورُ هدى وصوتُها تارةً أخرى.
على سبيل الختام
قد لا تكتمل الرؤيةُ التحليليةُ والنقديةُ لروايتي الحيّ اللاتيني والخندق الغميق من دون تحقق شرطين أساسيين: أولُهما إدراج أصابعنا التي تحترق، التي تمثّل البنيةَ الثالثةَ في المشروع الروائي للكاتب الراحل سهيل إدريس، ضمن مقاربة شاملة للوقوف على خصائص البعد الدلالي والجمالي لثلاثية سهيل إدريس الرائدة. وثانيهما: القراءة المتكاملة لعناصر الخطاب الروائي من خلال مستويات السرد والزمن والصيغة والكرونوطوب والشخصيات، ومستويات تشخيص اللغة. ذلك لأنّ مثل هذه القراءة الشاملة والمتكاملة هي القادرة وحدها على الكشف عن روائية الروائي سهيل إدريس وخصائص الكتابة عنده، مفهومًا وأداةَ فعلٍ ورؤيةً إلى لعالم والذات.
والشرطان معًا لم يكونا غائبين عن بالنا، ونحن نروم قراءة المتن الروائي للكاتب المبدع سهيل إدريس. لكنّ ضيق مساحة القول حدّ من أفق تعاملنا مع هذا المتن، أملين في تحقق مساحة أكثر اتساعًا لتحليلنا لهذا المتن الإبداعي الذي يظلّ علامةً بارزةً في سيرورة الإبداع الروائي العربي.

(http://www.adabmag.com/epublish/1/1)
عبدالحق لبيض.



















(http://www.adabmag.com/solidarity-with-aladab)

(http://www.adabmag.com/boycott_israel)

(http://adabmag.com/boycott)

عبدالرحيم محمد احمد
16-06-2012, 20:57
قوة الأدب والحياة في مواجهة القمع وآلة الموت

'حب وقمامة' ... وملاحظات حول كافكا في رواية إيفان كليما
'أمرتني المرأة الجالسة في المكتب أن أذهب إلى غرفة الخزائن. كان عليَّ الانتظار في تلك الغرفة، فعبرت الباحة متجهاً صوب بابٍ عليه لوحة تحمل كلمة واحدة: 'الخزائن'. كان المكتب رمادياً يبعث كآبة في النفس. ومثله الباحة التي لم أرَ فيها إلا كومة من النفايات. وقطع القرميد المكسّرة في الزاوية مع كثير من عربات القمامة ذات العجلتين وكثير من حاويات القمامة. ولا شيء من الخُضرة إطلاقاً. بدت لي غرفة الخزائن أكثر كآبة حتى من تلك الباحة نفسها. جلست على مقعد قرب نافذة مطلة على الباحة الكئيبة... كنت ممسكاً بحقيبة جلدية صغيرة فيها ثلاث كعكاتٍ حلوة صغيرة مع كتاب ودفتر ملاحظات اعتدت أن أسجّل فيه كل ما يخطر لي ويتصل بما أكتبه. أنا الآن على وشك إنهاء مقالة عن كافكا'.
بهذا المقطع الصغير يفتتح إيفان كليما روايته 'حب وقمامة' التي انتهى من كتابتها عام 1986 وقد صدرت ترجمتها العربية مؤخرا عن 'دار التنوير' في بيروت، بتوقيع الصديق الحارث النبهان مترجماً. وهي أول ترجمة عربية للكاتب التشيكي كليما، الذي لا يقل أهمية إبداعية في نظر الكثير من النقاد عن مواطنيه فاتسلاف هافيل الذي أصبح رئيسا لتشيكوسلوفاكيا ثم لجمهورية التشيك من عام 1989 إلى عام 2003، وميلان كونديرا الذي نال جائزة نوبل للآداب، كانوا من جيل واحد ساهمت الحرب العالمية الأولى بتشكيل ملامح وعيهم الأيديولوجي، وعاشوا التجربة المجهضة لـ'ربيع براغ' 1968 الذي اغتاله الاستبداد الشيوعي، لكنه ساهم بتشكيل ملامح عطائهم الإبداعي لاحقا، فكانوا أوفياء للكتابة قدر وفائهم للديمقراطية ونزوعهم باتجاه الحرية والبحث عن مساحة لتحقيق إنسانية الفرد في عالم تسوده السلطة الغبية، سلطة الأيديولوجيا والكلمات 'ولغة الحمقى' كما يُعبر كليما.
وبالعودة إلى المقطع الأول من الرواية، يُفاجئنا ذلك الوصف البارد للمكان وعربات القمامة، بعد أن فاجأتنا تلك المفردة في عنوان الرواية ذاته، غير أن ذلك الوصف البارد للمكان وعربات القمامة أبعد الدلالة الرمزية الكامنة في العنوان لصالح تفسيرات أكثر واقعية، أكدها لاحقا قرار الراوي أن يبدأ العمل في كنس القمامة من شوارع مدينته براغ، ليقودنا في الجملة الأخيرة من تلك الفقرة 'أنا الآن على وشك إنهاء مقالة عن كافكا'، إلى لبّ الإشكالية الوجودية لحياته وتجربته، ربما بالاستناد إلى حياة وتجربة كافكا.
وأعتقد أن هذه المفارقة تحمل شيئاً من الكافكاوية التي تعمدها الكاتب، رغم أن خياره لهذا العمل ولهذه الإشكالية لم يخل من شحنة رمزية عبر عنها في أكثر من مقطع داخل الرواية، فها هو يتحدث عن كناسين من نمط آخر: 'كان كناسو (لغة الحمقى) يصلون في مركباتهم المزينة بالأعلام، متظاهرين بأنهم يكملون ذلك التنظيف الكبير، يكنسون ذكريات الماضي كلها، كل ما كان عظيماً في الماضي! وعندما يتوقفون فرحين في مكان يبدو لهم أنه قد صار نظيفا تماماً، يأتون بواحد من فناني (لغة الحمقى)، بواحد منهم، فيقيم هنا نصباً للنسيان، تمثالاً مؤلفاً من جزمة طويلة ومعطف وبنطال وحقيبة، وفوقها كلها وجه خالد لا نشعر أن وراءه روحا أو حياة لكنهم يعلنونه، وفق العقيدة الرسمية، وجه فنان أو مفكر أو عالم أو شخصية وطنية'.
وفي موضع آخر يكتب كليما 'إن كتل الأفكار المرمية هي الأكثر خطورة بين القمامة كلها، القمامة التي تُغرقنا وتهددنا بأنفاس التحلل المنبعثة منها، إنها تندفع من حولنا وتنزلق هابطة منحدرات أرواحنا، والروح التي تلمسها تلك الأفكار تروح تذوي وسرعان ما لا يراها أحد حية من جديد'. وفي مكان آخر يوضح: 'إن شرح طريقة الإزالة الاقتصادية الفعالة للقمامة البشرية من هذا العالم على نحو عملي محكم وفق روح زمننا الثوري ووفق أفكاره وأهدافه وارد في المذكرات التي كتبها الضابط هوس، آمر معسكر أوشفيتز'
لكننا بعيدا عن التباسات مفردة القمامة، سنجد في الرواية دراسة معمقة لكافكا الذي يعيده الكاتب إلى أصله التشيكي وإشكاليتهما المشتركة كيهود مضطهدين من قبل أنظمة شمولية، 'كانت لغة كافكا التشيكية ممتازة، لعله فيها شيء لا يذكر من التيبس! لكنه كان يكتب بالألمانية مع أنه ليس ألمانياً، لقد كان يهودياً'. وأهمية هذه الجملة التقريرية لأنه 'لم يجد أي مؤرخ أدبي تشيكي على الإطلاق في نفسه ما يكفي من كرم أو شجاعة أو لطف ليصنفه ضمن الكتاب التشيك'.
والروائي إيفان كليما الذي أمضى سنة ونيفا من عمره الفتيّ في أحد المعسكرات النازية، قبل أن تضع الحرب الكونية الثانية أوزارها عام 1945. قرأ سراً خلال فترة أسره، ديكنز وهوميروس وجول فارن، ليكتشف فرانز كافكا لاحقا: 'كانت أول قصة قرأتها لفرانز كافكا، قصة تضم المقطوعات الشعرية الطويلة القليلة التي أنجزها، وكانت القصة تتحدث عن رحالة أراد ضابط في إحدى الجزر أن يريه آلة الإعدام الغريبة التي صنعها بمحبة وتفان. لكن الآلة تعطلت أثناء العرض وشعر الضابط بخزي كبير جراء هذا، فوضع نفسه على كرسي الإعدام. يصف الكاتب تفاصيل الآلة الفظيعة بلغة تقريرية باردة كأنه يستطيع بهذا أن يحجب الغموض والمفارقة غير المفهومة في الأحداث التي قام بتسجيلها...
ثم يربط بين التجربتين من خلال فهمه لوظيفة الأدب 'وعجبت كيف يستطيع الأدب لا أن يعيد إلى الحياة من ماتوا فحسب، بل أن يتنبأ بملامح أولئك الذين لم يولدوا بعد!'.
لذلك شكلت الكتابة بالنسبة لكافكا طريقة للعيش 'عندما كان كافكا يكتب، لم يكن يهرب من عذاباته فحسب بل كان يتمكن من العيش أيضاً،...كانت الكتابة صلاة بالنسبة له، هذه واحدة من العبارات القليلة التي كتبها عن معنى الأدب عنده، لقد نقل السؤال إلى حيز آخر: ما هي الصلاة؟ ما معناها بالنسبة له، ... الأرجح هو أنها كانت سبيلاً إلى اعتراف شخصي صادق بأي شيء في عقل المرء'.
ويتابع كليما قراءته في يوميات كافكا 'تأكد مرة أخرى أن أحدنا لا يمكن أن يحيا في عزلة مطبقة وأن الخيوط التي تربطنا بالآخرين قد تكون شبكة عنكبوت خانقة، لكنها أيضاً شبكة الحماية الوحيدة التي تمنعنا من السقوط في الهوّة السوداء' ويتابع حديثه عن كافكا في موضع آخر من الرواية فيقول:
'من المؤكد أن فرانز كافكا واحد من أهم الكتاب الذين عاشوا وعملوا في بوهيميا، كان يلعن براغ ويلعن موطنه لكنه لم يستطع حمل نفسه على الرحيل، لم يستطع اتخاذ قرار بانتزاع نفسه منهما...
لا بد أن ذلك الشعور بالوحدة والإقصاء الذي ينبعث من كتاباته النثرية مرة بعد مرة نابع من إبعاده عن موطنه، عن شروط حياته، الحقيقة أنه يشترك في هذا مع كثير من معاصريه، لكن براغ كثفت هذا الأمر إلى حد كبير، كان يتوق إلى الهرب منها، تماما كما يتوق إلى الهرب من وحدة عزوبيته المتقدمة في السن، لم يستطع ذلك! وما كان قادرا على تحرير نفسه إلا من خلال الكتابة.
لو كان قادرا على تحرير نفسه بأي طريقة أخرى لعاش زمناً أطول، على الأرجح، ولعاش في مكان آخر أيضاً، لكنه ما كان ليكتب شيئاً في تلك الحالة!'.
أعتقد أنه يمكننا أن نقرأ في هذه الرواية شيئاً مهما وعميقا بالمعنى النقدي حول تجربة كافكا، حياته وأدبه وموته، كما نقرأ شيئا آخر عن الثقافة والنخب المثقفة في ظل الأنظمة الشمولية، أشخاص ومجموعات مستلبة للنظام، وأخرى سحقتها الحقبة الشيوعية والتضليل الأيديولوجي، حيث المظالم التي يتعرض لها الناس تغدو بطولات وطنية، وفي بعض الأحيان أممية، وشيئا عن الحرب والموت لا يقل أهمية عن ذلك في تصوير عمليات القتل أو الإبادة الجماعية بأبشع صورها وأكثرها وحشية.
'عندما عرفت بعد الحرب أن جميع الأشخاص الذين كنت مولعا بهم، جميع من كنت أعرفهم،قد ماتوا، سمموا بالغاز ثم أحرقوا مثلما تحرق النفايات، استبد بي اليأس، كنت أسير معهم كل يوم تقريباً وأدخل معهم إلى أماكن مغلقة، كنا عراة كلنا، وفجأة يبدأ اختناقنا، كنت أحاول الصراخ لكنني أعجز عن ذلك، أسمع الحشرجة في حناجر الآخرين وأرى وجوههم تكشّر ثم تفقد أشكالها الأصلية، كنت أستيقظ مذعوراً، أخاف أن أعاود النوم...كان واضحا أنني لم أبق حياً إلا بسبب سهو ما، أو بسبب غلطة يمكن أن تصحح في أي لحظة'.
مع ذلك لا يمكن لتلك المقبوسات أن تغني عن قراءة الرواية، فهي عمل اختزالي يلغي الكثير من الحيوات التي نفخ الكاتب فيها من مداده حياة، ولكثير من التجارب التي تمتد من 'الخمير الحمر' في كمبوديا إلى طقوس التضحية عند البوذيين، حيوات وتجارب تعشقت نسيج الرواية وحياة الراوي التي انتظمت في فكرة الحرية وعبر عنها في كل ما كتب: 'دخلت الحياة حاملاً هذا العبء، ما كان عمري قد بلغ الثامنة عشرة عندما بدأت كتابة مسرحية عن ثورة في معسكر اعتقال للنساء، عن قرار يائس بالحياة الحرة أو الموت، بدا لي وقتها أن فكرة المعاناة الناجمة عن حياة معدومة الحرية أهم الأفكار إطلاقا...كنت أحس بأن وجودي كله متعلق بالحرية'.
في رواية 'حب وقمامة' نتمثل تلك الجرعة النقدية في الأدب والسياسة دون أن نفارق السرد الأدبي، ودون انقطاعات حادة في هذا المستوى، حيث الحب المستحيل والذي لا يبحث عن نهاية درامية، إن صح التعبير، حب يقارب السيرة الشخصية لراو تتنازعه علاقتان، الزوجة ليدا والأولاد والأسرة ومفهوم الإخلاص والثقة، 'عدت الى البيت متأخراً تلك الليلة ومضيت لأرقد في السرير إلى جانب زوجتي، لم يخامرها أي شك فقد انحشرت بي كعادتها، مازالت مفرطة الثقة مثل طفل صغير!' وتعتبر أن عجز زوجها عن الحسم في كثير من الأمور يعود إلى تجربة الاعتقال التي لم يستطع تجاوزها.
مقابل صديقته داريا التي لا تعرف الإشباع ومتطلبة باستمرار 'كل شيء حياة بالنسبة لها، وكل ثانية نمضيها معا يجب أن تمتلئ حباً... تطلب ألا أتركها، أن أبقى معها' وتستغرب كيف يكتب عن الحرية وهو لا يستطيع أن يتحرر من زوجته ليعيش الحب معها فقط، لكنه يعلق على ذلك مستنكراً: 'الحياة لا تعني ممارسة الحب وحده بالتأكيد'؟
هكذا تمضي الرواية إلى نهايتها دون أن يحسم الراوي قراره، فالحب بالنسبة له نقيض الوحدة التي يعاني منها، لكن الحب في النهاية، أو تلك العلاقة التي تستهلك الجسد تفقده حريته، وقد عبر عن هذه الإشكالية بشكل مباشر في قصة قصيرة له بعنوان 'البيت الأبيض' تتحدث عن علاقة بين فتاة عمياء تعزف على الكمان وبين شاب ثري، حيث نقرأ: 'غالباً، الوحدة فقط هي التي تدفع الناس نحو الحب، وفي الحقيقة هم دائماً يتردّدون بين الحرية والوحدة، لكن في جميع الحالات، هم يخسرون حريتهم، لكن من دون أن يتمكنوا من التخلص من وحدتهم'. وهو يحاول أن يقرأ علاقات كافكا النسائية الفاشلة على ضوء ذلك الفهم للحب باعتباره توقاً للحرية، فيقول: 'كان اللقاء البشري نفسه في نظره آتياً من ارتباط وثيق مع امرأة يحبها، في فرصة لتحقيق معنى حياته، فرصة لا ينفك يُضيعها، وأما الصراع الذي يخوضه مع نفسه فقد أنهكه واستنفده تماماً'.
لكننا بعد الانتهاء من قراءة هذا العمل سنجد أنفسنا في مقارنة حتمية بين تجربة الكاتب في مواجهة الاعتقال والقمع وفظائع الاستبداد الذي يلغي حرية الأفراد، وبين ما نعيشه في ظل الربيع العربي راهناً، شيء ينبئنا أن الزمن مستمر، لكن بفارق صفحة يشبه اختلاف التوقيت بين بلد وآخر، وأن تجارب أوربا الشرقية والكثير من دول العالم تتكرر الآن في العالم العربي، وهذا ما يدعونا للتمعن مليا في ما يجري بين ظهرانينا، يدعونا إلى الإخلاص المستمر لحرية الأفراد وديمقراطية الأنظمة مهما كان الثمن، وهو في كل الحالات ثمن فادح من القمع والتعذيب وصولا إلى القتل ومجازر الإبادة الجماعية.
*****
* 'حب وقمامة' رواية للكاتب التشيكي إيفان كليما، ترجمها إلى العربية الحارث النبهان، وصدرت مؤخراً عن دار التنوير - بيروت.
* كما صدر للكاتب إيفان كليما عدة أعمال أدبية أشهرها رواية 'القاضي يُحاكم'، إضافة لمجموعاته القصصية 'شهر العسل' و'نداء الغريب'، وصدر له عام 1990 كتاب نظري بعنوان 'محاورة في براغ'، وفيه يتحاور مع الكاتب الأمريكي فيليب روث حول العديد من القضايا المتعلقة بالأدب والسياسة والتاريخ والفلسفة.
أنور بدر

عبدالرحيم محمد احمد
17-06-2012, 22:44
'غريبُ النهر'
رواية جديدة لجمال ناجي

عن الدار العربية للعلوم ناشرون صدرت في بيروت الرواية الجديدة لجمال ناجي بعنوان (غريب النهر ) .
تقع الرواية في 216 صفحة، وتدور أحداثها في كل من فلسطين والأردن، وتمتد إلى تركيا ولبنان وسوريا وعدد من بلدان آسيا وإفريقيا، وتتناول فانتازيا النفير الفلسطيني منذ الحرب العالمية الأولى وحتى نهايات القرن العشرين عبر سلسلة من الأحداث التي تقوم على استجواب التاريخ وخوض السباقات في مساحاته .
ويستخدم الروائي في عمله الجديد تقنية زمنية تحطم التراتب التقليدي للزمن لتستنبط منه زمنا جديدا ذا إيقاع تناقلي يفضي إلى مفارقات تبدو غريبة للوهلة، لكنها في الرواية تتحول إلى حقائق يصعب التشكيك في إمكانية حدوثها .
هي رواية 'فانتازيا' النفير الفلسطيني، لكن هذا النفير يظهر في الرواية برؤية جديدة تمزج بين مفارقات الشتات واستحقاقات البقاء، وبين غرائب التحولات الإنسانية وأبعادها النفسية والاجتماعية والسياسية، بما في ذلك نجاحات الشخوص وإخفاقاتها وقوتها وضعفها أمام المنعطفات الحادة .
أبطال الرواية هم أفراد من عائلة افتراضية واحدة يعود أصلها إلى قرية فلسطينية، يعايشون مراحل ضياع الوطن ومنعطفات السياسة وشتات العائلة الواحدة في أصقاع الأرض، وهي العائلة التي تتعدد جنسيات أفرادها وتتشعب ولاءاتهم، ويعايشون عصرهم ويحاكمونه بطرق متعددة، وفي أماكن تترك بصماتها على ألوانهم وأساليب تفكيرهم وسلوكهم.
مقتطف من الرواية :
( قبل أن يبادر إلى توجيه أسئلته الاستقصائية المعروفة التي يفكر المضيف بها في مثل تلك المواقف، كالسؤال عمن يكون الضيف، وما الذي يريده، وهل هو مرسل من أحد أقاربه أو معارفه إليه، وغير ذلك من الأسئلة التي قد تخطر بباله، سبقه الستيني شوكت بسؤال غريب عن الوقت الذي يناسبه من أجل اصطحابه إلى مقام أمين الأمة، أبو عبيدة عامر بن الجراح، الذي يبعد عن البيارة مسافة ثلاثين دقيقة بالسيارة، من أجل زيارة قبر المرحومة عائشة، وقبر شهيد العائلة .
ولقد أثار ذلك الطلب في نفسه بعض التشاؤم، فقد تذكر بأن أشهر الموت في العائلة تنتهي في اليوم الأخير من شهر آذار، بعد ثلاثة وأربعين يوماً من لحظته تلك، ومن المحتمل أن تحل منيته قبل انتهاء تلك الأيام، وهو اعتقاد ترسخ على مر السنين والعقود بين أفراد عائلة أبو حلة، وتعزز بعد أن قضى كل أمواتهم الذين يذكرونهم خلال أشهر الموت، وهي كانون الثاني وشباط وآذار من كل عام من أعوام الموت، حتى إن أجدادهم كانوا يحتفلون في الأول من نيسان من كل عام بنجاتهم من تلك الأشهر الثلاثة، ويذبحون الذبائح ويوزعونها على الفقراء، ويحرقون البخور، ويسهرون في عليّات بيوتهم حتى الصباح، وقبل أن يناموا يلقون بجِرار الفخار الفارغة من علّياتهم كي تنكسر في باحات بيوتهم، معتقدين أن كسر الجرار يزيل آثار تلك الأشهر وتوجساتها .)

عبدالرحيم محمد احمد
21-06-2012, 14:20
أشكال حضور النص التاريخي

في رواية «مجنون الحكم» لبنسالم حميش

تعد رواية "مجنون الحكم" للروائي المغربي بنسالم حميش من بين أهم الروايات التي قامت على مادة حكائية تاريخية، حيث ترصد الرواية فترة حكم الفاطميين بمصر، ومرحلة الحاكم بأمر الله على وجه الخصوص، وتسعى هذه الدراسة إلى الوقوف عند أشكال توظيف النص التاريخي في متن الرواية، حيث يمكن أن نميز بين ثلاثة أشكال للحضور الفعلي للنص التاريخي في متن الرواية؛ النص الاستهلالي، الاستشهاد مع الإحالة، والاندماج في سياق النص الروائي.

(http://www.alalam.ma/info%5C226212012122146PM1.jpg)

1- النص الاستهلالي
الاستهلال هو النص الذي يسبق المتن ككل، أو الذي يأتي في مقدمة كل باب، أو فصل أو مبحث...، ويسمى الاستهلال الداخلي Préface interne،(1) كما هو الشأن بالنسبة إلى رواية "مجنون الحكم"، حيث صدَّر الروائي مدخل الرواية ثم فصولها بنصوص تاريخية من مراجع تاريخية متعددة، كما تختلف هذه النصوص الاستهلالية عددا وحجما ووظيفة بالنسبة إلى كل فصل.
في مدخل الرواية المعنون بـ "مدخل الدخان"، نجد خمسة نصوص استهلالية قصيرة تشغل صفحة كاملة(2)، تتمحور في مجملها حول حياة وسيرة الحاكم بأمر الله:
"وكان الحاكم بأمر الله سيء الاعتقاد، كثير التنقل من حال إلى حال... وكان مؤاخذا بيسر الذنب، حادا، لا يملك نفسه عند الغضب، فأفنى أمما وأجيالا وأقام هبة عظيمة وناموسا".(الوزير جمال الدين، أخبار الدول المنقطعة).
"وكانت خلافته متضادة بين شجاعة وإقدام، وجبن وإحجام، ومحبة للعلم وانتقام من العلماء، وميل إلى الصلاح وقتل الصلحاء، وكان الغالب عليه السخاء، وربما بخل بما لم يبخل به أحد قط".(سبط بن الجوزي، مرآة الزمان).
"وكان جوادا سمحا، رديء الاعتقاد، سفاكا للدماء، قتل عددا كبيرا من كبراء دولته صبرا".(الحافظ الذهبي، تاريخ الإسلام).
"وكان رديء السيرة، فاسد العقيدة، مضطربا في جميع أموره، يأمر بالشيء ويبالغ فيه، ثم يرجع عنه ويبالغ في نقضه".(المكين بن العميد، تاريخ المسلمين).
"وكانت سيرته من أعجب السير،..... وكان يشتغل بعلوم الأوائل وينظر في النجوم، وعمل رصدا واتخذ بيتا في المقطم ينقطع فيه عن الناس لذلك، ويقال إنه كان يعتريه جفاف في دماغه، فلذلك كثر تناقضه، وما أحسن ما قال فيه بعضهم: كانت أفعاله لا تعلل، وأحلام وساوسه لا تؤول".(المقريزي، الخطط).
تختصر هذه النصوص الاستهلالية حياة الحاكم بأمر الله، وتصرح بأشياء أكثر مما تصرح بها الصفحات الموالية المخصصة لهذا المدخل، كما تلمح للحظات من حياة الحاكم بأمر الله وفترة خلافته، سنقف عند تفصيلها في باقي فصول الرواية، فهي نصوص استهلالية تعميمية لا تقف عند حدود ما يتضمنه المدخل بقدر ما تحاول الإشارة إلى مختلف المراحل والفصول الأخرى التي تتناول حياة شخصية الحاكم بأمر الله.
أما بالنسبة لباقي النصوص الاستهلالية الداخلية التي تتصدر فصول الرواية، فهي ذات علاقة مباشرة بمضمون وأحداث وشخصيات هذه الفصول، ويمكن أن نقسمها إلى ثلاثة أنواع:
أ- استهلال وصفي:وهو الذي يقدم نظرة شمولية عن أحداث ومضامين الفصل من خلال نص تاريخي يتصدر الفصل ككل، مثلما نجد في بداية فصل: "بين النكتة والانتقام: مصر تحترق"(3)، فهذا النص الاستهلالي المأخوذ من كتاب "النجوم الزاهرة" لابن تغري بردي، يروي خبر إحراق مصر من قبل العبيد بإيعاز من الحاكم بأمر الله وانتقاما من أهلها، لكنه يتظاهر بجهله لما يقع، فيلعن العبيد على فعلتهم هاته، وهذا هو الحدث الذي ينبني عليه الفصل ككل.
كذلك هو الشأن بالنسبة لفصل "الجلوس في ذهن البنفسج"(4)، والذي يصدر بنص استهلالي وصفي يوضح أسباب مرض الحاكم بأمر الله بالمالنخوليا منذ حداثة سنه وما ترتب عنه من أفعال غريبة، ويمضي النص في شرح وتوصيف هذا الداء.
ب- استهلال تمثيلي:ويمكن أن نمثل له بالنص الاستهلالي الذي يسبق فصل: " الجلوس لطلب الدهشة"(5)، حيث يقدم هذا الاستهلالي المأخوذ من "بدائع الزهور" لابن إياس، حادثة لا يرد ذكرها في متن الفصل، لكنها تمثل نموذجا من المواقف المرحة التي وقعت للحاكم بأمر الله مع أحد القضاة، فالاستهلال هنا يرتبط بمضمون الفصل ويقدم نموذجا للدلالة على الروح المرحة للحاكم بأمر الله، والتي سنكتشفها، بشكل أكبر، في ثنايا هذا الفصل من خلال حوادث أخرى مماثلة.
ج- استهلال إيحائي:في هذا النوع نجد النص الاستهلالي يختزل الفكرة المحورية التي يتمحور حولها النص دون الدخول في التفاصيل أو المضامين، ونموذجه النص الاستهلالي الذي سبق الفصل الأول من الباب الأول: "عن سجلات الأوامر والنواهي"(6).
"وكانت سيرة الحاكم من أعجب السير، يخترع كل وقت أحكاما يحمل الناس على العمل بها" ابن خلكان، وفيات الأعيان.
فالنص هنا يتحدث عن السجلات والأوامر التي كان الحاكم بأمر الله يصدرها تباعا ويحمل الرعية على تطبيقها، لتأتي فقرات الفصل الروائي موضحة ذلك بتقديم نماذج من هذه الأحكام والسجلات والقوانين التي كان يصدرها الحاكم بأمر الله ويسهر على تطبيقها.
2- الهوامش والإحالات
عكس النصوص الاستهلالية التي ذٌيِّل كل منها باسم الكاتب والكتاب الذي أخذت منه، فإننا نجد النصوص التاريخية التي وظفت داخل المتن الروائي، ذيلت بأرقام تحيل على هوامش وضعت في آخر الرواية محددة أسماء مصادرها وكتابها وحتى أرقام الصفحات التي توجد بها، وقد وصلت هذه الإحالات الموزعة عبر مختلف فصول الرواية إلى ثمان وعشرين إحالة، وتتوزع بين كتب تاريخية قديمة في مقدمتها: "اتعاظ الحنفا" و"الخطط" للمقريزي، و "النجوم الزاهرة" لابن تغري بردي، وبين كتب ودراسات حديثة تناولت فترة حكم الفاطميين بمصر مثل كتاب: "الحاكم بأمر الله وأسرار الدعوة الفاطمية" لمحمد عبد الله عنان.
3- الاندماج في سياق النص الروائي
إذا تركنا الهوامش والإحالات والأقواس والمزدوجات جانبا، وتأملنا باقي مكونات نص رواية "مجنون الحكم"، نجد أن العديد من الكلمات والجمل والعبارات مأخوذة من الكتب التاريخية التي أرخت لفترة حكم الحاكم بأمر الله، لكنها في الغالب تندمج في سياق النص الروائي وكأنها جزء منه، يتضح هذا منذ أول فقرة نصادفها في الرواية:
"أبو علي منصور (الملقب بالحاكم بأمر الله) ابن العزيز بالله نزار ابن المعز بالله معد (فاتح مصر وباني القاهرة) ابن المنصور بالله إسماعيل بن القائم بأمر الله محمد بن المهدي عبيد الله (مؤسس دولة الفواطم في أدنى المغرب)..."(7).
فهذه العبارات تكاد تتفق حولها جل الكتب التي أرخت وترجمت لحياة الحاكم بأمر الله، لكنها تأتي هنا غفلا عن أي توثيق.
قد تحدث تغييرات في بعض العبارات وتركيبها ولغتها، ويبقى معناها فقط كما في هذا المثال الذي جاء على لسان الحاكم بأمر الله: "... أنا الحاكم بأمر الله أفعالي لا تعلل وأحلامي ووساوسي لا تؤول"(8)، فالكلام هنا يرد بصيغة المتكلم، وهو نفسه الذي يورده "المقريزي" في "الخطط" متحدثا عن الحاكم بأمر الله بصيغة الغائب: "وما أحسن ما قال فيه بعضهم: كانت أفعاله لا تعلل وأحلام وساوسه لا تؤول"(9).
إن الأمثلة كثيرة لهذا الشكل من أشكال حضور النص التاريخي في الرواية، يمكن أن نمثل لها ببعض النماذج:
- أ- " وكان يخدم زحل وطالعه المريخ، فيتقرب إليها بذبح الآدميين وإزهاق أرواحهم"(10).
فهذه العبارة ترد كما هي تقريبا في "النجوم الزاهرة" لابن تغري بردي حتى وإن كان الروائي هنا لا يميزها عن بقية النص الروائي بأقواس أو بين مزدوجات:
"... ويخدم زحل وطالعه المريخ، ولهذا كان يسفك الدماء"(11).
- ب- باسم الردع والاتقاء، علي بكنيسة القمامة بدءا، فليصر طولها عرضا وسقفها أرضا..."(12).
ففي هذا النموذج يضع الروائي الجزء الأخير منه بين مزدوجتين، حيث نجد هذا المعنى مذكورا، مع تغيير في بعض المفردات، عند حديث المقريزي عن هذه الحادثة ضمن حوادث سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة:
" وخرج رسمه إلى الوزير على لسان خادم أن يكتب: أمرت حضرة الإمامة بهدم قمامة، وأن يجعل علوها خفضا وسماؤها أرضا"(13).
- ج- وفيها طيف في دمشق بمغربي على حمار، وشهر به المنادي وبرح: هذا جزاء من يحب الصحابة، ثم شق عنقه"(14)
هذه الحادثة كذلك مذكورة بالكتب والمصادر التاريخية مع اختلاف العبارات المكونة لها، فقد جاءت في "النجوم الزاهرة" على الشكل التالي:
"وفي شهر ربيع الآخر منها (393هـ) أمر نائب دمشق من قبل الحاكم صاحب مصر... (بمغربي) فضرب وطيف به على حمار، ونودي عليه: هذا جزاء من يحب أبا بكر وعمر، ثم أمر به فضربت عنقه"(15).

هوامش:

(1) انظر، "عتبات (جيرار جينيت من النص إلى المناص)"، عبد الحق بلعابد، منشورات الاختلاف، الجزائر، طI، 2008، ص: 115.
(2) "مجنون الحكم"، ص: 11.
(3) انظر: الرواية، ص: 185.
(4) انظر: الرواية، ص: 61.
(5) انظر: الرواية، ص: 75.
(6) انظر الرواية، ص: 27.
(7) "مجنون الحكم"، ص: 12.
(8) نفسه، ص: 22 ? 23.
(9) انظر النص الاستهلالي الموجود بالصفحة 11 من الرواية وهو مأخوذ من "الخطط" للمقريزي".
(10) " مجنون الحكم"، ص: 13.
(11) "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة"، ابن تغري بردي، دار الكتب المصرية، القاهرة،ص: 177.
(12) "مجنون الحكم"، ص: 39.
(13) "اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا"، تقي الدين أحمد بن علي المقريزي، تح: محمد عبد القادر أحمد عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 1، 2001، ج 1، ص: 399.
(14) "مجنون الحكم"، ص: 31.
(15) "النجوم الزاهرة"، ص207.

نورالدين الفيلالي

عبدالرحيم محمد احمد
21-06-2012, 23:44
" قـصــر الأفــراح "

رواية لاذعة ..أو فضح السلطة الغاشمة ل : مـحـمد عـبـدالـسـلام الـعـمـري

انحازت الأعمال الروائية للروائي محمد عبد السلام العمري الى النسق التقليدي في الرواية العربية بما ينطوي عليه هذا الانحياز من قناعة بأهمية الدور الاجتماعي للإبداع، وقد ذهبت العديد من رواياته هذا المذهب، غير أن اللافت أن منطقة الخليج العربي حازت الجزء الأكبر من اهتماماته، وتعد رواية 'قصر الأفراح' نموذجا دالا على ذلك، لأنها تنكأ جرحا غائرا في اللحظة العربية الراهنة، هي الأكثر سوادا بكل المقاييس. وربما أصابت قارئ الرواية بأنواع من الهلوسة والكوابيس لأيام متصلة بفعل درجات العنف المتفاوتة التي تضج بها أحداث الرواية، وهي ليست كوابيس متصلة بفعل الوسواس القهري أو الخوف المؤجل، بل لأن الأحداث الروائية بكشفها عن درجات قبح لا متناهية تزيح بعيدا كل نظر جمالي وترسخ العمق الإنساني وتدفعه للوقوف في بؤرة المشهد بصرف النظر عن موقفنا منه سلبا كان أو إيجابا.
رواية العمري تشريح للقيمة البدوية بامتياز، هذه القيمة التي تحققت لها انتقالات شديدة السلبية عبر العقود الماضية بفعل الثروة والقوة المدعومتين بالجهل المروع والقسوة التي تجسدت في صهر الصحراء على مدار القرون. وسنجد صورا مختلفة لتلقي المجتمع الخليجي لرسالة العلم والتعليم والحب والعدل والحرية، وسنرى كيف تم انتهاك كل هذه القيم بفظاظة يعجز الخيال عن تصورها. ليس هذا فحسب، بل إن مجموع هذه القيم المجتمعية عادة ما يتم الترسيخ لها في إطار خدمة الفئات المنوط بها المال والقوة والنفوذ فتظل قيمة فئوية، يتم تفريغها من محتواها كلية، فإقامة الحد بقطع الرقبة بسيف السياف في القرن الحادي والعشرين يتم باسم الإسلام، وباسم الشريعة لكنه عادة ما ينفذ فيمن تريد السلطة التخلص منهم أو من الفقراء المعدمين، ويتم تفريغ القيمة الحقيقية للفعل ألا وهي إقامة العدل، وسنجد أمثلة غير محصورة داخل الرواية.
تبدأ الرواية من رغبة حاكم المدينة في بناء مجمع قصور شديدة الفخامة لابنته الوحيدة نجوى الأميرة بالوراثة، انتظارا لقدوم ابن عمها الذي يتعلم في احدى الدول الأوروبية ليتم الزواج الذي رتبت له العائلة منذ سنوات، حيث تمت الخطوبة منذ طفولتهما على عادة الأسر الحاكمة. غير أن تداعيات كثيرة تحدث في الطريق لتفجر المشهد بكامله وتسوقه الى طريق أكثر سوداوية من كل التراجيديا الشكسبيرية. فنجوى الفتاة الرقيقة والجميلة التي ما زالت في مراحل تعليمية مبكرة تقع في غرام 'علي' الفتى ابن التاسعة عشرة، وهو وحيد رجل من أعيان المدينة ومالك لأكبر ترسانة لشحن البترول في البلاد وأكبر ترسانة لمصانع تجميع السيارات، كما انه ينحدر من عائلة كبيرة، لكن لا تسري في عروقها دماء شريفة، هي دماء الأسرة الحاكمة، وتستمر العلاقة السرية حتى تسفر عن حمل نجوى سفاحا في الوقت الذي كان أبوها ـ حاكم المدينة ـ قد أقام علاقة مع 'ميار' ابنة رجل مسن ووحيدته لكنه أيضا ينحدر من عائلة الراسي المعروفة، وميار هذه في الأصل رفيقة ابنة الحاكم نجوى، وهي العلاقة التي تسفر أيضا عن الحمل سفاحا، كل ذلك يتم وسط أجواء شديدة السرية في مجتمع مغلق يقدس القيمة البدوية للشرف ويبذل من أجلها كل مرتخص وغال.
وعندما يتم افتضاح الأمر بالنسبة لكلا الضحيتين، يصاب حاكم المدينة الشيخ سالم بجنون الانتقام ويفكر في أقصى ما يمكن فعله في الفتى 'علي' الذي كانت جريمته الوحيدة هي الحب رغم انه عرض تقديم كل أملاك عائلته مهرا لنجوى ـ وهي أملاك لكثرتها أصابت الرجل بالهوس ـ غير أن ذلك لن يحدث أبدا ـ بل لن يحدث له مع أي امرأة أخرى ـ على حد تعبير الحاكم الذي قرر إنهاء حياة 'علي' وبالقانون.
أما أمها الأميرة الفاتنة فكان تعليقها فاضحا للفوارق الطبقية داخل المجتمع البدوي عندما قالت عن الفتى: كيف استطاع هذا الشاب تخطي كل هذه العقبات؟ وكيف واتته الجرأة، وكيف ساعدته أعصابه على أن يقوم بمثل هذا الفعل؟ تتساءل ألم يخف؟ ألم يحس بالفارق بين دم ودم، بين لحم ولحم؟ كيف تخطى كل هذه الحواجز النفسية والجسدية ؟!
أما الشيخ الحاكم الذي كان مؤرقا بمشكلة حبيبته السرية ميار التي هددته بنشر الفضيحة على أوسع نطاق، فقد وجد لها الحل مؤخرا عندما قرر في سرية تامة بعد أن بدأ يراقب مهاتفات ابنته نجوى مع حبيبها علي، وعندما اتفقا على موعد جديد منع الفتاة من الخروج، في الوقت نفسه دعا حبيبته ميار الى نفس الموعد ونفس المكان الذي سيأتي إليه 'علي' تلبية لنداء الحب، وعندما حضرت ميار فاجأها بطعنة نافذة وترك خنجره في صدرها وألقاها على الأرض وانتحى جانبا مع قوة من الشرطة حتى دخل علي الذي تصور أن نجوى بانتظاره ففوجئ بفتاة أخرى مجندلة وعندما أخذته المفاجأة بما رأى ودقق النظر فوجئ بالشيخ وقوة البوليس يقبضون عليه بتهمة القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد.
يساق علي ابن التاسعة عشرة الى السجن ليلقى أشد أنواع التعذيب التي يمكن أن يلاقيها بشر غير انه يرفض الاعتراف بقتل فتاة لا يعرفها، ولم يقتلها في الحقيقة، وتعم المدينة شائعات ضخمة ومنشورات سرية ببراءة علي والعلم اليقيني بالفاعل الحقيقي، لكن قوة البطش تقطع الألسنة وتخرسها حتى يستمر مسلسل التعذيب الذي يصوره المؤلف في أبشع صورة ممكنة.
في الوقت نفسه تذهب نجوى وأمها بجوازات سفر تحمل أسماء وهمية الى القاهرة لتفتيت جنينها بالموجات الصوتية حتى تتخلص منه وينتهي الأمر بعد ذلك بالزفاف الكبير في مجمع القصور، وهو زفاف لا يمكن أن تحيط به أسطورة مهما كانت لفداحة التكاليف ومظاهر البذخ التي يمكن أن يغطي نصفها ميزانية دولة عالم ثالثية. غير أن حفل الزفاف الذي أقيم في نفس يوم مقتل علي بسيف السياف، كان موعدا مع الانتقام الرهيب أيضا. حيث تقبع في الخلفية ثارات عائلية قديمة لا تنتهي بين عائلة حسين الشريف الأب، وبين عائلة الشيخ سالم حاكم المدينة، وهي الثارات التي توّجها مقتل 'علي' على هذا النحو المأساوي والذي تيقن معه حسين الشريف والمدينة كلها أن الحاكم هو مدبرها الحقيقي.
وفي نهاية ليلة العرس تحيط شاحنات البترول الضخمة بمجمع القصور لتفرغ كميات هائلة من البنزين الذي يصل عمقه في بعض المناطق المحيطة الى ستين مترا ثم تشتعل النيران لتأتي على الأخضر واليابس.
هذه هي الصورة البانورامية التي تدور فيها أحداث رواية 'قصر الأفراح' لمحمد عبد السلام العمري، حيث تتضافر فيها قدرات السرد الروائي مع اللغة الخاصة، الحادة والشفيفة لتقديم عالم فريد وخاص ومليء بالزخم والقوة والإثارة. وتبدو القدرة الخاصة لدي الكاتب في إمكانية تحويل هذا الخطاب الصارخ بالألم الى دراما سردية متناغمة ومؤتزرة تعيد قراءة الواقع الخليجي بوعي كامل ومعرفة خاصة ومعمقة.
فصورة التعليم في المكان الروائي تبدو مدعاة للسخرية والألم في الوقت نفسه، فمدرسة البنين تشهد تجاوزات غير محصورة تصل الى قيام أحد المدرسين الوطنيين بخلع أظافر تلميذ بكماشة حتى يجبره على التعليم، وذلك يتم تحت شعار أهمية تخريج كوادر متعلمة من أبناء الوطن حتى يحلّو محل الأجانب (المصريين تحديدا) الذين افسدوا الكثير.
أما مدرسة البنات التي تنتشر فيها ظواهر مفزعة مثل ظاهرة القيء الجماعي، وارتداء احدث خطوط الموضة والتعاطي مع عطور وماكياجات مرعبة وتقتصر الاهتمامات على شؤون البنات مع الرجال والزوجات مع الأزواج وتبادل الخبرات في هذا السياق كيفما اتفق. وعندما تتفاقم المشكلات بسبب المشاجرات المستمرة بين الطالبات والمدرسات واكتشاف أكثر من طالبة في حالة حمل سفاحي تعقد إدارة التعليم العام اجتماعا لبحث المشكلة وتقترح مدرسة مصرية عددا من الاقتراحات التي من شأنها شغل البنات بالتفكير في أشياء أبعد من اهتماماتهن الصغيرة مثل تكوين فريق للكشافة والكرة والتمثيل والغناء، غير أن الاقتراحات تكاد تودي بمستقبلها وإنهاء تعاقدها وترحيلها بدعوى أنها اقتراحات فاجرة وتفسد أخلاق البنات. غير أن الضغوط تجبر المدرسة على الأخذ ببعض هذه المقترحات وعندما يتم بناء فريق للتمثيل والبدء فعلا في نشاط مكثف داخل المدرسة والوصول الى صيغة لعمل فعلي وتقديم مسرحية لفريق التمثيل في نهاية العام الدراسي يأتي المطوعون أو جماعة الأمر بالمعروف كما يسمون أنفسهم ليدمروا كل شيء ويطيحون بحلم البنات والمدرسات بشكل يصل الى جرهن من شعورهن على الأرض وضربهن ضربا مبرحا بدعوى الفجور والفساد.
في المقابل نرى صورة هي الأشد تناقضا في عرس ابنة حاكم المدينة، حيث يتم ارتكاب كافة أنواع الفواحش على مرأى ومسمع كل من أجهزة الدولة وبحضور كبار شيوخ القبائل وكبار رجال الدين بما في ذلك تعاطي الحشيش الى درجة أدت بالجميع الى الغياب الفعلي والسكر البين، بمن في ذلك النساء، حيث كانت تمتد الأيدي إليهن بخراطيم الشيشة المجهزة بالدخان والفحم والحشيش حتى سكرن أيضا وتطوحن تطوحات خيالية.
أما صورة التطور المجتمعي فتظل لصيقة بالطابع البدوي الذي يجعل الخيمة لصيقة بالقصر، والخوف من العلم والتعليم شيئا موروثا ومتغلغلا في مواقف السلطات . فالأمير الصغير القادم من الخارج عريسا لنجوى يمنع في المطار من إدخال كرتونتين من الكتب لأن التقارير التي وصلت الى أهله عن فترة تعليمه في الخارج أشارت الى أن أهم ما يقلق في شأن هذا الصبي انه بدأ يقرأ، وهي أزمة كبرى تعني انه على أبواب المعرفة، وكأن السلطة هنا لا بد أن تكون ضد المعرفة أو هي بالتحديد رديف الجهل.
كذلك تتجلى صورة البذخ المروع في الإنفاقات الشرهة على كل شيء في المأكل والملبس والمشرب والتمتع غير المعقول بكل معطيات الحضارة والمدنية مع ازدرائهما في الوقت نفسه، واستخدام طاقة بشرية هائلة من كل الأجناس لتوفير هذه الخدمات، وفي نفس الوقت يتم التعامل معهم كخدم.
على جانب آخر نرى الوضع الكارثي للحريات الإنسانية بكافة مستوياتها في قصة بطل الرواية علي بن حسين الشريف وكذلك إهدار كافة القيم الجميلة مثل قيمة الحب بالصورة التي رأيناها في سلوك حاكم المدينة الشيخ سالم.
إن رواية 'قصر الأفراح' كاشفة بشكل عميق عن مأساة حقيقية في بطن المجتمع العربي الراهن عامة والخليجي على نحو خاص، وهي مأساة تبدو اظهر من أي وقت مضى. لأن سؤال الوجود مطروح لايفتأ أن يتحدد مع كل أحداث الرواية.
وستبقى، بالطبع، للرواية وللإبداع عموما قيمته وقدرته الخلاقة على افتضاح الكثير من القبح الذي يكلل خطواتنا كل يوم، هذا القبح المدعوم بأعتى أنواع الأسلحة وأعتى أنواع الجهل.
وأظن أن القيمة التي كان يبحث عنها محمد عبد السلام العمري وبطله الفتى 'علي بن حسين الشريف' ستظل حية وقوية وان أودت بكثيرين قبلهما وكثيرين بعدهما، هذه القيمة التي غنت لها نجوى حبيبته وهي تداعبه:
'علي عليوة بناله في الجبال أحواش
بده يحوش الهوى
هو الهوى ينحاش؟!'

عبدالرحيم محمد احمد
26-06-2012, 22:18
'أنتَ تحذف نصف عمرك'
لنادر رنتيسي

صدر للكاتب نادر رنتيسي عن الدار العربية للعلوم/ ناشرون في بيروت كتابه الثالث 'أنتَ تحذفُ نصفَ عمرِكْ'، في 105 صفحات من القطع المتوسط، وبلوحة غلاف لرسام الكاريكاتير المعروف أمجد رسمي، تتشكل فيها اليد فأرة كمبيوتر كاشفة مع العنوان عن كنه أجواء فريدة لـ 'سرد واقعي عن عالم افتراضي'.
تشتغل المجموعة على لعبة ماكرة تجمع بين الواقع والافتراض؛ وبصورة صادمة ابداعيا تطوع المفردات الكثيرة في عالم 'الافتراض'، مقدمة سردا قصصيا واقعيا موغلا في إسقاط معاني الزمن الحاضر 'الرقمي' بالماضي البعيد القريب 'الثابت' وبحميمية دافئة.
الجديد أن المؤلف يتجاوز النسق والأسلوب الذي كتب فيه مجموعتيه السابقتين المثيرتين للجدل 'السرير الحكاء' الصادرة في عمَّان العام 2004، و'زغب أسود' الصادرة في العام 2006، وهما صادرتان عن دار أزمنة في عمان، وذلك من حيث الشكل والمضمون والمساحة القصصية التي يبسطها لأفكاره.
في 'أنتَ تحذفُ نصف عمرِك'، يرصد نادر رنتيسي تنامي حضور أدوات التكنولوجيا الحديثة ومفرداتها في حياة الإنسان العربي، مقدما سرداً واقعياً عن الفضاء الإلكتروني الافتراضي المعتم، وما ينشأ عنه من مراهقات متقدِّمة أو متأخرة، وخيانات زوجية، ورغبات محمومة لإنشاء واقع بديل.
ترتبط الموضوعات المكتوبة في العناوين والقضايا بأثر تداعيات الحياة المعاصرة، والعالم الافتراضي الذي يُشكِّلُ أزمة للشباب بالانتقال من عالم الواقع إلى عالم الوهم، لذلك تمَّ تثبيت عنوان فرعي شارح أسفل العنوان الرئيسي هو 'سرد عن واقع افتراضي'.
وعبر 24 نصا يعاينُ المؤلفُ قضايا راهنة تتلمس ما نتج عن 'فيس بوك'، و'التويتر'، وسواهما من الفضاءات التي تشغل الشباب، وتعيد تشكيل حياتهم، وهندسة التلقي لديهم وفق القنوات التي تتيحها الأداة بالتعامل مع الكائنات الأخرى كأيقونات وأرقام.
شخصيات الكتاب رجال مُتعبون مصدمون بواقع لا يتغير، وزوجات يعانين الفراغ العاطفي والجنسي، وشباب باحثون عن دهشات معتمة، وثوارٌ يطيحون بأنظمة قمعية عبر الاستخدام 'الإيجابي' للتكنولوجيا، وفي أغلب القصص ثمة شخصية تتكرر بملامحَ واحدة قد يكون هو البطل الذي سمع وعاش كثيرا من تفاصيل حكايات شخوص الكتاب، فرواها في سرد مكثف يحمل عمقاً ودلالة ليست مباشرة تماما.
ومما كتبه الناشر في الكتاب '(أنت لا تعبرُ النهر مرتين)، مقولة ترنم بها (هيراقليطس)، ومنذ أن قالها وكل شيء في تغير مستمر، بدءاً من الإنسان ومعلوماته وثقافاته وعقائده إلى مصطلحاته ومفهوماته ومناهجه، حتى أصاب التغيير الجمادات مثلما أصاب الكائنات الحية. نسوق هذا الكلام للتعبير عما يريد أن يقوله نادر رنتيسي في نصوصه السردية التي وسمت بـ (الافتراضية) اعتمدت بشكل واضح على بنية حكائية سردية، تزاوج السرد بالحوار مع وصف ابتدائي 'أنت تحذف نصف عمرك' في اعتراف من الكاتب أن 'الزمن تغير'، وأن إنسان العصر أصبح مثل جهاز الحاسوب الحديث. إذا ما تعرض لعائق ما أجرى عملية update سريعة، يتخلصُ بعدها من أثر أي صدمة'.
من أجواء الكتاب: 'أنتَ لم تفعل في نصف عمركَ سوى الحلم؛ كنتَ لمـَّا تيأس من المشي الذي لا يقودكَ خطوةً واحدةً إلى الأمام، تعودُ ألف خطوةٍ محسوبةٍ إلى الوراء، تنتهي بكَ دائماً إلى السرير، هناكَ تشعرُ بأمانٍ نسبيٍّ، فتستدعي كلَّ ما أخفَقْتَ في السير إليه، إلى عتمتكِ تحتَ اللحاف، تفكِّر فيه كثيراً وتقلِّبه على وجوه عدَّة ممكنَةٍ، تنامُ قبل أنْ تجزمَ أمرَ إمكانيته؛ فيأتيكَ طيِّعاً في الحلم'.
وسبق أنْ صدر لنادر رنتيسي، المولود في الكويت العام 1979، كتابٌ قصصي بعنوان 'السرير الحكَّاء' في عمان العام 2004، وفيه عاين أزمات الإنسان العربيِّ المعاصر، مقتحما مناطق الصمت وأقاليمه المستترة. وفي العام 2007، أصدر كتابه السردي الثاني 'زغب أسود' الذي يروي قصتي حب.

عبدالرحيم محمد احمد
01-07-2012, 16:47
القوقعة : يوميات متلصص
مصطفى خليفة


تنقل رواية ( القوقعة : يوميات متلصص ) للكاتب ( مصطفى خليفة ) قارئها إلى سراديب المعتقلات والسجون العربية ليلمس الذل والتعذيب حيث عاش الكاتب نفسه فترة طويلة من حياته
تلقي الرواية الضوء على تفاصيل حياة ما وراء القضبان والتغير الفكري والنفسي الذي يطرأ على السجين واختلاف نظرته إلى الحياة بعد إطلاق سراحه وصعوبة اندماجه بالواقع وإبراز جانب المعاناة الإنسانية للمعتقلين من الناشطين السياسيين التابعين لحركة الأخوان المسلمين بشكل خاص داخل السجون السورية أثناء أحداث الشغب التي أثارها ذلك التنظيم في المجتمع السوري ( فترة الثمانينات من القرن الماضي .)


تتحدث الرواية عن حياة الكاتب نفسه ، قدمها بشكل مذكرات شاب سوري الهوية مسيحي الديانة ملحد الإيمان والعقلية والتفكير ، درس الإخراج الفني في فرنسا ، ودّع صديقته هناك عائداً إلى وطنه حيث تلقفته الأجهزة الأمنية في المطار ليُسجن بعدها طيلة الثلاث عشرة سنة التالية معتقداً انه خلف القضبان لاتهامه بالانتساب إلى حركة الأخوان المسلمين بينما كان في الحقيقة مسجون بسبب تقرير كتبه أحد المخبرين عليه بعد اجتماعهم على طاولة عشاء سرد الشاب فيها مجموعة من النكات السياسية التي طالت شخص الرئيس .
محاولاته المتكررة في بداية فترة اعتقالاته للتواصل مع المعنيين بهدف توضيح استحالة انتماءه لتنظيم الأخوان المسلمين كونه لا يدين بالإسلام - إبطال التهمة التي ظن نفسه مسجوناً بسببها - باءت بالفشل التام وأكثر من ذلك فإعلانه حقيقة كونه غير مسلم غير واقعه نحو الأسوأ ـ فاعتبره السجناء جاسوساً كافراً قَتْله واجب عليهم ، ولعدم قدرتهم على قتله داخل السجن قرر السجناء عزله عنهم - لنجاسته - قرب باب المهجع . مجبرين إياه طوال الفترة التي قضاها في المعتقل على الانزواء على ذاته داخل قوقعته .آخذا دور المتلصص على مجتمع الضباط والمجندين من جهة - بواسطة ثقب وجده صدفة في زاوية عزلته يطل على الساحة الخارجية للسجن - وعلى جماعة الأخوان المسلمين بمختلف مشاربها وتياراتها الفكرية المتملثة بالمعتقلين داخل المهجع من جهة أخرى .

اعتمد الكاتب أسلوب عرض المذكرات اليومية بطريقة السرد التقريري لأحداث اليوم ، فأخذت عناوين الفصول والأقسام تواريخ الأيام التي جرت فيها الأحداث ، لم يتم عرض التاريخ بشكل احترافي يتناسب مع أسلوب المذكرات الذي اختاره الكاتب ، فاقتصر التاريخ على ذكر الجانب الشهري فقط( 20 نيسان - 25 كانون الأول ... الخ ) الأمر الذي انعكس سلبا على استيعاب القارئ لتسلسل أحداث الرواية وخاصة عند القراءة بشكل متقطع على جلسات منفصلة، زاد من المعمعة وتداخل الأحداث في ذهن القارئ اختيار الكاتب للتواريخ المكررة (تاريخ 24 شباط تم استخدامه كعنوان لثلاثة أحداث منفصلة ومتباعدة زمنيا ! )

في بداية الرواية وعند نقل الأحداث إلى السجن الصحراوي وضحّ الكاتب أن كلمة "التنفس" تعني لكل السجناء فترة استراحة يتريضون فيها تحت الشمس ويستنشقون الهواء النقي في الساحات العامة المنشأة داخل السجن ، أما مجموعتهم فكانت كلمة "التنفس" تعني فترة جحيمية يخرجون فيها بالضرب واللبط الرؤوس منكسة إلى الأسفل، العيون مغمضة، كل سجين يمسك بثياب الذي أمامه وينفذ الأوامر الموجهة له . سبب اعتماد إدارة السجن المعاملة الاستثنائية لهذه المجموعة بالتحديد يعود إلى انتماء أفرادها إلى حركة الأخوان المسلمين .
يعود الكاتب في منتصف الرواية تقريباً ليتحدث عن بنية المجموعة والاختلافات التي فيها ، موضحاً أن المجموعة التي سجن معها ليست جماعة واحدة بل منقسمة إلى مشارب متعددة مختلفة ايدولوجياً فيما بينها ، وقد يصل الاختلاف والانقسام لمرحلة التخوين والتكفير ، فمنهم من كان ينتمي إلى أحزاب متشددة تعتبر الجهاد فريضة ، ومنهم من كان سلمي ينتمي إلى أحزاب سلمية لم تحمل سلاحاً ولم تشارك في العمليات العسكرية كحزب التحرير الإسلامي ، أما الخطأ الكبير الذي وقع فيه الكاتب هو ذكر الجماعات التصوفية كأحدى الجماعات المسجونة في المهجع .
الجماعات التصوفية بكثرتها وتشعبها لم تعمل يوما في المضمار السياسي ولم تشكل يوما حزبا أو حركةً سياسية الطابع ويعلم الجميع حقيقة كونها مذهباً دينياً لا حزباً سياسياً .
إن تم إدراج الصوفية ضمن الجماعات المشكلة لسجناء المهجع انطلاقا من اعتبار المتصوف جزءا من مجموعة "الإسلاميين" فتلك مصيبة كبيرة ، لأن لقب "الإسلاميين" ضمن نطاق السياسية لا يجوز إطلاقه على كل من يدين بالإسلام ، لوجود اختلاف بين العقيدة الدينية والتوجهات السياسية بين الإسلام والأحزاب الإسلامية .
أما إذا كان الكاتب على علم بالاختلاف القائم بين فكر العقيدة الإيمانية وفكر الأحزاب السياسية واعتبر الجماعات التصوفية جماعات سياسية التوجه ... فالمصيبة أعظم .

لم يقم الكاتب بتحريك الشخصية الرئيسية – شخصية الكاتب نفسه - ضمن محيطها الطبيعي، واقصد هنا شخصية المعتقل المسيحي-الملحد ضمن جماعة إسلامية متدينة .فلم يذكر بأي جزء من الرواية تفاصيل أو إحداث أو حتى مجرد أفكار متعلقة بشخصية بطل الرواية .
أحترم رغبة الكاتب بالتكتم عن معتقداته ومنهجية تفكيره والتعتيم التام على ما وارده من أفكار وآراء في معتقله كون الرواية تتحدث بشكل مباشر عن حياته الشخصية .
إلا أن غياب الفكر الديني المسيحي أو الفكر الإلحادي - والذي كان عاملا أساسيا في قوقعة الشخصية على نفسها وعزلتها عن المجموعة - غياباً تاماً عن الشخصية خلق فجوة في الرواية وأعتقد انه أخسر الرواية بعضاً من اللمسة الحقيقية التي يتعمد الروائيين وضعها في رواياتهم لإكسابها الطابع الواقعي .

استعارة الكاتب لغة المعتقلات بما فيها من شتائم وكلمات نابية -بحسب تقديري : شتيمة لكل نصف صفحة - لم تعجبني إطلاقا واعتبرها نوعا من أنواع الضعف في التعبير عن الفكرة بأسلوب أدبي متميز ، فرسالة الأدب وقوته تتجلى بقدرته على وصف الواقع بدقة وموضوعية تجعل القارئ يعيش الواقعة أو الحادثة ، فتنقل له الكلمة كل الأحاسيس والمشاعر والأفكار دون التدني إلى مستوى الحادثة ومصطلحاتها ، كان على الكاتب البحث عن أسلوب آخر لإيصال فكرته - فكرة اعتماد السجّانين منهجية اهانة السجناء - بعيداً عن استخدام الشتائم بحرفيتها .

ألبس الكاتب السجناء الطابع الملائكي وحصرهم في خانة "المظلومين" فالطبيب سجن لأدائه الصلاة ، والأخ سجن لأن أباه تستر على ابنه الهارب من بطش الحكومة ، والبدوي سجن لأنه ارشد مجموعة من الضالين على الطريق الصحيح تبين فيما بعد أنهم هاربون من الحكومة واتهم البدوي بالخيانة والعمالة ، شخصية واحدة فقط من السجناء ( أبو القعقاع ) أظهرها بالطابع العدواني المجرم بحق المجتمع السوري وبالغ الكاتب في وصف ردة فعل السجناء واستنكارهم لها ووقوفهم بوجهها !وقام أيضاً بتحويل كلمة سجين إلى : معتقل -فدائي - شهيد واستخدم في أكثر من حادثة كلمة "الرهائن" .
استخدام آلية الوصف السابق حققت نجاحاً للرواية من الناحية الأدبية ، إلا أن ثوب النجاح يحمل في ثناياه تجنّي على الواقع والتاريخ والمنطق فان يكون السجن بكامله من الأبرياء أمر لا يتقبله العقل ولا يستوعبه المنطق !خصوصاً أننا نتحدث على فترة نشاط سياسي إرهابي من قبل الحركة . قد يكون الكاتب بحد ذاته ضحية إلا أن تعميم تلك الصفة على كل السجناء أمر غير مقبول بالنسبة لي .

معاناة الكاتب ومأساته موجعة إلى حد كبير ولا أعتقد أن احد ما سيمر أمام كلماته دون لمس عمق وجع ومعاناة اليد التي خطتها ، لكن تصوير الواقع بهذا الشكل يحمل بعض المغالاة في الدفاع عن الناشطين ضمن حركة الأخوان المسلمين . فشخصيات الرواية ليسوا من معتقلي الرأي أو من الناشطين فكرياً وسلمياً ليصح تسميتهم بالشهداء والفدائيين .

عبدالرحيم محمد احمد
02-07-2012, 23:26
'أبناء السماء'
يحيى القيسي

محاولات الخلاص والانعتاق

عندما يدبُّ اليأس من الأرض وأهلها؛ جرَّاء الظلم والفساد والتلوث، تتوق النفس القلقة للبحث عن بدائل أخرى، وحياة أخرى، لأنَّها لا تصدق أنَّها وجدت لتعيش هذه الحياة بكل سوادها وقذاراتها وخبثها، ولا يعقل أنَّ كوناً بهذا الاتساع والتمدد ليس فيه إلا هذه الأرض فقط، فأين مبدأ الزوجية في الكون؟
فكما أنَّ هناك أرضاً تكتوي بنار الظلم والفساد، فلا بدَّ من وجود مكان آخر تغلب عليه السعادة والراحة والرضا والطمأنينة والعدالة. لا بدَّ من وجود حياة أخرى في مكان ما تكون نموذجاً في كل شيء، حياة لا يكون فيها الإنسان مستعبداً يعمل ليل نهار من أجل أن يحافظ على حياته فقط، دون أن تكون أمامه أية فرصة للعيش كما يريد في المكان الذي يريد. فعندما يفقد الإنسان الأمل في عدالة أهل الأرض، واليأس أن يأخذ حقوقه، يتوق إلى حياة أخرى، وعدالة أخرى، ومجتمعات أخرى، تكون نظيفة من كل هذا الخبث. ومن هنا ثارت مجموعة من التساؤلات: هل هناك مخلوقات عاقلة في الكون غيرنا؟ وهل هناك حياة على كواكب أخرى؟ وهل هذا الكون الواسع الممتد غير المحدود يقتصر على الإنسان وحده؟
هذه تساؤلات تطرق رأس كل إنسان يُعْمِلُ عقله، وقد تكون سببت الأرق والقلق والحيرة لمن فكر وتساءل، وشكلت بالتأكيد انعطافة في مسيرة تفكير وربما حياة من تورط فيها. وهي تساؤلات وجودية مشروعة. فلا مانع عقلي أو علمي أو حتى ديني من وجود كائنات عاقلة أخرى في الكون. وكما أنَّ عالم الجن موجود ولكن لا نراه، فما يمنع من وجود عوالم أخرى في الأرض أو غيرها؟؟
رواية 'أبناء السماء' للروائي يحيى القيسي تخوض غمار هذه التساؤلات عبر سرد روائي ممتع، يتناول أفكاراً ومذكرات وأبحاثاً وتساؤلات حول وجود آخرين يشاركوننا الكون، عبر تجربة للراوي ولصديقه، هي بشكل أو آخر تجربة حقيقية خاضها المؤلف نفسه كما أكد ذلك في غير لقاء.
والملفت في الرواية أنَّ بطلي الرواية الرئيسيين وهما الأردني الراوي العليم وصديقه المصري الدكتور أحمد الحسيني انطلقا من خلفية ماركسية، وهنا تكمن المفارقة، فالماركسيون لا يؤمنون إلا بالماديات، ولكن المدهش أنَّ العلماء الروس هم الأكثر بحثاً في الأمور الغيبية وعلوم ما وراء النفس والباراسكيولوجي في محاولة للتملص من الإقرار بوجود خالق خلق هذا الكون باتساعه وعظمته ومخلوقاته المنظورة وغير المنظورة.
تتملك القارئ الحيرة منذ بدايتها حتى نهايتها، فكلما تقدم ازداد الشك، وتكثفت الحيرة، وهذا ما حذر منه المؤلف في مفتتح روايته بقوله: 'أما وقد وصلت إلى هذا الباب، فاعلم إنّك إذا ولجته لن تستطيع العودة إلى الوراء، وربما تتوه في الدهاليز التي تفضي إلى المتاهات، وستنكر نفسك التي بين جنبيك...'(7)، وهذه الحيرة يفترض أن تتبدد أو تخفت كلما توغلنا في الرواية وتكشُف بعض الحقائق والأحداث، ولكنها أحداث لا تزيدنا إلا جهلاً وتساؤلاً، وتقودنا إلى دهاليز مظلمة، لولا قبس من ضياء برق كوميض في خاتمة الرواية، وذلك لقاء الراوي مع الشيخ 'المحب'، وهذا القبس جاء كأمل في التوصل إلى نهاية سعيدة أو طريق واضح المعالم.
مما يلفت في الرواية الإشارة الى أنَّ الإنسان في العصور القديمة كان يمتلك كثيراً من القدرات العقلية والجسدية، التي اضمحلت تدريجياً حتى وصلت إلى ما وصلت إليه الآن، من نسبة استخدام لا تتجاوز 10 ' للعقل، وربما مثلها للجسد، وبالتأكيد نسبة أقل بكثير للروح. وإلا فما تفسير الحضارة المصرية التي حيرت العلماء، وما تزال لغزاً كبيراً حتى يومنا الحاضر، ومثلها حضارات هنا وهناك، وما قصة سليمان عليه السلام مع بلقيس ونقل عرشها إلا أحد هذه الأدلة التي لا يرقى إليها الشك، وحتى أنَّ توظيف الجن كحراس للكنوز هو من قبيل سيطرة الإنسان على الجن وتفوقهم عليه، وهذا هو الأصل.
وقد جاء أمر الصعود كما فعل سيرجي ورفاقه إلى مكان ما، كترجمة حقيقية لآمال البشر في التوحد مع الكون، واستعادة القوى المفقودة، والانطلاق في الآفاق كنسمات الهواء دون قيود، أو كشعاع الضياء لا نهاية له. وما الأطباق الطائرة إلا دليلا واقعيا على أن ثمة وجودا آخر في مكان آخر، أكثر منا رقياً وعلماً وحضارة وبالتأكيد إنسانية وخلقاً، وقد يكون هذا الوجود على الأرض، وربما على كوكب آخر في مكان ما في هذا الكون الواسع.
أشواق الإنسان في الصفاء والنقاء والشفافية في محاولة للتعويض والترفع عن العالم المادي الكئيب، ليشعر بالقرب من طاقة الضياء، ومصدر الإلهام، قريب من الخالق سبحانه، هذا هو ما تسعى إليه مجموعات في كل مكان في العالم، لأنها تسعى أن تعيد الإنسان إلى فطرته السليمة، وإنسانيته الضائعة، وطاقته التي فقدها بفعل أثقال الأرض وأوهاقها، كمجموعة 'أسرة الضياء' في هذه الرواية، والجماعات الصوفية المنتشرة في كل مكان. وأظن أنها نجحت نسبياً في تحقيق بعض ما تصبو إليه، كل فرد وجهده ويقينه وقدرته على الصبر والتحمل.
إنَّ المقابلة بين الوسيلتين الرئيسيتين في الرواية نحو الارتقاء والتطهر، وهما الصعود خارج المكان (سيرجي)، أو السعي للوصول إلى مرحلة السمو مع البقاء في المكان (كاثلين)، هما وجهان لحقيقة واحدة، وبإمكان الإنسان أن يلجأ إلى الوسيلة الثانية، فهي ستوصله إنْ أحسن السلوك واتبع القواعد إلى ما يبتغي من الارتقاء والصفاء واستعادة قواه المفقودة وبصيرته التي طمست، وشفافيته التي حجبت، فالنتيجة النهائية واحدة، فقد خُلقنا لنرث الأرض ونعمرها ونعيد إليها رشدها واتزانها، لا لنهرب منها ونتخلى عنها!
عنوان الرواية 'أبناء السماء' جاء مثيراً ودالاً وكاشفاً، فابن السماء هو أمل؛ كونه رمزا للطهارة والنقاء والشفافية والمصداقية والعدالة، فكل ارتباط بالسماء علو وسمو، والإنسان أي إنسان إذا ارتبط بالسماء وأخلص لقيمها وشروطها، تحول بلا شك إلى كائن شفاف مشع، ينتقل من مكان إلى مكان دون قيود أو حواجز، وهذا ما تهدف إليه كثير من الجهود البشرية التي تسعى إلى التطهر والتخلص من أدران الأرض، كالصوفية والريكي وغيرهما التي لا تكاد تخلو منها أمة من الأمم وديانة من الديانات على اختلافها وتنوعها.
رواية 'أبناء السماء' تتميز بالجهود العلمية الواضحة لمؤلفها يحيى القيسي، وقراءاته العميقة المتنوعة، وتجربته العملية، وأفكاره المتشعبة، وجرأته في ولوج موضوعات خطرة وربما محظورة، مما أضفى على الرواية قيمة معرفية مضافة، وهي من الروايات القليلة في الأدب العربي التي اقتربت من هذه الموضوعات التي يكتنفها الغموض، وتكثر فيها الألغاز والطلاسم، ويغلفها الكثير الكثير من الجهل والشائعات.
وبعد، فإنَّ قيمة رواية 'أبناء السماء' تكمن بموضوعها القديم المتجدد، وما تثيره من أسئلة إشكالية، تعيد تشكيل وترتيب كثير من الأفكار والمسلمات والموروثات، من خلال إثارة الفوضى العقلية والروحية، ومن ثم إعادة ترتيبها من جديد وفق أسس وقواعد وقوانين مختلفة، تحترم العقل، وترضي النفس، وتزهو بالروح.

عبدالرحيم محمد احمد
12-07-2012, 00:01
غـريــق الـمــرايــا

إلــيــاس فــركـــوح

في الرواية الجديدة للكاتب الأردني إلياس فركوح 'غريق المرايا' (دار أزمنة - الدار العربية للعلوم) تتجاوز الصورُ الفوتوغرافيّة، 'أشكالَها المرئيّة المُعطاة من النظرة الأولى، بوصفها تصويراً وتمثيلاً من تصاوير وتمثيلات أشياء العالم'، كما يقول هو نفسه، لتدخلَ منطقة العالم الخاص الكائن في تلك الأشياء، 'تحرفُ ماهياتها الظاهرة المباشرة وتُفارقها، لتصبحَ، هي بذاتها، تأويلاً 'وليس تفسيراً وشرحاً' أجتهده أنا للعالَم رامياً إيّاه تجاه وعي القارئ، واجتراحاً أضفره في نسيج الكتابة عن عالم خصوصيّ آملُ من سواي أن يقرأه في كتابي'.
في هذه الرواية، التي يعتبرها الناقد فيصل دراج 'تجديداً في تجريب روائي، بدأ من زمن ويستمر في زمن لم يأتِ، يخوض إلياس فركوح في منطقة جديدة وعرة، يواجه تحد آخر، من تحديات الكتابة الصعبة، التي تعيش قلقا دائما، إذ تبرز الصورة في الرواية كعنصر مهم وأساسي، فلا يكفي، بالنسبة إلى إلياس فركوح، إدراج 'صورة الشيء' بين الفقرات السرديّة على صفحة الكتاب ليكون هناك حوار بين نوعين من التعبير، 'إذ ينبغي، بالنسبة إليّ على الأقل، أن أصلَ إلى ما هو مُشترَكٌ ومُكْمِلٌ ومُضْفِرٌ ليتنامى حوارٌ مفهوم بين منطوق الشيء في الصورة بحسب قراءتي له، والاستجابة المتفاعلة والفاعلة الكائنة في السرد الذي أكتبه'.
حاولت 'غريق المرايا'،
يتقصد صاحب 'أرض اليمبوس' الكتابةَ على نحوٍ يأتي بجديد، لا على مستوى 'الخطاب/ المناخات/ المواضيع/ الرؤية إلى الوجود'، التي طالما أولاها عناية كبيرة، وإنما السعي للوصول إلى بِنيةٍ تجترحُ لنفسها تواليها، وتغايرُ، في الوقت نفسه، ما بِتُّ أراها 'نصوصاً ضيقة'! باختصار: لقد تغذّى النصّ اللغوي/ السردي بالنصّ المرئيّ/ الصُوَري، كما تغذّى الثاني بالأوّل وأوْسَعَ في مداه. إنها عمليّةُ تغذيةٍ يتبادلانها أثناء الكتابة'. إن تنوعات الصورة في 'غريق المرايا'، وفقاً إلى الناقد العراقي لؤي حمزة عباس 'تتحقق بالقدر الذي تضيء فيه عوالمها، وهي تؤدي مهمة مركبة تحافظ فيها على استقلالها'.
أسأله إلى أي حد يمكن للمتنافر من العناصر والمختلف أن يلتئم في بنية سردية تتطلع إلى أن تكون جديدة وخارج السائد؟ فيجيب قائلاً: 'إن الرواية لن تكون روايةً إذا ما خالَفَت 'جوهر' الحياة والواقع'. 'وهذا الجوهر، بحسبي، إنما يتجلّى في هذا الاصطخاب العظيم لعناصر الحياة في كل ساعات يومنا. في كل أيام سنواتنا. في كل سنوات أعمارنا. إنه اصطخاب المتعدد، المتنافر، المتعاكس، المتقاطع، الموازي، المتصادم والمتصادي'.
عند الجلوس للكتابة، يفشي هنا إلياس فركوح بعض أسرار الكتابة لديه، فيقول: 'تراني أُحْشَدُ بالتاريخ لحظة البدء بالولوج في تخيّل تفاصيل المكان وشخصياته. التاريخ القريب أعني، وما عِشتُ قسطاً منه بالفعل. لا مفر لي من هذا. كل ذلك يعبرُ عليَّ حاملاً معه طعومَه، وألوانه، ولغاته، وتلك 'الدمدمة ذات الصدى' الحافرة فيّ لأكتبها. ولا مفر لي. أقولها من جديد وأكررها، لأنني أصبو لإفراغ محمولي هذا على الورق لتُبنى حكاياتُ الرواية. إذا لم أفعل، فإني، في عَين ضميري، خائنٌ للجميع: لي أولاً وأخيراً، وللشخصيات ومصائرها، وللمكان، وللأوقات التي عَبَرَت، وللرواية إذ أخذلها بتحميلها سَقْط الخيال المحض غير المرتكز على حيثيات الحياة'.
ولا يعرف صاحب 'الملائكة في العراء' إذا ما كان قد اجترح بنية سرديّة تتطلع إلى أن تكون جديدة وخارج السائد، بيد أن ما يعرفه حق المعرفة هو أنّ الرواية 'تتحلّى بـ'جوهر' الحياة في واقعها اليومي. جوهر يجمع في صميمه كل المتناقضات، ليُدخلها دوامةَ الصَخَب العظيم الناتج من تلاطمها، وارتطاماتها، وتطاحنها، فتكون الحياةُ هي الحياة التي نعرف ونعيش. نعرف ظاهرها ونعرف، أيضاً، كيف نقرأ كتابها الدفين على نحونا، ونعيشه بالكتابة فيه وعنه'.
في رواية إلياس فركوح، الجديدة فعلاً، لن نعدم إشارات إلى الكتابة، في ما يشبه الكتابة عن الكتابة داخل الكتابة نفسها، من خلال الكلام عن كتابة تفك الحصار. هذا الانشغال بالتفكير في الكتابة، يبدو أصيلاً لدى صاحب 'ما هذا البيت المشترك'، وينسجم مع رؤيته إلى الكتابة. إذاً ليست 'غريق المرايا' هي الأولى التي يتجلى فيها مثل هذا التأمل، تجربتي في الرواية الثانية 'أعمدة الغبار' بُنيَت بعضُ مشاهدها أو فصولها وفق هذا المنظور، ولقد نَوَّهَ إلى ذلك الأستاذ إدوار الخرّاط في تقديمه لطبعتها الأولى حينذاك، منبّهاً لهذه الخاصيّة. كما ثمة الكثير مما حمل جوانبَ التفكُّر بآليّة الكتابة حين تُنْجَز بالمقارنة مع 'الحكي'، وكيف تتغيّر الواقعة الواحدة وتنحرف حين تخضع للتَرَوي والتَأَني وإعمال الفكر المصاحب لفعل الكتابة، منحازةً لجاذبيّة اللغة وما يمكن أن أصفها بـ 'عقلانيتها'. كان هذا واضحاً لمعظم مَن قرأ وكتب عن 'أرض اليمبوس'.
الكتابة لدى إلياس فركوح واحدةٌ من عمليات فكّ الحصار عن 'المُعطى الجاهز والملوَّن والمصنوع في كل الحكايات، والأخبار، ووقائع التاريخ المدوَّن. أفكُّ حصارها بإطلاقها خارج الأُطُر التي حَبَسَها فيها مَن قام بتكريسها، إما تقصيراً سببه نقصان الاطّلاع، أو تحصيلاً لمنفعة قريبة أو بعيدة المدى، أو تجنباً لـ 'فضيحة ما'!
' نعثر في 'غريق المرايا' على ما يشبه الفوضى، لكن المقصودة، وكأنها، أي هذه الفوضى، أضحت مسعىً أساسياً في العمل. ماذا تقول؟
- الرواية، كما أفهمها، ليست إسباغاً لمفاعيل العقل المتواطئ والمتدبِّر لفوضى العالم. الرواية لا تهدف إلى إقناع القارئ بما هو معروضٌ في واجهات وسائل الإعلام كإجابات حاسمة، ومراكز الأبحاث والدراسات كمسلّمات، والإحصاءات والبيانات الصادرة عن المؤسسات كأرقام. الرواية لا تتواطأ مع 'الخارج المرسوم' بالاستسلام لحججه والتسليم بـ 'روايته'، بقدر ما تعمل على الحفر 'في ما هو تحت'، وبالتالي لا تزعم لنفسها أيّ امتلاكٍ لحقيقة أو إجابات. الرواية تسأل وتُشْرِكُ كل مَن يقرأها في عمليّة التفكير بـ 'احتمالات' الجواب. ولأنّ فهمي للرواية كما أشير؛ فإني أميلُ إلى بنائها وفقاً لفوضى العوالم التي تتعرض لها بالسرد. عوالم تتقاطع أو تنعزل بلا أيّ قصديّة متأتية عن شخصياتها، وكثيراً ما تكون خاضعة للمصادفة المحضة أو ما يشبهها. عوالم تُبنى بمعزلٍ عن الترتيبات المسبقة، ثم تُهدَم من دون إرادة أناسها أو رغبتهم.
أو ليست الحياة هكذا؟
مع ذلك؛ إلّا أنّ لكل رواية 'تسلسلها المنطقي' في كيفيّة بنائها، وإنْ بَدَت على غير اتساق في مشاهدها أو فصولها الأولى عبر القراءة السريعة. إضافةً إلى أنه من اللائق بأيّ كاتب وواجبه الأخلاقي احترام ذكاء القارئ، باعتباره طرفاً مشاركاً في 'تَدَبُّر' صياغة النصّ وتشكيله من جديد. نحن لا نقدّمُ شروحاً للواقع، بقدر ما نطرح واقعاً تعوزه الشروح الصادقة وانسيابيتها المزعومة.
' نحن أيضا في مواجهة مع كتابة تسعى إلى دحض المرجع، إضافة إلى أن فصول العمل أو أقسامه، التي يأخذ كل واحد منها عنواناً واستهلالاً وصورة خاصة به، أحياناً ما تعبّر عن فصول متصلة منفصلة، كأنما العمل هنا يتوسع بفضل ما تخوضه من مغامرة إبداعية لا تعرف الحدود؟
' هذا صحيح في ما يتعلق بالفصول المتصلة المنفصلة، أو، لتحري الدِّقة، أقول: الفصول المنفصلة مستقلة كابتداء، لكنها المتصلة الموصولة كلّما تواصلَت وتتابعَت كنسيجٍ يتناظم في خيوطه ليشكّلَ قماشته السرديّة المتوائمة مع بعضها بعضاً.
' تجربتي في 'غريق المرايا' عملَت على التحرك الحذر والمحسوب بين التخوم. تخوم القصة القصيرة كوحدة من وحدات متوالية قصصيّة من جهة 'وهذه من الإنجازات السرديّة النادرة في الأدب العربي، كما تعلم'، وتخوم الرواية كفضاء يتسع لتعدد الشخصيات واختلاف الأمكنة والأزمنة والحالات. إضافةً إلى ضَفْر هذا وذاك بقراءات جُوانيّة للصور المنشورة وأخرى رَسَمَت نفسها بالكلمات عبر السرد. بين تلك التخوم تحركَت مجموع وحدات أو أقسام أو فصول النصّ لترسمَ له مساراته الخاصّة كلّما نما، وتَتابَعَ، وحفرَ، وكَشفَ، وانْكَشَف لقارئه ولـ 'نفسه' أيضاً.
بهذا المعنى أميلُ للاعتقاد بأنّ 'غريق المرايا' كُتِبَت من دون الانتساب إلى مرجعٍ سرديّ واحد محسوم. فمن حيث التقسيم في وحدات، تكون أقرب إلى المتوالية القصصيّة. أما إذا أُخْضِعَت للفضاءات التي تدور فيها، وتعمل على تشكيلها كشخصيات ذات صِلات وعوالم وأمكنة ووظائف حياتيّة وهموم وحكايات؛ فإنها رواية بكامل معناها. ناهيك عن مجموع الروافد الخاصّة 'كل شخصيّة على حِدة' المؤدية إلى سؤال المصائر وغموض الأفولات.
ثمة وحدة في المعنى/ المعاني المطروقة بأثقال التساؤلات، وأقصد بهذا 'الموت' بوجوهه المختلفة. وبذلك نكون حيال حَبْلٍ غليظ تندرج في أليافه الوحدات الصُّغرى، أو الفصول والأقسام المعنيّة بذوات الشخصيات وعوالمها الخاصّة، إنْ كانت متداخلة أو منعزلة. وهذه، في ذاتها، تُعَيِّنُ وتحددُ التعددَ داخل وحدة المعنى وتُثريه بالأبعاد الإنسانيّة ومذاقاتها المتنوعة.
أنحنُ ندخل في تجربة الجديد 'لا أقول التجديد' لنخرجَ بما يُرضي طموحنا للوقوف على أرضٍ نكتشفها 'أو ما نظنّها كذلك'، محاذرين السقوط في خديعة الشكل الخاوي من مبرراته؟
' تلعب الرواية على غرائبية بعض الشخصيات، وكذلك غموض مآلاتها، أي في شكل عام على عدم الوضوح في الكثير من التفاصيل التي تحيط بحياتهم. وكأن 'غريق المرايا' تتحرك في حقل لا شيء فيه حقيقي، وحقيقي في الوقت نفسه؟
' أن نقول بعدم الوضوح إنما نؤكد على مساحات مُعتمة يعوزها ما يكفي من نور وإضاءة. يعوزها الكشف عن الناقص منها، وفيها، ليكتمل معناها. إذاً؛ نحن حيال تلك المناطق الملتبسة في معيشنا اليوميّ، ومصائر حيوات بالآلاف ملفوفة بالنقص وعدم الاكتمال.
' ماذا أفعل عندما أواجَه بشخصيات كهذه تطالبني بكتابتها؟
' سأقول لك: مواجهتي ستكون هي تأملي لمبدأ 'الوجود الناقص'. وإني من الذين يميلون، وبقوة، للاعتقاد بأنَّ الاكتمال محض أسطورة أو مجرد خرافة، وفي أحسن الأحوال افتراضٌ ورجاء. غير أنّ هذا من المستحيلات التي يبرهن التاريخ والواقع اليومي عليها. نعم؛ كثيرة هي شخصيات رواية 'غريق المرايا' مضفورة بغموض المصير. أي: ببياض النهايات المطالبة بأن نقوم بتعبئتها، أو بالسواد الخافي لبقيّة حياتها، وبالجُمَل الناقصة المنتهية بنقاط اللانهاية. وأعرف أنَّ مسألةً كهذه لهي مما يطيبُ لكثيرٍ من الروائيين الَلعب عليها بإعمال وتفعيل مجموعة افتراضات، وبذلك تستوي الروايةُ عندهم بإجاباتٍ تقول بأنّ الحياة قيد الفهم والتدارُك وإمكان السيطرة. وأنّ لكل معضلةٍ حلولها. وأنّ بمقدورنا كشف مستور الغامض، إلخ. بصراحة: لستُ من هؤلاء. إذ كيف لكائنٍ مثلي، يستندُ إلى جدار السؤال الصلد العنيد، أن يتواطأ على 'حقيقة النقصان' في أشياء العالم ومخلوقاته؟ ثم دعني أقول معلناً وشاهداً على أنَّ 'غريق المرايا' بقدر ما هي حَفْرٌ في طبيعة نشوء مجتمع مدينة عمّان، فإنها، في الوقت نفسه، مفتوحة على خشيتي الكامنة على مصيرها الغامض. مصير أناسها، إنْ عبروا بها وتلاشوا كأنما لم يكونوا يوماً، أو أولئك الذين يدركون إمكان التهديد بإدارة مستقبلها بإرادةٍ تجيء من خارجها!
' ينفتح زمن الرواية على زمن عصيب. حروب واجتياحات واغتيالات سياسية، وحضور لمفكرين ومناضلين وأدباء تقدميين. كل ذلك يشير إلى أنك تنحاز إلى لحظة بعينها، بكل ما تعنيه من ظلال سياسية واجتماعية ونضالية؟
' بكل تأكيد. فأنا وليد تلك اللحظة الممتدة حتّى الوقت الراهن. عايشتُ كثيراً من تفاصيلها وأحداثها. عارفاً بحكاياتها من أصحابها تارةً، وشاهداً على بعضها تارةً، ومنخرطاً ببعضها الآخر في أوقات. كانت، وما زالت، جزءاً من يومياتي ويوميات جيلي وذاكرته. اللحظة السياسيّة العربيّة، إذا أجرينا مراجعةً هادئةً لها، نجدها لحظة عصيبة وقلقة وصاخبة ودمويّة بامتياز، وتبدو كأنها مفتوحة على لا نهائيات! تتجدد وتتناسل وتتعمق وتتلوّن جارفةً معها عبر هدير الزمن وجوهاً وشخصيات ناضلَت بحق: ناضلَت وبذَلَت بنزاهةٍ وأخلاقيات ومُثُل وطنيّة باتت مفقودة، وها ترانا نبحثُ عن ذِكْرٍ لها يناسبها ويليقُ بمكانتها، فلا نعثرُ إلّا على ما يشبه الفتات وخفوت الظلال! هل غابت عن الذاكرة العربيّة، أم غُيّبَت قصداً لتُدفَن في أرشيف التناسي والإهمال!
نعم؛ هي اللحظة السياسيّة العربيّة المتأبّية على الانتهاء وكأنها متأبدة. اللحظة المحاصَرة بالسقوطات والانهيارات والدم. المُسيَّجَة بجبريّة الأفول. انحيازي لهذه اللحظة هو اعترافي بوجودي الفردي داخلها. وشهادة وفاء وتقدير وعرفان وتذكير بجميع الذين بذلوا من دون حساب، المجهولين منهم أسوةً بالذين عُرفوا. وإنّ واحدةً من إشارات كتاب 'غريق المرايا'، هي إقراري بكل الرماد الثقيل المخيّم على ما مضى وما سيجيء!
' أتراكَ تعاينُ، بصفاء ووضوح، نهايات لـ'أشيائنا' العربيّة بمقدوركَ أن تكتبها؟
' من جهتي؛ لقد رسمتُ شريحةً صغيرةً مما أعرف لتكون مشروعَ قراءة، تختلف معها أو تعاضدها، فذاك ليس سؤالي. ما يعنيني هو القراءة كفعلٍ استنباطيّ للمكتوب.

أحمد مرزوق



(http://twitter.com/home?status=%20http://www.alquds.co.uk/index.asp?fname=data/2012/07/07-10/10qpt899.htm)

عبدالرحيم محمد احمد
12-07-2012, 22:11
الـخــبـــز الـحــافــــي

مـحـمـد شـكـري


تمت اخيرا إعادة الاعتبار لرواية 'الخبز الحافي' لمحمد شكري في موطنها الأصلي بعد أن منعها اتحاد كتاب المغرب من النشر قرابة العشرين عاما، بيد أنها ترجمت إلى تسع وثلاثين لغة، وكان مبرر منعها حينذاك هو خدش الحياء العام .
رواية صادمة بعوالمها الإيروتيكية، ولكنها لا تخلو رغم ذلك من بعد انساني وتأريخي، يتمثل الأول في التصوير التوثيقي لمعاناة طفل عاش مشردا بين الشمال المغربي (تطوان وطنجة) والغرب الجزائري (وهران) إبان الاحتلال الإسباني لبعض أجزاء الشمال الإفريقي، في كنف واقع موبوء وأب قاس عنيف، لم يتوان عن قتل أحد أبنائه أمام عيني أخيه: 'أخي يبكي، يتلوى ألما، يبكي الخبز. يصغرني. أبكي معه. أراه يمشي إليه. الوحش يمشي إليه. الجنون في عينيه. يداه أخطبوط. لا أحد يقدر أن يمنعه. أستغيث في خيالي. وحش. مجنون إمنعوه. يلوي عنقه بعنف. أخي يتلوى. الدم يتدفق من فمه. أهرب خارج بيتنا تاركا إياه يسكت أمي باللكم والرفس. اختفيت منتظرا نهاية المعركة. لا أحد يمر. أصوات ذلك الليل بعيدة وقريبة مني. السماء. مصابيح الله شاهدة على جريمة أبي. الناس نائمون'. ص9
تبدأ الرواية بعبارة جامعة ترصف الفضاء العام للمكان بأهم معالم الطريق الذي ستنطلق منه الشخصيات وتنمو موغلة في سرد واقعها الخارجي والجواني الذي يتأرجح بين التيه والقسوة، وبالتالي يؤرخ واقع شريحة عامة تعكس المخلفات المرعبة للاستعمار والحرب:
(أبكي موت خالي والأطفال من حولي، يبكي بعضهم معي، لم أعد أبكي فقط عندما يضربني أحد أو حين أفقد شيئا. أرى الناس ايضا يبكون . المجاعة في الريف القحط والحرب) ص1 .
تتميز الرواية/ السيرة، بحركيتها وانتقالها السريع المتواتر عبر الفضاء التفصيلي للحياة، وهو الميسم المشوق الذي يدعو القارىء للانهماك في قراءتها حيث لا توجد فواصل بين الذاكرة والحاضر، بين الرغبات والمثل، في فضاء تنغل فيه الحياة بفوضاها ومتاهاتها مشحونة بقسوة وضغط معيشي، ليس على الطفل وحده الذي يشكل في مسار الرواية ضحية واضحة المعالم، وانما على الأب كذلك، ضحية خفية من قبل ضغوط لا تظهرها الرواية بقدر ما تحاول اخفاءها عبر سيطرة الشخصية الأساس ولصالحها حيث أن الرواية صيغت بضمير المتكلم وما يعكسه هذا الضمير من قدرة استحواذية شبه مطلقة على أجواء النص خاصة وأن العمل يسود فيه مناخ السيرة الأنوية أو الذاتية ومن طبيعة هذا الأسلوب أنه بالكاد يترك هامشا لظهور غير الشخصية الرئيس، وإن ظهرت فإنها لا تني أن تكون خادمة أو مساعدة للشخصية المهيمنة على فضاء النص. ولكن رغم تلك الهيمنة البنائية، يمكن استنطاق محنة الأب من خلال التشنجات اللامعقولة، وسعار الغضب حين يجعل من ابنه وفلذة كبده هدفا للانتقام، انتقام الضحية المحصورة نهائيا في ورطة الواقع والمصير والقدر:
(كثيرا ماكان ابي يباغتني في الشارع من الخلف ويقبض علي من ياقة قميصي أو يلوي ذراعي إلى ظهري بيد وباليد الأخرى ينهال علي ضربا حتى يسيل دمي. عندئذ أعرف أن حزامه العسكري السميك ينتظرني في المنزل. حتى تتعب يداه وقدماه من الضرب. يعضني في كتفي أو في ذراعي قارصا أذني، صافعا وجهي . اذا ضربني في الشارع غالبا ما يتدخل الناس ويخلصونني منه، لكنه لم يعد يفعل. هكذا فحين يقبضني اسقط على الأرض وأصرخ بجنون. يشطب بي الأرض لحظة رافسا إياي حتى أفلت منه ثم أجدني بعيدا لاعنا إياه، كارها كل الناس، باصقا على السماء والأرض) ص 75 .
هروب الطفل الضحية من براثن الأب يقابله انعتاق في احضان لا تقل قسوة، فالشارع المنهك والذي يجعل من الضحية / الصبي، محاصرا بين أكثر من محنة، فهو لايخرج من براثن والده إلا ويتلقاه الشارع بكل عنفه وفوضاه:
(شتموني، بصقوا علي ودفعوني. شاب أقوى مني ركلني وضربني على قفاي، لكني بقيت هناك عنيدا. مرة واحدة فقط استطعت أن أقنع مسافرا أجنبيا بحمل حقيبته الثقيلة. بينما كنت أحاول حملها هجم علي حمال قوي، شاتما ودافعا إياي. حمل الحقيبة وبقيت هناك. اللعنة على الخبز. القط الذي رأيته في مرفأ مستودع الاسماك ربما هو أسعد مني. إنه يستطيع أن يأكل السمك النتن دون أن يتقيأ. سأسرق ولن أتسول. أنا في السادسة عشرة. السبتاوي كان على حق حين قال لي: 'التسول مهنة الأطفال والشيوخ والعجزة. عيب أن يتسول شاب قادر على السرقة إذا لم يجد عملا'.
حينها يجاهد هذا الطفل الهروب من قبضة الشارع وبشره القساة، ليلتجىء ناحية ظلال ومكامن حيوانات ضالة تهرب بدورها من قسوة الشتاء، كدلالة رمزية على الهروب المتوالي للشخصية من قبضة إلى أخرى لاتقل قسوة ولكنها مدعاة للحلم الضائع الذي يشكل نافذة ضرورية للصمود والاستمرار في الحياة بأي طريقة كانت:
'في فصل الشتاء تعودت أن أنام في ركن مخبزة. أكور نفسي كالقنفد. ألصق ظهري الى جدار الفرن الساخن . حين أفيق في الليل لأغير وضعي، أجد فوقي قططا تنام. أحيانا استعذب شخيرها الخفيف الذي يشبه هدير معمل بعيد'
كما يكمن البعد التأريخي للرواية في أن عوالمها تدور زمنيا إبان الاستعمار الإسباني لجوانب من الجزء الشمالي للقارة السمراء، وما خلفته هذه الحقبة من إكراهات وتشوهات اجتماعية وندوب ظلت آثارها حاضرة إلى ما بعد تلك الحقبة بزمن.
تبقى رواية 'الخبز الحافي' من أكثر الروايات العربية إثارة للجدل، خطها شكري- كبوابة لسلسلته السيرية- بعد أن تمكن من تعلم الكتابة في سن متأخرة، كدلالة إضافية على تمكن البوح الجواني النافر الذي وجد في الكتابة الساحة الممكنة والمتاحة للروح لتنفض عبرها بواعث احتجاجاتها وصراعاتها.
محمـود الـرحـبـي

عبدالرحيم محمد احمد
18-07-2012, 21:57
'أو ما يـشبه العــشـــق'

فــدوى حـســـن


حين يتوقف القارئ لرواية فدوى حسن 'أو ما يشبه العشق' عند مشهد معالجة الأب لبقرته من شوك في حلقها، سيرى مشهدا داميا موجعا ينتهي بانتزاع الشوك بملقط كبير حتى يسيل الدم غزيرا، هنا التساؤل على لسان الراوية 'هل كان يعذبها أم يشفيها من داء'؟
هذا المشهد ليس مجرد مشهد تصويري عابر، بل هو تجليات الرؤية للكاتبة المرأة التي ترى ذاتها في مجتمعها الذكوري تنسحق وتنتهي تحت دعوى العلاج والشفاء والاهتمام، اهتمام حتى الموت.

على أعتاب الدهشة
إنه التعبير الرشيق لرولان بارت علم متعة الكلام، الكتابة الإبداعية الحقيقية هي علم متعة الكلام حقا وهي هنا تقدم لنا بلسان وروح الطفلة قصة أختها، ابنة قبيلة العراينة بالشرقية، التي وقفت مع أحمد عرابي ذات يوم أيام الهوجة، البنت صابحة، التي تروى الساردة قصتها، لم تستطع الانخلاع من بئر الطفولة، مددت فيه، وظلت تطارد الفراشات، وتجري وتلعب حتى ظن الناس أن 'خراط البنات نسي بنت العراينة'، حتى يظهر في كادر الصورة منصور العرباوي العاشق الذي يهواها ويهيم بها، حتى ترك عقاله وعقله وخطيبته من أجل عيني صابحة، لكن الأب الذي كان يرفض أن تنشد ابنته في المدرسة أشعار شوقي الذي عادي الثورة العرابية وقال في كبيرها (صغير في الذهاب وفي الإياب / أهذا كل شأنك ياعرابي!) لا يستطيع أن يزوج ابنته للخونة، الأعراب خونة، خانوا الثورة وخانوا الوطن، فكيف يقدم ابنته للخونة؟
ويأتي إلى القرية طبيب شاب فقير وطيب، يحب العلم، ويتطوع لتدريس الراوية الصغيرة مقابل مبلغ بسيط، ويتعلق الرجل بالأسرة وبربها الذي كان يحكي كثيرا عن عرابي وأبطاله، وتمر الأيام، وتضطر العائلة لتزويج سميرة قبل صابحة الكبيرة، فالدنيا تغيرت كما يقول أنسباؤه، ويتشجع الناس للذهاب لخطوبة صابحة، لكن شبح منصور يهيم، وصوته يتغنى على نايه: (داير أقول الآه ماحد سامعني / قلبي الوجيع تاه والوجد لاوعني).
وتعود الراوية الطفلة للبيت فلا تجد أختها، وتعلم أنها أخفيت عند خال لهم اسمه مصيلحي، وتمر الأيام وتقرر الأسرة وأد صابحة التي عشقت، بدون أي خطيئة، ثم ها هي طفلتنا الساردة تكبر ونجد الطبيب زوجا لها، ونجده شخصيا يبحث عن تاريخه، ويكتشف أن جده الذي ساند عرابي ووقف بجواره كان محض خائن، الرجل الثاني بمجلس قيادة الثورة العرابية باعهم للإنكليز والقصر، لذا وجب الانتباه للحاضر، فمهما كان الماضي مخزيا، فلابد أن نعيش هذه الحياة.

السرد النسوي وخطابه

تأتي كاتبتنا هنا في روايتها 'أو ما يشبه العشق' الصادرة عن سلسلة 'حروف' التي يرأس تحريرها الكاتب القدير سيد الوكيل، بذات موازية، هي ذات الأخت الشقيقة، صابحة وتعود إلى أول تعريف لدور القاص، كما ذكره الزمخشري في 'أساس البلاغة' القُصاص يقصون على الناس ما يرق قلوبهم' تتكئ الكاتبة على منطقة نسوية بامتياز، بشكل قصدي فالمرأة حتى في ألعابها - داخل الرواية ـ تلعب 'القطة العميا والاستغماية' وهكذا فهي معماة دائما في مجتمعها، مخفية في أدوارها، ولذا فصابحة حين تقع في العشق يكون جزاؤها الاختفاء، مرة في بيت الخال، ومرة في قبرها إلى الأبد.
إشارات الكاتبة تحمل خطابا أنثويا ونسويا، حيث تسعى لتحميله دلالات عميقة بليغة، (حين كنتِ بريئة إلى حد أنك كنت تنفضين الغبار عن ذقنه، وقت أن كان يحفر لك قبرا) ص 79
إنه الوأد الذي مارسه عمر بن الخطاب في جاهليته وقت أن كانت ابنته تنفض الغبار عن لحيته، هو ذاته لم يتبدل، ومازالت المرأة في وأدها وفي جاهليتها، هذا خطاب نسوي فاعل، إننا أمام رواية تامة، تحمل مقومات العمل المؤثر الباقي، كما تحمل متعة الكتابة ومن ثم متعة التلقي، فالنص ـ كما يقول رولان بارت في كتابه المدهش 'لذة النص'، 'الذي يكتب بعيدا عن المتعة هو نص عنين'. ولذا تقدم فدوى حسن الجسد بعيدا عن المفهوم الشبقي الذي استسهلته بعض الكاتبات، معتبرات أن النسوية هي التعبير عن جسد الأنثى بشكل ما، إنها تنتصر للأنثى المكملة للرجل، وليست المواجهة له، إن اكتشاف المرأة للرجل مسألة دائمة متصلة، لا ترتبط بزمن، ولذا انتصر الخطاب النسوي وأنتج .

البناء / التاريخ / اللغة
قدمت الرواية التي لم تزد عن مئة صفحة واحدا وعشرين فصلا روائيا قصيرا، ولذا ارتكزت على 'المشهدية' العذبة، التي تحمل دلالاتها، وتطور بنائها، عبر إشارات متعددة تقذف بها الكاتبة وسط سردها على لسان طفلة صغيرة ـ غير مسماة ـ هي أخت البطلة، وهي ساردة فاعلة لها رأي ودور، ولذا فهي من البداية تؤكد: 'أكره فروض الكبار، وأتعلق بالتعليم كمنقذ من لعنة محتملة حين أرفض مناولته الحذاء' ص 16
ثم، وهن أمام الفرن يأمرهن الأب (اشتغلي يا مرا انت وهي) البناء هنا يقوم على المخالفة الزمنية، فالماضي قابع ومسيطر على الحاضر، والانتقال الزمني في الفصول الأخيرة سلس ومبرر، واكتشاف أن الساردة تعود إلى ذكريات الطفولة اكتشاف حتمي، التوازي بين قضيتي العشق والخيانة متوزع بين التاريخ الشخصي (صابحة والساردة وزوجها) وبين التاريخ العام (العربان ومنصور وعرابي والخائن).
المنطق البنائي هنا يتناول التاريخ بوجهة نظر point of view وهو ما يزيد الأمر صعوبة وتعقيدا، فالرواية تقدم صورة بشرية لأحمد عرابي وتاريخه.. (الماضي وسيلة رثة لخلق المجد، والموروث الذي راهنتَ عليه ـ تخاطب روح أبيها ـ زمنا طويلا، يبدو اكتشافا جديدا بعيدا عن وجهة النظر الدعائية للأبطال ' ص91
إن الكاتبة تكتب عن التاريخ بشكل مشع ووعي متألق، فالنديم ـ مثلا ـ تنتبه في رسمها لشخصيته أنه كان يعمل تلغرافيا ذات يوم، وبالفعل فقد عمل في القصر الملكي لفترة، لكنها تبني مجموعة تلميحات مضببة لتقود القارئ إلى أن الخائن الذي باع عرابي هو عبد الله النديم، عبر إشارات مثل (الخائن ليس ضابط جيش ـ رجل هرب مختبئ داخل لحيته وعباءته ـ جدي كان شاعرا ثائرا ـ أبي يردد أشعاره ـ كان يمتلك جهاز إرسال واستقبال إشارات تلغرافية تتيح الاتصال ـ النديم كان مثل قائد الكتيبة ـ كان البطل ـ أي عرابي ـ قد فوض إليه أمر إرسال واستقبال الإشارات عن طريق جهاز، كان بيفهم في الحاجات دي ـ اختلفوا لدرجة ان عرابي رفع السلاح على النديم .... إلخ).
بهذه الإشارات المتناثرة نجد صورة النديم تتجلى، وهو ما يضعنا في إشكالية مضنية، فالمعروف بل المتفق عليه تاريخيا أن النديم لم ينل منصبا ولا مغنما، وظل من القلائل المخلصين للحركة العرابية، وكان له دور في تربية مصطفى كامل سياسيا، كما أن تصور الكاتبة للحرب العرابية ينبني على خطأ، لأن قرار الدفاع عن الوطن صدر عن مجلس بقيادة الخديوي نفسه وبحضور درويش باشا مندوب السلطان، وكان التغيير من ناحية الخديوي ذاته، كما أن تصور المعركة في الشرقية وحدها ينافي الحقيقة، والتعامل مع التاريخ بهذه الكيفية ينتقل به من الرصد إلى وجهة النظر، التي يجب أن تتكئ على تفسير الحدث وليس على إنشائه.
***
اللغة في الرواية تنقسم إلى مستويات ثلاثة:
ـ مستوى الشعر: فصيح ومواويل.
ـ مستوى اللغة الشاعرية.
ـ مستوى لغة الشارع الريفي.
وقد سمحت هذه المستويات اللغوية بتحميل الرواية أقصى طاقات تلقي الإشارات العاطفية للغة، فكأن اللفظ جاء مغموسا بتاريخيته لدى القارئ ذاته، كأننا نتذوق:
ـ سيبى لي حنونة. (الحنونة الرغيف الصغير المحشو بالسكر).
ـ اشتغلي يا مرا إنت وهي.
ـ اصحوا يا غربان البهايم جاعت والشمس وسط الدار .
ـ سمي يا صابح.
ـ يا ولد دك السباخ كويس.
ـ عزرائيل ناويها يا عريني .....
وهكذا قدمت لنا الكاتبة عبر كافة مستويات اللغة أنموذجا حيا للطزاجة اللغوية، ورغم زيادة جرعة الشعر وقطعها للسياق الروائي، فهي تمثل تخففا لمرحلتها السابقة في روايتها الأولى. نحن أمام رواية تترك القارئ قرير العين، وهو أمر لم نعد نستشعره بسهولة أبدا.

ابراهـيـم مـحـمـد حـمـزة

عبدالرحيم محمد احمد
27-07-2012, 02:47
رواية 'حـّرمتان ومـَحْرَم'

صـبـحــي فـحـمـاوي


صمت ٌ وليل ُ انتظار ْ .. ريح ٌ وسحائب َ من غبارْ .. وطن ٌ في الأسرْ يرتحل ُ عبر الفصول ْ .. حصار ٌ وغربة ٌ تذبل ُ في العيون .. مخيم ٌعلى ضفاف اليأس دون قيد يموت .. زهرة ُ الفرح سحابة من الأسى تعبرُ ليل المسافات تبكي حزنا ً.. تعانق الصحراء خلف واحته المنفية لتغسل أعماق الروح ..
تتناول الرواية الجوانب المهمة من حياة الفلسطينيين في المخيم .. هذا المكان الصغير في مساحته .. ذات عدة مداخل صغيرة لبيوت عائلات مستورة، تتصدرها بوابات ضيقة العرض صفيحية وخشبية متهرئة .. يدخل ويخرج منها أحيانا ً أشخاص بسيطون على باب الله، مصبوغون بانكفاء على الذات وتفكير في المجهول وحزن في العيون ولكنها عيون خدرة مترقبة ومفتوحة على الآخر ..
في معسكر الحصار المحاصر كما في سائر بقاع الإقليم الفلسطيني المكتظ، ينطفئ المار ّون مثل الشموع على الطرقات وداخل البوابات ..وفي صف المدرسة تـُقصف زهرة برية، فتاة بعمر الزهور تتلقى درسها مع رفيقاتها الطالبات وترفع ذراعها داخل الصف مشيرة بإصبعها :أنا معلمتي، أنا معلمتي ..
ولكنها ويا حسرة قلب معلمتها تموت وهي ترفع إصبعها، إذ تدوّي طلقة زائرة من الشباك مخترقة جسدها الطري وتسكن قلبها الرضيع، طلقة تنفذ أليها من النافذة فتغتصب روحها حيث تسكن، فتصمت الطفلة على دُرج كتبها وتنكسر الزنبقة على حضن أوراقها التي تعلمها القراءة والكتابة .. !
غبار ودخان متسابق في الجو .. وأبخرة سامة متصاعدة من النفايات المختلفة أشكالها وأحجامها وألوانها .. تتراكم هنا وهناك أكوام من الحطب الجاف وجذوع الأشجار التي يجمعونها من حطام المزارع التي تقتلها جرافات الكاتربلر .. الجرافات التي لديها حساسية من الخضرة .. هذه الجرافات تكره اللون الأخضر .. لأنه أخضر .. وتأمر مجنديها الآليين المستنسخين عن نيرون وهولاكو وشارون، فيفسقون فيها ويقضون على اللون الأخضر .. ويجرّفون كل المزارع التي تعارضهم بهدف إفراغ المنطقة لتتضح الرؤية أمام الدبابات التي تريد أن ترى مسافة أبعد من مدى رؤية زرقاء اليمامة .. .. يقرر رئيس اللجنة ' كي تكسروا شوكتهم وعنفوانهم، ومصدر استمرار حياتهم، اقتلوا الخضرة أينما حلت في ربوعهم ..!'
صبحي فحماوي كاتب متمرس ومتمكن من أدواته الفنية .. رواية 'حـّرمتان ومـَحْرَم' ارتبطت بالأرض والإنسان وسجلت حضورها البارز في المنفى باحثا عن لقمة العيش ..
أبو مهيوب رجل في الخمسين من عمره، أشيب الشعر، نحيل الجسم، مشدود القامة، تقي وأمين، عاقل مُتـّزن وسمعته عفيفة ونظيفة .. يقوم بإعمال البستنة في معسكر الحصار، في الجيب الفلسطيني المحتل للمرة التاسعة والتسعين .. حيث يكتظ بالسكان بشكل لا يـُطاق، وتتآ لف العائلات وتتحابب وتتعاون فيما بينها .. تجدهم مثل الإخوة يأكلون من طبق واحد، وينشرون غسيلهم على حبل واحد، ويوقظون بعضهم بعضا ً في ليالي رمضان، عندما يتسحرون معا ً .. وما أحلى خـُرافيات الجدة التي تجمع الأطفال وتقص عليهم حكايات وأساطير تخيف وتمتع ...
وبسبب الحصار الذي يعيشونه يقعد أبو مهيوب مع ' أبو غازي ' صاحب دكان الفالوجة ذي الزبائن الذين يأتون ولا يأتون .. يستمعان إلى الأخبار، فلا تبقى إذاعة تبث برنامجا ً إخباريا ً إلا ويبحث أبو غازي عنها .. تجده يتشمم الأخبار، لعل وعسى يكتشف نورا ً في نهاية نفق العروبة المظلم ...
يجلس أبو مهيوب، مسندا ً خده على يده يحد ّث نفسه، حزينا ً على شقائه .. يمر أمامه طيف ابنه المقاوم 'مهيوب' كان تحد ّيه للريح القادمة من الشمال الغربي ومقاومته دخولها من بين أغصان الأشجار المتكاثفة وكأنها تمد أذرعها مشبوكة لحماية جماعة المقاومة وتغطية تحركاتهم .. ولكنهم يدخلون من جميع الجهات ..
يتجمع الناس من بعيد وهم يشاهدون طائرات الأباتشي ويسمعون أصوات طلقات الرشاشات المرعبة .. يراقبون الحدث بتوتر عال .. يخرج مهيوب وهو يرش في كل الاتجاهات فيقتل احد المهاجمين .. ولكنه يستشهد .. إذ يخترق الرصاص كل أنحاء جسده .. ينسحب الآليون بدوريتهم المؤللة فيهجم الناس ويحملون جسده المثقب كالغربال والمخضـّب بالدماء .. ويجمعونه في كفن ويغطونه بالعلم الفلسطيني ثم ينقلون نعشه بمظاهرة كبرى .. يسيرون به عبر شوارع المعسكر .. ويسرعون بدفنه في مقبرة الشهداء ..
حزنت أم مهيوب على استشهاد ولدها حزنا ً شديدا ً أقعدها وشل حركتها، فذوت وذبلت أوراقها .. وتخشـّبت أطرافها وتوقف سريان السيولة العصارية في جسدها .. وضعف بصرها .. أخذها أبو مهيوب إلى عيادة المعسكر، ففحصها الطبيب وحوّلها فورا ً إلى مستشفى الرأفة الكائن في غرب مدينة الحصار .. وخرج من المختبر تقرير أسود، يشرح أصابتها بالسرطان المنتشر في كل أجزاء جسمها .. وكان موتها خاتمة مرّة لحياة أسرة عانت كثيرا ً .. ورغم التحديات القاتلة لم تهزمه المآسي ...

وعندما تنتهي نشرة أخبار إذاعة لندن يدير المفتاح أبو غازي على إذاعة صوت العرب من القاهرة .. ثم يتابع أخبار إذاعة القدس .. ويغلق أبو مهيوب قائلا ' هذه الأخبار كلها عذاب في عذاب .. !
تعرف يا أبو غازي الشغل في الشجر والزراعة تجعلك تتعامل مع كائنات حية غير بني آدم .. فتخدم نباتاتك التي تعطيك ثمارا ً شهية .. كل شيء نزرعه فنخلعه، إلا أبن آدم نزرعه فيخلعنا !
تغريد وماجدة تتخرجان من كلية تربية الشاطئ في الإقليم الفلسطيني وتبحثان عن وظيفة فلا توفق أي منهما .. ولأسباب الفقر والعوز والحاجة وتحقيق الذات تضطر الخريجتان للتعاقد مع الوفد التربوي القادم من ولاية الرمال العربية والذي يزور البلاد باحثا عن معلمات لغة عربية.
أحضرت كل منهما أوراقهما الثبوتية كاملة ولم يبق من الأوراق سوى المحـَرم ْ .. أخيرا ً يتفق الأهل فيما بينهما (عائلة تغريد) المكونة من أبو غازي وزوجته وغازي خطيب ماجدة الذي سافر إلى أمريكا لغرض الدراسة .. وعائلة (ماجدة) المكونة من الأم وجهاد خطيب تغريد الذي يعمل حداد صاحب محددة العودة في معسكر الحصار ..أن يذهب 'أبو مهيوب' محـَرما ً مع ماجدة وتغريد فهو بمثابة عم ّ لهما، ورجل مجر ّب ومعروف .. وكونه رجل مقطوع من شجرة، فزوجته وأبنه توفاهما الله .. وبناته الثلاثة متزوجات ويعشـّن بعيدا ً عنه .. مقابل مبلغ شهري من المال يدفعونه له لقاء إقامته معهما في الغربة ..مع ورقتين صوريتين تشهدان بأن 'أبو مهيوب' هو زوج كل معلمة منهما على حدة ...
تفزع ماجدة وهي تركب الطائرة لأول مرة متجهة مع تغريد وأبو مهيوب إلى ولاية الرمال العربية حيث العمل .. معاناة وتعقيدات إدارية شديدة في واحة الرمال تجعل أبو مهيوب يدوخ في الذهاب والآياب من مديرية إلى وزارة .. ومن وزارة إلى دائرة .. ومن دائرة إلى إدارة .. ومن إدارة إلى مركز .. ومن مركز إلى هيئة .. ومن هيئة إلى جماعة .. وفي كل مكان يصله يسمع أوامر وتوجيهات كثيرة ... وبعد خمسة أيام من العذابات واللف والدوران، والأخذ والرد، يتمكن أبو مهيوب من تثبيت المعلمتين في مدرسة واحدة.
يقول الدكتور حسان رشاد: 'إن ميدان البحث في موضوع المرأة في الرواية الفلسطينية مازال بكرا ً وخصبا ً وبحاجة إلى من يخوض غماره ويتولى دراسة أبعاده ويرصد تطو ّر الرؤية الفكرية والجمالية والفنية للروائي' .. تناول الروائي صبحي فحماوي موضوع المرأة بأسلوب مميز من خلال استعادة الذاكرة للعديد من الشخصيات النسوية العاملة ... مع اختلاف في ثقافتهن .. تتنقل شخصيات الرواية من مجتمع المخيم المحاصر بالحاجز الفولاذي الذي إذا فقد أعصابه فانه يرش كل من حوله بما هو متوفر لديه من غازات سامة .. دمدم .. رصاص مطاطي .. رصاص حي ّ .. وأحيانا ً رشاش 500 .. أو صاروخ (لاو) وأحيانا يستعين بطائرات بلا طيار أو طائرات هيلوكبتر أباتشي .. إلى مجتمع آخر محاصر بالقيم والتقاليد .. يعشـّن مجبرات على لبس الحجاب والنقاب والملاية السوداء خوفا ً من الضباع وعيون الصقور والجوارح ...
بعد عدة أشهر من الملل والضغوطات يتعرفـّن على أشياء كثيرة من الطالبات وأحاديث ومفارقات وذكريات لوجع البعاد عن الأهل ..
ويأتي صيف السنة التدريسية الثانية والحنين إلى الوطن يأكل لحمهما ويشرب دماءهما وأبو مهيوب ليس أقل منهما شوقا ً للوطن .. يتساءل أبو مهيوب .. ! ما هذه الصحاري الجرداء في كل اتجاه ؟ لماذا أزالوا الأشجار من كل مكان ؟ وهل يوجد هنا أيضا ص محتلون، يجرّفون أشجار مزارعهم وغاباتهم فتصير بلادهم امرأة ً عاقرا ً، لا تنجب أشجارا ً ؟ نشاهد الوطن العربي كله موشحا ص باللون الصحراوي وباقي الكرة الرضية خضراء، كل شئ أخضر، إلا الوطن ..! فما بعد الحدود إلا الحدود .. حدود وراء حدود، دود .. دود .. وكلها حدود عربية القلب واليد واللسان، والعربي على العربي، مثل الشحم على النار .. فعند الحدود العربية العربية انتظار واحتقار ...
عند عودتهما من ولاية الرمال لم تكن تغريد وماجدة فرحتين بوجودهما مع أهلهما ولا يختلف كثيرا ً شعور 'أبو مهيوب' في معسكر جريح ينزف دما ً ..
غازي يعتذر لماجدة عن الخطوبة التي ألزمه أبوه بها .. فلم يعد زواجه منها ممكنا ً .. انه يعيش في أمريكا وغير قادر على العودة إلى حياة المعسكر ..
تغريد تـُصدم أيضا ً ببرودة جهاد نحوها وبحرارته الزائدة نحو رجال المقاومة ..
يستشهد جهاد وتختفي ملامح محددة العودة أثر قنبلة هيروشيمية صغيرة .. الأمور تتفاقم سريعا ً وتخرج من بين أيديهما .. كانت كل منهما تعتقد أن في عودتها إلى أرض الوطن زواجا ً ومستقرا ً لها، فإذا بالظروف تتعقد، والغربة ليست في البعاد، فها هي كل منهما غريبة داخل بيت أهلها ..
هكذا الفلسطيني الواقع تحت التعذيب المستمر قرونا ً لا بل عهودا ً متتالية تجده: (مكر ّ مفر ّ مقبل مدبر معاً.) فيندفع إلى تقديم جسده ضحية للوضع المتأزم للوطن، يفجر د ُمـّل قلبه المحتقن في عيون أعدائه على شكل قنبلة تقتل المحاصرين الضاغطين على روحه .. تجده جميلا ً وروحه مشوهة، متفانيا ً في العمل وهو زاهد في الحياة كلها ...
وللخروج من الروتين اليومي واليأس من المستقبل المسدود أمام المعلمتين فاتحتا 'المحَرم ْ' أبو مهيوب وطلبتا منه أن يتزوجهما .. يفاجأ أبو مهيوب ! ولا يعرف كيف يواجه هذا العرض المدهش .. وبعد مناقشة طويلة مع نفسه تأكد من موقفه وحزم أفكاره وقال لهما : لقد فاجأتماني بالخبر السعيد هذا، ولكن .. ! نعم على سنة الله ورسوله ! لم َ لا ؟...
لا يكاد صبحي فحماوي ينهي روايته حتى يفاجئه أمر ٌ جلل .. دهشة ورعب يعتريانه، لا يتوقع حدوثهما .. حين يرى أمامه شخصيات الرواية الرئيسة
'أبومهيوب وماجدة وتغريد' يدخلون مجتمعين يثورون عليه لأنه تحكـّم َ بأقدارهم لأن شخصياتهم أصبحت تعيش معه ويحلم بهم ويفكر في همومهم ويعاني معهم ويحاول توجيههم لما فيه مصلحتهم، كأنه مسؤول عن تصرفاتهم ويخاف مستقبلهم .. فكثير من شخصيات الروايات الوهمية صارت حقيقة أكثر من الحقائق نفسها .. ويترك القرار للقارئ لتتفاوض مع شخصياته المبدعة وتتناقش مع كل منها أو معها مجتمعة ...
* 'رواية حـُرمَتان ومـَحْرم' صبحي فحماوي .. دار الفارابي .. بيروت لبنان.

توفيق الشيخ حسين

عبدالرحيم محمد احمد
01-08-2012, 03:09
'كتابُكِ الذي بيميني'
يـاسـر قـبـيـلات

بعد إصداريَن شَكَّلَ الأوّل منهما 'أشجار شعثاء باسقة' في طبعتين 2004 و2010، تميّزاً وفسحة تأمل في كيفية صياغته للقصة القصيرة وعوالمها الخاصّة به وحده.
نشرَ ياسر قبيلات كتاباً آخر في العام نفسه أسماه 'رجل وامرأة ورجل' استقرّ على إيراده تحت جنس (المسرح) شكلاً للكتابة هي الأقرب وليست، بالضرورة، كذلك تماماً. والفاحص لهذين الكتابيَن يجدُ أنّ الأوّل ينحو، في قسم كبير منه، إلى الالتصاق بمفهوم المتوالية القصصيّة، رغم صعوبة الإحاطة النقديّة الصارمة بهذا المُسمّى التجنيسي. وكذلك الأمر في ما يتعلّق بالكتاب الثاني، حيث بُني داخل عالمٍ مسرحيّ، إلاّ أنّ السردَ فيه غلبَ عليه النمو القصصي بامتياز. إذَن، نحن أمام كتابة تكاد تعلنُ عن حيوية اختراقها لحدود الأجناس، ولكن دون الغَرَق التام في واحدٍ منها بكليته والاستقرار فيه على نحوٍ قاطع، وفي الوقت نفسه لا تتحلل تماماً من انتمائها الرئيسي.
سيراً منه على هذا 'النهج'، أصدر ياسر قبيلات كتابه الثالث 'كتابكِ الذي بيميني: قصة حبّ'، عن دار أزمنة للنشر في عمّان، اسوةً بكتابيه السابقين، مدعوماً من وزارة الثقافة، معلناً بأنه 'رواية' هذه المرّة. وللحق، فإنّ هذا النصّ ينتسب لجنس الكتابة الروائيّة بامتيازٍ كامل، فاسحاً للحوارات الذكية فضاءً أوسع مما اعتدنا أن نقرأ في روايات سواه، الأمر الذي قد يُشْكِلُ على القارئ المتسرّع الذي يخال أنه حيال نَصٍّ يشوبه التهجين! غير أنّ لهذه الحوارات المتبادلة بين الشخصيتيَن/ العاشقين اللتين تحتلان النصَّ بأكمله (وقد مُهِّدَ لكلِّ قسمٍ من أقسام الرواية السبعين بتصويرٍ سرديِّ كأنما هو عَتَبات تفضي لموضوعة جديدة تُضاف استكمالاً لما سبق) وظيفة إحلال الحالة الروائية المتنامية داخل فضاء زمكاني ــ وهذا من مستلزمات أي عمل روائي بالطبع ــ ، وللانتقال بالشخصيتين وحوارهما الممتد إلى أمكنة مختلفة وأوقات متباعدة.
تمتلك 'كتابُكَ الذي بيميني' وقعاً، ربما ليس من المبالغة وصفه بــ'البهيج'، وإنه لكذلك! بهيجٌ على صعيد الكتابة الذكية المتسلسلة في بنيتها الذاهبة باتجاه مرارة / حلاوة الحبّ، عبر علاقة شائكة يحكمها القَطْع والقطيعة ومصير الأفول الفيزيقي، لكننا نُجْذَب بجمال الحالات اليومية التي تحتاجُ عيناً (وروحاً بالتأكيد) تلتقطها فتلتقط كل ما هو آسر في ثنايا التفاصيل الصغيرة. وإنه الحنين والشَجَن الراقيين في نصٍّ روائيّ يمنح الكتابةَ ومتلقيها الثقة بفتافيت الجمال المنثورة في حياتنا اليومية، نسرقها غفلاً من الوقت لتقتات بها أيام قحطنا.
تقع الرواية في 134 صفحة من القطع المتوسط بغلافٍ احتلَّ التخطيط الفحمي لهنري ماتيس جزءه الأعظم، ورُتِّبَ وفق 18 باباً توزعتَ فيها الأقسام السبعون كأرقام، ولكلّ باب عنوانه الدالّ: طلب توظيف، حريق الدار الآخرة وظمأ الدنيا، أتعرف.. لقد مرّ زمن، كأنما لم تجر مياه تحت الجسر، ولقد أفرطت في كل شيء، بضع صحف من أمس، إذاً..فلأقل وداعاً، وكأنما هي لحظة زمنية تنقضي فلا تعود، كمن يجد نفسه يُقاد إلى مشنقة، كُنْ أقلّ رعونة، البنت الغريرة السعيدة بنفسها وحظوتها، كنتَ شريراً للغاية ساعة رأيتك، الخارجي العربي، ليس حقداً من دون سبب، كنتُ كالماشي أثناء النوم، يا إلهي.. مع مَن تورطت، ولكني على الأغلب سأنسى، أرى النهايات يأتين سراعاً.

عبدالرحيم محمد احمد
03-08-2012, 15:30
'سارق النوم: غريب حيفاوي'

ابـتـسـام عـازم

يحتل سؤال الهوية الشائك مساحة كبيرة في رواية 'سارق النوم: غريب حيفاوي' (دار الجمل) للكاتبة الفلسطينية المقيمة في برلين، ابتسام عازم. وتتبلور إشكاليات الهوية في العنوان الفرعي 'غريب حيفاوي'، والذي يطابق اسم الشخصية الرئيسية التي تسرد أحداث الرواية، والذي يحمل دلالات وأبعاداً رمزية يتردد صداها في زوايا النص وتفاصيله.
فبينما تحيلنا مفردة 'حيفاوي' إلى ارتباط راسخ بالمكان والأرض والجغرافيا، فإن الأسم الأول، 'غريب، يذكرنا باغتراب الفرد ونفيه داخل الوطن الذي يعيش فيه على الهامش، لأن المتن تحتله دولة قامت وتقوم على أنقاض غريب وأهله. وهكذا نجد غريب يبحث مطولاً عن معاني اسم 'فلسطين' وتاريخها ونجده مهووساً بالأراشيف، وبالتاريخ كسجل وبالأحداث التي تلقي بظلالها على البشر وحيواتهم. تحضر النكسة مبكراً في الرواية، خصوصاً وأن سنة وقوعها هي تلك التي يولد فيها السارد. لكنها، أي النكبة، بكل معانيها وتبعاتها المعقدة، هي ما يؤطر السرد وأحداثه. والنكبة هنا ليست حدثاً أحادي البعد، بل حالة مستمرة متفاقمة، وعلاقات قوة وهيمنة تترسخ كل يوم وتعيد إنتاج نفسها وفق المعادلة الاستعمارية التقليدية التي كان فرانز فانون قد حللها منذ عقود، خصوصاً فيما يتعلق بتأثير الخطاب الاستعماري على ثقافة المستعمَر وهويته (بفتح الميم الثانية).
ومع أن الهاجس السياسي واضح وقوي لدى الكاتبة إلا أن ما تتتميز به الرواية هو أن هذا الهاجس لا يثقل السرد أبداً، لأنه لا يقع في مطب المباشرة أو التقريرية، بل يجئ طبيعياً، ومرتبطاً بشكل خفي بجمال السرد وشعريته. فبالرغم من وعي غريب بهويته وانتمائه، إلا أنه ليس شخصية نمطية أو تقليدية، بل شخصية مركبة وغنية بصدقها وبتعقيداتها. فتورطه في العمل السياسي لم يكن مبنياً على تحزب أو انحيازاً لأيديولوجيا، خصوصاً أن الأب كان يحذر أبناءه من التورط في السياسة، بل جاء نزولاً عند رغبة حبيبته همسة. فيخرجان ليتضامنا مع أهل غزة والضفة بالهتاف ورمي الحجارة. وبمقابل هذا التضامن مع فلسطينيي الضفة والقطاع، فإن علاقة غريب بشاهين، الصبي الذي سجن أبوه والذي يضطر إلى بيع الأقلام للتكسب، تصور ببلاغة الاغتراب المضاعف لفلسطينيي الضفة من الطبقة العاملة الذين يجبرون على العمل في الداخل. عندما يتحدث شاهين بالعبرية مع غريب الذي يظنه زبوناً إسرائيلياً، يسارع غريب قائلاً 'شاهين ليش بتحكي معي بالعبري؟ أنا فلسطيني مثلك من الشمال. ويرى غريب نفسه في شاهين إذ يتذكر كيف أجبر هو أيضاً على بيع الأ'وكادو عندما كان صبياً وكان يخاف انكشاف ذلك أمام زملائه في المدرسة. يعي غريب حدود الطبقة التي يصعب، له ولغيره، عبورها، والسقف الطبقي الذي يكسر الظهور ويحني الرقاب. لكنه يعي أيضاً وحشية الدولة ومؤسساتها التي تراقبه وتمنعه أن يكون مواطناً كامل الحقوق، كما يريد ويفترض أن يكون. ينخرط غريب في عمل سياسي ويصبح عضواً في خلية توزع مناشير ويؤدي هذا به في نهاية الأمر إلى الإعتقال والتعذيب، ثم السجن لسنة ونصف بعد محاكمة رسخت الشعور بالذل والمهانة لديه.
لكن الحرية خارج السجن تظل حرية ناقصة مرة الطعم، فالقدس 'فقدت قدسيتها' و'تل أبيب: تبدو دائماً مصطنعة، متبرجة، تعيش على أنقاض يافا، بل ابتلعت يافا تاركة أياها تحتضر'. وحتى عندما يتوق غريب للسفر، فإنه لا يستطيع أن يزور بيروت أو دمشق، لأنه محروم من التواصل مع امتداده الجغرافي والثقافي. فيروي عطش السفر بالذهاب إلى قبرص على جواز سفر 'يتعكز على أنقاضه على حد تعبيره. والمطار، كحيز عام ومؤسسة، هو حقل خصب تبرز فيه تناقضات الهوية وإشكاليات الانتماء بشكل صارخ، خصوصاً في دولة استيطانية-استعمارية كإسرائيل. وعندما لا يعامله موظفو المطار كما يعاملون الفلسطينيين عادة بالإفراط في التفتيش والتأخير والإهانة، يرفض غريب السفر. يعود أدراجه ويدرك حينها بأن هذه الممارسات 'كالتفتيش والإهانة والشك بي أصبحت جزء لا يتجزأ مني. وكأنني لا أستطيع أن أعيش بدونها أنا الذي كنت أطالب دائماً برفعها'. تسلل هذه الممارسات إلى اللاوعي وتمثلها من قبل غريب لا يعني بالضرورة اضمحلال الهوية أو ضياعها، بل بقاء الذات في وجود مأسوي كـ(لا) مواطن يعيش في دولة ومجتمع مهيمن يستمد شرعيته من إلغاء الآخر الذي يهدد وجوده الأسطورة القومية. فيقول غريب: 'بلدي نعم! مطاري لا! ولكن ليس حكومتي وليس علمي وليس رموزي أو جوازي وليس ليس ليس. إنه وجود قائم، في أحد وجوهه، على النفي الفردي والجماعي. وهنا تحضر الذاكرة كساحة صراع حقيقية. 'لا أحب تذكر أسماء الشوارع، فلكل شارع اسمان، اسم مكتوب واسم يعارك الذاكرة. أسماؤهم وأسماؤنا'.
وخوف المستَعمَر الطبيعي في صراعه مع المستعمِر هو أن يندثر وتختفي ثقافته ليصبح هو وهي أطلالاً. كان الكابوس الذي يعاود غريب هو تلقيه دعوة لحضور افتتاح المتحف القومي الذي أقامته الدولة لترسيخ روايتها هي عن المكان وماضيه. وفي واحد من أجمل فصول هذه الرواية الجميلة وأكثرها إيلاماً يجد غريب أمه وقد أصبحت عينة في المتحف يتفرج عليها الزوار والسياح. يخرجه الحراس بالقوة بعد أن يصرخ. وفي الليل يتسلل إلى المتحف ويحرر أمه من سجن ذاكرة الآخر. فيخرج جسدها ويدفنها في الأرض التي أنجبتها كما يليق بها.
بالإضافة إلى موضوع الهوية الشائك والصراع مع الآخر والدولة، يحسب للكاتبة تمكنها من تقمص صوت السارد المذكر، الذي يروي حكاياته في فصول تحمل عناوين مستقلة. وقد نفهم انحياز الكاتبة لبنية غير تقليدية أكثر سيولة، تنجح في خدمة النص وتبقي على تماسكه عموماً باستثناء بعض المواضع التي يتلكأ فيها السرد.
بالرغم من أن الكاتبة تعيش في برلين حيث تعمل كصحفية، وقد تركت فلسطين منذ عقد من الزمن، إلا أن روايتها مسكونة بهواجس فلسطين الداخل وهي جزء من النسيج الأدبي الواعد الذي يزدهر في فلسطين. ويتكئ على منجز غني وذاكرة أدبية شامخة تتحدى الجيل الجديد وتشجعه في ذات الوقت. لكن من حق هذا الجيل الجديد أن يعتب على النقاد العرب الذين لا يحسنون الإنصات إلى أصوات الداخل والالتفات إليها، باستثناء المكرّس والمعروف منها.

ديالي نجار

عبدالرحيم محمد احمد
09-08-2012, 03:18
" لم أر الشلالات من أعلـــــى "

محمد ميلود غرافي

يصدر للشاعر المغربي محمد ميلود غرافي رواية ' لم أر الشلالات من أعلى ' ، وقد تصدرها بهوامش نصية تعد مفتاحا لقراءة هذا العمل الأدبــي و كشف أسراره الدلالية والجمالية، بالإضافة إلى جاذبيتها ودورها التحفيزي في خلق علاقة اتصال حميمي للقارى بالعمل .
وأول ما تطالعنا به الرواية نص المتصوف العراقي النفري : ' لا يسلم من ركب ' ، نص مختزل لفعل الركوب المتجلــي في الرواية حقيقة و مجازا. ويلي نص النفري نص ' عقــد زواج ' الذي كتبــه قاضي أحفير في العـقد الستيني ( 22 يوليوز 1965 ) ويكشف عن هوية طرفيه كما يحدد بعض ملامحهما الفيزيولوجية والإجتماعية. و قد يجد القارئ بعض العسر في قراءة لغتــه، غير أن الشروح التي يقدمها الروائي ثم السارد لاحقا تبدد ما غمض منه.
ورود هذين النصين في مستهل الرواية ليس اعتباطــا، إذ بقدر ما يخلقان حالة تحفز للقراءة، فإنهما الأســاس الذي ينبني عليه النص السردي المتفرع إلى نصين متجاورين : نص الأب ونص الإبن. يصوغ الأول نصـه بلغة بسيطة و تلقائيــة يستعرض من خلالهـا مراحل من حياته ممتدة من عام 1945 إلى عـام 1965، أبــــــرز ملامحها السفر داخل المنطقة الشرقية للمغرب والمناطق المتاخمة للحدود المغربية والجزائرية والسفر في درب السياسة والإعتقال خلال مرحلة حساسة من تاريخ المغرب. ومن خلال المسار الحياتي للأب و سفراته المتعددة وما واكبــها من معاناة و فقر و سجن وغربة داخل الوطن، نكتشف جوانب من شخصيات متعددة بعضها كان قريبـا و جدانيـا من السارد الأب و بعضها أبان عن خيانتــه. زمن هذه المادة الحكائية لا يتجاوز عشرين سنة، جاء في شكل نص سردي تقليدي يحكمه منطق التسلسل التاريخي وخاضع لسيرورة الزمن في تصاعده و تعاقبه الخطــي و لمنطق الإيحـاء إلى أن ما وقـع وقع فعلا خلال فتــرة الإستعمار وما بعد الإستقلال، و الشخصيات داخل هذه البنية ذات صلة وثيقة بالأنساق المرجعية، ومؤطرة سياسيا على المستوى الوطني والمحلي، مما يستدعي قراءتها داخل مرجعيتها وفي علاقتها بأسئلة المرحلة. و لأننا بصدد قراءة الرواية في تفاعلاتها النصية، فإننا مدعوون الى إبــراز تفاعل نص الأب السارد مع الهوامــــــش النصية السالفة الذكر، لنجد أن العلاقة بين نص الأب ونص النفري وثيقة، فللذات الساردة سفرات متعددة على مستوى الأمكنة، سفرات في معظمها اضطرارية محكومــة إما بظرفية إقتصادية وحاجة مادية وإما بموقف الرفض للآخر : الفرنسي و بعده من أمسك بزمام الحكم. : 'عند الفجــر ، جاء العسكر ، طوقوا البيت واعتقلوني' ص 92.
يرد نص الإبن موازيــا لنص الأب، يتوزعان معا على صفحات الرواية في علاقــة تجاور و يمتدان داخل الجســد الروائي على شكل مقاطـع تتبع نظاما خطيا تصاعديا في سرد الأب و تخرق هذا النظــام في الوحدات السرديــــــة للإبن و التي ترتبط فيما بينها بعلاقة تفــاعل دينامي تتداخل فيه الأبعاد الزمانية والأمكنـة وملامح الشخصيات. و قبل التطرق لعملية التناص بين نصوص الإبن ونصوص الأب، نقف مليــا عند نص ورد بالصفحة 12 و الذي يفتح شهيــــــة القارئ لدخول عالـم الرواية بالحديث عن ' ريبيكا ' المرأة التي تقف على مشارف الحكي و الذاكرة' و التـــي تخرج الســـارد من ضوضائيته حينــا و تعيده إليها أحيانا أخرى بل وتغرقه في بحر من الذكريات الحزينــة. ريبيكا هي القضية التي دافع عنها السارد و مشروعه الحياتي الذي لم يكتمل، وهي الوجع المستفز لذاكرة الحكــي، و المثري للحــــــــــس الإبداعي. قصتها هي القصة الإطار التي تحتضن كل المشاهد و الصور، القصة التي لا تخضع مادتها للتسلســل الكرونولوجي، بل تحكمها تقنية الإستباق والإسترجاع، حيث لا يمكن للقارئ الإمساك بالحكــي بيسر، مما يجعله في أقصــى درجات التوتر. وفي محاولــة لإعادة ترتيب أحداث القصة الإطار، نجد أن المادة الحكائية تبدأ من زمن لقــاء السارد بريبيكا في متجر ببـــاريس و ترتيبهما لقاء بساحة الأوبرا ثم تعرفه على عائلتـها و خاصة الأب اليـهودي و طلبه الزواج منها. ريبيبكا امرأة جريئة في طرح أسئلة محرجة على الأب وهي المثقفة المهتمــة بالسياسة والمحترمة للحريات الشخصية بكل مظاهرها ( موقفـــــها المناصر مثلا لتظاهرات المثلييــن) . ومنذ المشهد 34 يتخذ الحديث عن ريبيكا منحى آخر حيث تلوح بوادر الفراق في الأفــق حين فيصير القارئ بدوره متوتــرا وفي أوج انفعـــاله مترقبا ما سيحصل. يتفـــــق الزوجان على اللقاء بلندن بفندق متواضع، و يسهب السارد في سرد تفاصيل ما بعد اللقاء حين يستحضر لحظة الوداع بمحطة القطـار، وعبر حوار داخلـي ( مونولوج ) يثيره منظر عاشقيــــن أمامــه في مقصورة القطار، نتعرف سبب الخلاف بينه و بين ريبيكا.
إن استراتيجية السرد في نص الإبن تنبني على تكسير خطية الزمن إذ تبدأ بنقطة الرحلة إلى بانغور ثم تعود إلى زمن الحكي الأول و منه إلى زمن الفراق و العودة مجددا إلى زمن زيارة الوطن ... فتتوالى الإستباقــات والإسترجاعـات، وتحذف أزمنة و توسع أخرى قصيرة ( اللقاء مع الأب مثلا ) . أما المشاهد التي تحتضنها هذه القصة الإطار فإنها تنبني على تقنية الإرتداد إلى الماضي، مما يجعل الرواية رواية ذاكرة بامتياز، فالديناميــة التي تشتغل بها هذه الذاكرة مبهرة. وإذا كانت نصوص الأب تحافظ على تقليديتها في السرد، فإن نصوص الإبن تتجاوزها و تنسف قواعد بنائها الكلاسيكي ليأخذ التفاعل هنا طابعا صداميا على المستوى البنائي، غير أنه على المستوى الدلالـي يتخذ أشكالا متعددة يمكن حصرها في ما هو تماثلي، تفسيري وتحويلي.
يتجسد التماثل بين نصوص الساردين من خلال تيمة المعانــاة، فسفر الإبن إلى باريس تخللته الكثير من المتاعب : السكن عند عمته بضاحية أرجنتاي و التنقل عبر القطارات وبقاؤه أحيانا دون أكل، و الأب بدوره عانــى في سفراتـــــه المتعددة من الجوع و الخوف و النوم في زوايا بائسة. ويجعل السارد الإبن من معاناته الشخصية نافذة يطل من خلالها على معاناة الآخرين ممن عاشرهم و منهم ' عمي الناجم ' الذي دخل باريس في بداية السبعينات شابا 'و ها هو يغادرها محدودب الظهر أو يموت بها متعبا و ذابلا مثل ورقـة خريفية ' ص 19. و كما يعايش الإبن في باريس شخصيات قاست مرارة الفقر في صفوف الطلبة والعمال، تمتلئ ذاكرته بشخصيات من زمن مــا قبل السفر، فيرجعنا إلى البيت الطينـــي حيث ' في الصيف تزورنا شتى أنواع الأفاعــي و الحشرات من أسفل الباب الحديدي ' ص 39 وإلى حي ' سالم ' حيث الأطفال يمارسون الشغب بأشكاله الفاضحة، والجيران يتبادلون الشتائم، و الشباب المعطل يتناوب على الدخول إلى بيت ' الياقوت '. ومن الهم و الحاجة، تظهر في المشهد 30 معاناة المرض ، إذ يصاب الإبن بالمرض نفسه الذي أصيب به والده في منتصف الثمانينات ' الفقر أيضا له تاريخ ، هو أيضـــا يحمل إرثه ، و تطاردني نتائجه الفاسدة ... داء سل في باريس أيام التسعينات، إنها حالة نادرة في وقتنا هذا، قال الطبيب مستغربا ' ص97 إن هذا النص يكشف بعض المجهول من حياة الأب ما بعد السجن ليجتر بذلك تبعات ماضيه السياسـي و يورث ابنه الكثير من ملامحها حتى لكأننا نعيد سيرته مع اختلاف في الأمكنة و التواريخ. و تبرز تيمة الموت لتكثف من أنغام المعاناة في الرواية إذ يموت أخ الأب ' التهامي ' عام 62 بضربة حصان تعذرت معها الإسعافات، و يموت أخ الســارد الإبن 'سمير ' بالحصبة حين التمســت الأسرة الدواء عند عجــوز بدل طبيب، وقد عاشــت الأم بعد هذا الحدث تستنكر كل ما له علاقة بالطب الشعبـــــــي.
و كما انخرط الأب في حزب الإتحاد الوطني للقوات الشعبية عام 63 و منه في منظمة سرية بالجزائر، يشارك الإبن في اجتماعات منظمة العمل الديموقراطي الشعبي و يقرأ جريدتها في الخفاء، و لكنه يأبى الإنخراط في الحزب ' لأن حمل بطاقة عليها صورتــي واسمي تحت شعار الحزب، كان يقلقنــي و يشعرني أن ثمــة حدودا بيني و بين الآخرين ' ص81. لقد كان حريصا على كتابة الشعر بدل اقتفاء أثر الأب و اجترار خيباتــه السياسية، فرغم التماثل بين الساردين في الإهتمـــام بالسياسة إلا أن الإختلاف يظل طاغيا بشأن الإنتماء الحزبي. و تقدم الرواية تفاعلات أخرى على المستوى التفسيري ، فقول الأب أن صديقــه وقع له خلاف مــع أهل الدوار بسبـــب غلطة ، لا يبدو واضحا للقارئ ، فيفســر الإبن هذا الغلطة بأنـــه التحرش بامرأة، ليعدد بعض غلطاتــه المتعلقة به كذات فردية أو جماعية من قبيل سفره إلى باريس، دخوله المدرسة، فراءته أشعار درويش و لوركا ، فهمه للسياسة و حلمه بالديموقراطية، و يرى أن تارخ وطنه كله غلط، غير أن أكبر غلطة هو عدم التحاقه بريبيكا والعيش معها في بانغور لأن ذلك كان سببا مهما لفقدانها. و نقف في المشهد 19 على تفسير لعنوان الروايــة، فالشلالات هي تلك التــي مر بها السارد في رحلته عبر الجبـــال إلى بانغور و التي دعته ريبيكا للوقوف على منظرها من قمة الجبل، فكان يتردد في صعودها لأنه يخشى العلو منذ الطفولـة. لم يستطع مواصلة الرحلة إلى الأعالـي كي يرى الشلالات ' فنزلنـا ، هذا أحسن، ربما لأن نصف الطريق مع ريبيكـــــا كاف، لا شيء يؤكد أننا التقينا كي لا نفترق أبدا ' ص63 . إن الرؤية لم تتحقق لأن الخــوف كان يملأ دواخــل السارد، كما أن الرحلة مع ريبيكا لم تكتمل وظل السارد في منتصف الطريق مسكـونا بآلامه. يبدو إذن أن العنوان في هذه الرواية يحتاج إلى النص كي يفسره، كما يحتاج النص إلى عنوانه كي يخلق الحافز على القراءة. وتحبل الروايـة بنصوص عديدة مارست تفاعلها مع نصوص الأب بأشكــال تعارضية نقديــة، ففي المشهد الثانــي تغرق ذاكرة السارد في بحر بلاده و هو يرقب بحر بلاد الغال، إذ تحول سفر العائلات في الأربعينات نحو الداخل إلى سفر نحو الخارج للشباب عبر المتوسط الذي يهرب أسماكه و يأكل لحوم أبنائه. لقد تغيرت التواريخ لكن حال البلد لم يتغير ' جاء صوت بحر آخر أكثر قوة ، بحر له طعم القيء و السكر و الموت و الدعارة ، يخ ' ص17 . إن الإمتعاض الذي يستشعره السارد يكشف سخطـا يعبر عنه صراحــة أو ضمنــا في العديد من مشاهد الرواية. فالزهراء التي كانت تبيــع جسدها لرجــال متزوجين يرتادون المساجد يوم الجمعة بعباءاتهم البيض تحولت في باريس إلى نادلة في البار تكسب عيشها من عرق جبينها وصارت صوتا آخر للسارد يعبر من خلاله عن الغضب والسخط والخيبة لدى جيل ما عبد الاستقلال. تقول الزهراء معلقة على النفاق الاجتماعي : ' كنت أعرف أن ثمــة خللا فظيعا في المجتمع، و كان ذلك يشكل لدي نوعا من الإستئناس، و يقلص شعوري بالذنب، كنت أقول في نفســي، كل فرد في هذا المجتمع عاهر على طريقته الخاصة، و ما زال يبدو لي أن الكل يخون الكل ' ص125. إن الإحســاس بخيبة الأمــل و بفشل المشروع الذي ناضل من أجلـه أبناء هذا الوطن يتحول إلى إدانة صريحة في الصفحة 78: 'تركنـا له البلد بكل ما فيه، و ها هو يتعقب أثرنا في باريس، لعنتُ فرنسا والوطن معا' تعليقا على ظهور الحاكم على شاشة التلفاز. إن سرد الأب لتجربته السياسية و لقمع النظام لأحلام جيل الستينات، تقابله بنية سردية للإبن تعلن عن إدانتها واستنكارها لاستمرار الممارسة الإستعمارية في أشكالها الجديدة، والأمــر يكاد يكون عامـــا على المستوى المغاربي وخاصة الجزائر ف ' نادية ' أو ' خيـــرة ' الجزائرية التي ولدت بباريس عاد بها أبوها إلى الجزائر ظنــا منه أن وطنه سينصفه، لكن 'خدعه الإستقلال'، و حين بدأ الإقتتال أثناء العشرية السوداء غارت الجزائر واستقرت بباريس. وإذا كان فساد الإوضاع بالبلد باعثـا على اليأس فإن حال النخبة المثقفة باعثة على الرثــاء.
وتكون نهاية الرحلة خروج الأب من السجن بعد العفو الذي شمله إبان الإنفراج السياسي عام 65، والإبن من تجربته مع ريبيكا. كلاهمــا خرج من القفص، الأول من قفص حديدي و الآخر من قفص الزوجيــة، وإذ يستقبل الأب بالزغاريــد ويبيت عند أحد المناضلين، يتوجه الإبن إلى بيت الزهراء ليجد عندها السلوى : ' ابْكِ ما استطعت، أعرف أن الفراق في الحب شبيه بالموت، لكن غدا ستشفى ' ص 125 . وفي عودة الأب إلى قريته نجد إسهابا في ذكر تفاصيل صغيرة تعكس فرحا بالحرية لكنه مشــوب بخوف وقلق من المجهول، الإبن أيضا شعر بالإنعتاق ' أُُحس براحــــة تغمر القلب و بنفسي طليقا و خفيفا مثل طائر خرج للتو من قفص لا فضي و لا ذهبي ' ص135 . وإذ يــــرتمي الأب في أحضان أمه ، يفقـــد الإبن أمه الثانية 'ماري' (حماته) التي بدا تعلقه الوجداني بها منذ بداية الحكــي. لقد كـــان موت ماري مؤثرا جدا على السارد : ' قلت للموت أمهلها بعض الوقت، دعها تكمل درسها لي في الحياة و تعلمني أكثر كيف أصير ملاكا دونما حاجة إلى طقوس وشعائر و كنائس و مساجد ... أعجب كيف تمتد يد الموت إلى البراءة نفسها ' ص 137. وتتوحد سفرة الساردين أخيرا في الإحساس بأن الوطن هو الذي لفظهما خارج رحمــه الصقيـعي، و ما عــاد صدره يسع أناتهما؛ فيظل الأب قابعا في هامش ضيق، يجر خيبته، يستعرض في صمت ما كان و يتلظى بلهيب أوجاع لم يفصح عنها في مذكراته، فيما الإبن يواصل التجديف لوحده نحو المجهول.

نعيمـة مازوني

عبدالرحيم محمد احمد
10-08-2012, 02:07
" بــيـــت الــنــــــار"

محمود الورداني


يرسم الروائي المصري محمود الورداني في روايته الجديدة 'بيت النار' ما يشبه الجدارية لتحولات القاهرة منذ مطلع الستينيات حتى نهاية السبعينيات من خلال رحلة تلميذ صغير يتيم يتحمل مسؤولية أسرة يضطرها الفقر للتنقل بين أحياء العاصمة المصرية.
و'بيت النار' هو محل الكواء حيث عمل مصطفى صبي مكوجي في صيف عام 1964 وكان بيت النار في حي شعبي هو 'بولاق أبو العلا' الذي يفصله نهر النيل عن حي الزمالك الأرستقراطي.
وعبر تتبع الأعمال الصغيرة والمهن المتواضعة التي عمل فيها مصطفى ليساعد أخته منى وأمه قمر يرسم الورداني جدارية اجتماعية سياسية لمصر بما في ذلك التحولات المعمارية والنفسية للقاهرة التي تتوسع بإضافة أحياء جديدة لتصير وحشا أو متاهة.
ولكن الحس الفطري لهذه الأسرة الفقيرة التي تقيم في غرفة داخل شقة بإحدى الحارات لا يمنعها أن تستمتع بالحياة حين زادت أجرة مصطفى وأصبحت خمسة قروش فذهبت إلى سينما شبرا بالاس لمشاهدة فيلمين هما الأمريكي (لص بغداد) والمصري (الباب المفتوح) حيث 'أشرق وجه قمر وأضاء بمئات النجوم الصغيرة ففاتن حمامة (بطلة الفيلم) كانت تطرحنا جميعا أرضا بمجرد ظهورها على الشاشة.'
والرواية التي أصدرتها (دار ميريت) في القاهرة تقع في 350 صفحة متوسطة القطع وتكمل جوانب من هموم اجتماعية وسياسية للمؤلف في روايات سابقة أبرزها 'نوبة رجوع'.
ولكن المؤلف يحنو على أبطاله وقرائه بسرد يتسم بالعذوبة على الرغم من أجواء الفقر الخانقة وقسوة الحياة إذ 'اكتملت الجملة الأدبية التي عمل عليها محمود الورداني بأمانة ووعي لسنوات طويلة امتلك عالمه الأدبي وصاغ مادته الإنسانية في سهولة وبساطة حتى وصل إلى عذوبة رائقة تلمس العقل والقلب معا' على حد قول الروائي المصري البارز علاء الديب في وصفه للرواية.
وتبدأ الرواية بفصل عنوانه 'صيف الثلج' يرصد أولى خطوات مصطفى في عام 1962 وهو يتحمل مسؤولية الأسرة ويعمل مساعدا لبائع الثلج الذي يوزعه على البيوت والمحال ويتيح له العمل معرفة عالم أوسع من حدود الحي العشبي فيرى صورا للرئيس آنذاك جمال عبد الناصر ويتابع جموعا تهتف وراء شاب نحيل محمول على الأعناق..
'دي جميلة مجاهدة-من الجزاير-الشعب الثاير-بيقول يا جمال-ابعت رجال-ورجال أحرار-يحموا الجزاير-الشعب الثاير' في إشارة إلى المناضلة الجزائرية جميلة بوحريد التي صارت رمزا للثورة الجزائرية على الاحتلال الفرنسي.
وفي العام التالي يلتحق مصطفى بالعمل في مطبعة في وسط القاهرة بالقرب من قصر عابدين 'قصر الملك فاروق' الذي يرى للمرة الأولى سوره ويشعر بالضآلة. ولا تفارق مصطفى رائحة مصباح الكيروسين حتى وهو في المدرسة أما أمه فتضطر لبيع الأثاث قطعة قطعة.
ومع تعقد الظروف المادية وبيع أمه للدولاب ثم 'دبلة زواجها من أبي' يبدأ مصطفى عمله مقابل 35 قرشا كل أسبوع في (بيت النار) الذي يتعلم فيه الدقة إذ ينصحه المكوجي بأن يأتي بالمكواة 'من بيت النار وتقربها من خدك عشان تقيس النار. لازم تتعلم تحس النار. إذا كانت المكواة سخنة على الشغل هاتحرقه.. وإذا كانت باردة على الشغل مش هاتكويه.. لازم تحس النار' كما يطلعه على عالم مختلف هو حي الزمالك.
وفي هذا المحل يعرف أن 'أسهل الشغل هو البيجامات الرجالي وقمصان النوم الحريمي.. عليك فقط أن تحس النار. تقرب المكواة من خدك' ثم هنأه المكوجي بعد نجاحه في الاختبار وأصبح كواء محترفا وقال له فيما يشبه التعميد 'اسم مارجرجس عليك والله. كده أقدر أستريح.'
ولكن مصطفى يعرف عوالم أكثر خشونة وقسوة منها أقسام الشرطة ضمن حملة للقبض على البائعين الصغار 'السريحة' ويتلقى الضرب والسباب. وتحول السباب إلى سخرية منه في مرحلة تالية حين عمل محصلا ومراجعا ومندوب إعلانات في مجلة صوت العروبة وتأكد له حجم الانتهازية في الحصول على إعلانات.
ولعل قسوة الخبرة أهلت مصطفى للعمل السري في تنظيمات شيوعية في السبعينيات بهدف مناهضة التحولات السياسية لرئيس تلك الحقبة أنور السادات الذي سمح بظهور الجماعات الإسلامية في الجامعات. وأصبح مصطفى مناضلا مطاردا بعد هروبه من الاعتقال عقب انتفاضة 18 و19 يناير 1977 والتي أطلق عليها السادات 'انتفاضة الحرامية'.
وفي الفصول الأخيرة يستبدل مصطفى بمعاناة الفقر أسئلة وجودية عن تغيرات وأحداث منها العام كاختطاف 'الشيخ الذهبي وزير الأوقاف' وقتله بعد فشل المفاوضات بين الخاطفين المتشددين والمسؤولين ومنها الخاص مثل زواج أخته منى الطالبة الجامعية من شاب ذي توجه متشدد وسفرها معه إلى السعودية ثم عودته سمينا له لحية سوداء ضخمة وشراؤه أرضا ليبني بيتا في حي جديد سرعان ما أصبح من عشوائيات القاهرة التي يرصد الورداني نموها كعشب شيطاني.
ويعلق بطل الرواية على تآكل الحزام الزراعي حول القاهرة وتحوله إلى هياكل اسمنتية 'هذه قاهرة أخرى لا أعرفها'.

عبدالرحيم محمد احمد
10-08-2012, 15:21
'أيام الإمــــــــــــام'

عاطف عبد الرحمن


عن دار إيزيس للإبداع والثقافة ـ كتاب المرسم الإبداعي الذي يشرف عليه الروائي والفنان التشكيلي أحمد الجنايني، صدرت الرواية الأولى للكاتب المصري المتميز عاطف عبد الرحمن، فما الذي يشير إليه عنوان الرواية بوصفه عتبة أولى ،أو جسراً بين الصمت والكلام؟
إنها الأيام التي عاش بين ظهرانيها سعيد سالم مقيماً في إحدى مقابر الإمام الشافعي، أو تُرَب الإمام كما يطلق عليها سكانها، وفيها يحيا الناس في أحواش داخل المقابر، وذلك إثر انتقاله من المنصورة التي عمل في إحدى مديرياتها باحثاً قانونيّاً، إلى الإدارة القانونية في ديوان عام الوزارة بالقاهرة، بعد أن اكتشف رئيسه أن ما ( بينه وبين مواد القانون التي درسها يوازي علاقته بالكيمياء التي لم يدرسها) وفق تعبيره. وفي أثناء هبوطه محطة رمسيس، جمعته الصدفة المحضة بأحد معارفه القدامى الذي كان قد التقى به من فور نزوله إلى 'مدينة الفوضى والأحلام' .. القاهرة، وغاب اسمه عن ذهنه، ليكتشف فيما بعد عبر صلاح السمان صاحب الحوش والحجرة التي أقام فيها بعد وفاة أمه، أن اسمه سليمان الريس.. شاعر الشعب، على الرغم من أنه هو الذي قاده إلى تلكم المنطقة القاسية المحيطة بمسجد الإمام الشافعي العتيق التي تسببت في كسر قدم كاتبنا الكبير إبراهيم عبد القادر المازني يوماً، ليستقر بها مثله بين أمواج متلاطمة من البشر المسحوقين الذين يقبعون في قاع المدينة مشكِّلين تجمعاً بالغ التعقيد يضم العناصر الرثة المعدمة كليّاً والفقراء الذين لا يستطيعون تأمين لقمة عيشهم وفئات الموظفين والمستخدمين ذوي الأجور المنخفضة وعمال المصانع من القطاع غير المعلن، بل بعض عناصر البرجوازية الصغيرة كبائعي المفرق مثلاً الذي يعد الكثيرون منهم في الوقت ذاته- عمالاً متنوعين ومياومين يعيشون على ما يحصلون عليه من أجور عرضية غير ثابتة.
وقد استطاع عاطف عبد الرحمن أن يجوس بعيداً في أحشاء عالم هؤلاء المهمشين، وما يرين على حياتهم من انعدامٍ للتجانس والاستقرار الاجتماعييْن والنفسييْن مما يولده الفقر واليأس وخيبة الأمل ونمو روح عدم الثقة بالمستقبل. ونجح كاتبنا في تسليط الأضواء على مجمل التيارات والاتجاهات التي تتسم بها شرائح المدن الدنيا هذه ومن بينها الفوضوية بذاتيتها الحيوانية تقريباً وعبادة الحرية المطلقة التي تتحول أكثر ما تتحول إلى تعطش للعنف والتدمير، ورفضها الأعمى لأيٍّ من النظم الاجتماعية التي يمكن إدراك عدم عدالتها بشكل سطحي وضبابي وعدم اعتدادها بالدولة. كما طالعناه، مثلاً، في مشاهد المعركة التي دارت رحاها بين اللاعبين والمتفرجين حول لعبة سيجة، استخدمت فيها الأيدي والأسلحة البيضاء الخفيفة كمطاوي قرن الغزال، بالإضافة إلى سيف كان مختبئاً داخل إحدى الأشجار الجافة الهزيلة، لينتهي الأمر بصاحبه إلى صرعه به، بدلاً من قتل غريمه به، ثم يُحفظ محضر التحقيق 'مثل كل مرة' ويُدوَّن عليه ضد مجهول، بعد أن تأتي الحكومة وهي التسمية التي يطلقها البسطاء على البوليس وتسأل كل من تقابله وينكر الجميع 'أنهم شاهدوا أي شيء'، وتفتح 'قهوة كتكوت' ثانيةً بعد مرور يوم أو يوميْن، ويعود كل شيء كما كان. وهنا تعمد الرواية إلى الكشف عمَّا يسم التدين الشعبي من تباين وامتداد بينه وبين أنماط السلوك الأخرى لجهة ضبط السلوكيات، وتحولها إلى معايير وقيم قياسية في عمليات التقويم والحكم على الأشياء، كما رأيناه في دهشة صلاح السمان من اقتراح سعيد سالم بالمناداة على سليمان الريس في غرفته، قائلاً له باستنكار: ننادي! فأدرك سعيد 'المعنى الذي يقصده وهو الخطأ أن ترتفع أصواتنا بالنداء وسط هؤلاء الأموات .. ودهشت لهذا التناقض .. كل مظاهر صخب الحياة موجودة وسط المقابر، ولكن حين ننادي فإننا يجب ألَّا نفعل ذلك' !! أو أن تقدم 'قهوة كتكوت' لروادها الحشيش والبانجو، وتعرض لهم أفلام البورنو ،لكنها تُحجم عن تقديم البيرة والخمور لأنهما محرمان.. وظل 'كتكوت' يعامل سعيداً بجفاء فترة غير قصيرة ؛ لأنه تجاسر وسأله عنهما، فرد عليه بقوله: 'إلَّا الخمرة يا بيه .. دي حرام، واحنا في وسط حرمة الموتى .. إنت عاوزنا نروح من ربنا فين؟'
وبذلك يزيح عاطف عبد الرحمن النقاب عن أن الوعي والسلوك الدينييْن لدى أفراد الفئات الهامشية لا يزالان معطى مجتمعيّاً نفسيّاً ومكوناً من تقاليدها الثقافية والحياتية، ولم يصل بعدُ إلى أن يتحوَّل إلى عامل تحريض وأدلجة وتفعيل سياسي.
لكن من بين ركام التشوه الاجتماعي والاغتراب وتدني الوعي وسلم القيم المرتبط به ، يبرز 'الوعي الشعبي الجمعي' من مكان ما قصي بوصفه قوة فاعلة تُعين على الحضور في العالم، في مواجهة الوعي الزائف الذي يسوِّغ لصاحبه الاستخدام الأداتي للعقل والوقوع في شرك حالة فصامية تُفقده البوصلة الهادية. ومن ثم؛ يلعب 'الوعي الشعبي الجمعي' دور الحارس للقيم المؤسِّسة لوجود الإنسان، والخالقة لمعناه بتحريرها ملكات الروح الرمزية وعمق البُنى السيكولوجية له. وهو ما دفع سعيد سالم إلى أن يتساءل عن ماهية أم آمال ومصادر تكوينها وعافيتها النفسية وجهاز مناعتها القوي الذي مكنها من الصمود والتصدي في مواجهة أعتى الظروف، وأن تحافظ على نقائها فلا تستوطنها ثقافة البؤس والتنابذ وغياب الحس الجماعي. يقول سعيد سالم: 'أي كائن هذه السيدة؟ كيف وقفت وهي بنت صغيرة تُوفي زوجها بمفردها في مواجهة هذا المجتمع الذي يعيش في المقابر؟ كيف تكونت لها هذه القوة التي تستطيع أن تسيطر بها على المجتمع؟ وكيف استطاعت أن تكوِّن هذه الحصيلة من المعرفة .. المعرفة التي تمكنها من التمييز بين الأخيار والأشرار؟ وكيف اختارت أن تكون في هذا النسق من الناس، مع أن الناس من نسق زوجة عبد البر هم الذين يسودون في هذه الأيام .. سواء كانوا رجالاً أو نساء؟ لماذا اختارت أن تقف إلى جوار القيم الصحيحة؟ وكيف تستطيع أن تدير حياتها بلا معين؟ كيف أوقفتني في اللحظة الفاصلة ما بين فعل قد أندم عليه وحولته إلى فعل مقاوم بداخلي ؟'. بل إن 'العقل الشعبي الجمعي' هو الذي أثار ثائرة أم آمال على صلاح السمان الذي انساق وراء غوايات 'كيت' الإسرائيلية التي أحكمت قبضتها عليه، وداعبت أحلامه في السفر 'إلى بلاد أجنبية علَّه يجد فيها بحبوحة من العيش ومشاهدة ما يراه في الأفلام الأجنبية التي يعرضها تلفزيون قهوة كتكوت يوميّاً'. وهنا يُلمح سعيد سالم إلى دور هذا الوعي الشعبي الجمعي في الحفاظ على الشخصية الوطنية المصرية، من خلال تجذرها الحضاري في عمق الزمن، وحضور التاريخ الملموس في عقلها ومخيلتها ؛ ليكتسب تجسده في استجابات الأفراد المتعددة المتنوعة، وعلى نحو يجعل المرء واعياً أشد الوعي بموقعه في الزمن. لهذا لن تنسى أم آمال أو حورية أن والدها كان أحد الجنود الذين استشهدوا في حرب السادس من أكتوبر عام 1973، وهي بعدُ جنين في بطن أمها؛ لتخرج إلى الدنيا عقب الحرب بأشهر معدودات. ولن يبرح ذاكرتها مصرع زوجها الجنايني الذي عمل لفترة من حياته بالقوات المسلحة قبل أن ُيسَرَّح منها عقب حرب اليمن،على يد أحد خبراء الصهاينة الذين استقدمهم صاحب المنزل أو صاحب العزبة التي يعمل بها لتعليم المصريين فنون الزراعة ؛ فاستهجن هذا الأمر: 'إذ كيف سيعمل تحت إمرة إسرائيليين؟ وكيف له أن يقبل أن يعلمه هؤلاء الزراعة التي ورثها في دمه عن جدوده لسبعة آلاف سنة مضت؟ وذات يوم تشاجر مع أحدهم حول طرق الزراعة، وحاول ضربه بالفأس، فما كان من الخبير الصهيوني إلا أن صدمه بالسيارة، وسار على جثته بضع مرات للتأكد من أنه قد مات. 'وبذلك استطاع سعيد سالم أن يدرك بجلاء' كم عانت أم آمال من هؤلاء الإسرائيليين الذين سلبوها من وجهة نظرها كل شيء .. الأب .. وميراثه .. والزوج..وتركوها وحيدة هنا في غرفة داخل أحد أحواش المقابر..تواجه الحياة بكل ما فيها، وهي لم تبلغ بعدُ عامها الرابع عشر ..كان هذا منذ ما يقرب من عشرين عاماً.. لكن السؤال الذي ظللتُ أبحث عن إجابة له ولم تُردْ هي الخوض في تفاصيله: كيف أمكن لها وحيدة .. أن تبقى على قيد الحياة طيلة هذه الفترة؟ إضافة إلى آلاف الأسئلة الأخرى التي يمكن أن تتعلق بهذه الفترة .. الفترة التي كوَّنت أم آمال التي أراها الآن أمامي ..' وبذلك تمسي الشخصية الشعبية هنا بطاقاتها الحيوية المحرِّرة وبصلابتها وقوتها العصيتين على الاختفاء والتلاشي والتذويب، تمسي معادلاً موضوعيّاً لوجود إنساني جماعي حر يأبى الإرغام والسيطرة، وينهض على التعالق والتواشج والخبرات الحية المتراكمة ؛ إذ الأفراد يمتلكون معرفة عملية بالعالم يستثمرونها في نشاطاتهم الإنسانية وممارساتهم البشرية التي تحدد الإكراهات الخارجية المؤثرة في التفاعلات والتمثلات. لهذا كان من الطبيعي أن يلتقي رأي سليمان الريس شاعر الشعب الذي يرتدي كوفية حمراء تتدلى من عنقه مُذيلة بعلم فلسطين، في كيت الإسرائيلية، وأنها 'بنت مش طبيعية أي مريبة ومشبوهة، تقعد ع القهوة هنا وتحط عينها على واحد وتحاول تتصاحب عليه'، مع نفور أم آمال منها وغضبها على صلاح السمان الذي قالت له بحدة وحسم: 'إسرائيلية؟ ماعادش ناقص إلا ده كمان' بعد أن وعت وحفظت 'كل ما تتوارثه الأجيال عن سيطرة اليهود على المال والسلطة والأفعال اللاإنسانية' ومن ثم ؛ بذل سعيد سالم جهداً خارقاً في هذه الليلة لإقناعها بتغيير موقفها من صلاح 'بعد أن أخرج من رأسه فكرة السفر إلى تل أبيب أو إلى أي مكان آخر ومزَّق الخطابات'. وقد اعترف سليمان الريس لسعيد سالم أنه كان أول' من قال إن البنت دي إسرائيلية وإن عندها إيدز، وقد حاول تحذير صلاح منها ،لكنه لم يعره اهتماماً، إلا أنه حذَّر الموجودين في المقهى منها، وكان ذلك بناء على تخمينات أو شعور داخلي ينتابه، ولكنه الآن وبعد أن وضحت الحقيقة أمامه ومن خلال خطابات كيت نفسها، فقد قرَّر سليمان أن يواجه الأمر ويفضحها بناء على خطاباتها التي كتبتها بخط يدها .. وكاد ذلك أن يحدث مشكلة ما بين الفتاة من ناحية، وصاحب المقهى وسليمان من ناحية أخرى ،وأوشكت الأمور أن تتطور وتأخذ أبعاداً أخرى، إلا أن الفتاة أمام الخطابات التي وضعها سليمان أمامها .. آثرت الابتعاد متعهدةً بألَّا تعود إلى هذا المكان مرة أخرى'. وراح سليمان يربط بين حادثة كيت ومحاولات السفير الإسرائيلي إلياهو بن إليسار الذي كان مدير مكتب الإرهابي مناحم بيجن رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، لقاء المثقفين المصريين وتطبيع العلاقات معهم. فلم يجد النظام الساداتي غير حفنة من مثقفي الدرجة العاشرة يقبلون الجلوس معه. لكنه ما إن رآهم وعرف قدرهم، حتى رفض معلناً أنه ينشد لقاء الكتَّاب الحقيقيين من طراز نجيب محفوظ ويوسف إدريس وسواهما، فعلَّق أحدهم بمرارة: 'حتى بعد ما بعنا شرفنا الوطني مش عاجبهم'! وبهذا فشل لقاء مقهى ريش (فيه ناس ساعتها رفضت مجرد فكرة وجودها معاه في مكان واحد ونقلت على القهوة هنا .. يقصد مقهى زهرة البستان عمق ريش الإستراتيجي - وفيه ناس قالت تقعد تشوف هوه عاوز إيه .. اتكلموا معاه شوية .. لكن بعدها هُمَّه كمان ماجوش ريش ؛ اللي راح على 'علي بابا'، واللي راح 'إيزافيتش' .. واللي فضل هنا .. فضل بس في القهوة هنا .. وريش بقت زي ما انت شايف). لكن سليمان الريس شاعر الشعب وذاكرة الوطن كما وصفه سعيد سالم بحق، يدرك أن إسرائيل مشروع استعماري لن يهدأ ولن يتوقف عند حد، وأن كيت لن تترك صلاح السمان وستستخدمه في شراء أحد العقارات القديمة في شارع البستان ؛ ومن ثم شراء المساكن التي غادرها اليهود قبل هجرتهم من مصر إلى إسرائيل لإيجاد موطئ قدم لهم في بلادنا.
وبذلك تميط رواية 'أيام الإمام' اللثام عن محاولات الاختراق التي ينهض بها عدونا الصهيوني تجاه مثقفينا، في تواز مع التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي أصابت بنية الحياة في مصر، مسترشدة بنموذج النيوليبرالية الأمريكية المحتكم إلى منطق السوق الحرة وقوانينها ؛ مما أدى إلى (أننا لا نأكل من الطعام إلَّا ما يصلح للتصدير، أي ما يرفضه أبناء الشعوب الأخرى) وتحققت نبوءة نجلاء زميلة سعيد سالم بانتشار (مراكز الكلى التي ستكون في خلال سنوات قليلة في كل قرية، وفي كل مدينة، وفي كل محافظة) من جرَّاء تلوث مياه الشرب، فضلاً عن قيام أصحاب الفدادين الخمسة التي وُزعت عليهم بموجب قوانين الإصلاح الزراعي ببيعها ؛ نتيجة مطاردات بنوك التسليف والتنمية الزراعية لهم بالمديونيات .ومن ثم ؛ قامت أسرة سعيد سالم (كبيرة العدد ببيع قراريطها الثلاثة ونصف لصالح الورثة، والإنفاق على توزيع أنصبة الأولاد لصالح زواج البنات) وأكمل سعيداً تعليمه بالعمل ليلاً في بعض المهن التي أكسبته خبرة لم يستفد منها. من هنا ؛ يكشف هذا التوازي والتلازم بين فرض التطبيع من جهة، وبين تجريف البُنى المصرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، يكشف عن استراتيجية المصالح الجيو- سياسية الأمريكية وسياسات مؤسسات بريتون وودز ومجموعة البنك وصندوق النقد الدوليين لإجماع ما بعد واشنطون .لهذا تغدو ظاهرة التهميش التي تحياها منطقة الإمام الشافعي عَرَضاً لحُزمة من السياسات النيوليبرالية التي أفضت إلى تراجع دور الدولة، وصعود طبقة اجتماعية جديدة ارتبطت ثرواتها الحديثة بخصخصة مرافق الدولة وبتحرير الاقتصاد وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.
لكن يبزغ من بين رماد القيم السياسية والأخلاقية التي أفرزها عهد الانفتاح غير السعيد (مثل نموذج زوجة عبدالبر التي تصر على أن تقف بقميص نوم أحمر شفاف يكشف عن جسدها أكثر مما يستر ؛ مغازلةً الرجال وطالبي المتعة الرخيصة) يبزغ نموذج أم آمال بوصفها ضميراً حيّاً على إشعاع قيم مصرية أصيلة أريد تغييبها وطمسها في هذا العصر الانبطاحي، وضابطة لإيقاع الحالة المصرية بأبعادها المعنوية والأخلاقية والروحية والجمالية وفتحها على احتمالات قصوى، كما تجلى في استنكارها سلوك زوجة عبدالبر في التلسين على نساء الحوش الشريفات، ولكنها مع ذلك رفضت التشهير بها، واكتفت بالعلقة الساخنة التي أعادتها إلى صوابها المفقود .. وغضبها من سعيد سالم حين تناول المخدر عند عبدالبر وزوجه، قائلة له بحدة: زي ما أنا فاكراك راجل .. خليك راجل .. فاهم؟ راجل، ثم ضربته بيدها على كتفه وكأنها تختبر رجولته .. ألم تضرب سليمان الريس قبله عندما علمت بعلاقته بزوجة عبدالبر ؛ لأن 'الشرف عندها حاجة كبيرة قوي' على حد تعبيره .. وتقاطع صلاح السمان حين عرفت علاقته بكيت الإسرائيلية، ثم صفحها عنه عندما وعدها بإغلاق ملفها نهائيّاً .. وانتقامها من الرجل النحيف الذي أهان جسد زوجه حتى بدت وكأنها شُرِّحت بموسى من شدة النزف، وإصرارها على ألَّا يبيت ليلته في غرفته عقاباً له ... إلخ؟ بَيْدَ أن أم آمال عززت حضورها الفاغم القوي 'بقوة المعلومات' التي حصلت عليها من عملها السابق بوصفها 'أباظية' (فحافظت عليها ولم تحاول أن تبوح بها، لكنها كانت تستخدمها أحياناً عندما تشرع في تأديب امرأة. ولهذا كان الرجال يلجئون إليها وهم على علم بأنه لا توجد امرأة تستطيع أن تقاوم أم آمال. ومع الوقت ازدادت قوتها وفرضتها على الرجال. ولهذا لا يستطيع أحد هنا أن يرد طلباً إلا بإرادتها). وهنا تُعين قوة المعلومات أم آمال على إشاعة العدل وضبط المعادلة بين الفردي والجمعي دون تسلط ولا ابتزاز.
وقد حمل عاطف عبدالرحمن كاميرا راحت تراقب وترصد وتجوب المسكوت عنه في متتاليات بصرية تمتح من تجارب شخصية وعينية وومضات الحياة، بمنأى عن الأفكار الجاهزة والصور النمطية، وأخضعها لوعي نقدي قادر على طرح الأسئلة، وإثارة حوار واسع حولها. وبذلك تحوَّل المكان 'منطقة الإمام الشافعي' إلى عينة ممثِلة تسهم في تشريح الواقع المصري على مختلف الصعد، ورصد حركته، ومنحنى هبوطه، عبر شرائح متباينة من البشر بمصائر أبطاله وحيوات شخوصه ؛ الأمرالذي مكنه من ولوج سيرورة الحياة، وبلورة دينامية نفسية تعي مأساوية وجودها الإنساني، واختلال علاقتها بالعالم. كما تحوَّل مقهى 'زهرة البستان' الذي يلتقي فيه سليمان الريس شاعر الشعب بأصدقائه الحالمين بالتغيير نحو الأفضل، ويعيشون حالة إنسانية رائعة تتيح لهم إدارة حوارات وتقديم مقاربات تتمحور حول الوطن وتحديات تطوره الديمقراطي، ويضع بعض منهم الكوفية المذيلة بعلم فلسطين على كتفيه في إشارة إلى مركزية القضية الفلسطينية في وعيه العربي، أقول تحول مقهى زهرة البستان إلى فاعلية أدبية جوهرية من فاعليات وجودنا، وملمح ثقافي طالع من خيارات محددة ترسم طبيعة العلاقات بين الكتَّاب والفنانين وما يسمها من أدوار واتجاهات تحدد طرائق تعاملنا مع المكان، ونظرتنا إلى الثقافة .وبذلك يأتي استخدام الأسماء الحقيقية للأماكن والشوارع لخلق ذاكرة تفتح حواراً مع أنفسنا وتاريخنا، فتستحيل إلى مجموعة من المرايا المتقابلة التي تنداح فيها الحكايات في دوائر تُعيننا على صياغة فهمنا للحاضر.
غير أن رواية 'أيام الإمام' تنوس بين الحياة والموت .. بين المأساة والملهاة .. لتفصح عن دروب مفضية إلى طبقات متعددة للواقع، في سعيها إلى التقاط حقيقة وجودها كذات حرة، حيال عالم عقَّد أواصر التعاطف بين الإنسان والآخرين. ألم يقل لنا الصوفية: بُني الحب على الجَوْر، ولو أنصف فيه المعشوق لسَمُج؟ لهذا يموت أصدقاء سليمان الريس ورفاق دربه واحداً إثر واحد.. ثم يأتي موته الفاجع على يد بلطجية النظام وشبيحته الأوغاد مع موت حورية أو أم آمال أو انتحارها، في اللحظة التي بدأ فيها حبها لسعيد سالم يعلن عن نفسه، ليتداخل الحلم بالكابوس كابوس الحياة. وهنا تبلغ الرواية ذروة شاعريتها ؛ حيث تختلط الرغبات المكبوتة، بالصراعات الداخلية الصامتة، بالتحدي القاتل مع النفس. حتى إن أم آمال عدَّت غياب سعيد سالم هروباً وخذلاناً لحب لم يعرف طريقه إلى التحقق والإشباع، فانطوت على أحزانها الخاصة تلعق جراحها المكلومة وقد خضعت لناموس المصائر القاهرة؛ أوكأن الإنسان لا يكتمل إلا بالموت، أما الحياة فقانونها النقصان الكامل !لذا ربما طاف بخلدها أنها تسرعت حين منحت نفسها لسعيد سالم؛ فأدركت أنها لم تعد تستند إلى شيء يبرر ما كان لها من سطوة، فغذَّت خطاها صوب الموت ؛ علَّه يُنجيها من عقدة الذنب! وبذلك يمسي الموت عنصراً مكوِّناً لوعينا بالذات، وبالمخاطرة بالحياة فحسب تتحقق الحرية! بعد أن اكتشفت أن الحياة لا يمكن الاحتفاظ بها إلا عبر الألم، وأن المعاناة هي نواة الذاكرة الصلبة الرافدة لكل التجربة الإنسانية، على امتدادها الزمني.

أسـامـة عـرابـي

عبدالرحيم محمد احمد
11-08-2012, 02:43
' صيـــــــف جليـــــــــــدي'

عبد الإله بلقزيز


1. رواية من أجل مقاومة الخيبة؛ تُنتِجُ كلّ رواية أحداثها من خلال العلاقة، عبرها تضبطُ أحوال الوقت ومصائر الناس.
وتنبني كل علاقة روائية على لحظات يفترض أن تكون منعطفات حاسمة في التاريخ والجغرافيا بمعناهما العامّ، يلتقطها الروائي مقلّبا الحروف والمعاني فتتعدّى العلاقة مداها وتقيم الدليل على أن عوالم الحكايات تصعد من الأرض ولا تنزل من السماء. ورغم ذلك، فما ترسمه العوالم هو افتراض كلام مباح. لكن، هل نعرف حقا معنى الكلام المباح؟ نتذكّر هنا أن شهرزاد سكتت عنه ذات ليال. لماذا كانت تفعل ذلك ؟ من المهمّ أن نفهم لماذا كانت تسكت، صمتها يخصنا أيضا رغم تبدّل الدهر. وهل صحيح أن كلام الليل يمحوه النهار؟ من شهرزاد إلى علي الزهراوي ( بطل رواية 'صيف جليدي') حيوات عريضة وحكايات طويلة رصدت مصائر الناس ورهنتها،وكانت تعلمنا كيف ينبغي أن نحيا وسط الخوف والألم والقلق، وألا نمضي العمر كله فقط في تدبير الأحزان؛ ومهما كانت الحياة قاسية،فثمة كوة ضوء في الأفق هي ما تمنح للرواية جدواها وللأدب ضرورته... وإلا لأي شيء يصلح الأدب، ولماذا نقرؤه ؟ كتب سارتر في'ما هو الأدب ؟' هذه العبارات:' إن المرء لا يصبح كاتبا لاختياره أن يقول أشياء معينة،بل لأنه اختار أن يقولها بأسلوب معين'؛ بهذا يمتلك الأدب يقينه ، ويصفُ الكينونة والاحتمالية والتقنّع والشك....
حين أقرأ اليوم الرواية، أجعل من فهم العلاقة مدخلا لمساءلة ما تعبّر عنه من أفكار ومواقف؛ عبرها تتجلى مسالك من المُثل تعيد اكتشاف علاقات الشخصيات فيما بينها وبين العالم المحيط بها. العلاقات أفكارٌ تترجم الإغراء والامتحان والمحنة والمجد والنقص والوعي الشقي والندم والفشل. ولذلك، فالقارئ مدعو دوما 'للقبض' على هذه الفكرة أو تلك لأنها موحّدة وساندة لمتخيل الحكاية. الأفكار هي ما يمكّن الرواية من التقاط ممكنات الوجود و التاريخ والواقع، وتسمح للمعتقدات والمشاعر والأحاسيس بالتوالد والانبعاث؛ فالرواية لا تحلل الواقع، بل الوجود ... والروائي ليس مؤرخا ولا نبيا: إنه مكتشف وجود، هكذا تكلّم ميلان كونديرا في 'فنّ الرواية'. في كلّ مرة أقرأ فيها قصة أو رواية أتساءل: ما الذي يدفعنا حين نقرأ حكاية ما إلى الاقتناع بواقعيتها وحقيقتها، ما الذي يجعل كلام القاصّ أو الروائي مقنعا؟ يحيل هذا السؤال على معضلة صعبة التفسير والحلّ، معضلة فلسفية ووجودية: علاقة الواقع بالخيال، أو علاقة الكلمات بالأشياء. الأدب لا ينقل الواقع، ولا يمكن أن ينقله أبدا. الأدب يوهمنا أنه ينقل الواقع. بهذا المعنى، لا ترتاب رواية ' صيف جليدي' لعبد الإله بلقزيز الواقع، لأنها رواية تنتصر للحلم وتقاوم الخيبة بالرغم من أن مواقف شخصياتها تظهر ميلا لافتا نحو الإحباط المسكون بمرارة الفشل.
2.الانتظار، نزوعٌ هجائي من اللحظة والتجربة والمرحلة؛
نتعرّف على علي الزهراوي في رواية 'صيف جليدي' لعبد الإله بلقزيز بعدما عاش تجربة اعتقال دامت عامين ونصف قضاها في عالم من الانتظار اللانهائي؛ ولأمر ما تنفتح الرواية بالانتظار وتختتم به. هو في البداية انتظار قاسّ وفي النهاية انتظار قاتل؛ وبينهما قلق وخوف وحزن وإحباط، كأن الرواية ' تمرين العزيمة على حبّ البقاء'. كيف ولماذا؟
علي، موظف في فرع حديث النشأة من فروع البنك الشعبي بالقنيطرة، ينتمي إلى عائلة متواضعة تقطن بمراكش. والده موظف بإدارة الأحباس بوزارة الأوقاف، يودّ أن يلتحق ابنه بكلية الحقوق بينما هو يرغب دراسة اللغة الفرنسية قبل أن يغير اهتمامه إلى دراسة العلوم الاقتصادية. أخته كريمة متزوجة وكوّنت عائلة من ولد وبنت، أخته سميرة ذات الثمانية عشر ربيعا رقيقة وعاطفية، وأخوه إبراهيم محام تقاسم وإياه قساوة الوالد وإن كان على العموم لم يعرف الشعور بالأخوة، فقد كان إبراهيم متفتحا اجتماعيا،بينما هو ميال إلى العزلة . لعليّ ولعٌ بالاتحاد السوفياتي ومنحاز إلى سياساته ومتعطش إلى المزيد من انتصاراته... لكنه ،في الآن ذاته، كان يحترم ' محافظة' والده و'تقليديته' فقد عزّاه في وفاة علال الفاسي...
سيق علي الزهراوي إلى الأسر وزجّ به في مخفر سري لشهور من دون أن يدري مصيره أحد قبل تقديمه إلى المحاكمة وإدانته، والتهمة: اعتراف تحت التعذيب بأنه ينتمي إلى حزب الاتحاد الاشتراكي والكونفيدرالية الديموقراطية للشغل، والتحريض على الإضراب والشغب،وتوزيع منشورات في الأماكن العمومية وحيازة مطبوعات ممنوعة... اعتراف حرّر الأجساد من لسعة الموت. وفي المعتقل سيعرف من رفيقيه عبد الكريم وسعيد أن حملة الاعتقالات توسعت في المدن الكبرى والصغرى، وأن المئات من الاتحاديين والكونفيدراليين وعامّة الناس سيقوا إلى مراكز الشرطة منذ اندلاع حوادث وإضرابات 20 نونبر 1981. سيحمل علي الزهراوي العبء النفسي للاعتقال السري حين أخذ من بيته فجرا على حين غرة فيما كان والده يعيش النزع الأخير من حياته. ستة أشهر من الاعتقال رفقة آخرين كانت منفى موحشا؛ ماذا يتبقىّ له الآن ؟ تأمّلُ محنته ومواجهة مصيره : مناضل اتحادي حديث العهد بالسجن وناقم على السلطة والقمع. وضعٌ ملهمٌ ومشحون بالحسرة حدّ الانهيار الداخلي المتلاحق، لمّا قرّر علي الزهراوي لحظتها في نفسه أن يقتنع أن خطاب التشاؤم أقرب إلى الواقع والواقعية من خطاب التفاؤل؛ اختيار وجودي صعب وعليّ يعرف ذلك جيدا وآثر أن ينهي فكرة الحياد سريعا ويحسم الأمر: انتصر للتشاؤم عوض التفاؤل، فخطاب التشاؤم،بالنسبة إليه، مريح وكاذب وخدّاع، وكلفته في النهاية باهظة ... ثم لماذا يذهب بعيدا في حشد الأدلة على وجاهة التشاؤم من الجوّ السياسي القائم بينما لديه ما يكفيه من أدلة ذاتية، من وضعه هو ورفاقه: ما الجرم الذي اقترفوه حتى يزج بهم في معتقل سري ويعذبون ويُعاملون أسوأ مما يُعامل الحيوانات؟ (ص33).
على امتداد الرواية يحكي عليّ بهدوء،ببطء غير متعجل لأنه لا يودّ أن يكون مجرّد سارد أو شخصية من ورق تروي أحزانا ملفقة أو مفتعلة مجلبة للشفقة أو لتعاطف مرتجل؛ لذلك اختار التشاؤم عن قصد، كان يعرف أنه سيخرج من سجن وسيدخل إلى سجن أكبر؛ لم يكن هذا سببا كافيا لإعلان التشاؤم على رؤوس الأشهاد، ثمة سبب آخر أهمّ وأعقد: الخوف من أن يلفّ النسيان هذه التجربة،أو تظلّ فقط صدى لحنين يصلحُ لتضميد الجراح.
سيسعى عليّ الزهراوي في السجن أن يفهم ما جرى له لتخطّي الخيبة والحظ العاثر؛ يستعيد كلّ شيء وهو على يقين من أن الحاضر قد ضاع منه، والمستقبل لا أمل منه، ولم يبق له إلا الماضي ملاذا؛يعود إلى الماضي يحنّ ويقرّ' ما أقسى الذاكرة في مثل هذه اللحظات التي يعيشها،تصبح عبئا على الحياة ثقيلا تعتسِرُ معه أية محاولة للمصالحة ولو الاضطرارية- مع الأمر الواقع (ص63)'. المصالحة عسيرة إذن. ثم إنه بعد أن يغادر السجن سيستعيد حرية منقوصة: لن يرى والده الذي تركه حيا، لن يجد حبيبته ليلى في انتظاره، ولن يجد أخته سميرة ولا أخاه إبراهيم. أي قدر هذا الذي غير العالم من حوله بهذه السرعة بالرغم من أنه لم يحتجب عنه في المعتقل السري والسجن سوى ثلاثين شهرا،فهل تكفي هذه الفترة القصيرة كي يتبدّل الناس،وتتبدل أفكارهم وأمزجتهم وقيمهم ؟ ( ص 195). انصرف الأصدقاء في الحزب عن العمل النضالي وآخرون غيروا انتماءاتهم وولاءاتهم كأنهم يغيرون ملابسهم وشاهد عددا منهم ينضمّ إلى أحزاب السلطة. كان عليّ يعرف أن أخاه إبراهيم محامي ناجح ورجل طيب، بينما هو في الحقيقة التي سيعلنها له صديقه مصطفى الفاروقي يمارس أدوارا غير أخلاقية ولا تليق بالمهنة، فهو منغمس في ارتكاب خطايا ثلاث : يبيع موكّليه لخصومهم فيرتشي من وراء ذلك؛ ويدافع عن أباطرة المخدرات حين يعزف عن ذلك زملاؤه في المهنة؛ ويتورّط في رشوة بعض القضاة للحصول على الأحكام التي تناسبه في القضايا التي يترافع فيها (ص212). بينما طرأت أمور كثيرة على سلوك سميرة، وباتت مواقفها حدّية وصارمة في أحكامها على نحو يجافي شخصيتها الوديعة والسمحة والمنفتحة؛ارتدت الحجاب وبدأت تتقمص دور شخصية أخرى بعدما كانت متعاطفة معه ومع أفكاره، أضحت متمرّدة على خياراته بينما هو يخشى عليها من الانضمام إلى جماعة سلفية أو جمعية من الجمعيات السياسية الإسلامية التي تنشط على نطاق واسع في الجامعات. سنوات قاسية أضاع فيها عليّ كل شيء: حرّيته وعمله،والده،ليلى،وبراءة سميرة، وصورة إبراهيم، وثقته بالحزب والأصدقاء.
3.الإحساس الغامر المحدّد للنبرة؛
المحنة العاطفية،حالة من حالات التغيّر الذي طرأ على الأشياء والناس والعلاقات؛حين كان عليّ بالسجن غيرت ليلى بوصلة حياته ووضعت حدّا لعلاقة بينهما لم يكن يتخيّل يوما أن تنتهي بعد أن اشتدّ عودها وأينعت ثمارها أو على ذلك أوشكت.فكيف هان عليها أن تطوي سنوات من علاقة حارّة. لم يكن ليتجاهل ما كانت هي عرضة له من ضغوط من قبل الأهل،خاصة بعد أن عرف أمره كمعتقل،وما كان عليها أن تتحمله من أجل حماية حبّ نهايته الرومانسية الظافرة في حكم المستحيل ( ص197). ' هي حادثة سير عادية في مجرى الحياة' قال عليّ محاولا أن يعزي نفسه الكليمة ويروضها على امتصاص الألم الدفين.
حين دعته صديقته عائشة هي وزوجها عبد الله لحفل عشاء سيتعرّف عليّ على وفاء،سيشتعل الحبّ في نفسه بعدما قامت العلاقة بينهما منذ ثلاثة أشهر، بل إنه سيتعبرها المكافأة الوحيدة التي تلقاها من السماء (ص228)؛ يحبّها لكنه يخشى من حبها إن ضاعت منه فرصة وفاء فلن تتكرّر، يعرف ذلك ولن يجحده. يا للمفارقة: في الوقت الذي يحيا عليّ مع وفاء تجربة عاطفية بطنجة،وكان عليه أن يكون سعيدا سيتعكّر مزاجه بسبب استفحال الخلاف بين عائشة وعبد الله حدّ الشروع في إجراءات الطلاق؛ وتمادي سميرة في فرض إرادتها على الأسرة ورفع التحدّي في وجهه.
عليّ الآن في لحظة حرجة من حياته: يبحث من دون جدوى عن سلام مفقود، عن لحظة توازن نفسي ... لا يستطيع التفكير ولا يرغب في التذكر ولا يطلب النسيان ( ص 267). ها هو الحبّ يزوره مرة أخرى: حارا وعنيفا وجنونيا ويستطيع أن يعيد النظر في كلّ شيء... حتى في انتسابه إلى الاتحاد الاشتراكي، ( ص 296)، لكنه لا يملك أن يعيد النظر في يقينه بأن الحبّ وحده اليوم الحقيقة المطلقة، ووحده الذي يحتاجه الإنسان لتحقيق التوازن النفسي . ثم إنه بعد مناقشة أطروحته سيسوق له الحظ فرصة الحصول على منصب في الجامعة كأستاذ مساعد للاقتصاد في كلية الحقوق بمراكش؛ ويتخفف من أعباء العمل الحزبي بقرار منه بعد أن بدأ يتسرب إليه الشكّ في جدواه ، ثم خشية أن يأخذ منه وقتا لم يعد مستعدا لأن يهبه لمؤسسة توشك أن تفقد في نفسه بريقها (ص305).
في فصل مدهش بالرغبة والتردّد العاطفي تحكي عائشة عن علاقتها بعليّ أيام الحيّ الجامعي: كانت هناك ليلى وجميلة ونجوى والأخريات؛شيّد عليّ مع ليلى علاقة متحررة بوئام وتفاهم، في الآن ذاته سيبدي عبد الله اهتماما بعائشة؛ لم تكن تتخيّل يوما أن عليّ الذي جمعها بعبد الله في بيته بصداقة تحوّلت إلى زواج،سيصبح سببا في نزاع مستمرّ بينها وبين زوجها ينتهي إلى الانفصال وإلى الطلاق.فقد كان عبد الله يغار من صديقه لأتفه الأسباب. لقد أدركت عائشة متأخرة أنها كانت تحبّ عليّ بعدما دفعتها شكوك عبد الله إلى التدقيق في نوع مشاعرها وعواطفها نحوه. المسافة التي تبعدها عن عبد الله كانت تقربها من عليّ؛ وكان هذا يقينها الذي يحقق لها التوازن في حياتها ويشعرها بحبّها لعليّ.
آخر لقاء جمعهما كان قبل عامين ونصف حين أصبح عليّ أستاذا بكلية الحقوق، كان هو ووفاء في توديعها بالمطار لما قررت الذهاب لفرنسا لمتابعة دراستها الجامعية في العلوم الاقتصادية؛ لقد ظلّ الاتصال بينهما قائما حتى علمت عائشة من وفاء عبر الهاتف بتبدّل مزاج عليّ الذي أضحى متعكّرا بإعلانه جهرا عدم إيمانه بالزواج. كان هذا سببا لإنهاء العلاقة بينهما. ستسافر وفاء إلى بلجيكا لتحضير أطروحتها،وسيعيش عليّ مرة أخرى بعد فراقهما في دوامة من المشاعر المتناقضة والتيه القاسي. بخاطر مكسور ووجدان حزين ، وبهشاشة داخلية بادية في الشعور والكلام ، بحيرة شديدة تنتهي العلاقة بين عليّ ووفاء ... لكن الشعور بحزن الفراق يبقى دليلا على حب كامن في الأعماق.
قضى عليّ مع ليلى سبع سنوات ويزيد حتى فرّقت بينهما محنة الاعتقال. وقضى مع وفاء أربع سنوات ونصف حتى هاجرت إلى بلجيكا. لماذا لم يأخذه الحبّ إلى نهايته مع إحداهما، أي إلى الزواج؟ لعليّ جواب اجتماعي( طبقي)على هذا السؤال، حين يعترف:' لا أحد منا نحن الثلاثة،ليلى ووفاء وأنا،مسؤول عن هذه القسمة الطبقية التي قضت بأن تربطني بامرأتين من بيئة مترفة أنا ابن أسرة الحاج الزهراوي المتواضعة ... لم أكن منصفا في حقّ الاثنتين حينما أردتهما أن يجارياني في نظرة إلى الحبّ ليست عامة ولا مألوفة،ودفعت ثمن ذلك إذ أضعتهما معا(ص 349-350)'. هكذا، يعترف عليّ أنه أجحف في حقّ ليلى ووفاء وفي حقه كذلك... لتغدو العلاقة لديه مطلق غياب، ورجع حنين، ويبقى هو معلّقا كما خيوط العنكبوت في دار مهجورة. يقطع عليّ علاقته بليلى ووفاء، ويقطع في الآن ذاته علاقته بالحزب ويتوقف عن نشاطاته واجتماعاته؛أصبحت العلاقة دالة على زمن آفل مثقل بالمرارة. لم يكن قطع العلاقة لهوا أو تزجية لوقت، كما أنها ليست شعورا خفيا أو انطواء ... هي في الرواية لحظة مليئة بالأحلام والأخطاء والأخطار.
ما الذي يجمع إذن بين الانكسار في الحبّ الذي رافق عليّ في علاقته بليلى ووفاء وتشييع القائد عبد الرحيم إلى مثواه الأخير؟ ألأن توديع الفقيد هو توديع لمرحلة من التاريخ الشخصي والجماعي؟ ورغم ذلك لا يبدو عليّ يائسا من التاريخ وإرادة الناس. نعم كان يحلم بالتغيير لكنه خسر الرهان. لا يبدو عليّ يائسا لكنه قلق ولا يملك الاطمئنان النفسي ورسوخ اليقين. أقرب المقربين يغيّرون المبادئ والمواقع : عبد الوهاب الذي تعرف عليه في شبيبة 'حزب التقدم والاشتراكية' جادله ذات يوم في قرار مغادرة علي الحزب والالتحاق بالاتحاد الاشتراكي واعتبره خيانة؛ لكن عبد الوهاب الذي انضمّ لمنظمة 23 مارس أيضا سيجده عليّ بعد خروجه من السجن مؤمنا بفكرة الديموقراطية كما عهده، لكن هذه المرة مناضلا بحماسة وليبراليا بعدما ترك المنظمة ووجد ضالته في فكرة المجتمع المدني والاقتصاد الحرّ (ص354)... بوقارٍ واقتناع صارم وصادم يسير عليّ وسط الحشود وراء نعش الفقيد ... كأنهم يشيعون أنفسهم إلى دار البقاء، يشيعون يقينيات ذوت ووهن عظمها ( ص 354).
4. مرثية أم رواية سريرة ؟
هل يحق لنا أن نقرأ رواية 'صيف جليدي' لعبد الإله بلقزيز بوصفها مرثية ؟ تحكي الرواية كما بينت سلفا سيرا متعانقة ومتقاطعة عن مصائر قاسية وعنيفة أحيانا . لذلك فإن حدّة الإحساس بالمصير تجعل خطاب الشخصية موغلا في الذاتية وهي تعبّر عن خاطر منكسر ووجدان حزين. عليّ بطل إشكالي لأن اقترابه من السعادة يكون دوما محفوفا بالألم والندم؛ وهذا حال باقي الشخصيات الروائية التي ينهشها التيه في العلاقة والموقف. رواية مرثية لأن بناءها المقفل ودائريتها تقود إلى الاجترار واليأس وإعلان الفشل وخيبة الأمل في الحبّ كما في السياسة. رواية سريرة ،إذن، تسترجع مسار حياة عليّ من خلال ماض مثقل بالجراح وحاضر مقيد بالتردّد ومستقبل لا يعد بأي أمل. ورغم ذلك،لا يريد عليّ في الرواية أن ينتهي به المصير إلى الخيبة والإخفاق السياسي الذي يقود إلى سديمية معتمة، والإخفاق في الحبّ الذي يقود إلى كينونة ضائعة ومهزوزة. يبدو عليّ على امتداد الرواية كما لو أنه يفلسف قدره، والحال أنه يريد أن يستخلص الكلية من التفاصيل من أجل ترميم حياته وتجاوز محنته.
رواية ' صيف جليدي' لعبد الإله بلقزيز جواب على سؤالين: هل يمكن استعادة حبّ أضعناه ؟ ولماذا القيم في السياسة يكتنفها شعور باللاجدوى ؟ الحكاية حكايتان: واحدة عن الحبّ فيها قليل من الفرح ولحظات متلاحقة من الشجن؛ وواحدة عن السياسة من أجل وطن يفتقد إلى السكينة ولا زالت أوقاته داكنة.
في الرواية اختارت عائشة وليلى الرحيل والهجرة؛ اختار إبراهيم أقرب السبل وأتفهها للوصول إلى المال والجاه؛ اختار صديقه عبد الوهاب ' قلب المعطف' والأفكار كذلك؛ اختارت سميرة معانقة أفكار الجماعة الإسلامية؛ واختار عليّ الانتظار: انتظار يحمل في الرواية شيئا من الحيرة والضيم، لأن علي أخذ الحياة كما أتت إليه، لا كما أرادها بالضرورة. هو الآن في لحظة من حياته يحسّ بالضجر، ولم يجد لمقاومته إلا وصفة ناجعة اسمها الانتظار. من الأفضل له أن ينتظر. هل سيطول الانتظار؟ ربما نعم ، ربما ...
'صيف جليدي' رواية مكتوبة بنبض القلب... وعلينا أن نقرأها كذلك بنبض القلب.

عبدالفتاح الحجمـري

عبدالرحيم محمد احمد
17-08-2012, 02:32
'الخــــــــــالــــــــــديـــــــــة'

محمد البساطي


بعد روايته الصادرة قبل عدة أعوام 'أوراق العائلة' وهي ككل رواياته تتسم بالواقعية المفرطة صدرت للكاتب المصري الراحل محمد البساطي روايته الجديدة التي تحمل عنوان 'الخالدية' عن سلسلة روايات الهلال التي تصدرها مؤسسة دار الهلال العتيقة.
الخالدية مدينة محمد البساطي المتخيلة كانت مفاجأة حيث إنها تدور حول مدينة متخيلة لاوجود لها في الواقع، وهو ما يعني أن البساطي غادر ـ للمرة الأولى ـ تراث الواقعية الجديدة الأبعد عن الخطاب العام والأيديولوجيا الى مساحات أكثر رحابة وتقلبا من عمل الخيال الخاص والشعبي في مساحات من الحكي والسرود تختلف الى حد كبير عن مساحات السرد الآمن واليسير والخاضع لمنطقية عالية.
في الرواية تتداخل، بنعومة رجل حاذق، الأصوات والحوارات لدرجة لا نكتشف معها مساحات الحركة والانتقالات السردية الا بعد الدخول والانتقال بين عوالم الأبطال عبر أزمنة ووقائعيات مختلفة، بينما تتأكد أسطورة الخيال في هذا البناء الباذخ الذي صنعه محمد البساطي لمدينة ليس لها وجود على سطح الأرض اسمها الخالدية حيث تجري أحداث الرواية، ولفرط واقعية العالم السردي بشكله الحركي اليومي داخل هذه المدينة يكاد يستحيل علىنا اكتشاف هذه المساحات الواسعة والمعمقة من خيال الكاتب الا عندما يفاجئنا، بشكل صارم، بإفاقات البطل من بعض احلامه الكابوسية التي كان يرتب لجعلها حقيقة واقعة.
تبدأ الرواية من خلال البطل (موظف مراقبة الحسابات) بوزارة الداخلية الذي تأكد ـ عبر خبرة عملية طويلة ـ أن ادارته هي آخر الادارات في الوزارة التي توقع على صحة أو خطأ الكشوف النهائية لرواتب العاملين بالوزارة، وعندما يفكر سالم في أن يقوم باختراع خيالي رآه عبقرياً وهو دس أوراق قسم شرطة متخيل وغير حقيقي به مأمور وضباط وضباط صف وجنود ويستأجر صديقا له هو يونس كان قد تعرف اليه في احد المقاهي وتكون مهمة يونس أن يكون هو مندوب الصرف الذي يأتي الي الوزارة أول كل شهر لاستلام شيك برواتب العاملين بمركز الشرطة المتخيل الذي أسماه البطل قسم شرطة الخالدية فقد رآه اسماً مألوفا وسوف ينطلي على كل من يصادف الاسم على بعض الأوراق.
أما الخلفية الاجتماعية لكلا الرجلين، فهي خلفية تومئ وتشير دون تصريح بالفقر والبساطة المتناهية، فالبطل نفسه يعيش بلا زوجة في غرفة أعلى احدى البنايات بحي من الأحياء الشعبية، وهو رجل رث لا يهتم كثيرا بمظهره كما أنه لا يهتم أيضا بكافة حواسه ولا احتياجاته الانسانية البسيطة، زاهد تقريبا في كافة المتع حتى القريب منها والبسيط والذي يقع في متناول اليد، فليس لديه جهاز تليفزيون في غرفته، ويرفض احدى الزوجات المقيمات معه بنفس البناية عندما تعرض نفسها علىه متعللة بأنها تحتاج أن تشاهد لديه مسلسل المساء لأن ايريال جهازها فسد وأفسد صورة التلفاز.
أما مندوب الصرف يونس فهو رجل أشد فقراً وعوزاً لكنه على النقيض من سالم البطل، هو صاحب احتياجات دائمة ولا تكف شهواته عن العمل، بينما هو عامل بسيط في وزارة الاسكان وتضطر امرأته المسكينة للعمل كخادمة في بيوت الأثرياء حتى تتمكن من العيش هي وأولادها ولو على حد الكفاف.
تتغير حياة يونس كلية بعد عمله كمندوب صرف مع سالم، فقد بات يتقاضى خمسمئة جنيه شهريا مقابل استلامه لشيك، هذا بخلاف المكافآت والحوافز وما الى ذلك، فهاهو يستأجر شقة جديدة أكثر اتسعاعاً وأكثر ارتفاعاً بدلاً من الدور الأرضي الرطب والضيق الذي كان يقيم فيه، وتظل شقته القديمة وكراً لعشيقته جارته القديمة التي لم يكن يستطيع اقامة علاقة معها في السابق، وهي العلاقة التي تراه فيها زوجته عاريا تماماً مع عشيقته فتمرض وتموت.
أما البطل نفسه فتظل حياته سارية على منوالها المعتاد دون تغيير، رغم أنه افتتح حسابين مستقلين في بنكين مختلفين لايداع قيمة الشيكات التي يصرفها شهرياً على نفقة قسم شرطة الخالدية الوهمي بالأساس.
وتكشف الرواية فيما بعد عن مساحات الخيال المعمقة المدعومة بخشونة واقع مدبب وحاد تكتنفه حالة من العنف المروع، في مناخ شبه عسكري تديره وتغلفه الكعوب الصلبة والخشنة لأجهزة الأمن وكعوب اكثر خشونة للبنادق وللجنود الذين يحملونها ليلكزوا بها كل من تسول له نفسه بالاقتراب ويقتلوا بها أيضاً ـ اذا لزم الأمر ـ وهو لازم لا محالة.
لا يكتفي سالم البطل بالحيلة المدعومة بالعقل الخبير والذكي والمدرب في الاحتيال على جهاز هو من اقوى الأجهزة في كل دولة لا سيما اذا كانت دولة شمولية وقمعية مثلما الحال لدينا، حيث تكشف وقائع الرواية وطبيعة حياة البطل ان الهدف الحقيقي لم يكن هو الاحتيال للحصول على هذه الأموال الطائلة، بل يمتد الحلم العبثي الى انشاء مدينة فعلية هي مدينة الخالدية ذات الطبقات الاجتماعية المتصارعة حيث يجد البطل التبرير الكافي لوجود قسم شرطة الخالدية، حيث يكون مأمور القسم هو البطل نفسه وان لم يفصح الكاتب طيلة الرواية عن شخصية المأمور وما اذا كان يتماهى مع البطل الموظف الصغير بادارة مراقبة الحسابات بوزارة الداخلية.
يذهب البطل سالم لشراء لوحة خشبية كبيرة ويبدأ في اقامة ماكيت حقيقي لمدينة الخالدية، فيقوم بتخطيطها على نهر النيل حيث النصف القديم من البلدة الذي هو في رأيه مصدر الازعاج الدائم للسلطات، فهو النصف الذي يضم كافة الطبقات التي تشكل السياق الاجتماعي للمدينة لا سيما العمال مصدر الازعاج الدائم للسلطات، أما الخالدية الجديدة فهي التي يقع فيها قسم الشرطة وهي بالطبع مستقر رجال الأعمال والاستثمار وأصحاب المصانع والوجهاء الذين يرتكبون ـ في اطار هذه الوجاهة ـ أحط الأفعال والأكثر خزياً ومجلبة للعار.
وسط هذه الأجواء يجري الصراع الذي لا تجانبه الصدقية داخل الرواية لدرجة يستحيل معها اضفاء أي مسحة من الخيال على الأجواء السردية حيث تستكمل المدينة الخيالية قوامها عبر الصراع الطبقي بكل سماته الأيديولوجية على المستوى الروائي، وكذلك البنايات وتقسيمها وكافة الأنشطة الاقتصادية عبر العديد من المصانع وحتى قمائن الطوب بمداخنها العالية لم ينسها سالم وهو يخطط ماكيت المدينة، كذلك اوجه الفساد العارم الذي يقوده الصغار والكبار وصراع جهاز الأمن معهم الذي لا يخلو ـ هو نفسه ـ من الفساد.
وتبدو الرواية من هذه الناحية وكأن الكاتب محمد البساطي يتكئ على حيلة هي الخيال لكي يمنح نفسه الحرية الكاملة في كشف خداع وزيف وفساد الواقع الحقيقي والمعاش عبر كشف زيف وفساد للواقع المتخيل.
و الصورة الأبرز لهذا الفساد متعددة الوجوه، فترصد مثلا حملة القبض على ابراهيم العمري الشيوعي القديم الذي أقلع عن العمل السياسي قبل مرور عشر سنوات من تاريخ هذه الحملة، وعندما يذهب جهاز الأمن الى بيته يجدون الأب الذي أصبح رجلاً عجوزاً ويدور هذا الحوار:
ـ من يريده؟
ـ مطلوب للتحقيق
يعود الرجل الى صمته. يتحسس شعر ذقنه النابت ونظراته تترك في مهل على وجوههم ثم تحلق وتتوقف عندك، قال:
ـ أنا أبوه.
ـ قلت: وأين ابراهيم؟
ـ .....................
ويستمر الحوار الى أن يقول العجوز انه هناك عند الجميزة الكبيرة قد تجدونه. لكن الغباء الانساني الذي يصوره المشهد يفوق التصور، حيث مضت القوة الى الجميزة الكبيرة كما قال الرجل فيجدون راعي أغنام يجلس تحتها ويحفر بمطواة في قطع من الغاب يصنع أرغولاً لنفسه، وعندما سألته القوة عما اذا كان قد رأي ابراهيم العمري فيقول الرجل وهو يشير الى المقابر هناك.. من الصف الثالث على الشمال، ويفهم رئيس القوة بصعوبة أن الرجل مات منذ عشر سنوات كما أردف الراعي ورغم ذلك فان القوة الغبية لا ترحم شيبة العجوز الأب وتصطحبه معها الى المركز لينال علقة ساخنة، كذلك تبدو صورة العنف المتزايد في التعامل مع من يشك المأمور بأنه ممثل الصحافة، هذا الشخص المترصد لخطاه ولحركة العمل داخل مركز شرطة الخالدية الذي يهدده بأبشع التهديدات ويصفه بالوسخ .
أما صور الفساد فعديدة في سياق الرصد الروائي لعالم المدينة المتخيلة، الخالدية، من مثل ذلك وبصورة غير حصرية، نجد القضايا التلفيقية التي يقوم بهـا رجال الضبط القضائي، فهناك قضايا المخدرات مثلا، حيث يحتــــفظ المأمور بكمية من مخدر الحشيش في مكان بعيد وناء وفي كل فترة، عندما يحاول التأكيد على أن المركز يعمل ويستحق صرف مكــافآت اضافية يستخرج كمية من المخدر ليلفقــــها لأحاد الناس، وبـــناء علىه يصرف المركز مكافآة كبــــيرة نظير عملية الضبط ثم يقوم المأمور باخفاء الكمية الباقية في مكان آخر ليتم تكرار مسلسل تلفيق القضايا للأبرياء ثم صرف المكافآت مقابل النشاط الشرطي غير المعتاد.
أيضا هناك شخصية نجوي التي تعمل في القوادة تحت سمع وبصر الحكومة ومأمور المركز نفسه الذي لم يرغب في (بناتها) لكنه عبر بشكل واضح عن أنه عندما يقرر احتياجه لخدماتها فلن يقبل الا بها شخصياً، بينما هي تعبر له في أسف أن لها صديقاً تحبه وتعتذر عن عدم قدرتها على منحه نفسها لكنها تعرض علىه خدمات غير محصورة وكلها مجانية بالطبع.
في القصر المنيف التي تقيمه نجوى، تقبع بناتها المخطوفات من أهاليهن من فقراء القرى المجاور لمدينة الخالدية فنجوى تعمل لديها امرأتان، الخياطة وامرأة أخرى أما وظيفتهما فتتحصل في أنهما تلتقطان البنات من الكفور البعيدة. تعرفان الأوصاف التي تريدها في البنت. تختفي البنت بطريقة ما، يتم تسليمها الى بيت في قرية غير بعيدة، في الصباح الباكر يقف حنطور أمام الفيلا. به سيدة ومعها بنت كخادمة لها.. ترسل بهن الى ما يشبه المعسكر. فيلا على البحر.
ولم يصدق المأمور نفسه عندما اصطدم باحداهن فاكتشف أنها ابنة أخت السيدة نجوي، هذه السيدة التي لم ترحم حتى ابنة اختها فتلحقها بمعسكر البنات وهو ما جعل المأمور يحدث نفسه قائلاً يومها مشيت الى المركز وأنت تلعن كل ما سمعته وقرأته عن الشرف والفضيلة. حشو، ولغو، لا يكفون عن التشدق بمعانيها وحث الناس على التمسك بها.
أيضا تبدو الصورة المسيسة للعنف في تعامل المركز مع الاحتجاجات العمالية في المدينة وأساليب التخويف والارهاب التي على الجهاز ان ينفذها في هذا السياق مثل اشهار الهراوات والخوذات والخطوة التي تهز الأرض للجنود ودراسة نفسية العمال ومطالبهم. يقول مأمور المركز في هذا السياق: طوال مدة خدمتي كانوا دائماً يعودون (يقصد العمال في عودتهم الى العمل بعد الاضرابات) عدا مرتين، أمسكنا بعشرة منهم. تختار العشرة من القدامى.
حين يتقدم بهم العمر تكثر طلباتهم. تكاليف أربعة أولاد، تكاليف المزاج الذي يأتي عادة متأخراً. وأحياناً زوجة ثانية أصغر في السن. ترمي بالعشرة في الحبس، هم المحرك دائماً، يوم والثاني ووجدناهم عادوا للمصنع، وافرجنا عن العشرة في كافة اضراباتهم. مطالبهم واحدة. رفع الأجور. التعويضات، تحسين الخدمات الصحية، ولو استجبت لهم مرة ستحلو اللعبة.
وتبدو الصورة الاحتجاجية أكثر بروزاً مع رجل الأعمال النهم على كل المستويات السعدي هذا الرجل الذي بعثت له نجوى امرأة مدربة لاشباع نهمه الجنسي فقررت أن تبقى عنده الى الأبد، هذا الرجل هو الذي يقوم بالقضاء وسحب جميع الامتيازات الممنوحة للعاملين في مصانعه، بما في ذلك الحق في العلاج، ويرفض مقابلة العمال ويؤلب عليهم المركز فيقبض عليهم.
ويستعرض البساطي عبر التحقيق صورا أشد تنكيلاً بكل من تسول له نفسه في الاجتراء على ما يسمونه بالنظام العام.
وتبدو الرواية في مجملها بناء شديد الاحكام، وبعيدة عن الترهل عبر لغة متقشفة كعادة البساطي فلا نجد لديه مفردة واحدة تشي بأنها زائدة، فضلاً عن أن السرود نفسها تظل خادمة أمينة للبناء المتنامي للحدث، الذي لا يقطعه سوى بعض الكوابيس التي تحيط بالبطل، حول مدينته المتخيلة والموهومة التي يغادرها في النهاية ميتا بفعل احد الكوابيس، بينما كان يحلم بالبنت الجميلة الفلاحة البسيطة التي كان زوجها صيداً ثميناً له في كل اضراب عمالي، وبينما تتسلل البنت اليه في كابوسه اذ بالزوج يدخل علبهما فيهجم عليه ويخنقه حتى يهمد جسده أمامه، وبينما كان هو في كابوسه الذي لم يفق منه: كان ممدداً في فراشه. فمه مفتوح وعيناه جاحظتان. وذراعه مدلاة ساكنة. الغطاء ملقى على الأرض، لمبات الماكيت مطفأ. والفجر من خلال النافذة المفتوحة يلوح في الأفق.
فوق ذلك فان البساطي لم يتخل عن عالمه الأثير الذي مازال يمت بصلة الى الريف الذي انحدر منه حيث ولد بقرية الجمالية المطلة على بحيرة المنزلة، فأبطاله فقراء ومن العوام بشكل ما، وهم عادة من وقود الطبقة الوسطي التي ينتمي اليها محمد البساطي، ونلاحظ أن أبطاله قد تزودوا من خبرته العملية التي قضي معظمها مراقباً حسابياً في جهاز رقابي دقيق هو الجهاز المركزي للمحاسبات، وربما كانت اجواء الرواية في مجملها مأخوذة من هذا المناخ الذي فتح للبساطي أسراراً شتى.

محمـــود قــرنـي

عبدالرحيم محمد احمد
18-08-2012, 01:40
'أســطـــورة الجــنــس الثـــاني'

ماريا زكي


أثار كتاب سيمون دي بوفوار 'الجنس الثاني' لدى صدوره في أربعينيات القرن الماضي نقاشا كبيرا، حتى أنه اعتبر بمثابة صرخة في وجه الرجل والمؤسسة العائلية التي تتجاهل وجود المرأة كإنسانة هامشية، وكان كتابها هذا بمثابة وثيقة دفاع عن المرأة 'ودغدغة لشعور' الرجل والمجتمع وحتى القوانين والحث على إعادة النظر في أوضاعها وهمومها.
وفي هذا الصدد صدرت حديثا، بباريس، رواية عن منشورات 'لارماتان'، بعنوان ' أسطورة الجنس الثاني'، وتليها كلمة 'تحولات' كعنوان فرعي أو شارح للعنوان الأساسي للكاتبة والشاعرة المغربية ماريا زكي المعروفة بإنتاجها المميز باللغة الفرنسية، وهي رغم أنها تعمل في مؤسسة أبحاث علمية في فرنسا في قطاع الكيمياء، فهي تواصل الاهتمام بالإبداع ولها باع كبير فيه، وكان شجعها الكثير من الكتاب وعلى رأسهم الباحث والأكاديمي المعروف، عبد الكبير الخطيبي، الذي قال فيها 'بأنها مميزة مبدعة تكتب في صمت'، ولذا ونحن نقرأ عملها نلتمس تلك الجمل المباشرة المبنية على معطيات علمية متطرقة إلى تحليل مسألة المرأة وموقف الرجل منها بغوصها في ثنايا التركيبات الفكرية والقانونية والاجتماعية، فقد تطرقت إلى ظاهرة لا مبالاة الرجل من وضع المرأة، أي تجاهله بمطالبها وبالتحولات الجسدية والنفسية التي تمر بها، هذه المطالب التي توضع دائما في الدرجة الثانية في تفكير الرجل العربي، وعلى رأس كل ذلك الوالد والابن وحتى الوالدة، بحيث أخذت المبدعة ماريا زكي نموذج عائلة تعيش على أنغام تجاهل الأب للأم، الذي يأمرها ويعتبرها خادمة عنده، رغم أنه أنجب منها أطفالا، فكانت الأم تعاني هذه الضغوطات التي تعودت عليها متعاملة معها كأنها قدر لا يمكن تغييره أو المساس به، أو قل هي مسلمات يجب قبولها والتعامل معها، كما راحت هي الأخرى تعامل ابنتها بنفس الطريقة، أي تطلب منها أن تقوم بأعمال ومساعدات لا يقوم بها شقيقها الذي يكبرها بسنتين، هذا الأخ الذي لم يكن يعر أي انتباه لأخته، ولم يكن يحس بها أبدا.
تلتقي ماريا مع سيمون دي بوفوار في كون أن هذه الأفكار المعادية أو غير المبالية بالمرأة تكبر مع الرجل، لكون أن المجتمع لقنه هذا الفرق وهذا 'النكران'، بل وذهبت ماريا أبعد من الاهتمام بمجال التربية لتؤكد بأن هناك تكاملا مهما وطبيعيا علميا وإنسانيا بين الجنسين، ولا يمكن لأحد أن يعيش بدون الآخر، وإن 'فهمنا ذلك نكون قد قمنا بمهمة أساسية تعود بالخير على البشرية جمعاء'.
لبلورة تشويق وحبكة الرواية اعتمدت الروائية على مجموعة نماذج المتمثلة في علاقة الوالد بالأم، وتجاهل دورها كما قلنا سابقا، إضافة إلى تجاهل أو عدم اهتمام الطفل آدم بأخته، فهو يأمرها فقط، ولا يقف عند مشاكلها أو يساعدها في أعمال المنزل أو يحس بتحولاتها الجسدية، أو ما تعانيه من ضغوطات جراء القيود الاجتماعية، حتى حلت به حادثة لمدة أسبوع غيرت مجرى حياته، ومجرى حياة الأسرة، هذه الحادثة تتمثل في كون أنه فطن ذات صباح ووجد نفسه في جسم فتاة من نفس العمر، بينما عقله ظل عقل صبي، فلم يكن أمامه أي حل آخر إلا التعامل مع هذه الوضعية التي أجبرته على الاهتمام عن قرب بالتغيرات التي طرأت له، إذ راح يعاني ما تعانيه الطفلة في نفس السن، ويحس 'بما تحس به مرغما أخاك لا بطل، مرغما أن يعاني الظلم والأسى على كل الأشكال والألوان'، غير أن أخته وقفت معه وقدمت له يد المساعدة، فاقترب منها رغم أنه لم يكن يسمح لها هو بالاقتراب منه، فاهتمت به وبتحولاته، وساعدته على تحمل هذا التغير، بشرحها له بعض الأمور النسائية، وبدلا من الانهيال 'عليها بالضرب والنقد، أصبح يقترب منها، ويسمع لكل ما تقوله له، ومن ثم اكتشف ذاته الجديدة'، إن صح التعبير، لأنه أصبح يشبه أخته كثيرا، مما سمح للوالدين بتقبل الوضع، وعدم الخوف منه، وبالتالي اكتشف آدم نفسه، وطرح مجموعة أسئلة على علاقة الرجل بالمرأة، وحاول فهم القوانين المسيرة لهذه العلاقات، مما دفع بوالده هو الآخر أن يتساءل ويحلل هذه الهزة العنيفة التي حلت بابنه، وعن إيجاد طريقة للتعامل معها، واصل معاملته كولد رغم التغير الحاصل له، هذا التعامل والاهتمام الجديد دفع بالأب طرح مجموعة أسئلة عن علاقته بزوجته وبابنته وبالمرأة على وجه خاص، الشيء الذي تركه يراجع نفسه ومعاملاته ويقترب أكثر من فهم معاناتها وهمومها.
يضاف إلى هذه الشخصيات شخصية تكاد تكون محورية، والمتمثلة في أستاذ الفلسفة والذي لعب دور الواعظ والمثقف الذي ودور الحكيم والمنور في هذه القصة، وذلك بوقوفه بجانب آدم وبمساعدته على تقبل الوضع والتحولات الطارئة بطريقة فلسفية، بحيث راح يجيب عن كل أسئلته مسديا له بالنصائح المختلفة.
تظهر هذه الرواية الفرق في تعامل الوالدين المختلف لأولادهما، مما يكشف أن تعاملهم مع أولادهم كان يتم حسب جنسهما، وليس حسب ذكائهما، وآدم كان يعيش مع الرجال ومع عالمهم الخاص بهم، ولم يكن يهتم بمشاكل البنات، لا عن من قريب ولا من بعيد، ولم يكن يعرف أي شيء من واقعهن النفسي والجسدي أو البدني، هذا ما زاد في رفضه واقعه في البداية، لكن نصائح الأستاذ وتقرب الأخت منه، وتعامل الآخرين معه بلطف تركه يضع الأمور في نصابها، لأنه أصبح رغما عنه يعيش في إطار هذه التحولات، علاوة على أن الآخرين بدؤوا يرونه أو ينظرون إليه كبنت، ويتعاملون معه على تلك الشاكلة التي يتعاملون بها مع المرأة (سواء كانت بنتا أو امرأة).
تتطور الأحداث لنرى فيما بعد التغير الحاصل لآدم، الذي حينما أحس ببعض مشاكل المرأة وتوعى بها 'زال عنه التعجرف واللامبالاة، وراح يتساءل من خلال هذا التحول عن واقع المرأة وعن تهميش الرجل لها، ومعاملاتها دائما كأنها جنس ثان لا يستحق الاحترام'.
اختارت الروائية هذه الشريحة الشابة من المجتمع، 'لتلفت نظرها لواقع المرأة، لأنها تؤمن بأن هذه الشريحة هي التي تحول وتغير المجتمع، ويمكن الاعتماد عليها، وأن احترام المرأة والتقرب منها وعدم وضعها في خانة الاحتقار والعدوانية، يتركهم يتسلحون بأفكار ناضجة وموضوعية'.
كما تؤكد الروائية ماريا زكي، بأن العدوان الذي تعيشه المرأة هو جهل لها ولموقعها الأساسي والاستراتيجي في الحياة، لذا فهي تحث عن معرفة حقائقها، وتطلب في نفس الوقت من المرأة أن تثور على هذه الأوضاع المزرية، وهذا ما حصل لآدم الذي عاش أسبوعا يعد أصعب فترة في حياته، ولم تعرف أمه ما تقوم به من أجل مواساته، فراحت تطرح عدة مشكلات إنسانية وجمالية، وتقنعه بأن 'المرأة الجميلة لها كل الإمكانيات في إغراء الرجل والتقرب منه'، هذا بعد أن راح يتساءل الطفل عن موقعه، وأن عقله بقي عقل رجل، ولكن جسده أصبح جسد امرأة، لحسن الحظ أنه وجد ذلك الأستاذ القريب منه والذي قام بدور الحكيم والعاقل الذي رفع من معنوياته، وأتى بأجوبة موضوعية مقنعة لآدم وللأسرة أيضا.
تغيرت حياة آدم حينما عاد إلى شكله الطبيعي بعد أسبوع من العذاب والتساؤلات، كما تغيرت نظرات المحيطين به، وهذا التحول أصبح محل تساؤل الكبير والصغير القريب والبعيد، مما دفع بالشاب إلى الاحتجاج على بعض المعاملات التي تتعرض لها المرأة، وأصبح يطالب بتغيير الأمور بسرعة، كما استدرك فهمه الخاطئ للمرأة الذي كان هو الآخر ضحية له، وكان هذا التحول بمثابة استعادة الوعي لأن الإنسان 'العربي يجب أن يفكر في عالم أرحب، وغد أجمل، يمنح لكل الناس العمل والرقي وطرح الأسئلة التي لها علاقة بالمعوقات الحقيقية والأساسية للمجتمعات العربية الإسلامية'، كما تؤكد على ذلك الروائية زكي ماريا، التي ترى بأن الكتابة هي سلاح يسمح للمبدع 'بالتفتح على العالم واكتشاف الذات'.

الطيب ولد العـروسي

عبدالرحيم محمد احمد
19-08-2012, 14:15
رواية : 'كـــافـــر سَـــبـــت'

عـــارف الحسيني


الرواية ليست خطاباً يمكن أو يجب أن تكون كذباً... إنه خطاب لا يمكن إخضاعه بدقة لاختبار الصدق، إنه ليس صدقاً أو كذباً.
في سبعينيات القرن العشرين ظهر نوع جديد من القص التاريخي أطلق عليه 'الميتاقص التاريخي'، وجاء هذا النوع رداً على تجريبية السرد التاريخي التقليدي ومَثّل هذا النوع عدد من الكتاب منهم جون بارث وغابرييل ماركيز.
يكمن الشيء الجديد في الميتاقص التاريخي في رفضه إسناد السرد إلى المفاهيم التجريبية للتاريخ، المهيمنة على الفكر الغربي طوال القرن التاسع عشر، وبدلاً من ذلك فإن الصدق والكذب لا يمكن أن يكونا الاصطلاحين الصحيحين لدراسة القص، فنصوص الميتاقص التاريخي تعكس الآراء المعاصرة حول السرد والتي تشكك في إمكانية معرفة المفاهيم بدقة وفي هذا الصدد يرى البعض أن كتابة التاريخ تنتمي إلى الخطاب وبذلك فالسرد التاريخي هو حوارية حسب مفهوم باختين: فكل تفوه يصبح موضحاً للصراع: كل كلمة تطلق إلى الفضاء الاجتماعي تنطوي على حوار ومن ثم تأويل تنازعي.
هذا ما سعى إليه الروائي عارف الحسيني في روايته الأولى، والتي صدرت عن دار الشروق عمان، والتي حملت عنوان 'كافر سبت'
تتناول الرواية حقبة محدّدة من الزمان، وفي مدينة القدس بالتحديد، التي تعتبرُ قلب الصراع، الذي بقي مؤجلاً ومعلقاً، وتُلقي الحبكة القصصية الضوء على حالات يمكن أن تكون حصرية في ديناميكية المجتمعات الحديثة النامية، وربما لا تتكرر كثيراً في حياة الشعوب وذاكرتهم الجماعية، وفي هذه الحالة الفلسطينية المقدسة التي تجتاحها كمية مخيفة من التغيرات السياسية، والاجتماعية والاقتصادية في فترة قياسية من الزمن تسير بسرعة جنونية.
'كافر سبت' هي مجموعة التفاصيل التي يعرفها كل من عاشها، لكن ليس بالضرورة فكر فيها، أو حتى نقدها، أو قارنها مع حالات حياتية أخرى لا يوجد فيها ما هو غير تقليدي، فالفلسطيني أينما وجد يحمل معه شحنة تاريخية متوارثة من الألم، ويزُيد عليه في بعض الأحيان شعور القهر المزمن من الاحتلال، أو الحسرة من الأشقاء، أو الوحشة من الغربة أو اللجوء، أو الاغتراب، أو كلها مجتمعة.
المفارقات في رواية كافر سبت نسبية، تتحول بين الفينِّة والأخرى، ربما هناك من سوف يقرأها في مخيلته بتناسقها السردي، وهناك من سيراها مجموعة قصصية، ولكن في جميع الأحوال يوجد مسارٌ ينقلنا من حالة إلى أخرى، أملاً بأن يجد كل واحد منّا نفسه في إحداها، أو في جميعها، لأن مفارقات الزمن القليل الماضي يمكنُ لها أن تكون أسرع من أن نستوعبها.
إن رواية عارف الحسيني حاولت أن تطارد تمايزها عبر تلك الشبكة السردية النابعة من الذات الراوية العارفة بكل شيء والمتركبة من خلال بعد اجتماعي يجمع عناصر الحكي إلى موروثات الذاكرة العربية القابعة في (مدينة الأحلام).
أوصل الكاتب الحسيني غايته المتلاحمة بين الهم الإنساني العام والخاص والظلال الوجدانية الناشئة من الذات الأخرى، ومن [أناه] كراوية اتحد مع الأرض والماضي المعاش عن طريق الحلم كمحور تقاطع مع البنية العميقة، وشكّل جمالية الفضاء المكتوب.

سليم النجـــار

عبدالرحيم محمد احمد
23-08-2012, 22:19
'ســـــلالـــم النهــــــــــار'

روايـــة لـ : فوزيـــة شويـــش



في رواية 'سلالم النهار'(1) للكاتبة الكويتية فوزية شويش السالم يتمثل جليا مفهوم 'المتخيل المختلف' في بعديه 'متخيل الظل' و'متخيل الذات'، يقوم ببناء مسرد 'متخيل الظل' العم جاسم حارس 'مال' العائلة وضامن استمراره ونمائه انطلاقا من كون المال قوة، والبقاء للأقوياء، والغاية تبرر الوسيلة، حيث تداس من أجل ذلك كل القيم الأخلاقية والاجتماعية والإنسانية فالثراء يمنح صاحبه كل الحقوق للدفاع عنه وحمايته من الطامعين، ويلحق بالعم جاسم الخال مرداس ننه، الذي يقاوم من أجل الإفلات من وحل الفقر والجوع والحاجة، أما 'متخيل الذات' فيقوم به كل من الأم 'فهدة' وابنها 'السارد الشخصية'.
أنماط السرد:
تتميز رواية 'سلالم النهار' باسترسال السرد وتدفقه متأثرا بموضوع الرواية المحوري 'البحث عن الذات' وبحالة الشخصية الروائية الرئيسية -'فهدة' و'ابنها'- في تأملها وقلقها الداخلي وأسئلتها الوجودية، لذلك يقترب كثيرا من السرد الداخلي المتأمل في الذات وفي العالم المحيط بالشخصية، ويقترب من المونولوج حيث تخاطب الذات نفسها وتسترسل في وضع الأسئلة المتناسلة دون حلول نهائية أو أجوبة شافية،،، لكن السرد في الرواية ليس نمطا واحدا بل هو أنماط متنوعة تتحكم فيها تقلبات حالات الشخصيات الروائية الرئيسية والثانوية، والمستويات اللغوية وتراكيبها، ودرجة قرب أو بعد السارد - المشارك أو المحايد- عن الموضوعات التي يطرحها، مثل موضوع 'الصراع الطبقي' بين الفقراء والأغنياء (العم جاسم والخال مرداس ننه) ومسألة 'الهوية الوطنية' لدى فئة (البدون) الذين يعيشون بلا هوية وطنية حقيقية إنهم نوع من 'الباريا'(2) من المنبوذين في الهوامش الاجتماعية، و'سؤال الذات' و'سؤال المصير' و'سؤال الوجود' لدى شخصية 'ابن' فهده الفقيرة وضاري الثري، يقول:'...لماذا أتخلى الآن عن حضوري؟ لماذا لا أجد أي معنى لهذا الحضور؟ عبثية مجيئي، ولحظة خلقي هل هي حقا لحظة عبثية؟ وهل مروري بهذه الحياة هي العبث واللا معنى؟ من أكون؟ وما الذي أريده؟' ص (203)... وهي موضوعات يتم تناولها بدرجات مختلفة ومتفاوتة من حيث حساسية ووعي الساردين.
ينهض السرد في رواية 'سلالم النهار' على أربعة مستويات من المحكي تتصل مباشرة بتنوع الساردين، وهي:
المحكي الذاتي: من أكثر أنواع السرد شيوعا، لكنه في الآن ذاته سرد إشكالي، يطرح العديد من الأسئلة الجمالية، وقد صنف الدارسون عددا من أنماط الكتابة السردية بحسب المفاهيم الآتية:
'الذاتية' ويقصد منها إقحام 'الذات' في الكتابة واعتبارها مركز الوجود والمعيار الوحيد للمعرفة والمحرك الأساس للإبداع سردا وشعرا، وحضور الذات بهذا الشكل في أنواع أدبية مختلفة هو ما جعل مفهوم 'الذاتية' عاما وشموليا، وفارغا في الآن نفسه من أية خصوصية، وكل كتابة تمجد الذات تعتبر كتابة ذاتية.
'كتابة الذات' وهي أشمل وأعمق من المفهوم المجرد أعلاه، لأنها ارتبطت بالسرد سواء 'السيرة الذاتية' أو 'التخييل الذاتي' وتميزت كثير من ركائزه ودعاماته كالبوح والاعتراف عبر الاسترجاع والاستذكار، وكالتأمل والتفكر والحوار الداخلي (المونولوج) حيث يسود الصوت الواحد المتدفق والملتاع. وقد سمح التخييل الذاتي باختراق 'الميثاق الأوطوبيوغرافي'(3) الصارم بالمزج بين السرد الذاتي والتخييل الأدبي مما فتح الآفاق واسعة أمام ولادة نمط سردي جديد هو 'التخييل الذاتي'.
'الوعي بالذات' وهي مرحلة متطورة من الكتابة الذاتية حيث يتم وضع 'الذات' في سياقات متغيرة للوقوف على تحولاتها؛ كالسياق التاريخي والسياق السياسي والسياق الاجتماعي وسياق القيم الأخلاقية والفنية والفكرية، ففي المرحلة الذاتية المبكرة يكون الوعي بالذات في الدرجة الصفر نظرا لتضخم 'أنا' الكاتب الذي لا يرى غير الذات مركزا للوجود ويعمى عن حضور الموجودات الأخرى المجاورة له والمختلفة عنه، فهو - الكاتب - مصدر القيم، وهو الذات الوحيدة العارفة بالحقائق، ولا وجود حقيقي خارج الذات، أما في المرحلة الثانية فالذات تنقل تجربتها من زاوية نظر محددة وغالبا ما تكون تعليمية وتوجيهية، فتراوح الذات بين الوجود التاريخي والبعد القيمي الأخلاقي، باستثناء الفجوة التي فتحها التخييل الذاتي ليعيد الذات إلى حقيقتها السردية واللغوية والتخيلية، لكن في مرحلة الوعي بالذات تتجرد الذات من ذاتيتها ومن تضخمها لتكتشف أنها ذات مشروطة بالخارج ذاتي، فهي حلقة في سلسلة طويلة متداخلة، ليست الذات إذن، إلا نتاج السياقات التي تفاعلت فيها ومعها، فتاريخ الذات غير محدد بتاريخ الولادة بل هو أبعد بكثير وأعمق من ذلك، لأنه مرتبط بالموروث الفكري والثقافي واللغوي، وأكثر من ذلك.
من هنا تتولد الأسئلة القلقة حيث تصل 'كتابة الذات' إلى مرحلة متطورة ومتقدمة، هي:
'مساءلة الذات' وهي المرحلة الأكثر تطورا حيث تتخلص الذات من تضخمها الذي ملأه بها الإنسان الأول، في دهشته الأولى، وتتجاوز حتى لحظة الوعي بالذات حيث توضع الذات في سياقاتها المتنوعة والمتعددة والمختلفة، وتبدأ مرحلة الشك وفقدان اليقين والطمأنينة، فالذات ليست سوى ملتقى لتيارات خارج ذاتية، فتبدأ مرحلة البحث عن حقيقة الذات، عن جوهر وجودها، وعن مصيرها وحقيقة الكينونة والفوارق الدقيقة بينها.
يولد السؤال القَلِقُ حول الوجود والمصير(4) من وقوع الذات في قبضة الشك غير المنظَّمِ، من اهتزاز داخلي يربك لحظة الوعي، ويأتي بالسؤال من غير موقعه، لذلك يجانب سؤال القلق السؤال عن المقدرة والإرادة والحق في الاختيار، في رسم معالم الطريق، ويقبع في ظلام السؤال عن لماذا أنا بالذات من دون إخوتي المفترضين (الحيوانات المنوية)؟ لماذا وُجدتُ هكذا مقذوفا في العراء ودون استشارة، إذن، الوجود قدرٌ وحتميةٌ، أما الكينونة فتتحقق بالتجربة والاختيار والصراع والوعي والسؤال الحق؛ هل ينبغي أن أكون هكذا؟ سأختار هذه الصورة للظهور! لأن الاختيار هو حقيقتي وصورتي التي سأكون بها وتكون بي، أما المصير فمتروك للأقدار، متروك للخطط التي سأضعها، حتى الهزيمة اختيار، والفشل اختيار أو هما نتيجة لاختيارات لم تكن موفقة أو لم تحسب بدقة. إن النتيجة ليست سوى أثار الطريق/ الطريقة التي حددنا معالمها بحرية واختيار وإرادة ووعي، هنا تتحقق الذات من ذاتها، تقبل الهزيمة كما تقبل الفشل، لكن ترفض الاستسلام لظلام اليأس وعتمة الانكسار، تتحقق الكينونة من المقاومة ضد الصدأ الذي يتولد عن القلق والخوف والضعف.
يحتل محكي الذات مكانة سامية في رواية 'سلالم النهار' وهو يميل بالخطاب الروائي جهة الرواية الوجودية التي ظهرت معالمها بعد نهاية الحربين العالميتين وما خلفتاه من دمار في العمران والإنسان، فبدأ طرح السؤال المقلق حول حقيقة الإنسان في ظل التقدم الصناعي والقوة العسكرية، حيث انتهكت كل حقوقه ومنها حقه في الوجود، لقد شعر الإنسان المعاصر بضعفه أمام القوة الصناعية وفقد كثيرا من قيمته ومكانته ليصبح مجرد أداة في دواليب آلة عملاقة 'تفرمه' وتستعبده من جديد.
وأهم الشخصيات الروائية الممثلة لهذا المحكي؛ شخصية 'فهده' و'ابنها'، يرسم السارد بضمير المتكلم مراحل تطور شخصية 'فهده' منذ لحظة ولادتها واختيار اسمها الذي سَيَسِمُ شخصيتها ويحدد أبعاد المحكي الخاص بها، إلا أنني هنا سأقف عند المحطات الأساسية التي وقع فيها التحول السردي والتي يمكن اعتمادها كمتواليات سردية أو اعتبارها مقاطع سردية أو مشاهد منفصلة وموزعة بدقة على مسار 'الحكاية الإطار' ومجموع الخطاب السردي، علما بأن الرواية بُنِيَ سردها على نمط الفسيفساء، ساهم في تشكيله تناوب الساردين الثلاثة على تقديم وجهات نظرهم من زوايا متفاوتة ومختلفة - السارد المحايد العالم وفهدة ثم الابن- أو هو عبارة عن قطعة 'بوزل' عند تجميعها وإعادة ترتيبها الترتيب الكرنولوجي المنطقي والمتسلسل التقليدي -'في القصة التقليدية'- سيتشكل خطان رئيسيان لمحكيين مهيمنين هما؛ محكي فهدة بضمير المتكلم، ومحكي ابنها بضمير المتكلم كذلك.
المتوالية السردية الأولى:
'في هذه الشوارع، عشت وتعلمت وتربيت، ومنها اكتسبت تشكل ملامحي الأولى، واستقيت تفاصيل تركيبة شخصيتي'. ص (21)
يحرص السارد/الشخصية (الأنثى) على رسم ملامح الشخصية المحورية الأولى 'فهدة' بتبئير 'Focalisation' (التركيز على) الوسط الاجتماعي والمحيط الذي ترعرعت فيه وتكونت الشخصية (Personnage) ليُكْسِبَهَا أولا طابع الشخص (Personne) الواقعي وبالتالي ليَكْسَبَ إلى جانبه ثقة القارئ. وقد جاء السرد بضمير المتكلم وعلى لسان 'فهده' ليعضد الاختيار السابق، فالسارد ليس ساردا خارجيا ولا محايدا بل السارد هو ذاته الشخصية المتكلمة في النص، أي أن السرد في 'المحكي الذاتي' سرد أوطوبيوغرافي، تكون فيه الشخصية ساردا يعترف بل يقرُّ بواقعية المحكي ويجرده من 'تهمة' التخييل الذاتي.
في المرحلة الأولى تتضافر كل هذه التقنيات السردية من أجل كسب ثقة القارئ، ورسم ملامح الشخصية المحورية الأولى، ولتحديد الصيغة الخطابية التي اختارتها الكاتبة، وقد نجح هذا انطلى هذا الاختيار على 'الرقيب'(5) الذي منع الرواية من التداول لأنه نظر إليها من زاوية الخطاب 'الشهادة' الذي يعترف بحقائق قائمة على الواقع، وغفل في الوقت ذاته عن البعد الجمالي والفني للرواية، ثم أكيد أن 'الرقيب' الذي منع الرواية لم يقرأها حتى النهاية ليكتشف أنها خطاب روائي تخييلي يعالج قضايا اجتماعية وثقافية وسياسية ووجودية أدبيا، أي كمعادلة أدبية (لغوية وتخييلية).
اختيار الكاتبة البداية من لحظة ولادة الشخصية المحورية الأولى وتداول أفراد الأسرة الاسم الذي سيطلق عليها ويرافقها مدى الحياة طالت أم قصرت:'- نسميها فهده.. لأنها قوية وشرسة، وافترست توأمها أخي' ص (19)- تندرج الرواية من هذه الجهة ضمن 'رواية تكون الشخصية' أو ضمن 'رواية التربية/ التربوية'، لكن الأسئلة القلقة التي ستمر بها الشخصية المحورية الأولى 'فهدة' والشخصية المحورية الثانية 'ابنها' تتجه بالرواية نحو 'الرواية الوجودية'، لكن هذه الاتجاهات الممكنة دليل على غنى الرواية وثرائها الذي لم يدركه 'الرقيب' فأدخلها من الباب الواسع ضمن زمرة كتابة 'المتخيل المختلف' الذي يناقض العرف والعادة والمسلم به والسائد، والذي يقترح حسب كتابه ومبدعيه نافذة أخرى ممكنة للانفتاح على معرفة جديدة لكنها مهملة 'إيديولوجيا'.
تبدأ الكاتبة من الشارع والمحيط لتطرح قضية غريبة في مجتمعها وهي مثال صارخ عن انتهاك أهم حق من حقوق الإنسان ومن حقوق المواطنة، أي 'الكرامة والحرية والمساواة' لفئة 'البِدُونِ' الذين يولدون بدون هوية ويقذفون هكذا في العراء بلا وطن يحميهم ولا ثقافة أو تاريخ، كما أنهم بدون مستقبل ولا يحق لهم ولوج الجامعات حتى يبقى تعليمهم وبالتالي وعيهم بحقوقهم كمواطنين محدودا، مجرد عبيد وجيش من الهامشيين و'فضلة' لا حاجة إليها، إنه تمييز عنصري فاضح لفكرة 'الدماء النقية' تذكر بتاريخ طويل من التمركز العقدي والفكر النازي والشوفيني المهووس في بقاع مختلفة من العالم قديما وحديثا.
إن 'فهده' الشخصية المحورية الأولى في رواية 'سلالم النهار' بنت هذا الواقع المرير الحافل بكل أشكال الانتهاك الحقوقي والحرمان استطاعت أن تتجاوز الحواجز لتصل إلى حظ ونصيب في مال و'مكانة' إحدى العائلات 'الأصيلة' كما استطاعت أن تدخل الجامعة للدراسة العليا، والخروج من 'المصير' الحتمي الذي يفرضه المجتمع على مثيلاتها من مجموعات 'البدون'، لكن طريق الوصول ليس معبدا ولا مفروشا بالورود، فقد بذلت الكثير من أجل ذلك، سواء في لعب دور الحارس الأمين على أسرار 'نورة' بنت الذوات وعلاقتها بالشاب اللبناني 'زياد' أو من خلال قبول لعب دور دمية المتعة لابن الذوات 'ضاري' الذي تزوجها سرا ثم أنجبت منه ابنها الشخصية المحورية الثانية في الرواية.
المتوالية السردية الثانية:
'في المرحلة الجامعية اكتشفت كم تختلف الشوارع، وأن بعضها لا يشبه بعضها، وأن لها وجوها تشبه قاطنيها، تشبههم ويشبهونها، وأن شوارعنا أو سككنا وحوارينا مفصلة على مقاسنا، تشبهنا ونشبهها، صالحة لنا مثلما شوارعهم صالحة فقط.. لهم'. ص (28)
تَعَرُّفُ 'فهده' على 'نورة' سمح لها بالوقوف على الفوارق الطبقية بين فئة 'البدون' التي تنتمي إليها بالولادة وبين فئة 'الأصيل' صاحبة الامتيازات، لكنها تسمح لنا بإبراز موضوعة أساس في 'المتخيل المختلف' تعرضنا لوجهها الأول من خلال 'الأحياء الخلفية'(6) الفقيرة في روايات محمد زفزاف(7)، وعرضنا وجهها الثاني من خلال رواية 'الطاطران' للكاتب العراقي عبد الستار ناصر الذي كشف عن الأحياء الراقية وما تخفيه الواجهات البراقة والستائر الوردية.
لقد اكتشفت 'فهده' الفوارق حتى في 'الجنس'، ففئة البدون تمارس الجنس للحاجة وسد الجوع ومن أجل البقاء بينما فئة الأصيل تمارسه للمتعة وتزجية الوقت، تقول:' اعتدت على انتظار نورة.. وعلى انتهاء وصلة عشقها مع زياد.
أكتفي بالانتظار ومراقبة الطريق، وحركات العشاق المفضوحة في تأججها، وجيشانها المهرول باتجاه أعشاشها الدافئة' ص (30)
وأهم ما تقدمه الرواية في تحليل أدبي لكن ذي بعد 'اقتصادي' هو تلك الحياة الاقتصادية والمالية التي تم تهيئتها للعشق المسروق والمتخفي بعناية ورعاية مادام مدرا للمال وبسخاء، تقول: 'وبما أن أوقات العشق والغرام سويعاتها قصيرة لا تكفي لأداء مهمات أخرى كإعداد الطعام، لذا قامت سلسلة من المطاعم السريعة بتوفير كل احتياجات الطاقة المطلوبة للحرق في اشتباكات وارتجافات الشغف القادم. فكل ما يحيط بهذه العمارات مهمته تغذية البدن وإسعاد الكيف بالعصائر والمشروبات الباردة والساخنة مثل أنواع القهوة والشاي والدارسين والسحلب.
الغرام محتاج إلى رعاية وعناية، شعللة، دلع، وكيف.. حب مخطط له ومدبَّرٌ بعناية ومدارى عن العيون، مكلف للجيب حتى وإن كان لفترة من زمن عابر، أو لمتعة تنقضي بانقضاء وانتفاء الحاجة إليها'.(8) ص (31)
المتوالية السردية الثالثة:
بتعرُّف 'فهده' على شخصية 'نورة' ارتقت درجة أخرى في السلم، لكن ذروة المعرفة ستكون مع 'ضاري'، إنها معرفة الجسد وغرائزه وطاقاته الدفينة(9).
'معه عرفت نفسي، واكتشفت ذاتي وحقيقتي التي كنت أعيش غيرها.. اكتشفت جوهري وماهيتي، عاداتي وطباعي، ورغباتي وجوعي الأزلي، الذي كنت أخجل من كشف أوراقه. علمني كيف أظهر حقيقتي، وأن أتخلى عن كل أقنعتي، وأن أكون أنا كما خلقني الله، من الداخل والخارج معا يمثلان طبيعتي وحقيقتي معا. أسقط عني كل تلك الأقنعة الكاذبة التي كنت أزيف بها نفسي، وكنت أظن أنها تجملني وتجعل صورتي براقة وراقية، ومحتلة المكان المناسب لها'. ص (71)
هناك معرفة مطموسة لم تكن 'فهده' على معرفة بها، معرفة كامنة بالقوة في أعماق جسدها المقموع والمحرَّم، مسار معرفي؛ سلم معرفي خاص تقوم أركانه على معرفة خبايا الجسد ومكامن طاقاته الخبيئة. مع 'ضاري' ستجرب 'فهده' كل الأفكار المعروفة والمبتدعة التي ترقى بأحاسيس الجسد إلى ذروة الشهوة والمتعة واللذة، ستجرب معه الجنس الطبيعي وغير الطبيعي، العادي والغريب، سيطالبها حتى بمعاشرة لامرأة مثلها، يبحث 'ضاري' عن المتعة الحسية، وهي مستسلمة لنزواته تفجر في الآن ذاته مكنوناتها الخبيئة والتي علاها غبار العادات والتقاليد والمأثور من كلام المنع والتحريم، والثقافة التي تجرم النظر إلى الجسد، لأنه كما قال القديس فرانسيس بطل رواية نيكوس كازانتزاكيس(10) 'حمار'؛ الجسد حمار الروح، خادمها المطيع، وكما قيل عنه 'موطن الشهوات' لذلك لا يرقى إلى مقام الروح فيُلْقَى في الحُفَرِ 'القبر'.
وقد تبين في 'متخيل الإيروتيكا'(11) كيف يحتل الجسد مكانة رفيعة في الرقي بالمعارف الحسية، وتبين كيف أن الجسد بغرائزه البدائية وميوله ورغباته خزانا لحقائق ما كان للإنسان وصولها بالمعرفة المجردة وحدها، وتبين كذلك كيف أن الجسد كان محورا لفنون كثيرة ذات تأثير قوي على معرفة الإنسان في جل العصور، فالجسد يخفي حقيقة 'مراد' طرشقانة عند مسعودة بوبكر، والجنس طريق إلى معرفة الذات عند سلوى النعيمي في 'برهان العسل'، وهو محور تفكير وممارسة الإنسان (رجلا وامرأة) عند لينة كريدية في 'خان زاده' و'نساء يوسف'.
وفي رواية 'سلالم النهار' للكاتبة الكويتية فوزية شويش السالم يتجلى الجسد والجنس معا كدرجات سلم الارتقاء بالشخصية في تكوينها، وكطريق للمعرفة بالذات وحقائقها الكامنة، وكوسيلة للمتعة، لكن طريق الجسد ليست محطة الوصول حيث تطمئن الذات وتستقر ويخمد اضطرابها، بل هو محطة على طريق المعرفة، محطة مهمة ستظل دائما متخفية وراء الستائر والجدران العالية رغم قوة حضورها وسطوتها التي تمثلها اقتصاديات الجسد والجنس المدرة للمال، وستظل سوقها رائجة حتى في الأوساط الفقيرة. فما هي المحطة الموالية في الارتقاء المعرفي بالذات؟
المتوالية السردية الرابعة:
'التائه يجد الملاذ.. يجد ما يسد جوعه، الجوع الدائم المهاجم الذي لا يشبع لم يكن مصدره جوع الجسد. كان الجوع الغائب فيه هو جوعا آخر خفيا، جوعا سرى له ممرات ومسارات أخرى.ز لا يتصل عبر الجسد، ولا من خلال الحواس، كان في مكان آخر، لا يتم التواصل معه عبر الغرائز.. الوصول إليه لا يتم إلا عبر جسر الإيمان وحده.. الإيمان هو ما كان ينقصني، ما كان ينقص جوعي الدائم.. جوع الروح كان هو جوعي'. ص (148-149)
الإيمان هو محطة اليقين والطمأنينة التي كانت الشخصية المحورية الأولى 'فهده' تبحث عنها، ووصلت إليها بعد موت 'ضاري' في أوج الرغبة فوق جسدها، لتكفر بالجسد وتهرب بعيدا إلى مكان معزول بقمة جبال 'ولاية مسندم الواقعة على رأس مضيق هرمز، المتقاسم ما بين إيران وسلطنة عُمان'. ص (146)
هنالك ستجد ضالتها، وستتعثر بديوان 'رابعة العدوية' فتدخل في مرحلة جديدة من مراحل حياتها، التي ستتوج بولادة ابنها، وبمحاولاتها التأثير في محيطها ودعوتهم إلى عالم الطمأنينة واليقين، لكن هل يمكن أن يكون لنتيجتها تأثير على غيرها دون مرورهم هم أيضا بالتجربة ذاتها؟ إن الحياة هي التجربة، لذلك لم يؤمن بها أغلب أفراد الأسرة، بل خرج من رحمها 'ابن' أكثر منها قلقا وتمردا على الحياة المحيطة به، وعلى يقين أمه، مطالبا في حقه في التجربة وتحقيق ذاته بالصورة التي يرغبها وتمليها عليه اختياراته، يقول:' سوف أسافر إلى باريس، لأدرس في جامعتها مثلما فعل أبي، ليس حبا فيه، ولكن هذه هي فعلا رغبتي.. لن أدرس هنا، سأسافر لأعيش اختلافاتي بكل ما فيها، من دون مكابح، ولا خوف ولا تبكيت. سأكون لأول مرة أنا'. ص (188)
المصادر والمراجع والإحالات:
شويش، فوزية السالم: سلالم النهار، رواية. منشورات دار العين. ط1. 2012م
الباريا فئة منبوذة في الهند وتنتمي للفئات الدنيا في السلم الاجتماعي ولا يقربها الناس. سبق شرحها في هذا الكتاب.
لوجون، فيليب: السيرة الذاتية (الميثاق والتاريخ الأدبي). ترجمة عمر حلي. منشورات المركز الثقافي العربي. ط1. 1994م
معتصم، محمد: الرؤية الفجائعية في الرواية العربية نهاية القرن العشرين. منشورات دار أزمنة. ط1. 2004م
منعت الرواية من التداول في معرض الكتاب الدولي بالكويت سنة صدور الرواية.
'متخيل الأحياء الخلفية' الفصل الأول من الكتاب.
نفسه.
ملاحظة ذكية أبرزت النفاق الاجتماعي والاقتصادي والمالي للمجتمعات المحافظة، فهناك تجارة رائجة تستثمر الكبت والجنس والخوف والفقر والغنى على حد سواء
تم بلورة الفكرة ذاتها في 'متخيل الإيروتيكا' لدى دراسة رواية سلوى النعيمي 'برهان العسل'.
كازانتزاكيس، نيكوس: القديس فرانسيس، رواية. ترجمة سهيل نجم. منشورات دار الكنوز الأجنبية. ط1. 1996م

مـحـمـد مـعـتـصـم

عبدالرحيم محمد احمد
27-08-2012, 00:30
'مــرافـــئ الحُـــبّ الســبــعـــة'

روايـــــة لـعـلـي الـقــاسـمـــي


صدرت عن المركز الثقافي العربي في بيروت والدار البيضاء رواية بعنوان 'مرافئ الحب السبعة' للكاتب العراقي المقيم في المغرب علي القاسمي. وتقع الرواية في 321 صفحة من الحجم المتوسط.
ويضعنا الاقتباس الذي يزيّن الغلاف الخلفي في أجواء الرواية:
' جئتِ كالحُلم وكالحُلم مضيتِ. حلمٌ لن يُنسى. وبقيتُ أنا أغوص في أعماق ذاتي، أغرز رايات انكساري، وأبحث عن كُنه الحبِّ. آه لو أنَّي أعرف سرَّ الحبِّ، لأدركتُ سرَّ وجودي، وسرّ رحيلي، وأسرار العيون التي تحيّرني ألغازها. ولكن عقلي عاجزٌ عن إدراك أيّ شيء.
ستمضي حياتي موشومةً بثلاث نسوة: امرأة أرادتني وأردتها، ولكن القدر لم يُرِدنا معاً؛ وامرأة أرادتني ولم أُرِدها فكسرتُ قلبها، وظلَّ ضميري مصلوباً على خيبة أملها؛ وامرأة أردتُها، ولكنّها لفظتني ولم أستطِع نسيانها. وأنت المرأة الأخيرة، يا أثيرة. هل أستطيع أن أحتفظ بالماضي كما هو في ذاكرتي المزدحمة بالذكريات، دون أن أعيد تشكيل أحداثه في ضوء الحاضر؟'
وإذا كانت هذه الفقرات تلخّص العلاقات العاطفية للشخصية الرئيسية في الرواية، سليم الهاشمي، فإن الرواية، في جوهرها، هي رواية الغرباء والمهجَّرين واللاجئين والمنكوبين، تصوّر معاناتهم النفسية، وتغوص في أعماق وجدانهم، لتكشف عن خيباتهم وانكساراتهم وآلامهم. فسليم يضطر إلى الهرب من العراق مع صديقه زكي، إثر انقلابٍ عسكري في بغداد، واللجوء إلى لبنان. وبعد اغتيال زكي في بيروت بتدبير من سلطات بلده، فرّ سليم الهاشمي إلى أمريكا لمواصلة دراسته العليا. بيدَ أنه، بعد أن حاز الدكتوراه، أُصيب بمرض الحنين، والشوق بلهفة إلى الوطن:
' يا وطني المستحيل! إني أفتّش عنك منذ سنين، بين ركام الذكريات، وأبحث عنك في فضاءات الأوجاع والأحزان والفجائع والمقابر الجماعية. أتسقّط أخبارك،... فلا يصلنى إلا صدى أنينك، وأنتَ بين مخالب اللصوص، وتحت سكاكين العتاة والطغاة والغزاة...
يا أيها الوطن المسافر في عروقي كالدماء، يا ايها الوطن الملازم جفن عيني كالبكاء... هأنذا هنا أُعيد بناءك كل يوم بحروفي، وأشيّد منائرك من كلماتي، وأحفر سواقيك المندثرة بعباراتي...'
ولكي يخفّف سليم الهاشمي من عذاب مرض الحنين إلى الوطن، جاء إلى المغرب أستاذاً زائراً في كلية الآداب بالرباط. وهناك التقى بالحسناء المغربية أثيرة، ووقع في حبّها؛ بيدَ أنّها لم تبادله المحبَّة، لأنّها كانت وفيةً لزوجها الطبيب الذي قُتِل في انقلابٍ عسكري فاشل.
وظلّ طيف أثيرة يلاحق سليم الهاشمي ولم يستطِع نسيانها حتى بعد مغادرته المغرب:
' لو كنتِ أنتِ طرقتِ الباب، لرمَّمتُ حطام نفسي، ولَمْلمتُ روحي المبعثرة، ورسمتُ على شفتَيَّ بسمة، وخلعتُ المصاريع، وقلعتُ العتبات، وأوسعت لك المداخل والممرّات، وفرشتُ لك أهداب العين والجفن.
لو كنتِ أنتِ طرقتِ الباب، لنثرتُ تحت رجليكِ الفلَّ والريحان، وغسلتُ قدميكِ بحليب القبَّرة وعسل الملكات ودموعي، ونشَّفتُهما بالآهات وزهر الياسمين وشقائق النعمان، وعطَّرتُهما بالعود والمسك والزعفران.
لو كنتِ أنتِ طرقتِ الباب، لأوقدتُ لك الأصابع شمعاً، وأنرتُ دربكِ إلى سويداء القلب ودثّرتكِ فيه، وأشعلتُ لكِ مهجتي بخوراً، وانشغلتُ بك انشغالَ الصوفي بعبور المسالك واختراق الحُجُب، إلى شواطئ أُفقكِ الخفي البهي.
لكن، لكنَّ طيفك، يا أثيرة، هو الذي أطلَّ عليَّ في غير الأوان، ليسخر من محاولاتي البائسة للنسيان، ويُريق شرايين الذكرى في فضاء حجرتي، ويؤثِّث سريري بالحمّى وأوجاع الذكريات.'
والرواية مطرّزة بالفكر والمعرفة والثقافة والمعلومات والآراء السياسية، المنثورة بطريقة سردية ماكرة ماهرة، بحيث يلتهمها القارئ بشغف وانجذاب دون أن يدري. وجرياً على عادة الأعمال الأدبية العربية الكبرى التي تضمّنت مقارنات سردية بين التقدّم في أوربا والتخلّف في البلدان العربية، كوسيلة فنية للتوعية، فإن رواية ' مرافئ الحب السبعة' تشتمل على مقارنة شيقة بين الثقافة الأمريكية والثقافة العربية، خصوصاً التقاليد الجامعية الأمريكية والعلاقات بين أعضاء الهيئة الأكاديمية من أساتذة وباحثين وطلبة.
استخدم الكاتب بمهارة تقنيات سردية متعدّدة مختلفة مثل: تعدّد الأصوات، والحوار، والرسائل، والمذكّرات، والتناصّ، والتكرار البلاغي، وتيار اللاوعي، وغيرها، مما زاد من تشويق الرواية وجاذبيتها. وتراوح أسلوبها بين الشعر، والمونولوج، والنثر الأدبي الجميل.
والمؤلّف، الدكتور علي القاسمي، كاتب باحث متعدّد الاهتمامات، له أكثر من أربعين كتاباً في القصة القصيرة، والنقد الأدبي، والترجمة، وعلم المصطلح، والمعجمية، وحقوق الإنسان، والتنمية البشرية، والتربية والتعليم. وقد نقل بعض روائع الروايات العالمية إلى اللغة العربية. وهو عضو في عدد من المجامع اللغوية والعلمية العربية والهيئات الثقافية الدولية.

عبدالرحيم محمد احمد
27-08-2012, 05:33
'الحـــــاســـة صـــفـــــر'

رواية لأحـمـــد أبو سليــم


قليلة هي الروايات التي تستوقفك، وتثير فيك شهية التفكير، ولا يمكن أن تتركها إلا بعد أن توطن النفس على أن تعبر عن رأيك فيها، لأن تجاهلها باختصار خيانة لرواية بحجم 'الحاسة صفر' التي نالت من الاهتمام والدراسة الشيء الكثير في مدة قياسية، وهذا يؤكد الأهمية الاستثنائية لهذه الرواية الصادمة، التي تتمرد على التابوهات الثورية التي كانت مقبولة في زمن سابق، ولكنها الآن مرفوضة، وهذا ما أشار إليه يوسف ضمرة بقوله: 'ربما لو نشرت هذه الرواية قبل عقدين أو ثلاثة، لانهالت عليها شتائم النقد التقليدي الذي أنتجته الكتابة النمطية نفسها، وفرضته حكماً وقيّماً على الكتابة، لكن هذا التوقيت قدم خدمة مهمة لمثل هذه الكتابة، إذ لم تعد ثمة حاجة للمقدس في النضال الإنساني'.
رواية 'الحاسة صفر' لاحمد ابوسليم هي الأولى لمبدع الدواوين الشعرية 'دم غريب، مذكرات فارس في زمن السقوط، البوم على بقايا سدوم، آنست ناراً'، هي نوع من النقد الذاتي للثورة والثوار وللمقاومة الفلسطينية؛ استثماراً للربيع العربي الذي تمرد على الواقع المكرس تحت شتى الذرائع والمبررات التي أوصلتنا إلى حالة مزرية على كافة الصعد، والمقاومة الفلسطينية ليست استثناءً، فقد تخلى أصحابها عن السلاح وارتضوا بالمفاوضات التي جعلت من القضية الفلسطينة مجرد بيدق على طاولة شطرنج، وغدت قضية عادية ضمن قضايا كثيرة تعصف بالمنطقة والعالم!
يستوقفنا العنوان 'الحاسة صفر' منذ الوهلة الأولى ويدفعنا للتساؤل. وفي ثنايا الرواية يشبع الكاتب فضولنا: 'الحاسة صفر هي الحاسة التي لازمتني منذ ولادتي. الحاسة صفر هي حاسة الخيبات والوجع الذي لا يتوقف أبدا، هي الحاسة التي لا تصل إلى حقيقة قط، حاسة القلق والشك والألم'.(151)، ولعله بهذا يؤصل إلى مصطلح جديد قد يأخذ مجراه في الأدب وعلم النفس. والحاسة صفر يبدو أنها سابقة لغيرها من الحواس، وهذا قدر الفلسطيني، وقدر كل المعذبين في الأرض، فالقلق والشك والألم والخيبة والوجع هي القاسم المشترك بين كل هؤلاء. ومن الملاحظ أن مفردة الصفر تتكرر كثيراً في النص لمزيد من التجانس مع العنوان.
أول ما يلفت الانتباه في الرواية جرأتها على كسر النموذج المـألوف للمقاتل الفلسطيني، فقد تعودنا أن نقرأ عن المناضل المحاط بهالة من البطولة والمثالية والقدرة الأسطورية على الصمود والطهرية الثورية وغير ذلك من الصفات، ولكن هذه الرواية عرفتنا إلى نوع جديد أو على الأصح صورت لنا شخصية المقاتل الفلسطيني على حقيقتها، كشخص عادي له سلبياته وإيجابياته، له نزواته وأخطاؤه وشهواته وضعفه وخوفه وجبنه وربما خيانته، شخص مثلنا يحلم ويألم، له طموح وأسرار ومناطق رمادية، فأبو علي يبيع الذخيرة لأبي أرسلان، وأبو الفوز يستغل الثورة ليحصل على معاش لأخته الأرملة ولو على حساب عواطف رفيقه سعيد الدوري، وأحمد يعمل لصالح الموساد ويقدم أخته ليلى للقوات اللبنانية، وليلى تضاجع الرجال، وعبدالحميد يزود سعيد ببندقية تخذله، وسعيد يحب ويعشق، ويستعين بحليمة العرافة لمعرفة مصير عيسى، ويكاد لا يسلم أحد منهم من شرب الخمر إلى حد السكر أحياناً، وهم على خط النار وعلى بعد خطوات من العدو المتربص بهم. بل إن نبش قبور الشهداء في مدينة جرش أظهر أن الدود قد التهم لحم الجميع وليس ثمة وجود لجثث ما زالت غارقة بدمائها كما كان متوقعاً.
كما أطلعتنا الرواية على أن المقاومة ليست معصومة، فهناك تجاوزات وخيانات واختراقات وفساد وقتال داخلي، أي أنها تعاني مما تعاني منه الدول والأنظمة، ومن أمثلة ذلك، افتتضاح عملية نهاريا رغم السرية والتكتم الشديد في اختيار الطاقم، وتعرض أحمد للاختطاف على خلفية مخطوطات قمران، والاقتتال الداخلي بين قوات عرفات وأبي موسى في الشمال اللبناني، والسماح لأبي عبدالله بالمكوث في معسكرات المقاومة بحجة الكتابة عن الحرب في لبنان.
هذه الواقعية تجعلنا نتعاطف مع المقاومة والمقاومين، وتقربهم إلينا، مما يؤدي إلى أن نتسامح مع أخطائهم، ونتجاوز عن تقصيرهم، ونغفر لهم جبنهم، فهم بشكل أو بآخر انعكاس لنا، ومرآة لمجتمعهم!
يستوقف القارئ في الرواية الجانب الفكري والفلسفي في معظم مفاصلها، ويدعوه للتفكير والتحليل والتأمل والغوص علَّه يتوصل إلى إجابات أو توضيحات، ولكنه لن يحظى إلا بمزيد من الشك والريبة والتساؤلات التي لا تنتهي. وفي المقدمة تبرز ماهية المقاومة والثورة وبماذا تختلف على الأنظمة، ثم الأمن ومبرراته، والمرأة والحب، واللغة، والماركسية، والتاريخ والحقيقة والموت والأسر والشعر، وفلسفة الخوف والاعتراف، وغير ذلك مما تتناوله الرواية على شكل إشارات وتلميحات لا تزيد القارئ إلا حيرة وقلقاً لتؤكد على فاعلية الحاسة صفر.
صدمة الرواية الكبرى كانت عندما أخبر سامي أخاه سعيد الدوري بما أسرت إليه جدته لأمه له، وهي حادثة تعرض أمهما للاغتصاب على يد ضابط يهودي يدعى 'مردخاي' وذلك في أثناء سقوط مدينة حيفا عام 1948، وأن عيسى الذي يبحثون عنه ما هو إلا ابن ذلك اليهودي، وقد اعترض جده على قتلها وزوجها لابن أخيه تجنباً للفضيحة، وأن ذلك الضابط أصبح الحاكم العسكري لمدينة الخليل بعد نكسة 1967، وتعرف على الجد وأهانه وكشف سره، مما أدى إلى وفاته غماً وقهراً، ورحل والدهما وأسرته إلى عمان، ويبدو أن هذه الحادثة وتداعياتها تسببت في موت الوالد أيضاً في عمان. كانت هذه الحكاية صادمة لسعيد وتسببت له في حالة بكاء متواصلة لمدة طويلة من الزمن. وسواء أقصد الكاتب الحكاية ذاتها أو باعتبار الأم رمزاً لفلسطين فإن سرد هذه الحكاية يعد جرأة من الكاتب، ولعل هذه الحادثة رغم أنها وقعت عام 1948، إلا إنني أرى أن الكاتب يقصد بها ما بعد أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية، حيث التتنسيق الأمني بين السلطة والعدو، واللقاءات المتواصلة والمفاوضات والتدخلات اللانهائية في الشأن الفلسطيني من إغلاق المعابر وتجميد الأموال ومنع السفر والحصار وغير ذلك مما يعد انتهاكاً واغتصاباً واستباحة للوجود الفلسطيني في الضفة والقطاع!
ومن مفاجآت الرواية مصير عيسى الذي بقي لغزاً، فالبعض يؤكد أنه مات، إلا إن بيريز يؤكد لسعيد أنه سيخبره بمكان عيسى إن تعاون معهم. وزواج ليلى من المتشرد رجب كان من الأحداث التي لا تفسير لها، إلا إن كان هروباً من الواقع المر، أو أن رجب ليس متشرداً كما يتظاهر.
وقد تناولت الرواية موضوعات المخيم الفلسطيني الذي يتشابه أينما وجد 'المخيم هو المخيم... أينما حللت ثمة وجه واحد للمخيم الفلسطيني لا يتغير، وكأن يداً واحدة هي التي نسجت كل خيوطه وتفاصيله.'.(62)، وموضوع فك الارتباط، ومكانة عمان بالنسبة للفلسطيني، وموضوع تطهير الثورة ممن يريد حرفها عن مسارها، وذل المؤن، ...
تعرض سعيد الدوري للتحقيق ثلاث مرات في بيروت وعسقلان وعمان؛ في بيروت إثر تحريره من خاطفيه على خلفية مخطوطات قمران وذلك على يد خليل. وفي عسقلان بعد فشل عملية نهاريا الفدائية على يد المحققين اليهود. وفي عمان بعد محاولة اغتيال بيريز على يد الأجهزة الأمنية. ومن الملفت أن سعيد يؤكد حقيقة أن التحقيق هو التحقيق وأن المحقق هو المحقق في أي مكان، بل إن سعيد يحدث نفسه بعد أن وضع خليل أمامه رزمة أوراق وثلاثة أقلام: 'سأجلس في تل أبيب في غرفة مشابهة تماماً وسيطلب مني ذات الطلب، وسيأتونني بنوع الورق نفسه، ونوع الأقلام نفسها'. (244) في إشارة واضحة أن المحققين في كل مكان هم من طينة واحدة، أو أنه يقصد شيئاً آخر أخطر!
وظف أبو سليم 'مخطوطات قمران' بشكل أكسب الرواية مزيداً من الإثارة والحركة والأحداث المتلاحقة، في محاولة منه للاتكاء على التاريخ لاثبات أحقية الفلسطينيين بفلسطين، أو لإدانة إسرائيل وتأكيد لعنتها التاريخية. ومع يقيني أن من حق الكاتب أن يوظف ما يشاء للتدليل على ما يشاء، أو لمزيد من الإثارة، فإني أرى أن توظيف 'مخطوطات قمران' لم يكن مبرراً، فالرواية ابتداءً لا تنقصها الإثارة، والحق لا يثبته تاريخ، أو مخطوطات أو كتب مهما تراكمت، فالقوة هي التي تثبت الحق، وهي التي تؤكد هذا الحق 'من يمتلك القوة يفرض شروطه'(306). أما التاريخ فهو بضاعة الضعفاء، و'دليل الأغبياء'(108). وبعض التبصر من حولنا، يؤكد هذه الحقيقة الساطعة!
لا شخصيات رئيسة في الرواية، استحوذت على الأحداث والاهتمام، فالرواية رواية المهمشين أو رواية المقاومين في الصفوف الخلفية رغم أنهم على خط المواجهة الأول، فسعيد وميشيل وأبي الفوز وخليل وإدريس ونضال وأبي علي وغيرهم من مختلف الجنسيات والطوائف والقوميات يشكلون نسيج المقاومة، يجمعهم رفض الظلم والعدوان، ومع أن هذا التنوع يثري المقاومة ويمنحها بعداً إنسانياً إلا إنه قد يكون سبباً في تهتك هذا النسيج، فليس كل المقاومين والثوريين جيفارا، فهو حالة خاصة لا تقبل التعميم!
لغة الرواية كانت مدهشة طوال 334 صفحة، حيث يقع القارئ بسهولة في غواية اللغة وفتنتها، إذ وظف الكاتب اللغة الشعرية لخدمة النص الروائي بحرفية عالية، ولم نلاحظ أي طغيان شعري أو اقحام في غير محله، بل كانت اللغة الشعرية أشبه بالتوابل التي أضفت على النص نكهة متميزة، وجعلت له مذاقاً لا ينسى!
ومن حيث الشكل الذي اعتمده أبو سليم في روايته فيلخصه الشاعر محمد لافي بقوله: 'أن الرواية في مستواها الفني سجلت قدرة عالية في الإمساك بخيوط السرد، تمظهرت في شكلين: الكلاسيكي والحداثي القائم على القطع السينمائي وتقنية الاستباق والاسترجاع'.
وبعد، فرواية 'الحاسة صفر' (دار فضاءات، عمان، 2012) تعد علامة فارقة في مسيرة أدب المقاومة، ونقطة تحول سيكون لها ما بعدها، بعد أن مهد أبو سليم الطريق لآخرين، وفتح باباً كان مغلقاً. كما تعد بلا جدال من الروايات المميزة أردنياً، وستبقى تثيراً جدلاً واسعاً واختلافاً في الرأي بين مؤيد ومعارض ومشكك، وستحظى بمزيد من الدراسات على أكثر من مستوى لأهمية الرواية والجدال الذي أثارته، فقد ألقت حجراً كبيراً في الماء الراكد!

موسى ابراهيم أبو رياش

عبدالرحيم محمد احمد
27-08-2012, 22:23
'حــيـــاة بــاســلـــة'

رواية حسن النواب


يستحيل نـَفـَسي إلى نشيج صامت، حين تبكي كريات دمي بهذه الفائقية برغم موانعي لانثيالاتها، تصالفت، وتمردت ،وتجمدت ،لكنها انهارت بعد حب، إذ رَبَت ثم رَنـَت لي، وبانكسار تمنت عليَّ لو لم احبسها بيقظتي، ولأدعها تنشد حريتها، فاستسلمتُ لدواعيها وبواعثها بضغط من نقطة ضعفي..فأومأت لقلبي بأن يستجيب،حتى لو أدماه الشجن وهزته ذاكرة الوقائع والإحن...
أهكذا تفعل بي يا حسن؟ تؤذي قلبي الذي تحب؟ وتخرج على ما تعهدت ووعدت؟ وأنت الطيب الذي تماديت في الدُعاء لسلامته بما بلغت من درجات النبل العليا،ويممت وجهك صوب شفيعك شهيد كربلاء، كي أغنم بما تبقى لي من يسار القلب، وأهنأ،إذ جعلتني دائما ً أصدق صدقك، وحرصك على حماية وجعي وحزني كي لا يزيد، ولا يتبدى خارج قدره ومقداره..فيفضح عافيتي الرعناء، وأنت تعرف بأن قلبي باسط شغافه أمام من يحب،يبايع على التسامح أبدا ً..
هنا، في 'حياة باسلة'،كدت أفقد يقيني بشفاعتك،لكني لم أشكك بصدق محبتك، فعذرتك، وها إني لأهمس بتعب الحزن والسرور المُعنّى، بعد أن أطبقتُ الصفحة الأخيرة على جيشان شعوري، فوقعت على حياة باسلة بماء العين: لكني لا ابالغ إنْ أخبرتك،بأني لازلتُ ارتجف رعشة وراء رعشة، طالما مررت، وبطل سردك وانسانه الجميل العفوي، بموقف ومحنة،حتى حين غشاك الخشوع وأنت تهبط دُرجات ذلك الدهليزوتبتل بماء العباس وتتطهر بفرات كرامته وهالته التي غمرتك ..
ربما كان تروتسكي أيضا ًيراقبني برضا عبر عيني كزار حنتوش وهما تطلان من غابته الحمراء..أو تتألقان كذلك الضوء تفيض به 'أسمال' جان دمو ودموعه التي 'تلجلج' في محجريه المتعبين، وعلى شفا بسمته الخجلى حالما تتقبل نصه الجديد أوتراجمه، برحابة حب، فتدفع له قبل أن يجف حبره.
أيها الكوكب النوّاب، كنت ألقي بعقلي وقلبي بين ظلماء محطاتك في الحروب أو مغامرة بطلها في كهوف كردستان ومياسمها النارية، أو تواردها في دروب الصعلكة النبيلة والتسكع في شوارع بغداد وحاناتها وفنادقها الرخيصة، أوالنوم على عشب حدائقها الحنون،وأجد نفسي مسحورا ً بالحزن الصافي السعيد، والوجع الراجف، والخوف المتدثر بذاته على قارعة السرد، كلما أثقلتْ عليِّ الأحوالُ والأهوالُ والوقائعُ والفجائعُ، فلم استطع تتمة القراءة دفعة واحدة، مثل أغنية أو نشيد، مع أن حياة باسلة أجمل من أغنية وأعمق من نشيد،فهي مساق كربنا، وقهرنا الكربلائي الذي صار عاما ً وشاملا ً مثل القدر، ولذا تحتاج القراءة المتواصلة إلى قلب قوي 'معافى' وشديد العزم، كي يحتمل حجم الأسى،وضغط الذاكرة، وأوار الاسترجاعات الدموية والنارية والتعسفية، مع رقة الأهل والأم والزوج وعجزهم وتشبثهم بشفاعة الأئمة والأولياء، والدعاء الذي لايستجاب، والحلول التي لم تحل، ذلك كله يتدفق عليَ سريعا ً كانطلاقة الأحداث وسهمها الحارق، فتعيدني، بين صفحة وتلوها، أوراق حياة باسلة إلى ماضيك، وتضعني في أتون نيرانه، بما توفرحمى السرد، بحق، من صفائها التلقائي، ونزاهتها وصدق وقائعها ومشاعر ساردها العليم جدا ً، ولن أحسد صديقتنا انعام على متانة قلبها وشجاعة تحملها..ربما لأنها لم تعش التفاصيل بضغطها الممض الدامي كما عشناها، في السنوات التي تلت رحيلها المرتاح باكرا ً إلى باريس وعيشها هناك، مقدرا ً محبتها لناس بلدها الأول وطينة العراق...
أهي رواية حرب كتبت بحب ووعد، عن الحرب ومكاشفة الذات والماجريات.؟ رواية صدق عن الذات والآخر؟ الصعاليك والسلاطين الصغار وكبيرهم الذي علمهم القتل؟ عن الخسائر والشهداء؟ عن السرد ذاته وضده؟ حين تكون التفاصيل المتدافعة والمندفعة والدافعة بعضها بعضا ً، كتيار وعي غير مبطن ولا مزوّق ولا مرشوش على نتانة الأيام والأحوال، المواجع والمسرات الصغيرة، بماء الورد والزعفران، بل قـُدت حكائيتها على وفق مزدوج بنية تركيبية- تفكيكية حتى آخر جزئيات وحداتها وعناصرها، لتشي بالسقوط الحتم، أو تشير إلى يومه وغده، بقدر ما جابت في وقائع التاريخ والزمن والوقت والشخص والوطن والناس، البرهة واللمحة، الدهر والأجل، الآن والأبد.. الممكن والمستحيل.
حياة باسلة، هي النص الذي أنصف الصعاليك الشرفاء، كما أنصف أوجاع الوطن..وقدم 'النظام' بهيبته الدموية تماما ً، وشطحات 'قائده' الكاريزمية،ونزوات سلطة الحكم وأزلامها، حين تنحرف بهم السفين وتنجرف نحوالأذى والتدمير حد الموت، حتى تصيرمغادرة البلاد وسيلة الخلاص الوحيدة والمخلص معا ً، ولا بديل!
كما أنها كشفت عن نماذج كافية لتوصيف الحال الأدبي ولامست جوهر الثقافي والبشري والإنساني في تلك الآونة العجماء.
ربما تصنف (حياة باسلة) على انها مقاربة للسيرة الذاتية، لشدة تشابه مجرياتها وحياة كاتبها حد التطابق أحيانا ً، بخاصة لمن يعرف الكاتب وتفاصيل حياته، لكنها نتاج روائي معروض، الآن، خارج سلطة المؤلف،إذ صارت نصا ً للجميع، وشهادة صدق أمين عن تلك الشرائح التي مربها السارد العليم وتعرف عليها وعايشها وعاش مأساتها، أوملهاتها وسخريتها السوداء. وصار أحد أبطالها وصديق الآخرين حين حرص بأن يظل السارد الراوي بصيغة ضميرالمتكلم والشاهد.
مع ذلك لا أصنفها إلا بكونها عملا ً أدبيا ً(حكائيا ً) أفاد فيه الكاتب من تقنية السرد الخيطي الأفقي، والتتابع الزمني، والشعرية، في متوالية الأيام والأحداث، عدا استرجاعات قليلة،اقتضتها الضرورة وتطلبتها الآنية، لتفيد- بالإجمال- من السيرة والحدث والوقائع، فشكلت نسقها الجمالي وشعريتها في بلاغة بساطة، ولم تنزلق إلى نزق الفبركة وقيد النمذجة الحكائية أو شكلانيتها التغريبية بدافع الجمالية،بل مادت بفوضى أحداثها لكن الكاتب تمكن من قيادة تلك الوقائع وتوظيفها في لجة تلك الفوضى وتلك النار، وأخرجها من فرنها ناضحة بالألم وزافرة بالسعير ومكتنزة بالغنى الإنساني، إلى المدى الموفق في الكتابة والتوترالمؤثروالنبل الرهيف، فبدت كما لوكانت وثيقة تسجيلية صادقة ونزيهة عن زماننا، كتبت بشفافية قلب شاعر، وفيوضات طيبة الذين أحبهم من أقرانه، فكشف عن معادنهم الخيرة، كما أنها لم تـُحمّـل 'الآخر' ترهات المبالغة في نقده أو شتمه، ولم تفتعل بطولات زائفة لدى الذين جاؤا في السياق بالكنى أو بالترميز، أو الذين رحلوا بهويات مجهولة الإسم والعنوان عدا كونهم من أبناء تلك الأرض مواطنتهم العامة هي هويتهم المجازية وعنوانهم الأمين، حيث انضموا لأديم هذه الأرض وسديم التاريخ ومخاتلاته والتباسات المرحلة ووضوح القصد.
هذه رواية (بطلها) جمعيون، من ساردها الشاعرالصعلوك سائق الدبابة، إلى الجنود الذين سقطوا سهوا ً،أوقنصا ً أو قصفا ً عن عمد،والبشرالذين أضنكتهم الحروب وهدهم الحصار، والأمكنة والنخيل والأفعال، لكن حسب الكاتب بأن حصته في ذلك كله ومن ذلك كله، أنه كان السارد العليم والشاهد الأمين الذي شاف كل شيء، ودوَّن ذاكرة النار والأسى، فأحسن وأجاد ..

محمد الجزائري - ناقد عراقي .

عبدالرحيم محمد احمد
28-08-2012, 22:29
'جــــــــــوع'

روايـة لـمـحـمـــد الـبـســاطـي


ارتبطت الكتابة السردية عند الكاتب المصري الراحل محمد البساطي بعوالم المهمشين والمسحوقين في المجتمع المصري. ولا يسعنا ونحن نقترب من العوالم الممكنة لمنجزه الروائي الغزير الضرب صفحا عن ارتباطها بأحوال وأعطاب وإخفاقات هاته الشريحة من المجتمع. ويكفي أن نشير في هذا المعرض على سبيل التمثيل لا الحصر إلى 'الأسوار' و'صخب البحيرة' و'بيوت وراء الاشجار' و'أصوات الليل' و'المقهى الزجاجي' حيث يتحول الفعل السردي وخرائطه إلى ما يشبه الاعتراف أو التأريخ لحالات العزلة والغضب المكتوم والشعور بوطأة القهر والظلم والعزل والإخفاق.
ينتمي الكاتب الراحل إلى جيل السبعينات من القرن الفارط الذي شهد انتكاسة المشروع الوطني الناصري والفساد الذي استشرى في أوصال المجتمع المصري بتأثير سياسات الانفتاح الساداتي والذي كان من نتائجها الكارثية اتساع رقعة الفقر واستشرافه مستوى انمحت فيه إنسانية الفرد؛ بحيث هدد بتحوله إلى شيء لا قيمة له وأنذر بتحولات سوسيو ثقافية فاجعة. وفي هذا السياق تندرج رواية 'جوع' التي نشرت لأول مرة عام 2007 عن دار الآداب البيروتية والتي يمكن عدها تعبيرا سرديا قويا عن هذا التحول الفاجع وغير الإنساني الذي عصف بالذات المصرية. ويشكل الجوع والحالة هاته صورة أليغورية تحبل بالتداعيات الدلالية المؤشرة على الحرمان والكبت وسطوة النوازع الغريزية البهيمية.
تتحرك أحداث الرواية في جغرافية الصعيد المصري بما تستلزمه من قسوة وسطوة الجدب والفقر والتقاليد البالية. ويصف السارد بلغة محكية شعبية بعض صور الخصاصة الفظيعة:
'جدران البيت الجانبية والداخلية من الطين. الحجرة الوحيدة مسقوفة بعروق الخشب، والحوش نصفه بدون سقف مما يسمح لضوء النهار والليل بالدخول. النصف الآخر معرش بخليط من فروع الأشجار والجريد وقطع صفيح وخرق تتدلى أطرافها لا تختلف في شكلها كثيرا عن الثعابين التي تتلوى جنبها... كعادتها حين ينفذ العيش من البيت تصحو سكينة في البكور وتقعد على المصطبة، والطرحة ملمومة في حجرها. وتكون غسلت وجهها ولبست الجلباب الوحيد لديها. عاش معها سنوات. تحل كثيرا واختفى لون وروده. وهي لا تنام به. تكتفي بالقميص الداخلي بما فيه من رقع' الرواية.
تتحرك الشخوص والأحداث على إيقاع هذا الجوع وصوره المتناسلة. ويلفى القارئ ذاته أمام مصائر تتفاوت في مستوى مأساويتها لكنها تلتقي عند قاسم الجوع بما هو فقد وحاجة وكبت. ثمة حكاية الدولاب والشابة التي أخفق زواجها بسبب فأل سيء، والرجل الذي يقضي سحاية النهار عاطلا عن العمل أو يكتفي بأعمال حقيرة لا تدر عليه إلا ما يكفي لسد الرمق ثم يذهب كي يتلصص على التلاميذ وهم يفرغون كبتهم الجنسي بسيل من الحكايات الفنتازية المختلقة. وبين هذا وذاك، يتم التعبير عن السخط على الأحوال المتردية للبلد بنبرة تقطر بالمرارة والعجز عن المبادرة والفعل الإيجابي.تلقى موضوعة 'الجوع' بما هي تمثيل لوطأة الحاجة على التطور الدرامي للأحداث في النص، ولن نتأخر في الإحاطة علما بأن جذور هذا الجوع تعود وفقا لشهادة السارد إلى الاستبداد العسكري الذي يحكم مصر منذ 1952 والذي استفحلت تأثيراته السلبية بتحالفه مع مافيا الفساد الاقتصادي:
'... لا بد أن العيب فينا نحن أهل البلاد، نرضى بأي وضع وبأي حكم، أين الثورات الكبرى التي قرأنا عنها في بلاد أخرى التي طردت المستعمر وأطاحت بنظم الحكم الفاسدة، انظر ماذا لدينا. بعض المظاهرات في الشوارع، وتكشر السلطة وتدفع بعساكرها المدرعين، تتفرق المظاهرة في الشوارع وتنفض... وتأتي ثورة 1952، ثورة العسكر، وأين كان الناس وقتها؟ موجودون والحمد لله في بيوتهم، استيقظوا في الصباح على من يقول لهم 'انتهى الحكم الفاسد إلى غير رجعة، وجئنا لنرعاكم'... اذكروا لي بلدا واحدا حكمه العسكر لما يقرب من ستين عاما. هذا ما أقوله. العيب فينا نحن أهل البلد' الرواية.
يمكن النظر إلى الرواية بوصفها جدارية تشتمل على تنويع من صور الجوع باعتباره أليغوريا. ويمكن في هذا الصدد أن نعرض لصورة الجوع بما هو حاجة ملحة ومفقودة إلى الحرية والتعدد والتسامح. نسوق على سبيل التمثيل حكاية الشيخ رضوان أستاذ الفقه بالجامعة والثري الذي يعود من المدينة إلى البلدة كي يتفقد ممتلكاته والذي يملك بيتا يأوي فيه زوجاته وبناته والذي يؤم الناس في صلاة الجمعة ويفصح في خطبه ومواعظه عن تشدد ونزوع لافت صوب التكفير وخطاب العنف. وتشكل حكايته مع زغلول الرجل المعوز الذي تلوح عظام صدره الناتئة من فرط الجوع الدليل الدامغ على ارتباط الجوع بما هو توق ملح إلى السؤال الكاشف والحرية بالإكراه العنيف على تقبله أي الجوع- والقبول بآثاره الكريهة. طرح زغلول سؤالا يرشح بالسخرية عن جدوى الحاجة إلى ثلاث ديانات توحيدية وثلاث أنبياء وما يستتبعانه من اقتتال طائفي واحتكار متشدد وشوفيني للحقيقة، فما كان من الفقيه والأستاذ الجامعي المتشدد وذي الثراء الفاحش إلا أن انهال عليه بمعية مريديه ضربا وركلا وهو ينعته بالكافر:
' جذبه الشيخ وكفه الممتلئة مرفوعة تتأهب لصفعه، بإصبعها الوسطى خاتم بفص كبير، سطع لحظة في ضوء الشمس، وهمست المرأة المليحة وكانت تقف بباب المحل: - ذهب عيار 24. لمعته. أعرفه ولو على بعد مترين. فوجئ الشيخ بالجلباب ينشق بسهولة في يده، بدن زغلول العاري شديد الشحوب، وعظام صدره بارزة، وسرواله بلون الطين. دفعه الشيخ بعيدا عنه، وقعد لاهثا على الدكة: - الكافر. أنا. أنا اللي يتقال له الكلام ده' الرواية.
تحتج الرواية لافتراض تعالق الجوع بقيمة التشوه واختلال العلاقات الإنسانية وانهيار القيم وطغيان منطق الانتهازية والتخفي خلف الأقنعة. ونلاحظ في هذا السياق أن الكاتب آثر الركون إلى جرأة لا حدود لها في سياق التعبير السردي عن هاته الاختلالات. ولأن الصعيد بما جغرافيا وتاريخ يتسم بتلك الصورة النمطية الجاهزة التي تحيل إلى المحافظة والحفاظ على الشرف والتقاليد والفحولة وتراتبية قيمها، فإن الرواية تفسح المجال لتمثيل آخر يميط اللثام عن القناع وتعبيراته. تحضرنا في هذا المعرض حكاية المرأة نبوية التي كانت تغافل زوجها المنهمك في حش البرسيم في الحوض وتلوذ بعشيقها منصور تحت الجميزة كي يمارسا الجنس. وقد عبر الكاتب عن هذا المشهد بلغة عارية تلتقط أدق التفاصيل وبمعزل عن أية بلاغة منافقة. ويمكن للقارئ أن يرى في هذا المشهد تمثيلا للجوع في صورته الجنسية بما هو قرين لانعدام الشبع والارتواء وإيثار للخيانة بما هي قناع يخفي خلفه ثقل الأعراف الاجتماعية:
'...هي قاعدة على شط الحوض تبص لجوزها شوية وللجميزة شوية. وبعدين قامت. قالت لجوزها اللي قالته، ومشت للجميزة، وصاحبنا منصور قاعد يلاعب بتاعه عشان يبقى جاهز، واحنا فوق الشجرة، كنا شفناهم مرة من بعيد وعرفنا الحكاية، ولبدنا بين فروع الجميزة. وهي وصلت، ومن غير ما تقول كلمة خلعت لباسها ورمته، ومددت على كومة القش وشلحت وفتحت رجليها، وصاحبنا شمر الجلابية ونزل لباسه وبرك فوقها..' الرواية.
يبدو احتفاء الكاتب بالعامية المصرية في تعبيره السردي قرينة دالة على رغبته في استشراف درجة قصوى من التماهي مع الواقع المسرود تخييليا. وجدير بالإشارة في هذا السياق إلى ان هذا التعبير العاري عن الجنس بما هو محظور أو تابو لا يهدف في المقام الأول إلى التهييج أو الإثارة المجانية، وإنما يعتبر مكونا لصيقا بالنسيج السردي للنص، ويروم تحديدا الإفصاح عن الجوع في تمثيله الجنسي. لا يغرب عن الذهن والحالة هاته أن المقصدية التي تتوخى الرواية الدفاع عنها تتمثل في أن تحالف الاستبداد السياسي والفساد الاقتصادي والتأويل المتشدد والعنيف للدين لا يؤدي لغير إفراز جوع ذي تنويع مقرف وفظيع من الصور.
ثمة تبئير للسرد على أسرة زغلول وزوجته سكينة والابنين، ويمكننا باعتبارنا ذواتا متلقية أن نلمس حرص الكاتب على رصد الآثار الفيزيقية والنفسية للجوع عليها. وسوف يستشرف السرد درجته القصوى من المأساوية حين يصبح التخيل بواسطة الاستيهام الوسيلة الوحيدة لتجاوز الجوع وآثاره الحارقة والمتلفة للجسد واستشراف شبع متوهم. ينزوي زغلول قبالة الباب الكبير بعد أن تزود برغيفين كانا منذورين للأولاد وقطعة خيار ناشفة وطفق يرقب العربات التي تحمل المؤن إلى أبناء البيت الكبير القاطنين في المدن الكبرى، ويشرع في لعبة التخيل والاستيهام:
'.. يبقى دي عربية ابنه. عايز يشد حيله. طيب وانت يا زغلول. عمرك ما أكلت حمام وحيلك مشدود على الآخر. ومالت وضربته على كتفه. قال زغلول: - وقفص بط وفراخ. يا قوة الله. المرة دي قفص سمان. وعرفته ازاي؟ - شفته مرة، اصغر من الحمام. وأكلت منه؟ - أبدا. اللي أكلوه بيحكموا. لحمه ناعم وحلو. وبيعمل في الراجل العمايل. مالت قليلا نحوه: بيعمل إيه؟ - وأقول لك ليه. كفاية اللي عندك. والنبي تقول لي. بيقولو الواحد ما يقمش عن الواحدة طول الليل' الرواية.
يثير انتباهنا في هذا المقطع هذا التعالق الملتبس بين تحقيق الشبع بواسطة التخيل والاستيهام والرغبة الجنسية المتوهجة عند زغلول وزوجته سكينة. ونتساءل والحالة هاته إن كان اللياذ بالجنس وسيلة للتعويض عن ويلات الجوع بما هو حاجة وافتقار إلى الغذاء. يجد زغلول وزوجته سكينة بعض الشبع في منزل الحاج هاشم وزوجته، لكن موتهما تباعا عجل بعودة شبح الجوع وصوره الكريهة.
تعتبر رواية 'جوع' شهادة إبداعية قوية ومؤثرة عن حالة التردي الشامل الذي عرفه المجتمع المصري في ظل نظام الانفتاح وتبعاته الكارثية. ويعتبر الجوع والحالة هاته تمثيلا ذا مستويات دلالية متعددة تنسحب على الفرد والمكان. وحقيق بنا أن نشدد في هذا الصدد أن أهمية هذا العمل الإبداعي تكمن في سعيه إلى القبض على الآثار العميقة للجوع بما هو حرمان وخصاصة على الفرد في ارتباطه بالجماعة والمكان، وباختياره المقصود والدال لأسلوب في الكتابة السردية يعتمد بكثافة العامية المصرية والمباشرة التي لا تخلو من القسوة في التعبير والتصوير.

عبدالمنعم الشنتوف

عبدالرحيم محمد احمد
03-09-2012, 04:27
'أبنــــــــــاءُ الريــــــــــح'

روايـــة : لليـلى الأطـرش


في حديثنا المُقتضب عن هذه الرواية الجيدة للكاتبة ليلى الأطرش ننطلق من قاعدة لا نظن كثيرين يؤيدوننا، أو، على الأقل، يشاطروننا فيها الرأي ، وهي أن الموضوع، أو الفكرة، التي تدور حولها الرواية ليست هي المعيار الذي يميز بين رواية جيدة وأخرى غير جيدة.
فالموضوعاتُ، والأفكار، مطروحة في الطريق، ويستطيع الكاتب أنْ يأخذ منها ما يريد، ويترك ما لا يريد ، فالمعيار الذي يميز الرواية عن اللارواية هو خطابها الأدبي، والفني، الذي يُحوّلُ الوقائع فيها إلى شكل قابل للتأمل، والتحليل النقدي. وموضوع هذه الرواية يحيلنا إلى فتات الواقع اليومي لمجموعة صغيرة من الناس، قادتها الأقدار لتنشأ نشأةً شاذة في ملاجئ، أو في دور رعاية للأيتام، أو اللقطاء، أو المشردين، المنبوذين، ممن لا أباء لهم، ولا أمّهات، ولا أسَر.
وهؤلاء الأشخاص تعصف بهم الأيام على إيقاع الزمن، فيتفرقون أيدي سبأ. منهم من ابتسم ، أو عبس، في وجهه قمر الحظ القلَّب، ومن هؤلاء سفيان الذي اهتدى أخيرا لمكان عمه (تيسير) في دبي، فألحقه هذا بأسرته، واعتنى به، ودرَّسه حتى تخرج في كلية الطب، وكأنه بهذا يكفّر عن جريمة نكراء كانت له فيها اليد الطولى، وهي مصرع أمه آمنة، ووفاة والده حسن عبد الجبار في زمن مُبكر، وفاةً غامضة لا تفسير لها إلا أن يكون قد قضى حزنا، وكمدا، على زوجته التي كانت فيما يؤكدون- وفية له، ومخلصة في حبّها، ورائعة الجمال جدًا.
وبعد ثلاثين عامًا من بدء الحكاية يستأنف سفيان استعادة الحوادث من جديد، عن طريق التسلسل، فيتحرى البحث عن الشخوص الذين ألفوا في يوم من الأيام أسرة تضم ستة من الإخوة، وخمسًا من الأخوات.
تبدأ كرة الصوف بالانفراط، وتبدأ الحوادث بالتتابع، ولكنْ في شيء من التفصيل الذي يلقي الأضواء على مزيد من الأسرار، والخفايا. فعم سفيان في الحقيقة هو ابن عم أبيه- الذي يظهر الكثير من حسن النية، هو السبب الذي دعا والده(حسن) لقتل أمه(آمنة) فقد كان تيسير يحسده عليها، ويرى أنه هو أولى بمعاشرة تلك المرأة من حسن الذي لا يستحقها في رأيه، وقد صدته مرارًا حين حاول مراودتها عن نفسها، غير أنه دبر مكيدة مع ابن عمها الذي استهوته تلك المكيدة، فتسلل إلى بيت حسن في غيابه، أما تيسير فراح يبلغ في الوقت نفسه- حسن بوجود رجل غريب في دارهِ، وهذا ما دعاهُ لارتكاب جريمة قتل فيها زوجته، فيما كان سفيانُ، ابن السنوات الثلاث، يرنو في ما يجري دون وعي.
ولا تقتصر الحكاية - بطبيعة الحال - على ما سبق ذكره، فثمة حكايات أخرى متداخلة كحكاية يحيى ووالديه، وفراس، وحمزة، ونادرة، وآخرين.. وتظل هذه الحكايات بمنزلة الفروع التي تنبت على جذع الحكاية الرئيسة ' حكاية سفيان ' فالسرد في هذه الرواية من النوع الذي تستوعب فيه الحكاية الرئيسة حكاياتٍ أصغرَ منها، كالإطار الذي يضم مجموعة من الصور، لا صورة واحدة.
ونتوقّع من هذا التكثيف، الذي نسوق فيه أبرز مفاصل الحكاية، التعبير عن أنّ الموضوع فيها موضوع يتصل بشريحة من المنبوذين والمهمّشين من الناس، وهذا شيء قل أن يلتفت إليه الروائيون المشغولون على الدوام بالهواجس الكبرى في السياسة، ومسائل الميتافيزيقيا المعقدة، ومظاهر الميز بين الأنوثة والذكورة، والصراع الطبقي، وقضايا الأسرة من زواج وحب وطلاق إلخ.. ومع ذلك فإنَّ جدة هذا الموضوع، وطرافته، وأهميتهُ، ليست هي التي تجعل من ' أبناء الريح ' رواية جيّدة، فنحن أمام حكاية سفيان، وحكايات أخرى أدنى أهمية، صيغت في خطاب فني يعتمد تقنيات سردية تضفي على هاتيك الحكايات الجاذبية، والتشويق، وتجعل من هلاميّة الوقائع بنية ذات شكل قابل للتأمل، والدراسة، والوصف الاستاطيقي. فالرواية تتوسَّلُ، من بدايتها، بالمنولوج الداخلي، وهو نمط سرديّ يقوم على منظور يحتلّ فيه السارد المشارك موْضع البؤرة، فهو الراوي، وهو البطل، وهو أحد الشخوص، وذلك شيءٌ يكاد يطّرد في فصول الرواية طرًا. ولهذا تبعاتٌ بالطبع، أولها: هيمنة السرد بضمير المتكلم، وثانيها اختصار المسافة بين الرواي والوقائع التي تُروى. وهذا المثال يفصح عن ذلك ' تطاردني صورة ملجأ تربَّيْت فيه .. وإخوة لي .. كانوا.. اتصالٌ من لا مكان زلزل سبات الماضي. ثلاثين من السنوات.. ' (ص8 ) فزمن التلفظ مصاحبٌ لزمن الوقوع.
مثلُ هذا النمط يتكرر في الفصل الذي تحيل فيه الكاتبة الدوْرَ لتيسير عم سفيان، (ص71) ليأخذ هذا مَوْقِعَهُ مستعينا بالمنولوج الداخلي، للكشف عن العالم الخفي لهذا العمّ، الذي يُظهرُ خلافَ ما يُبْطن. فتنفرط على يديه كرة الصوف مرة أخرى، مسترجعًا الحوادث من منظور مختلف، فما أشير إليه في أول الرواية باقتضاب، أو بإيماءة، يجري تفصيله ها هنا على يدي فاعله الحقيقي. (انظر= ص75،ص79 ،ص80) وما جرى التلميح إليه من مخطط الكيد الذي دبره تيسير بليلٍ للتفريق بين آمنة وحسن، نجده مفصلا في شيء من الإسْهاب ( ص 84- 86) وأما ما ذُكرَ عن ترك سفيان في الملجأ، وسفر عمه إلى دبي، تلميحًا، فقد ذكر ها هنا بالتفصيل، وكأنَّ السابق لا يعدو أنْ يكون تنبؤًا بما سيذكر في اللاحق.(ص96) ويجري فرط كرة الصوف مرة أخرى، فإذا بالحوادث تبدأ من جديد، وتتوالى، إلى أن يصبح تيسير ثريًا، وأما حكايته مع جد سفيان - والد آمنة - فحكاية لم يحن ذكرها في مستهل الحكاية، مع أن طبيعة الأمور تقتضي ذلك، لكن السارد المشارك، وهو هنا تيسير، لا يذكرها إلا بعد أن روى لنا حكايته مع دار رعاية الأيتام، وبعد أنْ التحق تيسير بأسرة عمّه في دبي، فتذكَّرَ موقف الشيخ الذي سدّ في وجهه، ووجه زوجته سعاد، بابَ داره، قائلا: ' إنه لا يريد ما يذكره بآل عبد الجبار الذين يصفهم بالغلظة، فلا مكان في بيته، ولا في صدره، لعائلة لطختْ سمعته بالعار '.(ص101)
ومن حرص الراوي المشارك - هنا - على تنقيح ما يرويه، يلجأ ، من حين لآخر ، لتأكيد ما يذكره. فبعد أن روى ما جرى له في دبيّ مفصّلا، وتنقله من ثراء فاحش إلى ثراء باذخ، عادَ، ولخص لنا ذلك بما يشبه التذكيرَ، أوْ الخلاصة، موظفًا بذلك تقنيَة التخْزين والاسْترجاع: ' بدأتْ ثروتي في دبيّ من مرآبٍ صغير لفحْص السيارات. وإصلاحها، وتصيد مزاد الحاويات .. ثم بيْع قطع غيار السيارات .. فمحطة وقود. وأخيرًا سوبر ماركت.. فجرى المال.. وانقلبَ الحال. ' ص 102 فهذا شيء كان القارئ قد عرفه من الراوي نفسه في تفاصيل كثيرة.
ويتكرّر الشي نفسه في الفصل الرابع، إذ يستأنف سفيانُ دوْره في سرد الحوادث، وهذا الدوْر يختلفُ عن دوْره السابق، فهو يتحرك في اتجاهيم متقابلين، أحدُهما يدفع به إلى الأمام في مسار خطّي يقترب بالحكاية من الخاتمة، أو الخلاصَة، وثانيهما عكسيٌّ يعود به إلى مبتدأ الوقائع. فكلما وقعتْ عيناهُ على شيء جديد في بيت عمه، أو في المدرسة، أو في الكلية، أو فضاء المدينة، أو في مطعَم ممّا اصطحبه إليه أبناءُ عمّه للمرة الأولى، فاجأته ذكرى الملجأ، أو دارالرعاية، وتذكر كلمات مثل: أبناء الرعاية .. أبناء الحرام.. أبناء الشوارع.. أبناء الريح .. وهذه الذكريات الغامضة، والمشوشة، والكوابيس التي تعتادهُ، تختلط في أكثر الأحيان بهذا البوح المباشر اختلاطا يوحي بالإيقاع المتسارع للحوادث، مع هلوسات عمهِ تيسير، وما توحي به من أسْرار يخفيها عن أبويه، وعن سعاد وطريقتها في الحديث عنهما، والتحاقه بالجامعة، ودراسته، وتخرُّجه، وعودته إلى دبي، وزواجه، وانتظاره طفلته الأولى، كل ذلك يحدث، وُيروى في أقل مما يُتوقع، ممّا يعني أن الرواية بدأت بالاقتراب من نهايتها التي تظهر في أفقها نادرة، وهي التي سبق ذكرُها في الصفحات الأولى، عندما وصف الأسرة المؤلفة من ستة إخوة، وخمس أخوات، إحداهن اسمها نادرة التي كانت تكره تناول الفول في وجبة الفطور.
إذًا تكرارهُ لذكرها مرارًا، تارة على سبيل الإشارة، وطورًا على سبيل التفصيل، والاطراد، الذي لا يخلو من التحليل، والتشخيص، يعني- فيما يعنيه - توظيف الكاتبة لتقنية التواتر، والمُلخَّص، والمفارقة السرديّة، التي تتبدَّى في عزوفها عن السرد الآني لآخر سابق. وعلى أيِّ حال لجأت الكاتبَةُ - ها هنا - لوسيط يغني عن الراوي المباشر، وهو الخواطر، والقصص، التي قدمتها نادرة لسفيان بعد أنْ التقيا كيْ يطلع عليها، ومن هذه القصص واحدة بعنوان ' ياسمين '. ومن يقرأ هذه الحكاية، ويوازن بينها وبين ما ذكره الراوي سفيان عن نادرة في مواقع متفرقة من الرواية، يستنتج أنّ ياسمين هي نادرة. فالمنولوج في القصة تعبيرٌ غيرُ مباشرة عما ترويه نادرة بضمير المتكلم، لا الغائب، ولا المخاطب.
فالمنظور السردي، وتعدُّد الأصوات، طريقتان اتبعتهما المؤلفة ليلى الأطرش في هذه الرواية بإتقان، علاوةً على اعتمادِها على السرد المتشظي الذي لا يخفي تلاعب الكاتبة بالزمن، وتحريك الخيوط المتحكّمة بالحوادث، وفقا لبنيةٍ تقدِّمُ ما منْ حقّه التأخير، كعودة سفيان إلى دار رعاية الأيتام، وتأخير ما من حقه التقديم، كتأخير التفاصيل المتعلّقة بمصرع آمنة، أو موْقف جدّه، أو حكاية عمّه مع الاشخاص الذين كلفهم بزيارة دور الرعاية. وإلى ذلك حرصتْ المؤلفة على مراعاة مسألة التبئير، في السرد، فقد أحاطتْ سفيانَ بالكثير من الاهتمام، فاستأثر بنصيب الأسد من المحكيّ الروائي، فحيثما نظرنا في الرواية اكتشفنا ذكرًا لهُ، مباشرًا أو غير مباشر، فهو بالنسبة للشخوص كالشجرة التي تظلل الغابة. وقد يتراءى للقارئ أنَّ تيسيرًا يحتل موقعا تبئيريًا في الفصل الثالث، أو أنَّ يحيى ينافسُه على تلك المنزلة، غير أن من ينظر بين السطور يكتشف بيُسْر أنّ هذا التبئير ثانوي، و لا يرادُ منه سوى إبراز سفيان، وعالمه، الظاهر منه، والخفي.
ومن الملاحظات التي لا تفوتُ القارئ، في هذه الرواية، تلك الحرفيّة الجليّة التي تتَمثَّلُ فيما سعتْ إليه المؤلفة منْ جمَع للمعلومات، واستقصاءِ للبيانات التي تعْصمها من الوقوع في الخطأ، وهي تروي حوادث وقعتْ في فضاء سرديّ غير مألوف بالنسبة لاهتمامات الروائيّين. ويتضح ذلك في أكثر منْ موْقف. ولا شك في أنّ لغة الكتابة، ولغة الكلام، في هذه الرواية مستويان يأتلفان في النصّ ائتلاف مستوياتِ الشخوص. وقد أدّى هذا الائتلاف لظهور لغيّاتٍ كلّ منها تشير إلى مستوىً مُباين، فلغة الكلام لدى يَحيى، الذي يتمتع بكاريزما القيادة، لغة فاحشة، وسوقية، ومبتذلة، تبهرُ الصغارَ، وهم يحاولون أنْ يكوِّنوا عصابَة من الأشرار، ولغة نادرة النقيّة تباينُ بمفرداتها وصوتياتها كلام الأم العابثة التي لا تتورّع عن شيء. والكلام الذي يجري على ألسنة مشرفاتِ دور الأيتام ينبئ تارة عن مستوى أخلاقي رصين، وطورًا عن مستوى من الناس لا يتورّعون عن الكذب، والسرقة، والغش، مع أنهم مُربّون. وباختصارٍ شديد تجمَعُ هذه الرواية مستوياتٍ من الأداء اللغويّ تَتَناسبُ مع اعتمادِها تعدُّد الأصوات، والمونولوج، والحوار، وتنضيدِ الحكايات في إطارٍ جامِع يصحّ أن يوصف بالسرْدِ المُؤطَّر.
يُذكر أن للكاتبة ستّ روايات، هي: وتشرق غربًا 1988 وامرأة للفصول الخمسة 1991 وليلتان وظل امرأة 1998 وصهيل المسافات 1999 ومرافئ الوهم 2005 ورغبات ذلك الخريف 2009.


ابراهيـم خليـل

عبدالرحيم محمد احمد
04-09-2012, 22:24
'فـــيـــرجـــوالـــيـــة'

روايــة : ســـعـــد ســـعـــيـــد


ربما تشكل مقولة كارل ماركس حول التراكم الكمي الذي يقود إلى تغير نوعي، مدخلا مناسبا للولوج إلى الفضاء الروائي في 'فيرجوالية'، حيث نعاين التراكم الكمي الرقمي للبيانات والمعلومات وآليات الربط والبحث والمقارنة في جهاز الحاسوب.
وهي تتحول في طفرة نوعية إلى ذكاء افتراضي، بالطبع علينا أن نتوخى الحذر دائما في إسقاط المقولة الماركسية والتأكد من صلاحيتها في مقاربة الظاهرة موضع الدرس، وهنا نستطيع التقرير بكل ثقة أن الذكاء الافتراضي يخضع بشكل لا لبس فيه لهذه المقولة، وقد بات من البديهي الاعتقاد أن انبثاق الذكاء الافتراضي هو مسألة وقت لا أكثر، وقد عالجت أفلام الخيال العلمي هذه المسألة فيما يخص الروبوتات التي تتحول في غفلة عن عين صانعها إلى كائن ذكي يحسب له ألف حساب في صراعه مع صانعه الإنسان، ولكن الجنوح إلى الفنتازيا في السينما الهوليوودية ربما افقد هذه الفكرة رصانتها وألحقها بالأساطير.
يقدم لنا الروائي سعد سعيد في روايته الجديدة 'فيرجوالية' مقاربة عقلانية لهذه المسألة، ويعيد الاعتبار للعقل والمنطق بعيدا عن الفنتازيا والأسطورة، حيث يفاجأ السارد المركزي في الرواية بوحدة التحكم الخاصة بجهاز الحاسوب الخاص به تخاطبه وتتحاور معه حول دردشاته على موقع الفيسبوك، ويتضح من خلال الحوار مع هذه الوحدة السرية أنها أعدت برنامجا ما لنشر دردشات الراوي وبما تحمله من فضائحيات على شبكة الانترنت، ومع ان السارد يعرف تماما انه قد قام بحذف كافة الدردشات من صفحته، إلا أن الوحدة السرية تخبره بكل ثقة أن مسألة الحذف لا تشكل مشكلة بالنسبة لها، فكل شيء موجود وقابل للاسترجاع في الوقت الذي نشاء، ولن تنفع كل توسلات الراوي في ثني هذا الكيان الافتراضي عن فعلته، فهذا الكائن الافتراضي لا يفهم مثلا أن ذلك سيضر بالطرف الآخر من الدردشة والتي هي امرأة متزوجة ويسبب لها فضيحة اجتماعية، ويخاطب الراوي بكل بلاهة: إذا كان هذا خطأ، فلماذا فعلته أصلا، على العموم يبدأ هذا الكائن الافتراضي النزيه والمحايد والذي لا يملك أي مسلمات أو ايديولوجيات أو أفكار مسبقة، بمحاكمة النظام الاجتماعي وما يتضمنه من كذب ونفاق ودونية وعيوب أخلاقية، يحاكمه من خلال منطق البداهة فقط، هذه البداهة التي غابت عنا أثناء تشييدنا لمنظومات القيم والأخلاق، وهنا نرصد نقدا جذريا للمجتمع من خلال نقد شخصية الراوي التي تمثل هذا المجتمع، والحقيقة أن هذا النقد الجذري كثيرا ما نراه لدى الأطفال النابهين الذين لم يتم تنميطهم بعد وفق المعايير والأعراف الاجتماعية السائدة، الأطفال دائما يفاجئوننا في رصدهم لعوراتنا وعيوبنا، لأنهم لم يتورطوا بعد في لعبة المخاتلة والتبرير والإسقاط والإزاحة وكل هذه الآليات والديناميات النفسية والاجتماعية التي يتفنن فيها الكبار، ومع تقدم الحوارات بين الكائن الافتراضي والسارد نرصد نقدا من نوع جديد، هو نقد منظومتنا اللغوية التي هي في اغلبها مجاز، او استعارة، يخاطب السارد مثلا هذا الكيان الافتراضي متوسلا بان نشره للدردشات الفاضحة سوف يكسر حياة المرأة الشريكة في الدردشة، وهنا يعترض الكائن على كلمة 'كسر' ويبدو انه لا يفقه كيف يمكن أن تنكسر الحياة، فهو لا يفهم الا كيف ينكسر الكأس، طبعا هذا المعلم المهم في اللغة(اعتمادها على الاستعارة) كان موضع نقد مهم من قبل الفيلسوف التفكيكي جاك دريدا، الذي وضع نصب عينيه تفكيك الميتافيزيقا المختبئة في العقل الغربي، واكتشف دريدا أثناء ملاحقته لمعاقل الميتافيزيقا في الفكر الغربي ان الاستعارة هي المولد الدائم للميتافيزيقا، وان الميتافيزيقي يقبع دائما في قلب الاستعاري، وهذا قاد الكثير من أقطاب الفلسفة المحدثين إلى الاستخدام المقنن للغة حتى لا نقع في مطب الإنتاج المتواصل للميتافيزيقا، والاستخدام المقنن للغة يظهر أيضا وبشكل ملح في مبحث حوسبة اللغة، ان قابلية أي لغة للمعالجة والقراءة من قبل الحاسوب هي التي ستحدد قدرة هذه اللغة على الاستمرار والحياة، ويجزم أكثر علماء اللغة ان اللغات غير القابلة للحوسبة سيصيبها الانقراض ولن تقوى على الصمود في عصرنا الرقمي، ومع أن حوسبة اللغة سوف تؤدي إلى قص أجنحة اللغة والحد من قدرتها على التحليق والخيال، إلا انه لا مناص من هذا الإجراء إذا أردنا للغة النجاة، ومن الملاحظ أن اللغة العربية لم يتم لغاية الآن بذل أي جهد لحوسبتها من قبل الناطقين بها، وذلك عائد بالدرجة الأساس إلى صعوبات تتعلق بخصوصية النحو العربي، علما أن اللغات الأخرى قطعت شوطا ممتازا في الحوسبة، هذا العنصر النقدي يمكن اعتباره ثيمة فرعية للنص الروائي.
إن الأحداث التي يتضمنها النص تندرج تحت مسمى الخيال العلمي، ولكنه بالطبع مبني على أسس علمية متينة، وهو قابل للتحقق مستقبلا، بل أن البعض يجزم أن المسألة مسألة وقت لا أكثر، وسنشاهد الذكاء الصناعي يشاركنا حياتنا ويتفاعل مع وقائعها، ونحن نذكر روايات الخيال العلمي لجيل فيرن بشيء من الفخر، ففي روايته (رحلة إلى القمر)، قدم جيل فيرن تخطيطا أساسيا لكبسولة فضائية يتم إطلاقها من الأرض بواسطة مدفع من البارود ليتغلب على جاذبية الأرض، ونحن نعلم أن رواية جيل فيرن قد تحققت بكل تفاصيلها الرائعة لاحقا في رحلة المركبة أبوللو، هكذا ننظر إلى الخيال العلمي بوصفه استشفافا للمستقبل واختراقا للزمن، ومبنيا بشكل كامل على معطيات واقعية صلبة، أو بذور غير مرئية، قابلة للتطور مستقبلا لتشكيل عوالم لا تخطر لنا ببال، وحده الخيال العلمي من يمتلك القدرة على اقتناصها، إن تطور وحدة التحكم في الحاسوب ينذر بالفعل، بل يقود بشكل حتمي إلى ولادة الكائن الافتراضي الذكي الذي يقدمه النص الروائي في الفصل الأول.
الملفت أن سعد سعيد يخوض مغامرة مزدوجة في عمله الروائي هذا، هناك تجديد في الشكل والمحتوى على حد سواء، فكما أسلفنا على صعيد المحتوى هو يتمشكل مع قضية شائكة تخص الذكاء الصناعي واحتمالات تطوره، ولكن المغامرة الأخرى والتي تشكل مفاجأة حقيقية هي تقديم نص روائي كامل خال تماما من السرد، ويعتمد بالكامل على الحوار، وعلى الشات على وجه التحديد، النص من بدايته وحتى نهايته يعرض دردشات فيسبوك فقط، ومن خلال هذه الدردشات قام الروائي بحقن كافة عناصر العمل الروائي من الشخوص والزمان والمكان والحدث والحبكة والثيمة والصراع في ثنايا الشات.
علينا الاعتراف أنها مغامرة تستحق الثناء بالفعل، خاصة أنها نجحت بشكل مؤكد في إقامة بنية روائية مكتملة البناء، حتى وفق أكثر الآراء النقدية محافظة وصرامة، ونستطيع بوضوح كاف معاينة خطين دراميين في النص يمشيان في البدء بشكل متواز ثم يشتبكان في لحظة ما من لحظات الروي، وهذا المعلم (وجود أكثر من خط درامي) مهم جدا في مسألة إلحاق أي عمل بالجنس الروائي، الحقيقة أنني لم اقرأ أي عمل روائي خال تماما من السرد لغاية الآن، وهذه سابقة تسجل للروائي سعد سعيد، لقد خاضت الروائية الفرنسية مارغريت دورا تجربة مشابهة في أعمالها الروائية الخالية من السرد الروائي، ولكن كان هناك انزياح واضح نحو الشعر، وهو الذي أعطى لعملها هويته وإمكان وجوده، جاءت تجربة سعيد لتقدم فضاء روائيا افتراضيا يمتاز بالراهنية والمحايثة، عادة ما يتأخر الجنس الروائي في تعاطيه مع الواقع الاجتماعي، ورصده للتحولات الاجتماعية الكبرى، هناك على الدوام زمن تأخيري في المعالجة الروائية، وهنا نرصد شيئا من الراهنية والمواكبة للواقع الاجتماعي، والتحولات التي أفرزتها مواقع التواصل الاجتماعي، وأثرها في تشكيل وإعادة تشكيل البنية الاجتماعية، وربما يعطي ذلك، الروائي سعيد شيئا من الريادة في هذا المضمار، إن التداخل بين العالم الافتراضي وحياة الإنسان وواقعه أصبح حقيقة، بتنا نلمسها مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي بين الأفراد، ولكن سعيد يذهب بالشوط إلى نهايته ويحطم كل الحواجز التي تفصل هذين العالمين ويحدث نوعا من التماهي بينهما، ويبدو أن السمة المميزة لعصرنا الراهن والمستقبلي هو هيمنة الواقع الافتراضي وتداخله مع واقعنا الحياتي، حتى نصبح غير قادرين على التفريق بينهما، بل أن سعيد يبشر أن واقعنا الافتراضي ربما يتغلب على واقعنا الحياتي، وان الصداقات وعلاقات الحب الافتراضية ستصبح جزءا من حياتنا، وسوف تشكل مصائرنا أكثر من علاقاتنا اليومية، وهذه المسألة تحتاج إلى بحوث اجتماعية معمقة لكشف المزايا التواصلية الافتراضية وسر تفوقها على التواصل التقليدي، والذي تأتي نتائجه في الأغلب مخيبة للآمال، الدراما الروائية في فيرجوالية دراما إنسانية تحتوي من النبل والحب والتسامي والتضحية بنفس الدرجة التي تحتويها الأعمال الروائية الخالدة، وهنا يصادر الروائي على كل الآراء التي تعتقد أن العالم الافتراضي هو عالم عابر ولا مسؤول ولا يتعدى حدود الترفيه الوقتي، بل أننا نصادف كل الحالات التي تشير إلى المعاني الوجودية الكبرى التي يحياها الإنسان، كالحب والكرامة والعار، في النص نرصد قصة حب رائعة وتضحية وإخلاصا وطهارة وعفافا، تترافق كلها مع علاقة افتراضية نشأت وتطورت عبر حوارات الفيسبوك، فالسارد نديم حلمي يقدم أنموذجا نبيلا حين يقدم على بيع سيارته من اجل تمويل رحلته الأسطورية الى استراليا للالتقاء بامرأة افتراضية تعرف عليها من خلال موقع الفيسبوك، والمفاجأة التي يخبئها لنا النص (الشات) أن اللقاء المرتقب والشائق ينتهي نهاية عفيفة دون أي اتصال جنسي، ويكتفي نديم بالتواصل العاطفي المتسامي على الغريزة، هكذا يعمد سعيد إلى إعادة الاعتبار للفضاء الافتراضي وتخليصه مما لحقه من سوء السمعة والانغماس بالشهوانية واللامسؤولية، انه يقوم بتشييد عالم افتراضي جميل حافل بالمثل والقيم والنبل والفروسية، فما دام هذا العالم الافتراضي أصبح جزءا من حياتنا، فعلينا أن نوليه عنايتنا واهتمامنا ونجعل منه عالما جديرا بالعيش، إن سعيد يرفض أن نتعامل مع هذا العالم بوصفه هامشا، بل يطالبنا أن نضيفه إلى متن حياتنا ونملأه بكل ما هو نبيل وجميل، ويبدو أن لا مناص لنا من الاعتراف أن فضاءنا الافتراضي أصبح جزءا حميما من وجودنا، لا نقوى على الاستمرار بدونه، وسواء وصفه البعض بالإدمان أو الحق به الكثير من النعوت السلبية، فإن فضاءنا الافتراضي أصبح مكونا أساسيا من حياتنا لن يكون بمقدورنا التنازل عنه.

محمد ممدوح

عبدالرحيم محمد احمد
04-09-2012, 22:25
'فـــيـــرجـــوالـــيـــة'

روايــة : ســـعـــد ســـعـــيـــد


ربما تشكل مقولة كارل ماركس حول التراكم الكمي الذي يقود إلى تغير نوعي، مدخلا مناسبا للولوج إلى الفضاء الروائي في 'فيرجوالية'، حيث نعاين التراكم الكمي الرقمي للبيانات والمعلومات وآليات الربط والبحث والمقارنة في جهاز الحاسوب.
وهي تتحول في طفرة نوعية إلى ذكاء افتراضي، بالطبع علينا أن نتوخى الحذر دائما في إسقاط المقولة الماركسية والتأكد من صلاحيتها في مقاربة الظاهرة موضع الدرس، وهنا نستطيع التقرير بكل ثقة أن الذكاء الافتراضي يخضع بشكل لا لبس فيه لهذه المقولة، وقد بات من البديهي الاعتقاد أن انبثاق الذكاء الافتراضي هو مسألة وقت لا أكثر، وقد عالجت أفلام الخيال العلمي هذه المسألة فيما يخص الروبوتات التي تتحول في غفلة عن عين صانعها إلى كائن ذكي يحسب له ألف حساب في صراعه مع صانعه الإنسان، ولكن الجنوح إلى الفنتازيا في السينما الهوليوودية ربما افقد هذه الفكرة رصانتها وألحقها بالأساطير.
يقدم لنا الروائي سعد سعيد في روايته الجديدة 'فيرجوالية' مقاربة عقلانية لهذه المسألة، ويعيد الاعتبار للعقل والمنطق بعيدا عن الفنتازيا والأسطورة، حيث يفاجأ السارد المركزي في الرواية بوحدة التحكم الخاصة بجهاز الحاسوب الخاص به تخاطبه وتتحاور معه حول دردشاته على موقع الفيسبوك، ويتضح من خلال الحوار مع هذه الوحدة السرية أنها أعدت برنامجا ما لنشر دردشات الراوي وبما تحمله من فضائحيات على شبكة الانترنت، ومع ان السارد يعرف تماما انه قد قام بحذف كافة الدردشات من صفحته، إلا أن الوحدة السرية تخبره بكل ثقة أن مسألة الحذف لا تشكل مشكلة بالنسبة لها، فكل شيء موجود وقابل للاسترجاع في الوقت الذي نشاء، ولن تنفع كل توسلات الراوي في ثني هذا الكيان الافتراضي عن فعلته، فهذا الكائن الافتراضي لا يفهم مثلا أن ذلك سيضر بالطرف الآخر من الدردشة والتي هي امرأة متزوجة ويسبب لها فضيحة اجتماعية، ويخاطب الراوي بكل بلاهة: إذا كان هذا خطأ، فلماذا فعلته أصلا، على العموم يبدأ هذا الكائن الافتراضي النزيه والمحايد والذي لا يملك أي مسلمات أو ايديولوجيات أو أفكار مسبقة، بمحاكمة النظام الاجتماعي وما يتضمنه من كذب ونفاق ودونية وعيوب أخلاقية، يحاكمه من خلال منطق البداهة فقط، هذه البداهة التي غابت عنا أثناء تشييدنا لمنظومات القيم والأخلاق، وهنا نرصد نقدا جذريا للمجتمع من خلال نقد شخصية الراوي التي تمثل هذا المجتمع، والحقيقة أن هذا النقد الجذري كثيرا ما نراه لدى الأطفال النابهين الذين لم يتم تنميطهم بعد وفق المعايير والأعراف الاجتماعية السائدة، الأطفال دائما يفاجئوننا في رصدهم لعوراتنا وعيوبنا، لأنهم لم يتورطوا بعد في لعبة المخاتلة والتبرير والإسقاط والإزاحة وكل هذه الآليات والديناميات النفسية والاجتماعية التي يتفنن فيها الكبار، ومع تقدم الحوارات بين الكائن الافتراضي والسارد نرصد نقدا من نوع جديد، هو نقد منظومتنا اللغوية التي هي في اغلبها مجاز، او استعارة، يخاطب السارد مثلا هذا الكيان الافتراضي متوسلا بان نشره للدردشات الفاضحة سوف يكسر حياة المرأة الشريكة في الدردشة، وهنا يعترض الكائن على كلمة 'كسر' ويبدو انه لا يفقه كيف يمكن أن تنكسر الحياة، فهو لا يفهم الا كيف ينكسر الكأس، طبعا هذا المعلم المهم في اللغة(اعتمادها على الاستعارة) كان موضع نقد مهم من قبل الفيلسوف التفكيكي جاك دريدا، الذي وضع نصب عينيه تفكيك الميتافيزيقا المختبئة في العقل الغربي، واكتشف دريدا أثناء ملاحقته لمعاقل الميتافيزيقا في الفكر الغربي ان الاستعارة هي المولد الدائم للميتافيزيقا، وان الميتافيزيقي يقبع دائما في قلب الاستعاري، وهذا قاد الكثير من أقطاب الفلسفة المحدثين إلى الاستخدام المقنن للغة حتى لا نقع في مطب الإنتاج المتواصل للميتافيزيقا، والاستخدام المقنن للغة يظهر أيضا وبشكل ملح في مبحث حوسبة اللغة، ان قابلية أي لغة للمعالجة والقراءة من قبل الحاسوب هي التي ستحدد قدرة هذه اللغة على الاستمرار والحياة، ويجزم أكثر علماء اللغة ان اللغات غير القابلة للحوسبة سيصيبها الانقراض ولن تقوى على الصمود في عصرنا الرقمي، ومع أن حوسبة اللغة سوف تؤدي إلى قص أجنحة اللغة والحد من قدرتها على التحليق والخيال، إلا انه لا مناص من هذا الإجراء إذا أردنا للغة النجاة، ومن الملاحظ أن اللغة العربية لم يتم لغاية الآن بذل أي جهد لحوسبتها من قبل الناطقين بها، وذلك عائد بالدرجة الأساس إلى صعوبات تتعلق بخصوصية النحو العربي، علما أن اللغات الأخرى قطعت شوطا ممتازا في الحوسبة، هذا العنصر النقدي يمكن اعتباره ثيمة فرعية للنص الروائي.
إن الأحداث التي يتضمنها النص تندرج تحت مسمى الخيال العلمي، ولكنه بالطبع مبني على أسس علمية متينة، وهو قابل للتحقق مستقبلا، بل أن البعض يجزم أن المسألة مسألة وقت لا أكثر، وسنشاهد الذكاء الصناعي يشاركنا حياتنا ويتفاعل مع وقائعها، ونحن نذكر روايات الخيال العلمي لجيل فيرن بشيء من الفخر، ففي روايته (رحلة إلى القمر)، قدم جيل فيرن تخطيطا أساسيا لكبسولة فضائية يتم إطلاقها من الأرض بواسطة مدفع من البارود ليتغلب على جاذبية الأرض، ونحن نعلم أن رواية جيل فيرن قد تحققت بكل تفاصيلها الرائعة لاحقا في رحلة المركبة أبوللو، هكذا ننظر إلى الخيال العلمي بوصفه استشفافا للمستقبل واختراقا للزمن، ومبنيا بشكل كامل على معطيات واقعية صلبة، أو بذور غير مرئية، قابلة للتطور مستقبلا لتشكيل عوالم لا تخطر لنا ببال، وحده الخيال العلمي من يمتلك القدرة على اقتناصها، إن تطور وحدة التحكم في الحاسوب ينذر بالفعل، بل يقود بشكل حتمي إلى ولادة الكائن الافتراضي الذكي الذي يقدمه النص الروائي في الفصل الأول.
الملفت أن سعد سعيد يخوض مغامرة مزدوجة في عمله الروائي هذا، هناك تجديد في الشكل والمحتوى على حد سواء، فكما أسلفنا على صعيد المحتوى هو يتمشكل مع قضية شائكة تخص الذكاء الصناعي واحتمالات تطوره، ولكن المغامرة الأخرى والتي تشكل مفاجأة حقيقية هي تقديم نص روائي كامل خال تماما من السرد، ويعتمد بالكامل على الحوار، وعلى الشات على وجه التحديد، النص من بدايته وحتى نهايته يعرض دردشات فيسبوك فقط، ومن خلال هذه الدردشات قام الروائي بحقن كافة عناصر العمل الروائي من الشخوص والزمان والمكان والحدث والحبكة والثيمة والصراع في ثنايا الشات.
علينا الاعتراف أنها مغامرة تستحق الثناء بالفعل، خاصة أنها نجحت بشكل مؤكد في إقامة بنية روائية مكتملة البناء، حتى وفق أكثر الآراء النقدية محافظة وصرامة، ونستطيع بوضوح كاف معاينة خطين دراميين في النص يمشيان في البدء بشكل متواز ثم يشتبكان في لحظة ما من لحظات الروي، وهذا المعلم (وجود أكثر من خط درامي) مهم جدا في مسألة إلحاق أي عمل بالجنس الروائي، الحقيقة أنني لم اقرأ أي عمل روائي خال تماما من السرد لغاية الآن، وهذه سابقة تسجل للروائي سعد سعيد، لقد خاضت الروائية الفرنسية مارغريت دورا تجربة مشابهة في أعمالها الروائية الخالية من السرد الروائي، ولكن كان هناك انزياح واضح نحو الشعر، وهو الذي أعطى لعملها هويته وإمكان وجوده، جاءت تجربة سعيد لتقدم فضاء روائيا افتراضيا يمتاز بالراهنية والمحايثة، عادة ما يتأخر الجنس الروائي في تعاطيه مع الواقع الاجتماعي، ورصده للتحولات الاجتماعية الكبرى، هناك على الدوام زمن تأخيري في المعالجة الروائية، وهنا نرصد شيئا من الراهنية والمواكبة للواقع الاجتماعي، والتحولات التي أفرزتها مواقع التواصل الاجتماعي، وأثرها في تشكيل وإعادة تشكيل البنية الاجتماعية، وربما يعطي ذلك، الروائي سعيد شيئا من الريادة في هذا المضمار، إن التداخل بين العالم الافتراضي وحياة الإنسان وواقعه أصبح حقيقة، بتنا نلمسها مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي بين الأفراد، ولكن سعيد يذهب بالشوط إلى نهايته ويحطم كل الحواجز التي تفصل هذين العالمين ويحدث نوعا من التماهي بينهما، ويبدو أن السمة المميزة لعصرنا الراهن والمستقبلي هو هيمنة الواقع الافتراضي وتداخله مع واقعنا الحياتي، حتى نصبح غير قادرين على التفريق بينهما، بل أن سعيد يبشر أن واقعنا الافتراضي ربما يتغلب على واقعنا الحياتي، وان الصداقات وعلاقات الحب الافتراضية ستصبح جزءا من حياتنا، وسوف تشكل مصائرنا أكثر من علاقاتنا اليومية، وهذه المسألة تحتاج إلى بحوث اجتماعية معمقة لكشف المزايا التواصلية الافتراضية وسر تفوقها على التواصل التقليدي، والذي تأتي نتائجه في الأغلب مخيبة للآمال، الدراما الروائية في فيرجوالية دراما إنسانية تحتوي من النبل والحب والتسامي والتضحية بنفس الدرجة التي تحتويها الأعمال الروائية الخالدة، وهنا يصادر الروائي على كل الآراء التي تعتقد أن العالم الافتراضي هو عالم عابر ولا مسؤول ولا يتعدى حدود الترفيه الوقتي، بل أننا نصادف كل الحالات التي تشير إلى المعاني الوجودية الكبرى التي يحياها الإنسان، كالحب والكرامة والعار، في النص نرصد قصة حب رائعة وتضحية وإخلاصا وطهارة وعفافا، تترافق كلها مع علاقة افتراضية نشأت وتطورت عبر حوارات الفيسبوك، فالسارد نديم حلمي يقدم أنموذجا نبيلا حين يقدم على بيع سيارته من اجل تمويل رحلته الأسطورية الى استراليا للالتقاء بامرأة افتراضية تعرف عليها من خلال موقع الفيسبوك، والمفاجأة التي يخبئها لنا النص (الشات) أن اللقاء المرتقب والشائق ينتهي نهاية عفيفة دون أي اتصال جنسي، ويكتفي نديم بالتواصل العاطفي المتسامي على الغريزة، هكذا يعمد سعيد إلى إعادة الاعتبار للفضاء الافتراضي وتخليصه مما لحقه من سوء السمعة والانغماس بالشهوانية واللامسؤولية، انه يقوم بتشييد عالم افتراضي جميل حافل بالمثل والقيم والنبل والفروسية، فما دام هذا العالم الافتراضي أصبح جزءا من حياتنا، فعلينا أن نوليه عنايتنا واهتمامنا ونجعل منه عالما جديرا بالعيش، إن سعيد يرفض أن نتعامل مع هذا العالم بوصفه هامشا، بل يطالبنا أن نضيفه إلى متن حياتنا ونملأه بكل ما هو نبيل وجميل، ويبدو أن لا مناص لنا من الاعتراف أن فضاءنا الافتراضي أصبح جزءا حميما من وجودنا، لا نقوى على الاستمرار بدونه، وسواء وصفه البعض بالإدمان أو الحق به الكثير من النعوت السلبية، فإن فضاءنا الافتراضي أصبح مكونا أساسيا من حياتنا لن يكون بمقدورنا التنازل عنه.

محمد ممدوح

عبدالرحيم محمد احمد
06-09-2012, 22:36
'مــجـــانــيـــن بـــوكـــا'

روايــة : لــشــاكــر نــوري


'مجانين بوكا' (2012) هي لصاحبها الكاتب العراقي شاكر نوري. وللمناسبة فهي الرواية السابعة في سجله الروائي العام، وهي روايته الثانية ــ بعد 'المنطقة الخضراء' (2009) ــ في سجل تعاطيه لـ 'لغم' احتلال العراق.
وأهم ما يلفت النظر، في نص 'مجانين بوكا'، ومن ناحية 'نواته الدلالية الكبرى'، هو التركيز على 'الجرح الكولونيالي السافر'، وذلك من خلال الاستقرار (السردي) على 'معتقل بوكا' ودونما تشديد على المداخل الأخرى للاحتلال والمتمثلة في مدخل الديكتاتورية المقيتة التي أفضت إلى الترحيب بـ'الغزاة' وتوسيع دوائر 'المستنقع السياسي' أو مدخل 'النفط ــ السخط' وعلى النحو الذي جعل 'الشرق الأوسط' مجرد 'محمية نفطية موثوقة ومتفهمة' أو مجرد 'محطة بنزين' كما قال الكاتب المكسيكي كارلوس فينتيس ذات مرة
لقد حرص شاكر نوري، وهو الذي يقول إن 'كل متر مربع في العراق بحاجة إلى رواية'، على أن 'يلخص الحكاية'، وبوعي مقصود ومستثمر، في 'معتقل بوكا' وباعتباره 'معطى تاريخيا' مشرعا على 'التصعيد الفني'، وكل ذلك من خلال تداخل إواليات التخييل والتأريخ والسخرية... وفي إطار من السرد بغير معناه اللوغارتمي وبغير معناه التبليغي في الوقت ذاته. والأدب (وبمعناه الجذري) لا يمكنه إيقاف زحف 'البربرية'... غير أنه يخدش 'الشر' ويسخر منه.
وتتمحور الرواية حول مراسل حربي وجد نفسه، بعد نقاش مع جنرالات، وفي حانة ببغداد ('حانة الرافدين')، وبدافع من الوطنية والكرامة أيضا، في كتيبة مشاة تتقدمها فرقة المدفعية، ودخل ــ بالتالي ــ في حرب ضد المحتل الأمريكي وفي صحراء مترامية الأطراف تتيه فيها الجمال العملاقة وخبراء الصحراء والمهرّبون المحترفون وصيادو الصقور من الذين خصّهم شاكر نوري نفسه بروايته 'شامان' (2011). حرب غير متكافئة على الإطلاق، وقبل ذلك غير تقليدية. ولذلك فإنه، وبعد تيه متصاعد وشلل متزايد، وبعد تساؤل حول الجدوى من الحرب، سيبدأ العد العكسي لهروب جماعي. ومن ثمّ سينتهى شريط الحرب، وبالتالي سيجد المراسل الحربي نفسه، وبعدّته الصحافية، في معتقل بوكا الرهيب الذي سيمضي فيه سبع سنوات من عمره تاركا أمه وزوجته وابنه الصغير.
وفي الوقت الذي استقرّ فيه، المراسل الحربي، على أن السبع سنوات صارت من شواهد حياته في الماضي، وكمئات آلاف العراقيين، فإذا بمندوب شركة سينمائية أمريكية ('ستار برودكشين') يفاجئه، وفي عنوانه بأحد الأحياء الشعبية، بطلب مذكراته لتصوير فيلم سينمائي في المعتقل ذاته الذي كتب فيه مذكراته. وحتى إن كان المراسل الحربي قد أبدى، في البداية، تحفـُّظه بخصوص الطلب، بدليل أنه يصعب تحديد المعتقل في صحراء مترامية الأطراف، فإنه، في الأخير، قبل بالطلب... وأخذ يعدِّد مجمل الأمكنة والوقائع والوجوه التي يمكنها تأثيث الفيلم. كان الطلب، إذن، وكما في روايات كثيرة، شرارة دفق السرد.
وأوّل ما كان قد حار فيه المراسل الحربي هو تسمية 'بوكا' التي تعود إلى الماريشال الإطفائي الأمريكي الشهير (من أصل إسباني) رونالد بوكا الذي قضى في هجمات 11 أيلول/ سبتمبر وهو يطفئ الحرائق التي استهدفت برجي التجارة العالمين بنيويورك. وكان المراسل شاهدا على توالد كرافانات المعتقل وكامباته إلى أن بلغت أربعة عنابر، هي: العنبر الأخضر: ونزلاؤه ــ كما يشرح السارد ــ مسالمون لم يدانوا بأية تهمة. والعنبر الأصفر: ويضم معتقلين يعتقد المحققون أنهم يشكلون خطرا. والعنبر الأحمر: ويضم قادة القاعدة والإسلاميين المتطرفين. والعنبر الرابع: عنبر المجانين، ولم يكن له أي لون. وستستوعب هذه العنابر 25 ألف معتقل محاطين بما يزيد عن ثمانية آلاف جندي أمريكي يحرسونهم.
وسيكون المعتقل صورة للمجتمع العراقي في ألوان طيفه السياسي وفي تشكيلاته الاجتماعية الجديدة. ولذلك وجدنا بين المعتقلين من كانوا على صلة بجهاز الدولة ونظام الحكم فيها كما هي الحال بالنسبة للجنرالات السبعة والخياط مكزون (خياط صاحب الأمر الذي ارتقى إلى وزير)، ووجدنا من هم بعيدين عن دوائر الدولة مثل القناص ورجل الأعمال ظافر وابنه المهندس، ووجدنا من ينتمي لقطاع الإبداع والكتابة كما في حال مزهر ... هذا بالإضافة إلى المنتمين لتيارات الإسلام السياسي من المتطرفين في غالبيتهم ومن الذين يسيطرون على المعتقل ويتحكـّمون فيه. وجميع هؤلاء سيلخصون في أرقام ملغـزة ومختلفة تبعا لاختلاف خطورتهم.
وستمارس في المعتقل، ومن أجل انتزاع 'المعلومة'، أعتى أشكال التعذيب. وأفظع هذه الأشكال ما يعرف بـ'الديسكو' الذي تطلق فيه موسيقى صاخبة ومدوِّية تشقّ طبلات الأذن، وتشلّ الدماغ، وتصل إلى قاع الرؤوس... بل وتفضي إلى الجنون. وهناك الضرب القاسي، والكي بالآلات الحارقة وسكب المياه المثلجة على الأجسام العارية، والإجبار على القيام بحركات القعود والنهوض على أنغام الموسيقى الصاخبة. وهناك استخدام مسحوق الفلفل الأسود في الأكياس البلاستيكية السوداء التي تغطى بها الرؤوس. وحتى الشمس تتحول إلى 'عامل معاكس' حين تسهم، عبر أشعتها الحارقة، في تعميق التعذيب. ودون التغافل، هنا، عن شتائم الجلادين وتهديداتهم للمعتقلين باغتصابهم واغتصاب عائلاتهم على مرأى من أعينهم. فبوكا جحيم، ولا تعدو الإقامة فيه أكثر من تدريب على الموت بالتقسيط. ونادرا ما يمكن الإفلات منه... بل إنه كان يسمح للمعتقلين بالهروب لأنه كان في ذلك ترخيصا غير مباشر بقتلهم.
وعلى الرغم من المقاومة التي أبداها المعتقلون، وعبر أشكال الشطرنج والإبر... التي ابتكروها من خلال ما أتيح لهم من مواد بسيطة، وعبر أشكال الحلم، فإن كثيرين قضوا في المعتقل الرهيب الذي تجاوز فيه التعذيب ما حصل في أبو غريب وغوانتنامو... أي السجون التي ارتبطت بالأمريكان. واللافت أنـَّه حتى الجنود الأمريكان حصل لديهم عياء كبير من شدة المراقبة، بل وتوفي بعضهم (المدير الثعلب روبرت مورن والمشرف العام على المعتقل ستيفن كينث)؛ وهذا في الوقت الذي انتحرت فيه مساعدة المدير (جين مكملاين). ولما أصبح المعتقل على أهبة الانفجار المحقـّق، نتيجة العجز الذي بدا بيـّنا على مستوى إدارته والتحكـّم فيه، تمّ تبديده بسهولة طالما أنه شيـّد فوق الرمال وبسهولة مشابهة.
ولكن كيف يمكن لنا أن نرى إلى معطى المجموعات التكفيرية التي راحت تفصح عن وجودها من داخل المعتقل وإلى الحد الذي جعلها تتصادم فيما بينها، بل وبلغ الصدام بينها حد المواجهة الدامية والتصفية الجسدية. أجل لقد كان بروز المجموعات، وفي البداية، بتزكية من المحتل نفسه، وذلك حين سمحوا لهم بأن ينقسموا على ذواتهم حتى تسهل 'الهيمنة' عليهم؛ غير أنه سرعان ما صار الانقسام يشكـّل خطرا، ولذلك لم يجدوا بدّا من أسلوب القوة لمجابهتهم.
صار هناك معتقل في قلب معتقل، ولم يختلف الأوّل عن الثاني في أشكال التعذيب بشكليه النفسي والمادي الإجرائي التسلطي المباشر. ولذلك فإنه عندما شاع خبر 'الصلاة الجديدة'، التي نشرها نوح، ثار الزعماء الثلاثة (أبا أنس وأبا سجـّاد وأبا عيسى) (المعتقلون بدورهم)، وعدّوه ــ وعلى الفور ــ 'كافرا' لأن صلاته لا تشبه صلاتهم؛ وكانت النتيجة، وعلاوة على 'تكفيره'، أن استدعوه لـ'التحقيق'. وعندما قام عمر للآذان، وبصوته الجميل، امتنع أعضاء من جيش المهدي عن الصلاة؛ وسمحوا له، بعد تشاور، لكن شريطة عدم تكرار فعلته. وكما أن 'ستر العورة'، ومن السرّة حتى الركبة، يظل أرحم مقارنة مع إخفاء شخصية الإنسان كما في حال رجل الأعمال الذي وجد ذاته في المعتقل: 'إذا عرفوا أنك رجل أعمال، فسوف يسوامونك على أموالك، وتخسر كل شيء، خصوصا إذا نقلوك إلى كامب التكفيريين، فهم سيجبرونك على التبرّع لمجاهديهم، وإلا هددوا عائلتك! وإذا لم تفعل، فهم يقتلعون عينيك أو يقطعون لك الأطراف العليا أو السفلى أو تقتل! هذه شريعة التكفيريين' (ص302). وهؤلاء 'لا يترددون في قطع أصابع من يدخن السجائر، وكسر أطراف وأيادي وأرجل من ينتسب إلى رجال الشرطة أو الحرس الوطني أو حتى الدوائر الحكومية، حتى لو كانوا يشاركونهم في المعتقل!' (ص314). وقد أقدموا على أشياء كثيرة لا يحتملها العقل قلعوا عيني أحد وتروكهما تتدليان تحت ذقنه، وتجاوزا ذلك نحو القتل.
إننا بصدد تمزق ديني غير مسبوق، وبما يخالطه من كراهية فولاذية، ممّا جعل المراسل الحربي، الذي هو مدار 'الأطروحة' التي يسعى الكاتب إلى تسريبها، يستغرب، وفي وضوح تام، وباسم الإله ذاته. يقول: 'يا إلهي! أين كانت تختبئ تلك الجماعات قبل الغزو، بين طبقات الأرض، أم في طيات الرياح، أم في جحور النمل؟!' (ص323).
وكما في 'أفاعيل الاستعمار'، ونهج هذا الأخير التفتيتي، جلب الاحتلال الأمريكي شيئا آخر ــ وأفظع ــ للمجتمع العراقي، ولم يكن الإنسان العراقي ليقبل به. ونقصد، هنا، إلى الدعارة كما يمكن أن نطلع عليها في الفصل الخامس 'فندق برج بابل' المكرّس للخياط مكزون. وكان هذا الأخير قد اصطدم، ومن داخل المعتقل، بنبأ زوجته التي أخذت تبيت في الفندق الذي أخذ يتجمع فيه أهالي المعتقلين باعتباره النقطة الأقرب من بوكا. غير أنه سرعان ما تحوَّل الفندق إلى مرتع لـ'البغايا الآتيات من كل مكان، ممن يحلمن بالهجرة، ومنهن من يحلمن بلقاء أحد الخليجيين الأثرياء، وخصوصا كبار السن، ممن لفظتهم عائلاتهم، وجاؤوا يبحثون عن أجساد عراقية طرية، ورخيصة الثمن، يلوكون في أجسادهم الخرمة شهوة قديمة! مجون جنسي، رغبة انتقام من المرأة، هوس مرضي!' (ص235). وهذا ما أزعج مكزون، وخصوصا في الأيام الأخيرة، مما جعل حالته النفسية متدهورة وميؤوسا منها. ولذلك وضعته إدارة المعتقل في عنبر المجانين، بل واضطرت لإطلاق سراحه؛ وكانت النتيجة أن قصد زوجته وأرداها قتيلة في الفندق وكأنه يقتل الفندق ذاته الذي صار رمزا للتمزق الاجتماعي الذي أخذ يعصف بالمجتمع ككل (مجتمع ما بعد الاحتلال).
وفي الحق فإن ما أقدم الأمريكيون على القيام به في العراق تجاوز الاستعمار المباشر ذاته أو تجاوز 'العقل الكولونيالي' نحو 'الجنون الكولونيالي'. وهو ما يمكن التأكـّد منه من خلال دواعي الاعتقالات التي تتجاوز الدواعي المعروفة التي تلصق بالأفراد قبل بدء التحقيق معهم في المخافر السرية بل وقبل وصول هؤلاء إلى هذه المخافر. تهم من مثل 'تفخيخ السيارات' و'إطلاق الصواريخ' و'زرع العبوات الناسفة' و'التخابر مع رجال المقاومة' و'تسهيل دخول أعضاء القاعدة'. إننا نقصد، هنا، إلى تهم من نوع آخر من مثل 'تهمة القناص' مع أن هذا الأخير لا يجيد حتى استخدام البندقية ولا يعرف أجزاءها. وتبدو التهمة الأخيرة 'واردة' مقارنة مع اعتقال شخص آخر لا لشيء إلا لأن كبشه نطح ضابطا أمريكا، وكانت التهمة تدريب الأكباش على نطح الأمريكيين. ودون التغافل، وفي ذروة الجنون، عن الاعتقالات العشوائية من أمام فرن حتى يكتمل العدد المطلوب من المعتقلين.
وعلى الرغم من الطابع العسكري الغالب للاحتلال فإن الرواية لا يفوتها أن تحفل، وإن في مواضع معدودة، بمسلكيات وأفعال دالـَّة على 'التصادم الثقافي ويتجلى هذا التصادم، وبشكل أوضح، من خلال تنميط استشراقي بارز ونافر، هذه المرّة؛ وكل ذلك من خلال 'لعبة بوكا أو كيف تقاتل الأشرار'. وهي لعبة إلكترونية للأطفال حرصت من خلالها إحدى الشركات الأمريكية إلى جني الأرباح، وقبل ذلك إلى بثّ 'سموم الاستشراق' في الأطفال.
نحن بصدد نمط رؤيوي استشراقي عملي متأخر يتعامي، وعن قصد، عن جذور الإرهاب، وعن الاعتبارات التي جعلت الإرهاب يرتقي إلى 'شبح كاسح' و'مشرعن' في نظر مجموعات بعينها. وهذا الأخير قابل لأن يفهم من وجهة نظر 'التفسير التاريخي' وليس من وجهة النظر 'التفسير الاستعلائي العدائي' الذي لا يراعي 'السياق الضاغط' فقط وإنمـّا يولـِّد فائضا من 'الكراهية الجامحة' ومن الإصرار على 'الانتقام العاجل' عبر المسامير وكل ما هو متاح من متفجـِّرات تختلط بالأحشاء والأشياء. وهذا ما تومئ إليه الرواية... وإن كانت، وفي النظر الأخير، لا توافق عليه.

يحيى بن الوليد

عبدالرحيم محمد احمد
10-09-2012, 21:57
'وشـــم وحـــيــــد'

روايـة : سـعـد الـقــرش


'وشم وحيد' رواية جديدة للروائي سعد القرش، صدرت حديثا عن الدار المصرية اللبنانية، تقع في ثلاثة وثلاثين فصلا، وهي الخامسة للقرش بعد: 'حديث الجنود' و'باب السفينة'، و'أول النهار' و'ليل أوزير'، غير مجموعتين قصصيتين هما: 'مرافئ الرحيل'، و'شجرة الخلد' وكتاب في أدب الرحلات بعنوان: 'سبع سماوات'.
في هذه الرواية الجديدة 'وشم وحيد' يرسخ سعد القرش، طريقته الهادئة والمتأنية في السرد، يحفر وراء شخصياته بدأب، ولا يتعجل الوصول إلى هدفه، حيث لا تتخفى الرواية وراء مقولات كبيرة، ولا يؤطرها رأي مسبق، ولا تحاول حتى أن تكون استعارة لواقع، أو عن واقع، يمكن تلمس تفاصيله، وردها إلى أصولها الوقائعية، أو دوافعها النفسية، فتنأى عن فخ التوثيق للشخصيات وأنماطها الحياتية، التي تكاد تكون معروفة، بل إنها ـ في الأساس ـ تأتي كرواية خبرة إنسانية، كتبت بهذه الخبرة، ولم تكتب الخبرة ذاتها، وهذا ما فرض عليها أداء جماليّا شكليّا وموضوعيّا محددا.
رواية تستسلم لصيرورة الحياة وامتداداتها، لا تتوقف أمام شخص أو حدث باعتباره مركز الكون وحده، حوله تدور الوقائع وإليه ترتد، بمفهوم الدّراما اليونانية الموروثة، دراما البطل القدري، الخالي من الشوائب، فكل شخص وكل حدث جزء من نهر كبير متدفق اسمه: الحياة.
'وشم وحيد' رواية إعادة البعث، وتجدّد الخلق، في الموت تولد الحياة، وفي قلب الحريق يلمع النور، وهي تيمة متكررة في عمل سعد القرش الروائي، تُكون القوة في أعلى ذروة لها، لحظة الضعف والإشراف على الموت، والمشهد الذي يتذكره وحيد (بطل الرواية) لأبيه يحيى وأمه لحظة حريق أوزير في بداية الرواية (ص 8) يصلح كمفتاح لاختبار هذه الآلية في الرواية ففي لحظة الحريق الذي أتى على القرية، ونجا منه يحيى وزوجته، وهما في قمة الإنهاك والإشراف على الموت، تصر الحياة على المقاومة، وتواصل المقاومة التجدد: 'هم بالبكاء وأسعفه ضعف زوجته، وهي ترتمي في حضنه، تطلب الأمان وتبكي، فتماسك وزحف إلى داخل الخص، وهي في حجره، سحب الباب وهو يرتعش من البرد، ولم تجد ما تدفئه به سوى جسدها، ضحك غير مصدق، وهو يتحسس رمحه، وهي من المفاجأة شبقت، وتأوهت لذة وتعبا في ذهول من لا يعي، حتى إذا انتهى يحيى أطلق آهته الأخيرة، ولهب الحريق يمتد إلى جلباب أبيه، ويعمي الدخان عينيه، ويسيل دمعه الصامت'.
حياة وحيد في هذه الرواية، عبارة عن رحلة طويلة تحلم بالعودة إلى المكان الأم 'أوزير' لدفن جثة الأب الذي مات في حفر القناة، رحلة البحث عن الجذور والتمسك بها، 'أوزير' هي الهدف من رحلة الحياة كلها، تشكل حلما يدنو ليبتعد، ويظل يراوغ وجدان 'وحيد'، يتكرر احتراقه، وتتكرر إعادة بنائه من جديد، ثم ما يلبث أن يحترق، وهو خلفية لكل حدث في الرواية، والغاية من كل فعل، ينساه 'وحيد' ليتذكره، ويتذكره فيأسى ويصر على الحياة ليعود إليه، وكأنه سيزيف جديد، يكاد يبلغ الحلم، ويعثر على جذوره، فيرتد خائبا، كأنها مراوحة قدرية.
في طريقه للإمساك بهذا الحلم، يصطدم وحيد بغرائب وشخصيات، تشكل ملامح رحلة حياة كاملة، حياة إنسانية، وكل شخصية يمر بها وحيد تشكل له أملا جديدا، وحياة لم يكن يتوقعها، ولا ينتظرها، درامية الحياة والشخصيات تبدو كقدر لا فكاك منه، وطاقة النور لاختراقه هي إصرار الإنسان على التمسك بالمقاومة وباستكمال الحياة، فتستمر الحياة، ويستمر الألم، ويخلق وحيد حياة جديدة في مكان جديد، حتى يصل إلى الانغماس التام فيها، ليشكل اختفاء أوزير من وجدانه، نهاية عصور قديمة، وميلاد حيوات أخرى، هذه المرة في 'مصر المحروسة' مع امرأة غريبة تتجدد بها حياة العائلة، ولا يبقى من الحلم القديم إلا أشباح تأتي في المنام أو في خيالات اليقظة، لتتداخل الأزمنة بشكل كابوسي ونقطة ارتكازها الوحيدة: الحياة تستمر وستستمر.
شخصية 'هند' إحدى محطات وحيد في الحياة، هي نقيض شخصيته، متورطة في الحياة، لا تبحث عن ماضٍ، ولا يعنيها، إنها هنا وفقط، وكما هي متورطة في الحياة، تورط وحيد فيها أكثر، إنها وحيدة واللحظة الحاضرة تعني لها كل شيء، والمستقبل مرهون بالأمان، انقطاعها عن الماضي، يجعلها شخصية أقرب إلى التجريد: 'قالت إن رجلا جاء بها إلى مصر المحروسة، اشتراها أو أخذها مقابل علايق للدواب أو بضاعة، وكان أبوها هاربا بها من منسر أو عسكر أغاروا على البلدة وقتلوا كثيرين من أهلها، ولم يستطع أبوها أن يدفن أمها، ولا يعرف لهـا قبرا، ثم مات بالطاعون في الطريق، وطرحوا جثته مع جمع من المرضى الهالكين، وأحرقت الجثث بالجير الحي في حفرة'.
تقوم لعبة السرد فيما يخص شخصية 'هند' على محوري التجريد والتجسيد، فهي مرة تشبه الملاك، أو هي الملاك المرسل إلى مسافر تفرقت به السبل، ومرة هي المرأة الجميلة، التي لا تمل المعاشرة، 'هند' حتى اسمها اختاره وحيد عفو الخاطر، لا تعرف اسمها، ولم تسمع لها اسما، سمعتهم مرة ينادونها 'أمة' أو 'أمة الله' أو 'بنت بنوت' وأحيانا 'يا بنتي' ومرة هي كل أسماء النساء، وربما كل النساء في واحدة، تمنح الحياة، وتهب الذرية، لتحافظ على سلالة العائلة، وتجعل لآدم امتدادا، وحيد لم يتورط في الحياة، إلا مع القرين 'هند'، معها يصبح هو كل 'آدم' وهي كل 'حواء'.
تتجرد شخصية هند في الرواية لتقترب من أم النساء حواء في الغواية والحض على ممارسة الحياة بقضم التفاحة المحرّمة، وتتجسد كامرأة عادية يسير النحس في ركابها، وتساءل: 'حتى الذين لم يقتربوا منها سبق إليهم الموت، فما بالك وقد انكشفت عليها يا وحيد وتعريت، ونلت منها ما لم ينله قبلك أحد'.
وتمضي الرواية في المراوحة بين عوالم كثيرة أرضية وروحية، أرضية من معالمها القهر، والموت والجثث التي تدفن تحت فحت 'القناة'، جراء استبداد 'أفندينا'، وروحية نقطة إشعاعها المرأة دائما، ويخرج السرد من منطقة إلى أخرى سلسا مطواعا هادئا، مستجيبا لتوتر الحدث، وضغط الموقف، لا عنف في السلوك أو اللغة، بل لعب واقتراب من حرارة مشاعر إنسانية تصر على إثبات حضورها في الحياة، لا قفز ولانتوء، تداخل في الأزمنة، يقترب من حد الهذيان في لحظات اليأس، عندما يفشل وحيد الآدمي ويصر على الخروج من الجنة التي تصنعها هند بحثا عن عم وثأر قديم، وجذور بدأت في مكان بعيد، ويحاول التشبث بها، لكن الحياة تفرض نفسها وتنمو وتستمر حيثما تشاء ليؤسس وحيد عائلته الجديدة في مصـر المحروسة، بعيدا عن أوزير التي تكتفي بالظهور كطيف حلم عابر، ليكمل ابنه هاشم وعروسه رحلة الإنسانية الجديدة.
يذهب سعد القرش إلى التاريخ القريب. وقت حفر قناة السويس، وموت والد الرواي بين يديه فيها، ليرصد إصرار الشخصية المصرية متمثلة في عائلة 'عمران'، لكنه يقول ذلك بالسرد وبتفاصيل الحياة ومحبتها، وخصوبة العائلة التي تتناسل فيما يشبه المعجزة بين الحرائق والخرائب، تسعد في أوقات الرخاء، وتأسى وتتمسك بالأمل دائما في لحظات الفناء، إنها الأسرة المصرية التي عجز حتى علماء الاجتماع عن الإحاطة بجذورها.

مصطفى عبادة

عبدالرحيم محمد احمد
11-09-2012, 21:40
'قــنــاديـــل مــلـــك الــجــلــيـــل'

روايـة : إبراهيم نصر الله .


تفوق إبراهيم نصرالله على نفسه في رواية متكاملة لا شيَّة فيها، استوت لغوياً وفنياً وموضوعياً. تناولت فترة ضبابية من تاريخ فلسطين وما جاورها، من خلال سيرة شخصية وطنية مجهولة عند معظم الفلسطينيين، ناهيك عن العرب الآخرين، شخصية ظاهر العمر الزيداني، التي استحوذت على مساحة واسعة من الاهتمام في عصرها، ونالت احترام الجميع وتقديرهم رغم اختلافهم وصراعهم معها.
وعلى الرغم من أنَّ الرواية ليست تاريخاً توثيقياً، إلا إنَّها تستند إلى تاريخ مؤكد، وأحداث حقيقية، وجغرافيا معروفة، وبلدات ما زالت شاهدة على ذلك، وشخوص حقيقيين في معظمهم، بل إنَّ حكاية ظاهر العمر ما زالت مصدر فخر قومه واعتزازهم حتى اللحظة، كونه شخصية استثنائية، تمردت على الظلم والطغيان والاستبداد، الذي تمارسه سلطة غاشمة حكمت باسم الدولة العثمانية، واستعبدت الناس، وحولتهم إلى أقنان يعملون لها ومن أجلها. وهي شخصية تتقاطع مع شيخ العرب همام في صعيد مصر الذي حاول بناء دولة مستقلة في الجنوب، لا تخضع لعبودية وتبعية المماليك في الشمال، وذلك قبل ظهور ظاهر العمر، وأجهضت أحلام الاثنين جرَّاء خيانة المقربين منه، فمن مأمنه يُؤتى الحذر!
رواية 'قناديل ملك الجليل' تصلح ميداناً خصباً لدراسات نقدية متعددة، من جوانب كثيرة، وبمستويات مختلفة. وستتناول هذه المقالة سمات الزعامة التي تمثلت في ظاهر العمر، وبرزت بشكل واضح ولافت في الرواية. هذه السمات التي ظهرت عليه منذ نعومة أظفاره، ولم تفارقه حتى لحظة مماته، طوال ستة وثمانين عاماً (1689م-1775م).
إنَّ السمة الأبرز لظاهر العمر تتبدى في الجانب الإنساني الذي وسم الرواية نفسها بهذا الطابع الذي فاض وشمل الإنسان والحيوان والأرض والبحر. فقد احترم وقدَّر الإنسان باعتباره إنساناً حراً لا عبداً، فرفض كل مظاهر العبودية، وبثَّ فيمن حوله قيم التحرر، وعدم القبول بالظلم والضيم، وإنْ كان المرء ضعيفاً، فقد وقف إلى جانب الضعفاء، وأكرمهم وناصرهم، ليعيشوا حياتهم كغيرهم من البشر. كما حرص على الوفاء لأهله وزوجاته وكل صاحب فضل عليه، فلم يهملهم مهما كانت الظروف، ويتحين الفرص للتواصل معهم، ومشاركة الآخرين أفراحهم ومناسباتهم. وكان يستميل من حوله بالهدايا؛ ليكسبهم إلى جانبه أو يكافئهم على أعمالهم وخدماتهم. وكان عجباً وفاؤه النادر للفرس البيضاء التي رضع من حليبها بعد وفاة أمه منذ ولادته، ورفضه حليب كل المرضعات، وبقي حريصاً على التواصل معها وإكرامها كأم حقيقية بادلته حباً بحب، وبكى عليها عندما ماتت كما يبكي الحبيب حبيبه. ومما يُلفت هذه العلاقة الوثيقة بين ظاهر والأرض التي يعيش عليها، وذلك عندما يمشي على الأرض حافياً ولمسافات طويلة أحياناً كنوع من التواصل السحري؛ يستمد منها العزم والثبات والقدرة على مواجهة الصعاب.
ونلمس في سيرة ظاهر العمر حرصه على قيم التسامح وتقبل الآخر والبعد عن التعصب، وظهر ذلك في علاقاته الطيبة مع جميع الطوائف والديانات والبلدان من مسيحيين ومتاولة وبدو وفرنسيين وروس وغيرهم ممن تعامل معهم. ولم يتردد في دعم بناء الكنائس وترميمها، واحترام مشاعر وطقوس المسيحيين، وتحالف مع المتاولة والبدو لتحقيق مشروعه الإنساني التحرري من الهيمنة والتبعية.
وحرص ظاهر العمر على إرساء قيم العدالة ورفض الظلم وإحقاق الحق حتى على المقريين منه، ومن ذلك محاسبة ابنه عثمان، ولم يقبل إلا بحكم الفتاة المظلومة التي صفحت عنه بعد أن أخذ نصيبه من العقاب. وكان يرفض أن يستغل أعوانه السلطة لتحقيق أي مآرب شخصية. ولم يتردد عن نصرة المظلوم ووقف الظالم عند حدة، ولو أدى إلى قتله مضطراً. ويحرص على أداء الواجبات قبل أخذ الحقوق.
ومن سمات الزعامة عند ظاهر العمر استشارته الثقات ومن يتوسم فيهم الخير، وخاصة أمه (مربيته) نجمة التي كان يرجع إليها في كل أموره. وكان حريصاً على توظيف أصحاب الكفاءات والتخصص كما فعل مع إبراهيم الصباغ الذي اتخذه وزيراً لقدراته المالية والاقتصادية الكبيرة، وأحمد الدنكزلي المغربي الذي عينه قائداً لجيشه لما شاهد شجاعته وفروسيته وقتاله الشرس، بعد أن كان أسيره وعدوه.
ويتبدى جلياً اهتمام ظاهر العمر بأسباب القوة والمنعة، فقد اتخذ من صديقه بشر معلماً له يعلمه فنون القتال والفروسية. واتصف بالشجاعة والجرأة دون تهور. واهتم ببث العيون في كل مكان لنقل أخبار الأعداء أينما كانوا، ووضع لهم نظاماً للاتصالات يكفل وصول المعلومة بسرعة. وكان لا يلجأ للقتال إلا إذا سُدَّت في وجهه سبل السلم والتفاهم 'ما تستطيع الحصول عليه بالسِّلم، لا تخُضْ من أجله حرباً!'(489)، يحرص على استمالة خصومه بالهدايا ليكف عنه وقومه شرهم وعدوانهم. وعمل على تحصين المدن، وتزويد جيشه بالأسلحة المتوفرة وتدريبهم وتنظيمهم، وفرض الأمن والأمان في البلدان التي تقع تحت سيطرته، ويتجلى ذلك في تلك الفتاة الجميلة التي أرسلها بعد أن ألبسها الحلي لتطوف بالجليل راجلة وحيدة، فلم يعترضها إلا اثنان الأول بسؤال: إلى أين تذهبين، والثاني سألها فأخبرته أن ظاهر العمر هو الذي أرسلها، فكان عقابهما الموت شنقاً بباب عكا، كي لا يفكر أحد أن يعكر صفو أو أمن غيره.
ومن سمات الزعامة أيضاً عند ظاهر العمر اهتمامه بالبنية التحتية لمنطقة حكمه، وتجفيف المستنقعات، والاهتمام بالزراعة وحث الناس عليها، وتأمين الطرق، وتوفير السلع للمواطنين، وكفالتهم أحياناً، وتنشيط التجارة، وبناء المدن.
وقد اتصف ظاهر العمر بمجموعة من الصفات الشخصية مثل الذكاء والفطنة والفراسة، والغيرة، والكرم، والتواضع، وثقته بنفسه، وعدم تصديق الخزعبلات والأوهام وتنبؤات القناديل والمشعوذين، فقد تنبأت له القناديل أن يكون أول اخوته موتاً، ولكنه مات آخرهم وعمَّرَ طويلاً.
الكمال لا يكون إلا لله وحده، ومقتل ظاهر العمر كان في الأساس بسبب مثالية زائدة، فلم يتخذ موقفاً حاسماً وقاطعاً ممن خانه من أولاده وناصر أعداءه عليه وخاصة علي وعثمان. وكذلك موقفه من خيانة أحد قادته أحمد الدنكزلي التي كانت محسوسة ومعروفة لديه، إلا إنه لم يتصرف إزاءه بأي شيء، وكانت نهايته على يده على الرغم أنه كان يتوقع ذلك.
سمات الزعامة كما تمثلت في ظاهر العمر، تكاد تكون مفقودة في قادة العصر، ولا وجود لزعامات حقيقية تُجمع عليها الشعوب، وإنما سلطات فرضت على شعوبها، ولم يكن لها رأي في اختيارها.
وبعد، فإنَّ 'قناديل ملك الجليل' رواية تأسيسية رائدة، وملحمة تاريخية إنسانية، نجح إبراهيم نصرالله فيها في إيصال رسالته على الرغم من شح المصادر. وهي رواية تصلح لأن تكون فيلماً سينمائياً مدهشاً، أو مسلسلاً تاريخياً رائعاً، أو كليهما.

موسى ابراهيم أبو رياش

عبدالرحيم محمد احمد
13-09-2012, 17:23
'صـــابـــون تـــــازة'

رواية : ابراهيـم الحجـري


'سيكولوجيا الجنون في الثقافة العربية الإسلامية وما يحيط به من طقوس' يأتي هذا العنوان في نهاية رواية 'صابون تازة' للكاتب إبراهيم الحجري كضوء كاشف وراحة كبرى تزيح كابوس القارئ في نفس اللحظة التي يفيق فيها الراوي من كابوسه العظيم، فيبتسم القارئ ابتسامة تصاحب ابتسامة الراوي حين يكتشف أنه لا يزال يحتفظ بعقله وأن الجنون لا يزال مجرد موضوع لمحاضرته التي سيلقيها على طلابه في الجامعة، ذلك الارتياح من شقاء الانغماس في الأجواء الرهيبة للرواية تعقبه أسئلة تلح على ذهن القارئ، هل قرأ بحثاً سيكولوجياً/سوسيولوجياً داخل رواية؟ وهل يمكن اختزال الرواية إلى سياقها البحثي؟ أو إلى فكرة واحدة هي فكرة الجنون؟ .. أما الجواب فهو أن للرواية أبعادا أخرى متعددة على الرغم من الحيز الواسع الذي يشغله الجنون في فصولها، وأن الكاتب لم ينس في أي لحظة من اللحظات أنه يكتب رواية، وأن هدفه الذي كان يضعه نصب عينيه هو ارتياد مجاهل جديدة في الجمالية وفي الرؤية على حد سواء.
لا تخفي رواية صابون تازة انتماءها المغربي، فقد أراد الحجري أن يكتب رواية مغربية مختلفة مضموناً وأسلوباً، فبدءاً من العنوان - الذي هو مستوحى من تعبير مغربي استخدمه الكاتب في روايته كدلالة على استحالة التطهر لأن ما لا ينفع معه صابون تازة لا أمل فيه البتة - يغمسنا الكاتب في أجواء بلاده، حيث تتعاطى الرواية مباشرة مع الواقع وتسير على سطح صفيحه الساخن، فتجسد مأساة المناطق الفلاحية النائية حيث لا نصيب للمرء هناك من تعليم أو ثروة أو حتى دين صحيح يعصمه من آثار جهله وفقره، فرواية 'صابون تازة' هي ساحة يعترك فيها القهر والفقر والجهل والمرض والدين المغلوط المشوه واهتزاز منظومة القيم والثقافة الضائعة وما يمكن أن يخلفه كل ذلك في نفوس بشر لن يعودوا بشرا.
أراد الكاتب لروايته أن تكون رواية تؤرخ للظلم في بلده، أن تسجل في الذاكرة ما لا يجب نسيانه أبداً حتى وإن انتهى يوماً، بدءاً من ظلم المستعمر القديم وصولاً إلى كافة أنواع الظلم اليومي بأشكاله وألوانه ونكهاته المتعددة، هكذا يظل يحرضنا على أن نتذكر مأساة الآباء من حيث القتل والنهب والجوع والتخلف والأوبئة القاتلة وظلم الخائن والمستعمر والهروب والفرار من المنبت نحو المجهول والعيش بالقهر وألم الذكرى ووجع الحنين حتى الموت، ويحرضنا أيضاً على الالتفات لمأساة الأبناء من تعطيل متعمد لقدراتهم ولحياتهم وسحق لكرامتهم، 'غير أن السيناريوهات التي حدثت لنا كادت تنسينا أننا- معشر المعطلين- ننتمي إلى فصيلة البشر، وأن الطريقة التي تعامل بها معنا المسؤولون شككتنا في كونهم من طينة من يملك الرحمة! فقد حشرونا في ركن مسدود حتى لا نختلط بعامة الناس، ولما لم تنفع معنا المناورة، وعرف محاورونا المتعددون أننا لا نروم غير الشغل، هاجمونا في البداية بصنابير الماء كي يسكتوا أصواتنا التي تلوث المدينة على حد قولهم وتفسد عليهم اجتماعاتهم، وفي الأخير لما لم ننخرط في سحرهم ركلونا مثل البغال والحمير وأشبعونا سياطاً وهراوات ورضوضاً وجروحاً وقتلى كجزاء على اجتهادنا في التحصيل والكفاح طيلة أرداح من الدهر، وها فضل من يفني زهرة عمره! كم أحتاج إلى أن أبكي وحيداً على ضفة أي نهر قاس، آه خصوصاً لما أتذكر آثار الضرب على الظهر والفخذين ومستويات كبرى من الوجه والرأس' ومسخ متعمد أيضاً لكل معنى شريف ولكل قيمة ولكل منطق، 'وبعد أن يسر الله على 'ربيعة' ونجحت مشاريعها الكبرى حجت سبع حجات، ونالت احترام أهل الدرب وأهل الحزب، وبإيعاز من الناس الذين يأكلون من تحت يديها وتعتبر ولية نعمتهم، تقدمت للانتخابات، وعقب حملة انتخابية حرقت فيها عشرات الملايين فازت ربيعة بامتياز بمقعد برلماني ونظراً لعبقريته/عبقريتها سترشح فيما بعد لحقيبة وزارية وسيلتف حوله الناس الذين رشقوه/ها بسهام سبهم وشتمهم وسيصبح اسمه سي الحاج عادل مول الدار الكبيرة، وهكذا يتأتى له/ها أن يدخل المجد من بابه الواسع. هذه المرة تتفتق العبقرية من المؤخرة وليس من العقل أو الفكر. سبحان مبدل الأحوال'، هو قتل من نوع آخر ونهب علني عام، هو تطور زمني للمأساة لا أكثر.
لذا نجد أن الواقعية العميقة قد طغت على كثير من فصول الرواية، وفرض التأمل المعمق في المأساة على الكاتب نقده اللا متساهل ووصفه القاسي للواقع والصائب في قسوته، وعلى الرغم من ذلك فلم تسيطر الواقعية على الرواية كلية، حيث يمتزج فيها بفنية متقنة كل من الحلم والأسطورة بالواقع والسخرية السياسية، كما نجد أن الكاتب يمارس حريته كيفما يشاء في السرد والشكل واللغة، فنرى تعدد الرواة وهناك أيضاً 'راوي الرواة' ونرى تدخل الراوي ومخاطبته للقراء 'لا تقلقوا: لم أنس البرنامج السردي الأساسي، ولم أنس 'كطرينة'، سأعود إليها بشغف مثل الذي حمله والدي معه إلى العالم الآخر'.
استخدم الحجري الدارجة المغربية في روايته بشجاعة من يمتلك لغته العربية جيداً ولا يفقد تحكمه فيها، فلا يخشى اتهاماً بفقر في بلاغتها أو فصاحتها، وهو لم يتخذها لغة لكتابة الرواية، ولم يقصد من استخدامها إهانة اللغة العربية كما يفعل الكثير من المعاصرين الآن، ولم يشعر القارئ بأن استخدامه للدارجة ينم عن فوضى وجهالة، بل كان متعمداً أن تكون لغة الرواية قلقة متغيرة، لذا تطالعنا الدارجة المغربية في بدايات الرواية، حيث حكاية الأب عن القرية 'الأسطورة'، تلك الحكاية التي نفت السكينة عن قلب الراوي، وأشعلت بين جوانحه نار الرغبة في المعرفة ونار الحنين إلى الأصل البعيد 'وكنت أنا آنذاك لا أفهم معنى الحنين'، الأب السارد لقصة مثل الخرافة عن قرية أسطورية تلك القرية تم تدميرها حتى لم تعد سوى أنقاض، هي البلدة الأم التي يعيشها الأب كذكرى أليمة ويعيشها الابن كوهم كابوسي، 'زهقت روحه وحكايته تؤرقه بالقدر الذي تحفز في رغبة الكشف والاستطلاع والرحيل صوب الأرض التي عشقها ومات وهو يحن إليها بجنون، مات الوالد الشيخ وفي نفسه شيء من قطرينة وضع الصخرة من على ظهره وحملني إياها وأنا مازلت صغيراً طرياً كعود الزيزفون'.
كان ممتعاً أن يضع تلك الحكاية بالدارجة، فلا تطيب كلمات الأب سوى بلهجته 'أنا حلفت باش ما نرجع لهاذيك البلاد وخا عزيزة علي، ولكن كتفكرني في القهرة والخلعة والموت والظلم وبزاف ديال المحاين... الله يرحم لي دفنوا بالقهرة' وربما كانت أشد أثراً في النفس من النص الموازي 'قررت أن لا أعود في هذا العمر لأموت حنقاً بالذكريات السود، ذكرى الأرض والرجال الذين ماتوا قهراً' الذي كتبه الحجري هامشاً بالعربية الفصيحة نظراً لصعوبة اللهجة المغربية قليلا واختلاف مفرداتها، ويوضح الحجري أنه 'في الأصل النص كتب بالعربية قبل أن يترجم من طرف المؤلف إلى اللغة العامية المغربية'.
أما عن الجنون فقد ضمت رواية 'صابون تازة' من ألوانه وصنوفه الكثير، تناول الكاتب العديد من الشخوص منطلقاً من نظرة وفكرة ورأي أعلن عنه ابتداء، 'ليس من السهل أن تعيش في بلد تحس بأن حقك فيه مهدور، وأنك لا تزن فيه قدر برغوثة، وأن أهله يكنون لك الكره، وأن الحظ يناصبك فيه العداء، كل العداء! تماماً هذا ما كان يحتدم بداخل أعماقي من أفكار وهلاوس، وفكرت مع نفسي وقلت: إن كثيراً من هؤلاء المجانين الذين يرمونهم في مزابل المارستانات ومحجات الحمقى، قد يكونون من أنجب أبناء هذا الوطن، ومن أحسن خدامه. إلا أن هناك من لا يريد أن يخدم الوطن ويظل على حاله مثل دار لقمان، لذلك تكثر خلوات الصلحاء التي تحولت من أمكنة مقدسة للعبادة إلى أماكن لرمي القمامات البشرية، يحبس فيها من أزهقت عقولهم كرهاً وقسراً'، ومن خلال حكايات الشخوص المختلفة نعيش رحلة الراوي نفسه نحو الجنون إلى أن نفيق من وهم التجربة كحقيقة لكننا لا نفيق مما ألقته في العقل والروح، 'عشت تجربة الخبل عبر الوهم. تخيلت نفسي مهبولاً وصرت رحالة أجوب أرض الوطن راجلاً بحثاً عن ملاذ وهمي، عاشرت المجانين واستمتعت بعوالمهم الغريبة، وبحثت عنهم في كل الأضرحة والمزارات، هل كنت فعلاً أحمق، لا أدري! المهم أن هذه الفترة منحتني تجربة قوية على الصمود في وجه الرياح العاتية، تجربة كانت متنفساً حقيقياً لمعاناتي الداخلية طيلة سنين. تجربة متوهمة جعلتني أتحاشى جنوناً حقيقياً وشيكاً، بعد هذه التجربة عدت قوياً بعد أن تخلصت من هشاشتي، لأواجه العالم المقيت'.
يلمس الحجري في روايته المخاوف الإنسانية لدى القارئ نحو الجنون أو نحو أي مصير مؤلم وهو إذ يصطحب القارئ وسط كل هذا الجنون لينجو فينجو معه القارئ، فتجربة الراوي تكون أشبه بتجربة موازية للقارئ تمنحه شعوراً ـ موازياً- أيضاً بالنجاة.


مروة متولي

عبدالرحيم محمد احمد
15-09-2012, 08:31
'الــعــيــن الــزجــاجــيـــة'

رواية : سـحـر مـلـص .


عن دار اليازوري صدرت للكاتبة سحر ملص رواية بعنوان العين الزجاجية وتقع في 160 صفحة، وهي الإصدار الرابع عشر من كتاباتها الأدبية فبعدما أصدرت روايتها 'إكليل الجبل' والتي تتحدث عن الانتفاضة الفلسطينية الأولى تابعت كتابتها في مجال القصة القصيرة فقد صدر لها مجموعة 'شقائق النعمان ضجعة النورس مسكن الصلصال الوجه المكتمل صحوة تحت المطر أختي السرية رحيل ودفء' وقد كتبت في ذاكرة المكان كما كتبت للأطفال .
والرواية الجديدة مهداة إلى شهداء سورية الذين رووا الأرض بدمائهم، وتدور أحداث الرواية مابين دمشق في فترة الأربعينيات ومنتصف الخمسينات من القرن الماضي، حيث الطفلة التي تعيش مع جدتها في بيت دمشقي عريق، وما تصادف من أحداث غريبة ترقبها بعين الطفلة، بعدها اضطرت أمها لتركها مع جدتها من أجل أن تتعلم في مدارس دمشق .
تتابع فيما بعد حياتها في عمان بعد ان ترجع إلى أمها وأبيها عام 1975 من خلال الأحداث التي تمر في حياتها، تكتشف حقيقة الحياة ومدى هشاشة العلاقات ما بين البشر وكيف بلحظة يفقد الإنسان كل مصادر قوته من مال أو رباط زوجي، أو صحة، أو حتى حياته، فتتحول إلى إنسانة صوفية تعيش لله فقط ..... موقنة بمقولة ابن ادهم 'الحر من خرج من الدنيا قبل أن يُخرج منها .'
وقد كتبت الرواية بلغة جميلة، وهي ترصد الحياة بعين محايدة بعدما عاشت ايقاع الحياة، فلم يبق لها سوى الحكمة، وأصبحت العين لا ترصد إلا إيقاع الروح والنفثات الصوفية. يذكر بأن الكاتبة حصلت على العديد من الجوائز الأدبية عن كتاباتها وبخاصة في مجال أدب الطفل والمرأة .

عبدالرحيم محمد احمد
17-09-2012, 23:31
'يـــتـــيــــم الـــدهـــــر '

رواية : حسونة المصباحي .



- 1لو أن ناقدا بحث عن مدخل لقراءة فاحصة لرواية حسونة المصباحي الأخيرة 'يتيم الدهر ' (جداول، بيروت، 2012)، لما وجد أفضل مما كتبه المؤلف التونسي نفسُه في نهاياتها في فقرة دالة بذاتها، بإعلانه: 'باستطاعتي أن أقول إن الرواية تنتظر هوميروسَها [هوميروس صاحب الإلياذة والأوديسة].
هذا شيء ينطبق على حال العرب اليوم، فهم لم يعودوا 'أمة الشعر ' كما كانوا يزعمون في القديم، وما يُكتب من شعر اليوم ضعيف ومبتذل في غالبه، لذا قد يكون الاعتناء بالنثر هو وحدده القادر على أن يعيد للغة العربية بهاءها ونضارتها ورونقها. ولكن هل هناك 'جاحظ' آخر للقيام بهذه المهمة؟ لا أراه لا في المشرق، ولا في المغرب'. (234). فهذه الفقرة الجازمة، وبصرف النظر عن نوعية أحكامها، تقر بعجز معين، يتعدى المُدانين كتابا وشعراء، والجنسَ شعرا ونثرا، إلى حصر أزمة يعيشها المؤلف، ويمكن اعتبار الكتابة عنده، ومنها عمله الأخير، محاولة للانتصار على عوائقها.
2ـ ذلك أن الكتابة(الأدبية) بما هي ممارسة المؤلف، والتدوين الشخصي بصددها، باعتبار المصنَّف المنشور، تتبوأ موقع الصدارة (البطولة)، فهي أداة التعبير، والمتنفس، وخطاب التعرية والفضح والتنديد والغضب، والتطهير(الكتارسيس) والرهان في آن، بها يحقق المؤلف (البطل) ذاته أو يخسر. ولعل مفردة الخسارة هي دينامو هذا الكتاب السردي الذي لابد أن يحيّر قارئه بين البدء والختام وبعدهما. تقدح زناده وهي تشحنه كلما تقدم في التكون، تغلي فصوله بالغضب والعنفوان، فتراه و هو يبني يحطم، ومن حطام ما بناه يحاول استئناف غضبه والعنفوان، وهكذا.
3ـ إن ثمة، دائما، بناءين في البناء المتكامل: واحدٌ للمعنى، وثانٍ للشكل، كما هو الشأن، ببساطة، في كل عمل أدبي، إن كان المراد هو ذا فعلا. ففي الأول، تطمح الكتابة ـ (الرواية المفترضة، إذ علينا أن نفحص دائما كيفية التكوين، وهل الجنس الأدبي يُنجَز تدريجيا، وبأدواته، أم هي فرضية اتفاقية، أو اعتباط تجنيسي، نظيرَ ما نشهد في السنوات الأخيرة، مما لا يجادل فيه الناشرون، ولا يكاد النقد يحفل به، غارقا في لجة المضمون) إلى إنجاب مولودها، بحياةٍ ومثالٍ ومعنىً، وفي الثاني بأن يأتي الإنجاب في أحسن تكوين. ولا مُعوّل على من يخالف هذا المذهب، فهو إنما يؤكده لمّا يبحث عن إبدال، وهذا من شأن تاريخ الأدب والفن عامة. ما أحسب حسونة المصباحي، وهو يخوض مغامرته الجديدة ـ فبهذا الحس يقتحم الكتابة ـ إلا من هذه الجِبِلّة، ورفض الانصياع للمألوف ديدنُه، لكنه لا يستطيع في آن الإفلات من شَرَك سؤال النوع الأدبي، وبالطبع، من تبعاته.
4ـ لذا يرى التحدي مطروحا، في الغرب والشرق، مشرقا ومغربا (أي ما يعني كتاب المغرب العربي، الذين ينتمي إليهم أصلا). من أين للرواية اليوم أن تعثر على هوميروس جديد، أي كيف تستعيد فخامة ومجد الملحمة في زمن كفّت ملحميته، علما بأن لا أحد في الغرب يريد إحياء هذا المجد، ولا إمكان للنسج على منواله، ولا أدباء العرب طموحهم تعويض الجاحظ ولا التوحيدي، وإن كانت مهمة إعادة بهاء النثر ورونقه مطلوبة، بالنظر لعرامة الإسفاف والركاكة العائمين، اللهم أن يتصدى المصباحي لهذه المهمة، أوليس 'يتيم الدهر '؟! ما نظن أن الاعتراف بالعجز مكابرة، بل هو إقرار بحالة ارتباك، بين المُواتي وصعب المنال، على الأقل بالنسبة لمن يقوده الغضب منذ تفجر عنفُه في سيرته الروائية الأولى 'الآخرون '2008) ثم الثانية 'رماد الحياة '(2009). الغضب مُواتٍ جدا، وهو متدفق في عنفوان لا يعدله إلا حجم الخسارة التي تفجره، وهو انفعال، والكتابة ضبط. تحتاج هذه إلى قالب وتطريق، والشعور يغذيها لكنها بالوعي (الفني والفكري) تنضج وتصنع معناها، قد تمثلت بنيتها كفن.
5ـ هذا هو الصراع الأدبي الذي خاضه حسونة المصباحي في 'يتيم الدهر'، ونظن أن نتيجته ستحسم في الموقع الذي تشغله كتابته بين الأنواع، بصرف النظر عن قيمتها، هل هي رواية، (Roman) روائية، أم نص هجائي، احتجاجي، صارخ ومستقتل لنصرة قيم عظيمة وفضلى ( Pamphlet) وبالتالي (Pamphl'tique) كأن لا جُناح عليه من ناحية الالتزام بمعمار الرواية ونظامها، أم سيرة ذاتية تتخفى مناورةً بين الروائي والتخيييل الذاتي، بحكم رفدها من التاريخ الشخصي الصرف لمؤلفها، وامتصاصها الممتد لعناصر متحققة من معيشه وثقافته ومزاجه، أم هي ببساطة وصريح العبارة (هجائية) كميسم عام، ونزعة، يمكنها أن تتخلل كل ضروب النوع السردي وتتلبسه على هواها، أو بالأحرى هوى صاحبها، يطلب القصاص مما لحِقه وعالمه المسحوب خلفه من خسارة، وهو عنده أعز ما يُطلب. ولا يصح القول، هذه كتابة مفتوحة، فمثل هذه الرطانة لا تنطلي على نقد يحب أن يتعامل مع نصوص تعلن تجنيسها وتحتاج أن تتحمل مسؤوليته، أو تنصرف إلى غيره، كما هي القراءة مسؤولية. وما كنا لنلح في هذا الصدد، وفي معالجات أخرى، على هذا التخصيص، لولا أن الكتاب أنفسهم يوسعون في نصوصهم الروائية حيزا فسيحا للميتا ـ خطاب، مسائلين ومتسائلين عن الأنواع وجدواها وحدودها، وكيفية التعامل معها، والحركة في مساحتها وحدودها، متشاغلين بذا عن همّ صناعة الرواية الأجدر.
6ـ أقول، ما كنا لنمعن في التوقف عند هذا التخصيص لولا أن حسونة المصباحي يتخذ من موضوعة الكتابة قضية فنية وإشكالية وجودية، ومعْبرا لاستعادة الأزمنة الغابرة بمُثلها وتراثها المخيالي الباذخ، مقابل حاضر متفسخ ومتراجع. وهو يذهب في هذا المنحى شأوا بعيدا يصل إلى المضارعة والتسفيه والإنكار، لا يكاد يُبقي ولا يذر، جاعلا، هنا حد الخطورة،
فلوبير المثال وسدرة المنتهى، يسكنه بطله الافتراضي 'يونس' الأستاذ الجامعي، المختص بالآداب الفرنسية، ومدرس نصوص فلوبير في الجامعة، ينفعل بها نثرا يكاد يبلغ عنده درجة التقديس ' وهو يعتقد أنه لا أحد من الكتاب العرب يشبه فلوبير في انشغاله المطلق بالأدب غير الجاحظ '(95) وانجذب إلى عوالمه، هو مثله الأعلى في الكتابة والخبرة بالحياة(114)،
ومدام بوفاري، التي قال عنها فلوبير 'هي أنا' صارت أناه (115)، ومثله اختار الوحدة كي يخلص للكتابة: ' منذ أن أحس أن الكتابة ستكون مصيره حتى النهاية، اختار فلوبير الوحدة مصيرا أيضا '(173). وفي كتابه 'ثلاث حكايات' عثر على ما لم يعثر عليه في جميع الكتب التي قرأ من قبل 'وأسلوب مؤلفه: 'خارق، وبلغة شاعرية مكثفة' (98). وإذن، وإذ الأمر على هذه الدرجة من الإعجاب بالمؤسس الحديث للرواية، أفلا يحق لنا مساءلة المؤلف، بالأحرى نصه، عن موقعه من التصنيف الإجناسي، ومن ثم علاقة هذا بالخطاب الفائض في كل اتجاه. بلى، ومدخلُه قصة الرواية التي سيكتشف القارئ بيسر أن خيطها الناظم ـ السيرة الناعمة، السطحية ـ لبطلها هي مجرد تعِلة، لنشر الخطاب المعني، ودفعه ليتفشّى، كما لو أنه وباء، يتصدى لأوبئة شحَذَ الكاتب قلمه لاستئصالها. فلنتعرف عليهما معا، وقد وضعنا أسس القراءة.
7ـ يدفع حسونة بقناعه 'يونس' يوم بلوغه الستين، ليستعيد وقائع حياته حتى هذا العمر، وجملة ما عاش وعرف وتعلم وخبر وخسر خاصة. وقد عاش زواجا فاشلا بعد حب، وإنجابه، وعودة لوثة الحب، ومحاولته إعطاء معنى للحياة بواسطة الكتابة، يفتح له فلوبير بابها، رغم 'أن الكتابة في هذا البلد[تونس] لعنة ومحنة ' (127)، وعكوفه على ملذات الحياة وشبقه، وشغفه بالحكايات خاصة يرويها، يفصلها، يستعيدها من غابر، يستنبتها من تاريخ، وأخيلة شعب ومروياته، من الثقافة الشعبية ومخيالها الغني، من أحداث الزمن الجسام، وما خبر به الزمنُ الرجال والنساء والدول من عظام الأمور وصغارها: 'حكايات، حكايات، تفضي إلى أخرى، والحياة نفسها حكاية، فيها يمتزج الضحك بالبكاء، والحزن بالسعادة، واليأس بالأمل، والخوف بالشجاعة، والضعف بالقوة، والمرض بالصحة، والخيانة بالحب.. وشهرزاد لا تتعب من رواية الحكايات. '(114). فعلا لا يتعب المصباحي (بطله المزعوم)، قد تقمّص دور شهرزاد وانطلق يحكي على هواه، نحتاج إلى ترتيب حكاياته من كثرتها وتصنيفها، وفي الأخير البحث عن ما ينظمها في سلك إن وُجد، وما يمكن استخلاصه منها قيما واعتبارا، وعن صلتها خاصة بحكاية بطله وسارده، المركزية، لو عُدّت كذلك.
8ـ لا نرى لزاما إنجاز هذا مُجتمِعا، حسبنا الإشارة إلى: القصص التاريخي(قيام الدول وانحطاطها وسقوطها، هي وشخصياتها:ـ تأسيس الدولة المرابطية، وقوة بأس يوسف بن تاشفين وانتقاله إلى الأندلس ليشهد تصدع دويلات ممالك الطوائف وخاصة مملكة المعتمد في إشبيلية ونقل ابن عباد أسيرا إلى أغمات جنوبي المغرب ليفني هناك هو وعائلته. ـ ظهور المهدي بن تومرت في دعواه الإصلاحية، وسيرة استيلائه على الحكم وبطشه بخصومه). ـ (مناقب الأولياء: غرس الله وكراماته، وهي حكاية طويلة، تتكون من عشر حكايات، تتبع ولادته وتنقلاته وخوارقه، الغريب العجيبة. حكاية الرجل الأزرق' وحكاية 'عائشة الشقراء'). فإذا انتهينا من هؤلاء سواء ببطولاتهم، أو كراماتهم وما يجسدونه من بطولة أو انتصار للحق أو دفع للظلم، أو زهد وتقوى، وغيرها مما يكون قد وقَر في نفوس الناس عنهم، وتبجيل للمقدس وسطوته في مواجهة العجز وبطش الحكام، سرد لنا المؤلف حكايات قريبة، هي بنت زمنه، ولصيقة ببطله، أقرب إلى التصديق، وألصق بالرواية، ومجرى الخيبة والخسران الذي تمشي فيه. وهي حكاياتٌ، بالأحرى قصصٌ، باعتبارأن الحكاية مشدودةٌ إلى الماضي، وتشكيلُها طقوسي، وتمثيليتُها رمزية استعارية، ودلالتُها فوق واقعية، ومرجعيتُها عجائبية.
بينما القصص تعرض لشخصيات تؤثت الرواية، وصحبتِ البطلَ في جزء من حياته، وتُعتبر على نحو معين، وبنسب مختلفة، بُعدا من شخصيته، وهي كذلك ذات طبيعة سيرية، لكونها تمثل امتدادا لسيرة المؤلف نفسه، مطروحة على نسق التخييل الذاتي، الذي عودتنا عليه كتابتُه، وأضحى علامة على جيل كُتاب لا تستقيم الرواية عندهم إلا على منواله، وتتنوع أضربُها وفق تشكلاته، ولذلك سيصعب تصنيف هذه المحكيات، رمزية وواقعية، وسيظل الاختلاف قائما بشأن وظيفتها، وإن كنا حسمنا أمرنا معها نعتبرها مساندة للخطاب الدَّعَوي.
9ـ هذه أهم الشخصيات الواقعية في 'يتيم الدهر': هشام، العائد من منفاه بالغرب إلى بلده تونس، حيث سيكتشف على مضض تبدل الأحوال، ويتعذر عليه التعايش، ماديا وثقافيا خاصة، وينتكس لدرجة فقدان الصواب. وهي شخصية نمطية تقريبا عند الكاتب، صدى لتجربة عودته الشخصية من اغترابه في ألمانيا ردحا من الزمن، (أنظر 'رماد الحياة'). سمير، امتداٌد وتنويعٌ على بطل الرواية وشخصية المؤلف. والأهم هو شخصية بشير، وهو شخص متحقق وموثق في الواقع، وليس لنا إلا أن نصدق كل ما يرويه المؤلف عنه، لأن كل من يعرفون الصحفي والمثقف التونسي المستنير الراحل صالح بشير، بل ولنا، لي شخصيا أن أتحقق مما ورد من معلومات عنه، لمعرفة قوية به، ولأنه ليس مطروقا بتاتا على صعيد التخييل، ليقبل التأويل عندئذ، بل يرِد شاهدا وضحية في بانوراما مأساوية وخيبة جيل بأكمله.
وربما تختصر قصة بشير مسار عديد مناضلين ومثقفين وأدباء من العالم العربي وبلدان الجنوب عامة، ممن نفوا وتشردوا وتنقلوا في الأرض فرارا من جبروت الحكام وبحثا عن الحرية ونُشدانا لعالم أفضل، حتى لو كان وهما. وحين بدأت الأنظمة تنهك سمحت لهم بالعودة لتلمّع صورتَها، فعادوا بدوْرهم منهكين، مستنزفين بالمنافي، ولم يجدوا إلا الموت خلاصا! يستعرض المؤلف مباشرة ذكريات تجمعهما، وتقول الضحية واصفة العلاقة: 'أنا وأنت من جيل الأوهام والأحلام يا صديقي، وكثيرون منا دفعوا الثمن غاليا بسبب ذلك '(206) في مدخل استعراض طويل عن حياة صالح بشير، التي نعرفها نحن زمرة أصحابه، وكان متاحا أن تشكل نواة مادة روائية بمفردها، لولا انحشارها في زحام الحكايات والقصص، وقصرها على الالتزام بصك الإدانة الشاملة ضد المرحلة التي عاشتها (البورقيبية والناصرية والقومية التي عاشتها، وما تلاها) ليتحول إلى بوق ينفخ فيه بما يشاء وكيف يشاء وهو يجتر جهرا وسرا تلك الأقوال الحسرات الكبرى لجيل هزيمة 67 وصُعُدا، هي صفحات طويلة، مريرة، شحنةُ غضب ولوعة، وقرف، وسوداوية، بل ويأس مطلق، يحوّل ما يفترض سياقا روائيا إلى حائط مبكى (انظر الصفحات من 218 إلى 222 على سبيل المثال، تنبيك بالخبر).
10ـ وفي بحر الحكايات والقصص التمثيلية والعِبَرية، وبقياس المثل العربي أن 'الشيء بالشيء يُذكر 'تظهر للكاتب، وفي سياق حملته الشعواء على الطغاة والظلَمة والمفسدين الفرصة مواتية، خاصة وهو ابن تونس التي فجرت ما سُمي ب 'الربيع العربي 'التي أطاحت بحكم رئيسها الهارب زين العابدين بن علي، ومعه حاشيته الكبرى ترأسها زوجتُه ليلى الطرابلسي، المرأة الحديدية التي حيكت حولها غرائب الحكايات، في الداخل والخارج، عن سطوتها، وتمكُّنها من قلب بعلها، وتسلط عشيرتها، ومثله مما سارت بذكره الركبان. هكذا يفرد المصباحي في يتيمته فصلا خاصا عن 'السيدة الأولى'، مَنشئها الفقير، تربيتها، بواكير جمالها، مراحل تدرجها في الغواية والإيقاع برجال الحكم في شَرَك مفاتنها، حرقها للمراحل لدى ارتباطها بمدير الأمن الداخلي الذي سيترقى وزيرا للداخلية فرئيسا للوزراء فمنقلبا على الرئيس العجوز الحبيب بورقيبة، ليحل محله في قصر قرطاج، وشجرة الدر التونسية تصبح مع الأيام هي الآمر والناهي، يعرض صاحب اليتمية الجديدة معلومات وأمثلة عن تنفذها، وهو مما كانت رائحته فائحة والشارع التونسي يتندر به، ولكن بتكتم وخفَر. أمَا وقد وقعت الواقعة، وهي الخافضة الرافعة، فقد فُتِحت الأفواه، وتدلت الألسنة المزدَرَدة أو المهادنة، وخرج الذين لبثوا في كهفهم سنين عددا إلى دائرة الضوء، وها هي الصفحات البيضاء تمتلئ بالكلمات السوداء، عن تاريخ مدلهم ، ولِمَ لا تُدلي الرواية أيضا بدلوها في بئر هذا السواد!
11ـ ورواية حسونة المصباحي تُدلي بأكثر من دلو، لكن على طريقة صاحبها، أراد لها غير ما تذهب إليه الرواية، تقليدية، وتحديثية، ومن أي طرز مجدد كان. نعم لقد افترض لها قصة شخصية مركزية، تسرد حياتها الخاصة، وأخرى متقاطعة ومتخللة بحيوات غيرها، في إطار زمان ومكان محددين وعائمين، في آن. لكن مؤلف هذه الرواية ربط بطله إلى أطروحات سابقة على تكوّنه، مبتسرة لتمثيله، ناتئة قبل حياته الروائية، التي تمتح عادة من الواقع وتتخطاه. وهو حدد مقولات وثوابت من ثقافته ومبادئه ومعتقداته شعارات معلنة من مدخل العمل لا مستنبتة منه، ولا في مكامنه، على هديها راح يسرد، بالأحرى يعرض. وبمثل هذا الموقف القبلي ما أكثر ما تُزاح الشخصية عن موقعها، وقد تبأّرت ذاتا وساردة، وأزيح السارد عن وظيفته احتلها المؤلف، الذي إما أنه يشرد فينسى أو يستخف بسارده، أو يفعل ذلك عمدا منشغلا بهمّ إرسال الخطاب(المدوّي)كالطلقات لا تكوينه، بالمحفل السردي، والتشخيص المعبر، والقول الصادر عن متلفظ يرسل ملفوظات مشترطة بهذا المحفل، تعيينا وإيحاء.
12ـ أو لا هذا ولا ذاك، إذ يكتب صاحب 'يتيم الدهر' وكأن طموحه أن يصنع يتيمة دهر جديدة ـ ولا ضرورة لتفسير العنوان، قل تسويغه له ـ . وكما جعل من التخييل الذاتي، الذي تحول في كتابة بعضٍ إلى 'حمار الرواية' نظير بحر الرجز المسمى 'حمار الشعراء'، أداة لتسريد وتصريف تاريخه الشخصي، فلمَ لا يجعل منه، أيضا، أداة ووعاء في الآن، لتفجير غضبه والتنديد بكل ما يرفضه في الحياة والمجتمع والوجود، تربية وسياسة وأخلاقا وعقيدة وشعورا بروح التمرد والدعوة إليه، لا يكفيه الاعتراف بأنه: مجرد 'مثقف مهزوم' (63). لذا قرر الكاتب حسونة المصباحي، تارة، من وراء قناع شخصيته الملفقة روائيا، وأخرى على لسان وفي مونولوغات شخوص وأسماء مرتبطة بسيرته، وطورا متفوها به، قد انتزع لنفسه الأصوات كلها، أولها صوت بطله (يونس، الذي في بطن المؤلف هنا، لا الحوت) رافعا عقيرته بالويل والثبور، صارخا برفض الذل والخنوع، منددا بالحكام العرب الطغاة، مستدعيا التاريخ وأقوال المؤرخين سَنَداً له في صكوك اتهامه، وأحيانا ترِد خُطبا عصماءَ يلقيها واعظٌ، وزعيمٌ، وبشيرٌ ونذيرٌ، وكأن القراء أمامه جمهور مستنفر في ساحة عمومية، وهو هنا يفضح الزور، ويكشف عن المستور، ويلهب الحماس للقصاص من ظلم مشين، والرواية في الساحة هي الخطبة لغتها وشكلها ومضمونها ومعناها وبُعدها كلها فيها واضحٌ للعيان ولا حاجة بعد لوسيط، أقصد الوسيط الفني، البلاغي، الأدواتي، الذي تُنجز به في المسافة الفاصلة بين تجرّع الجماهير للظلم وأوان شفاء الغليل، بين هزيمة المثقف ومسار خسارته وكيفية التعبير عن هذا الإحساس، خاصة حين يجد من يختار له الرواية، أو يتخذها مطية لهذه الغاية.
13ـ لقد أصبح لنا نحن العرب تاريخ مع هذه العلاقة والكيفية، نستحضره ضمنا في مراحله المختلفة، وكل تغييب له مضر بالصحة الفنية للأجناس الأدبية.كما أن الذاكرة الأدبية رصيد مشترك بين الكاتب والناقد والقارئ، كل يرفد منها بمقدار. ولنا في هذا الصدد تاريخ أوثق مع العلاقة والكيفية (الغربيتين)؛ تاريخ متواصل ومتسلسل بالسند الصحيح إلى سيدي حسونة المصباحي (رضي الله عنه)، في اعتداده القوي بالشيخ فلوبير حدّ التقديس الأدبي، وليسمح لنا أن نتسلم منه السند لنضيف بأن صاحب مدام بوفاري قد حوكم لا لمناهضة عمله للأخلاق البورجوازية، ولكن في العمق لأنه حرّف الأنظار بخصوص الصوت السردي، باصطناعه لتغيرات وجهة النظر (موقع السارد)، وابتداع الخطاب غير المباشر الحر، وتشغيل آلية السخرية، وكل الوسائط الأخرى التي تحول دون التعرف على الذات المتلفظة، وعلى الجواب عن سؤال 'من يتكلم؟' كما سجل ذلك بارث بحق في(S/Z)(1970، 146). وكما عرضت لذلك بتدقيق أكاديمي الباحثة جيزيل سابيرو، (la responsabilit' de l'crivain'.Seuil .2011.202) فإن فلوبير بقطعه مع العُرف الذي يريد من النص أن يكون صوت مؤلف يتحمل المسؤولية، قد حرر الرواية من وظائفها الإجتماعية، لكن مقابل الوظيفة الإستطيقية، لتصبح غاية في ذاتها، قد انتزع للرواية قانون استقلالها الذاتي، طبعا في مواجهة سلطة القانون التي غاضها ذلك جدا، ولا تقبل الشريك. وإذا كان هذا رأي لن يعجب سارتر يقينا، وسيوصم في مذهبه باللامسؤولية، فإنه في الحقيقة يشرّع، ونحن تماما في خط واحد مع سابيرو، لتعريف جديد لمسؤولية الكاتب 'هذه التي فضلا عن الطاقة المدوّية للأعمال الخصوصية، لتُسهمُ في مسلسل استقلالية الحقل الأدبي صلة بحقل الحكم' (م.س، ن)، وهذا ما جعل سانت بوف، بعد تبرئة فلوبير والمتابعين معه، يعلن بنبرة المنتصر بأن مدام بوفاري، تنتمي من الآن فصاعدا إلى الفن وحده، وليس من قوة خارج النقد الأدبي لتحاكمها، وذا ما نوّه به بودلير معتبرا الجمال هو المنتصر الأكبر في هذه القضية.
14ـ يتعلق الأمر في الأدب، بقراءته، وهذا منذ استطيقا التلقي عند فولفغانف إيزر، إلى جانب هانس ياوس، وبمسألة تأويل، ما يفترض تعدد المستويات وتفاعلها، واستبعاد انفراد أي طرف، لكن إيزر، ومع الإقرار بهذا المبدأ الأولي، يُبقي الصدارة في التلقي للتأثير، للفعل الجمالي، وهذا لأنه يشتغل في حقل الأدب، ومثله بورديو الذي يصر على 'قواعد الفن' من منظور عالم الاجتماع الذي هو موقعه كباحث، وليس مثل الرواية فنا لاختبار حضور هذا الفعل واشتغال آلياته، خاصة حين تتوفر النصوص الكفيلة بإنتاجه، والتي نحب أن نبوئها هذا المقام، نظير 'يتيم الدهر'؛ نريد منها إلى جانب تحمل كتابها وزر المسؤولية، أن تخصب المسؤولية الجمالية، ولعل هذا سبب آخر لتعلق حسونة المصباحي بفلوبير، وبالجاحظ قبله، الذي هل أبدع أحدٌ قبله في سردٍ ووصفٍ، ولأي شيء؟ للذبان فقط، لكن أيّ ذبّان!
15ـ إنما، ألسنا نبالغ في الحديث عن المسؤولية الجمالية، وفي النظرة إلى الأدب عموما، من زاوية رسوليته الفنية الباذخة؟ هذا على الأقل ما أسعفتنا به فرجينيا وولف، ونحن نبحث عن حسن الختام في قراءتنا لرواية حسونة المصباحي، لكمْ وجدنا فيها من أطباق شهية، ولذاذات وصفية، ورومانيسك منعش ومرح، حزين ومفرح، معا، وشافٍ لما في الفؤاد من غيظ، ولكن صاحبه، صاحبنا، يأبي على قلمه الاسترسال في الجو الروائي، وبمقتضى ترسيماته اللعبية، شاغله أساسا الرسالةُ الهجائية الاحتجاجية. وهو لا يعمل، كما تنبهنا ف. وولف وفق قواعد المدرسة الفرنسية والروسية في التخييل السردي، خلافا للمدرسة الروائية الإنجليزية لا تعنى بالحبكة بقدر انصرافها إلى رسم الجو، وطقس شرب الشاي في صفحات. بينما المدرسة الأولى جدية، إيمانها بالفن سابق وراسخ، ولذلك كان فلوبير يقضي أحيانا شهرا كاملا في البحث عن عبارة واحدة، ملائمة ليصف بها القرنبيط، فأي ورطة هذه يا حسّونة؟!

احمد المديني

عبدالرحيم محمد احمد
19-09-2012, 21:52
'غـــريـــب الـــنـــهـــــر'

رواية : جمـال نـاجـي


بعد رواياته ' الطريق إلى بلحارث' 1982 و 'وقت '1984 و ' مخلفات الزوابع الأخيرة ' 1984 و' الحياة على ذمة الموت ' 1993 و ' ليلة الريش ' 2004 و ' عندما تشيخ الذئاب ' 2008 تصدر للكاتب جمال ناجي رواية جديدة في بيروت بعنوان 'غريب النهر' 2012 لتؤكد رسوخ قدمه في هذا الفن الأدبي ، وتطور أدائه ، إن كان ذلك على مستوى الرؤية أو الأداة.
فالقارئ- أيا كان- لا يستطيع أن يفت من التأثير الشيق الذي تتركه فيه الحوادث المحكية بالطرائق الجديدة التي سلكها الروائي في سرده. فالمجريات المألوفة تمكن من عرضها بوصفها مفاجآت تارة، أو ألغازا غامضة تحتاج إلى ما يفسرها ويكشف عما فيها من غموض. وهذا الكشفُ بحد ذاته- له تأثيره في القارئ المتلهف لمعرفة الأكمة وما وراء الأكمة.
فابتداءً يمثل اسماعيل عبد الجبار ابو حلة لغزا.
فهو من (العباسية) التي تقع على كثب من(يافا) وهو مزارع وصاحب بيارة في الغور قريبا من الشونة الجنوبية،ولم يذكر لنا الراوي العليم من هو اسماعيل هذا (عمي اسماعين) ومن هو أبوه إلا بعد صفحات كثيرة، عندما بدا لنا الراوي العليم وكأنه قرين لأبي مصطفى فهو يتذكر ما لا يذكره ابنه اسمعين عنه وعن ممارساته في المناسبات والمواسم، وعن زوجاته الأربع: صفية، وفهمية، وزكية، وأخيرا عائشة أم إسماعيل وحمدان، وعن وقوعه في أيدي جنود الانتداب بسبب شرائه الأسلحة وتوزيعها على الثوار وإخفاء بعضها في مستودع الحصرولذا جرى اعتقاله والزج به في السجن، يذكر الراوي ذلك فيما القارئ ما يزال واجما أمام اللغز الذي استهل به الكاتب الحكاية وهو قدوم شوكت ليتضح بعد صفحات كثيرة تروى فيها حوادث فرعية أن شوكت هذا هو ابن مصطفى أبو حلة ، فمن هو هذا المصطفى؟
تتطلب الإجابة عن هذا التساؤل الرجوع بالذاكرة إلى الوراء ، وتحديدا إلى بدايات الحرب الأولى وجمال باشا وجمع المجندين بالإكراه وزجهم عنوة في أتون الحرب وكان من بين الذين جرى تجنيدهم لسوء الحظ مصطفى، ولكن الحظ تبسم له فقد أتاحت له محاسن الصدف أن يوضع تحت إمرة أمباشي هو طلعت آتاش الذي جرت له معه مفارقات عدة منها أنه أصبح بعد الحرب مرافقا لياوز آتاش والد طلعت، وأتقن التركية، وقيادة القطار، وتزوج (بنوسين ) شقيقة طلعت، وبعد أربعة عشر عاما من الانتظار رزق بتوأمين أحدهما شوكت الذي يشبه أباه كثيرا، والآخر يلماز الذي يعمل في معابر الحدود التركية.
بيد أن إسماعيل الذي ارتاب في حكاية شوكت، أول الأمر، ولم يصدق أنه ابن أخيه، الذي انقطعت أخباره منذ أمد بعيد، وظنوه ميتا وأصبحت عظامه مكاحل، لم يلحظ الشبه بين شوكت وأخيه الأكبر مصطفى، وللزمن أثره في ذلك. فكم من السنوات مرت على الفراق الذي امتد شأوه من تلك الحرب حتى منتصف تسعينات القرن الماضي( العشرين)؟ ولكن ما يصدر عن شوكت من الأسئلة يبدد هذه الشكوك، ويساعد على جلاء بعض الغموض الذي يحيط بهذا الغريب، فقد سأل عن قبر عائشة وهي جدته، وسأل عن قبر وحيد الحنش زوج نجود وهؤلاء من أفراد العائلة، ولكن الغموض لم يزل حتى مع هذه الأسئلة فثمة حقيبة صغيرة تسترعي انتباه فخرية واسمعين لأن الضيف المفاجئ هذا يتشبث بها ويكاد لا يفلتها من يده حتى وهو يغط في سباته العميق.
وثمة استطراد في حكاية غريب النهر، فشوكت هو الغريب بالنظر لأصحاب المزرعة(البيارة) أما هم فلم يعودوا غرباء على الرغم من أنهم جاءوا إلى المكان طارئين بعد عام النكبة. ولكن المكان فيما يبدو- ووفقا لمعالجة الراوي للحكاية هاجر مع من هاجر. وهذا يؤكد مبدأ إنسانيا تعززة التجارب والخبرة. فحيثما هاجر الإنسان يحاول أن يسبغ على المكان الجديد الذي يستقر فيه ملامح المكان الذي غادره. وإذا نجح في هذا أو كاد زايلته حمى الاغتراب واقتنع أو كاد يقتنع بأنه لم يعد غريبا ،وهذا ما كان لأسرة اسماعين أبو حلة. فقد باع كل شيء في سبيل أن يشتري قطعة أرض يحولها لما يشبه (عباسية) أخرى على كثب من الشونة الجنوبية. وقد ساعده على تحقيق ذلك وحيد الحنش الموظف في الزراعة قبيل أن يلقى حتفه في حادثة سير.
يرصد الراوي العليم وفقا لمبدأ الاستجابة لحوافز السرد والتحولات التي تطرأ على الأسرة بصفة عامة وعلى اسماعين بصفة خاصة العلاقة التي تنشأ سرا بين ارملة وحيد (نجود) واسماعين. وتنتهي تلك العلاقة بزواج غير مقبول من فخرية التي تشترط عليه ألا تقيما في مكان واحد. وحين تنجب له المولودة خلود تقيم فخرية الدنيا فهي تحرض أبناءها على أبيهم لأن البيارة ستفلت من أيديهم وتخشى أن يكتبها لكل من نجود وابنته خلود. يجري هذا كله فيما يشبه التقاطع بين قوسين الذي يعترض نسق تسلسل الحوادث التي تروي الحكاية الرئيسة ؛ حكاية شوكت ورزاق.
فعند قدوم رزاق، الذي يحمل جوازات سفر عدة، ينحرف اتجاه الحكاية نحو مزيد من التفاصيل التي تتعلق بعائلة (أبو حلة) فتثار على مستوى المحكي السردي مسألة شعبان وزوجنه شهلة التي تتلخص بكلمتين هما: مبذرة، وعلى الموضة. وتثار مشكلة رزاق التي تتلخص هي الأخرى بكلمتين هما: غضيب، وبلعب بالمصاري لعب. وجهاد الذي التحق بالجبهة الديمقراطية وانتهى به المطاف في رام الله بعد اتفاق أوسلو، في هذه الأثناء وقبل ثلاثة اشهر من وقوف الزائر الغريب شوكت اكتشف خطأ في أوراق رزاق عند أحد معابر الحدود التركية، وتشاء الأقدار أن يكون الموظف المسئول يلماز أوغلو شقيق شوكت أي ابن مصطفى أبو حلة الثاني. وجرى التعارف بين الاثنين، ثم تعرف شوكت ورزاق واستقى منه المعلومات عن الأسرة فقرر القدوم إلى الأردن ليمثل ظهوره أمام منزل اسماعين بداية اللغز الذي يحتاج للتفسير والإيضاح. وتتعاقب المفاجآت واحدة تلو الأخرى، معرفة شعبان بابن عمه شوكت، عودة رزاق، تحول نجود، التي وصفت في موقع ما بالعاهرة، إلى سلفية تضع النقاب وتغادر مجاهدة في سبيل الدعوة، والحقيبة الصغيرة التي كانت مثار استهجان اسماعين وفخرية يتضح أنها تحتوي أوراقا على جانب كبير من الأهمية؛ خرائط توضح موقع أحد الكنوز التي تركها الأتراك العثمانيون في اثناء انسحابهم من البلاد .
والحديث عن الدفائن والكنوز حديث يشد القارئ مثلما يشد أبطال الرواية، فعندما بسط شوكت الخريطة أمام رزاق وخلود وإسماعين وجرى الحديث عن الرموز والخطوط والأسهم انتقل هاجس الكشف عن حقيقة الدفائن من الأبطال للقارئ الذي يصبح من هاتيك اللحظة شريكا في اللعبة المحكية. وحين ينجح شوكت ومن معه في تحديد موقع الكنز ويبدأ الحفر ويتراءى لهم أن في الأمر رصدا ينتقل الإحساس برهاب الجن للقارئ نفسه، لكن المفاجأة على عادة الكاتب- تتجسد في أن الصندوق الذي جرى استخراجه من باطن الأرض لا يحتوي إلا اشياء لا قيمة لها ' سترة عسكرية تحمل رقم الأمباشي طلعت خال شوكت. وتمثالا برونزيا وآخر جيريا ونقودا قديمة تعود إلى زمن الخليفة عبد الملك بن مروان '.
وتسفر المفاجأة عن مفاجأة أخرى، تؤدي إلى تجنب الإحباط ، ففي الصندوق ورقة مطوية طيّ الحرز الثمين، وعندما بسطها شوكت تبين أن فيها خارطة أخرى ترشد من يمتلكها لدفائن ثانية وكنوز في أريحا. ولكن حلاوة المفاجأة ها هنا- تصطدم بسؤال: كيف السبيل للوصول إلى هذا الكنز؟ فالاحتلال - بلا ريب - لن يسمح لكثيرين منهم بالدخول، أو القدوم، باستثناء شوكت الذي يستطيع الحصول على تأشيرة بحكم أنه تركي، على أن شوكت ورزاق يتمكنان من السفر إلى أريحا، الأول بتأشيرة، والثاني بتصريح عن طريق أخيه جهاد الذي يعمل لدى السلطة في رام الله. وإذا تجاوزنا المفاجأة المتمثلة بقدوم (سفر) شقيقة فخرية، جابهتنا مفاجأة أخرى وهي بدلا من العثور على صندوق واحد في أريحا عثروا على صندوقين أحدهما بحجم التابوت. ووجدوا فيهما خواتم ذهبية مرصعة بأحجار من الزمرد و32 ليرة عصملية وولاعة ذات قاعدة ذهبية وساعة جيب بسلسة من الذهب و3 كشتبانات من الفضة ونفائس أخرى يصعب نقلها عبر الحدود ، وعلى الرغم من هذا كله لا تخلو جعبة الراوي العليم من المفاجآت، فقد جرى العثور على ورقة أخرى في أحد الصندوقين ترشد إلى كنز آخر ولكنه هذه المرة في العباسية على كثب من سكة حديد اللد. حفزت المفاجأة الجديدة شوكت لزيارة قريته التي تقع على مسافة غير بعيدة من يافا ليخبره سائق سيارة البيجو أن القرية دمرت عام 1948 ولم يبق منها إلا ما يراه من أطلال دارسة، وآثار باقية متداعية ،مما أعاده مرة أخرى إلى البيارة بخفي حنين.
مسالة البحث عن الكنوز، والإخفاق الملازم، مسألة توحي بدلالات رمزية، ربما قصدها الكاتب. غير أن سيال المفاجآت لا يتوقف. فقد فوجئ الجميع باستثناء شوكت أن مصطفى أبو حلة لم يمت مثلما ظنوا من زمن بعيد، وإنما ظل حيا يرزق حتى ساعة عودة شوكت من العباسية، فعندما اتصل بالهاتف مع أخيه يلماز أخبره هذا بوفاة الابن الأكبر لعبد الجبار أبو حلة ، وفي هذا لغو اضطر شوكت لتفسيره، فأبوه العاجز المقعد منذ سنين طويلة تجنب أن يكتشف أهله ما آلت إليه أوضاعه الصحية على الرغم من أنه زار لبنان في الثمانينات سائلا عن ذويه، وعن أقاربه، فظنه كثيرون عجوزا خرفا يتحدث عن حرب السفر برلك التي مضى عليها مايقارب السبعين سنة.وقد اتصلت بالمفاجأة واحدة أخرى وهي وصية مصطفى أن يدفن في العباسية، فإنْ استحال ذلك، أن يدفن في أي بقعة من فلسطين. وقد تحايل الجميع على السلطات في كل من (فلسطين المحتلة) ورام الله للسماح بدفنه وفقا للوصية دون فائدة، فاضطروا بناء على اقتراح من خلود أن يدفنوه سرا في الحافة الغربية من النهر، فكأنَّ هذا الدفن يوحي بأن الغريب الذي عناه المؤلف بالعنوان هو مصطفى أبو حلة مثلما كان الغريب في بداية الرواية هو ابنه شوكت.
والسؤال الذي يطرح نفسه، بعد هذه الوقفة الموجزة عند أبرز مفاصل هذه الحكاية، هو : أيهما أولى باهتمام الدارس، والناقد، الحكاية أم الخطاب الأدبي الذي يحيط بها مثلما يحيط السوار بالمعصم؟
كثير من الناس عندما يسألون عما أعجبهم في الرواية يشيرون إلى الحكاية. وهذا شيء طبيعي، ويتفق مع آراء كثيرة جدا ترى في الحكاية حجر الزاوية في المبنى الروائي. وأنا على العكس من ذلك، لا أرى في هذه الحكاية بالذات ما يثير الاهتمام سوى التشويق الذي يوقع القارئ تحت تأثيره وسحْره، فلا يُفلت الرواية من بين يديه إلا حين ينتهي من القراءة.وقد يشجعه هذا الأثر على إعادة القراءة من جديد دون أن يفقد النص سحره. والذي أراه هو أن الخطاب الأدبي الفني هو الأرجح في موازين النقد. فالأشخاص الين يعرفون مثل هذه الحكايات ويروونها كثيرون، وقد ظن بعضهم أنهم بذلك يستطيعون كتابة الرواية. وفاتهم أن الرواية فنٌّ، وصناعة، يحتاجان إلى ثقافة، ومهارة، لا تتوافر إلا للموهوبين، ممن صقلوا استعدادهم الفطري بالممارسة والخبرة.
وقد أوتي جمال ناجي حظا من الخبرة، وقسطا من المواهب، مكناه من تفكيك الحكاية المتخيلة، وإعادة بنائها على وفق المنظور الروائي الذي يلتبس فيه الواقع بالمتخيل، والمتخيل بالواقع، فلا يتضح الفرق بينهما إلا لمن أوتي القدرة على التذوق، والتحليل، والتمحيص. فعلى سبيل المثال قد تبدو الرواية (غريب النهر) لبعض الناس من القراء، والنقدة، على السواء، رواية تاريخية، وهذا في رأيي- ضربٌ باطل من الظن، واجتهاد غير دقيق، فالتاريخ ها هنا- يمتزج بالمتخيل السردي امتزاجا طريفا فيبدو المكون التاريخي فيها جزءا لا يتجزأ من المتخيل الحكائي. والمقاطع السردية التي تتعلق بجمال باشا وحكاية مصطفى والسفر برلك مكونات سردية تلتحم التحاما عضويا بحكاية شوكت واسماعين ورزاق وشعبان وخلود ونجود، وحتى اتفاق أوسلو، ووادي عربة، واجتياح بيروت 1982 وبما أن الخطاب الأدبي هو الذي يعنينا عندما نقرأ الرواية، فإن هذا يقودنا للحديث عن أركان لرواية وفي مقدمتها الحبكة التي هي الحجر الأساس.
وقد ذهب فورستر E.M.Forster وهو كاتب روائي بريطاني وناقد ترك لنا كتابا قيما بعنوان ' أركان الرواية ' Aspects of the Novel يزعم فيه أن الحبكة الجيدة هي التي تميز الرواية من اللارواية. فكثيرون هم من يحاولون كتابة قصص طويلة، وروايات غرامية، مأخوذين بسحر هذا الفن الرفيع، وما يتمتع به من (كاريزما) غير أن قلة منهم هي التي تحسن كتابة الرواية بحبكة جيدة. وأعتقد أن جمال ناجي في (غريب النهر) يقدم لنا مثالا نموذجيا لتلك الحبكة التي عناها فورستر بتأكيده ذاك. فقد نجح في أن يقدم حبكة صيغت على أساس التلاعب بمقادير الشخوص، وتصاريف الزمن. محققا الترابط والتوازن بين ما يحدث وما يتوقف عليه من نتائج، مراعيا بدقة تسلسل الحوافز الغامضة، والحوافز التي تزيل الغموض، مما يضع المتلقي في مناخ ديناميكي يحركه في اتجاهين متقابلينن، أحدهما يدفع به دفعا لمعرفة ما سيحدث، والآخر يدفع به في الاتجاه المقابل، وهو تذكر ما حدث، دون أن يفارق الراوي العليم حرصُه على الكشف عما تختلج به نفوس الشخصيات من هواجس، ومن ذكريات، ومن آمال عراض، أو خيبة مرة، تشفّ- بطريقة غير مباشرة- عن طبائعها: فشهلة مبذرة، وفخرية غيورة، وشعبان انتهاوزي، ورزاق عابث، واسماعين نسونجي مثلا- وما من شخصية في هذه الرواية، على كثرتها ،إلا ولها سمة تمثل مفتاحًا صغيرًا كذلك الذي يفضي بنا إلى الحصون، والقلاع، والغرف المحظورة.
فالشخصيات تتكلمُ، وتتحاور بألسنة عدة، وهذا يساند حبكة الرواية لتبدو بعيدة عن الافتعال، ومتقنة، فما الذي يدفع بالكاتب للتنويع في مستويات الخطاب اللهجي في الرواية غير التزامه بالمبدأ الذي تطرق إليه باختين في كتابه (شعرية دستويفسكي) وهو أن تكون الرواية صورة لتعدّد الأصوات، وتنوع اللغيّات. ومن هو الذي لا يذهب به الظن مذهب منْ يعتقد أن الكاتبَ، في بعض المواضع من الرواية، يستخدم لغة النساء بدقة، حتى ليرتاب في أن امراة ما ربما كتبت له تلك الفقرات، أو قامت إحداهن بتصحيحها له وإضافة المسحة الأنثوية، أوْ أن الراوي العليم يتقمص شخصية نسوية في هذا الموقع، أو ذاك ، فلا نكاد نفرق بينه وبين المرأة.
وهذا باعتقادنا مكون آخر يُضفي على الخطاب الأدبيّ في غريب النهر مصداقية فنية تمحو الفوارق بين الخيال والواقع.

ابراهيم خليل

عبدالرحيم محمد احمد
23-09-2012, 22:14
'صـــاحـــبـــة الـــدار شـــهـــرزاد'

رواية : حنان الشيخ


تبقى أعمال الروائية العربية اللبنانية حنان الشيخ مثيرة للاهتمام والجدل. ولا تختلف روايتها الاخيرة عن ذلك.
وألف ليلة وليلة لها أكثر من مؤلف واحد أو هكذا تجمع مصادر التاريخ، وهي التي أمتدّت جغرافية حكاياتها لتشمل العراق ومنطقة الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا وايران وروسيا. وتركز حنان الشيخ على بغداد حاضرة العرب وطبيعة الحياة حينذاك اقتباسا بتصرّف من الليالي، حتى أنها تجعل من خليفة بغداد هارون الرشيد وكما هو في الليالي الألف الأولى، حاضرا في الحدث ولو أن دوره هنا أمتد وأتسع.
وحكايات ألف ليلة وليلة مجموعة تقرب من المائتي قصة جاءت على ما يقرب من 1400 مقطوعة قصصية حكائية.وقد ترجم الليالي بتصرف الفرنسي أنطوان غالان المستشرق عام 1704م، وبذلك أمتد تأثيرها أدبا وفنا ليشمل العالم كلّه.
اشكالية التجنيس
وقد صدرت رواية 'صاحبة الدار شهرزاد' عن دار الآداب البيروتية عام 2012 وعلى الصفحة الأولى تقديم قصير يقول بأنها: 'صاحبة الدار وقصص أخرى..' فهل هناك مشكلة في تجنيس صاحبة الدار شهرزاد أذن؟..فالمؤلفة التي تعرّف نفسها روائية لبنانية لم تقصد رواية بل قصة وقصصا أخرى، دلالة مجموعة قصصية. ويستمر التقديم ليشير الى ان القصص 'أقتبستها حنان الشيخ بتصرف من كتاب ألف ليلة وليلة' على أن القارىء الفطن قد يستنتج أن الشيخ انما ستستمر بحكاياها وقصص شهرزادها مستقبلا وكأنها سلسلة شهرزادية روائية تناصت مع تراث خالد. وهنا لابد أن تأتي في الخاطر سلسلة روايات هاري بوتر السبع والتي سعت فيها كاتبتها المشهورة جي كي رولينغ الى أن تقتبس من الأسطورة الغرائبية مادتها لتكون على أجزاء، كان القارىء الغربي ينتظرها في منتصف الليل ليبتاع نسخته الخارجة توا من المطابع.

دلالات قصصية وتبادل في الأدوار
وتصر حنان الشيخ على أن تجعل من صاحبة الدار تعيش حكاياتها المدهشة، وتقف وجها لوجه مع الخليفة الرشيد ووزيره جعفر، في وقت لم تكن تتخيل فيه ذلك، فهي الشهرزاد شخصية القصة ومادتها وليست القاصة الحاكية فقط، في سبيل انقاذ نفسها وبنات جنسها، وانما هي الشهرزاد مع أخواتها التي تظّل تحكي في حضرة الخليفة لتصرف انتباهه عن أمر أراد بهن بعد أن أجبرهن على زواج لم يردنه.
فتنعكس الصورة الشهرزادية، فبعد أن كانت هي التي تطلب الزواج أصبحت عند الشيخ متعففّة عنه غير راغبة فيه. وليست هي الشهرزاد وحدها بل جميع أخواتها، وكأني بها حنان الشيخ تعكس وجهة نظر عن المرأة-الحواء-الشهرزاد المعاصرة، ووجهة نظرها في مقومات المجتمع المعاصر، ومن أهمها الزواج، هذه المؤسسة المركزية في العلاقات الاجتماعية.
ويبدو أن أصرار الراوية على الغوص عميقا في ألف ليلة وليلة، والتصرّف بما لذ وطاب من حكاياتها ومفارقاتها أنما هو لتحقيق فكرة وزرعها في ذهن المتلقي للسرد..والاّ فقدت الرواية المعنى. ولا أظن أن شهرزاد نفسها تريد ذلك أو تبغيه.
تقنية السرد بتصرّف!
وفي الكتاب-الرواية-المجموعة القصصية، 19 حكاية أو فصلا دون ترقيمها او ذكر عدد لياليها التي قضيت بالسهد والأرق. وقد اختلف عدد صفحات الحكايات حسب طبيعة الحدث وضرورات القص. فبدأت بشهريار وشاه زمان، والصياد والجن، والحمّال والبنات الثلاث، لتترك الدروايش الثلاثة يتبادلون النظرات بكل رعب وخوف وكأن 'تلاوة قصصهم هي بمثابة الموت نفسه' (كما استخدمت كلمة تلاوة، دلالة الأهمية القصوى لما سيحكيه الدروايش وأسلوب هذا الحكي). لتنتهي الفصول بحكايات صاحبة الدار نفسها وأخواتها، ثم ردة فعل الخليفة الرشيد الذي أصطحب معه أبو نؤاس شاعر بغداد، ليساهم في فعل الحكي والشعر وطريف المواقف. وتتفرع الحكايا والقصص فتكون دليلة المحتالة والمرأة وعشاقها الخمسة وزمرّد ونور الدين (وفيها بعض مما يأتي تحت باب علاقات الشذوذ الجنسي أو السحاق وصفا). وقصة سندباد التي تحكيها شخصية الحمّال، وهو الحاكي لأكثر من قصة واحدة خلال الكتاب، والتي تأتي على النهاية المفتوحة 'فكان أن قمت وفي ليلة واحدة بزيارة البصرة والصين والهند وبلاد الفرس، كل هذه البلاد دون الحاجة الى ركوب أية سفينة..' وهي الزيارة عبر القلم والحكايات. ولكن الثيمة كلها تتركز في الفصل الأخير حيث لكل بداية نهاية. وفي الختام غمز من قناة الخليفة وحاكمه وحاشيته واعلاء من شأن حكمة المرأة-الحواء-الشهرزاد، والتي تختار زوجها الفقير حيث 'أريد البقاء مع زوجي..' وفاء وأخلاصا في نفس الوقت الذي تظّل ترفض فيه شهرزاد وأخواتها زواجا لم يجدن أنفسهن فيه فيخترن 'خفض أبصارهن نحو الأرض، أمام الخليفة ' كأفضل طريقة يعبّرن بها عن تهربهّن من الزواج من غير أساءة أو أهانة'.
وتستعيد حنان الشيخ في كتابها (وهي التي أرادت يوما أن تمسرح شهرزاد وحكاياتها أمام الجمهور الأوربي، ورفضت أن تكون يوما ضيفة على برنامج حواري أمريكي لملكة حوارات التلفزيون الأمريكي أوبرا ونيفري)، الأجواء الساحرة لألف ليلة وليلة بنسائها ورجالها وخمرها وعبيدها وخصيانها وملوكها والجن والسندباد والخليفة والسيّاف مسرور والوزير جعفر، وغير ذلك مما يسّر القارىء ويبقيه مشدودا لشهرزاد القرن الحادي والعشرين الجديدة.
والبناء الروائي السردي جاء على شاكلة الليالي ولا غرابة. وتزين فضاء صاحبة الدار بكل الدلالات السيميائية التي فصّل فيها الباحثون عن أجواء قصص وحكايات ألف ليلة وليلة.حتى ذكرت بيسان طي مؤخرا أنها 'عدّت 12 جدولا أستبداليا عن الهوية والفرح والجمال والأسرار والأغواء والفن والشعر بشكل خاص، والمكان والعذاب والثراء والتراتب الاجتماعي في قصة واحدة فقط تلك هي الحمّال والبنات الثلاث'. (أنظر عدد مجلة نزوى الـ69 الصادر في بداية عام 2012).
ثم أن في الأصل الرمز الى عدد الليالي وعدد الحكايات مما لم تلتزم به الروائية حنان الشيخ والتي يبدو أنها استظرفت الكتابة بتصرف فوضعت كلمة أوكي الأجنبية لمرتين دلالة الموافقة في متن السرد!. وكان أن ربطت بين حكاية وأخرى ولم تجعل قصصها منفصلة سائبة دون شدّ خيوطها مع بعضها وكأنها تغزل حريرا أو قل صوفا.
على أن الرواية نجحت من خلال اقتباساتها التي جاءت بتصرّف واضح في تحقيق ما أرادت، وجذب انتباه المتلقي- القارىء الى أجواء الليالي العربية الأولى، دون أن تقصّر في أضافة المعاني الجديدة بروح معاصرة تم نسجها بذكاء في ثوب المتن السردي المحكم.
وللقارئ بعد ذلك أن يسأل لماذا العودة لشهرزاد وحكايات ألف ليلة وليلة اليوم؟ وهل كانت الليالي الأولى قد كتبت بقلم رجالي أم نسائي أيضا؟ وكم من هذا السرد الغرائبي التفصيلي يخدم هدف الكتابة في الزمن العربي الجديد؟.

عامر هشام الصفار

عبدالرحيم محمد احمد
24-09-2012, 22:31
'حـــجـــر مـــن ســـقـــر'

رواية لـ : طيبة الشريف الإدريسي


صدرت الرواية الأولى (حجر من سقر) للكاتبة السعودية طيبة الشريف الإدريسي عن دار سندباد للنشر والتوزيع بالقاهرة ايلول/ سبتمبر 2012.
وجاءت الرواية في 160 صفحة من القطع المتوسط، ولوحة الغلاف للفنان أحمد طه، وترصد الرواية أحداث ثورة الربيع العربي بداية من ثورة شعب تونس على حكم بن علي الطاغية الذي فرّ وهرب مثل الفأر المذعور، ثم ترصد الكاتبة ثورة الشعب المصري في 25 يناير 2011، وكذلك ترصد ثورة الشعب اليمني ضد الحكم الفاسد للرئيس علي عبد الله صالح، وترى الكاتبة أن رياح ثورة الربيع العربي آتية لا محالة على الكثير من الدول العربية التي لا تزال تقبض أنظمتها الديكتاتورية بيد من حديد لتقهر الشعوب العربية مثلما يحدث الآن مع الشعب العربي السوري.
وتأتي هذه الأحداث على لسان بطلة الرواية التي تتنقل بين إحدى المدن العربية في شبه الجزيرة العربية ولندن والمقارنة بين أجواء الحرية موجودة لا محالة، وشتان ما بين الحرية السليبة بالمدينة العربية التي لم تصرح بها بطلة الرواية وكل العواصم العربية تقريبًا، وهكذا نجد حرية التعبير مفقودة في كل المدن والعواصم العربية، بينما يشعر بها كل من يعيش بمدينة لندن والفروق الهائلة بين أجواء الحرية الكاملة الممنوحة له كإنسان ليتمتع بحريته كاملة دون تضييق أو اعتقالات أو الرمي بالسجون المظلمة العربية بالسنوات الطويلة دون تحقيق.
هذه الرواية صرخة مدوية في وجه الطغاة المستبدين الذين لا يزالون لا يرون شمس ثورة الربيع العربي التي أشرقت على بعض العواصم العربية، ولا يزالون يقبضون بيد من حديد على ما تبقى لهم من ملك سيزول قريبا وكأنهم يقبضون على كرات النار التي هبطت عليهم من وادي سقر بجهنم نتيجة ظلمهم للبشر.
الجدير بالذكر أن الكاتبة طيبة الشـريف الإدريسـي: تربوية... قيادية، وقد عملت بالصحافة، وتكتب القصة والمقال والدارسات الاجتماعية، وناشطة في مجالات العمل الخيري والتطوعي والاجتماعي والثقافي، ومركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، وصاحبة صالون رواق طيبة الثقافي، وشاركت في أمسيات قصصية منها مهرجان أبها، ومهرجان المدينة المنورة، ومهرجان مكة المكرمة .. وكرمت فيها جميعا، و شاركت بأمسيات شعرية منها مهرجان المدينة المنورة الأول، وشاركت بعدة ندوات بجازان والمدينة المنورة والرياض، وعضو مجلس إدارة بجمعية الإعلام والاتصال بالمدينة المنورة، ومهتمة بالتراث الشعبي وشاركت بالجنادرية (بيت المدينة المنورة) رئيسة للجنة خمس مرات، ومهرجان المدينة المنورة ثلاث سنوات، وناشطة سياسية وداعمة لثورة الربيع العربي، وقد كرمت من العديد من المؤسسات الحكومية والخاصة والتطوعية.
وصدر للكاتبة عدة أعمال أدبية منها: العض على الشفاه، مساءات الزلزال، ولم يبكها أحد، والأبنوسة.

عبدالرحيم محمد احمد
03-10-2012, 22:34
'حـــرائـــق الـــمـــائـــة عـــام '

رواية : عبدالله عدالي



تعزز المتن الروائي المغربي بعمل إبداعي وازن ومكتنز يضم 277 صفحة، صادر عن مطبعة 'ديما كراف' بالدار البيضاء، بغلاف من تصميم عبدالقادر لعرج بعنوان 'حرائق المائة عام' للكاتب المغربي عبدالله عدالي الزياني الذي قضى أزيد من 20 سنة من الاغتراب الثقافي بالديار الأمريكية والمنحدر من قرية 'أولاد زيان' بضواحي مدينة الفقيه بن صالح.
العنوان بحمولته الغرائبية يحيلنا على نص قوي شديد الكثافة، يندرج في سياق مسار زمني طويل طافح بالفواجع والعذابات والآلام والأحزان الحارقة، وحقب تاريخية تختزل الموروث الثقافي والشعبي، وما راكمته الذاكرة الجماعية عبر فترات امتزج فيها الفقر والجوع بالجهل والأمية ،والسيبة والبارود ونزاع القبائل والهجرة من القرى إلى الحواضر، واختزال التاريخ البشري في الأوبئة والمجاعات والرضوخ للمستعمر .
'حرائق المائة عام' تضم بين دفتيها ثمانية فصول ؛غنية بالشخوص والأمكنة والأحداث الدرامية والصراعات والأحلام والتطلعات والتوجسات والإحباطات؛ مثيرة فضول القراء بقالبها الفني والجمالي، وغنية بجهاز مفاهيمي اختفى من القرى والمداشرجراء التحولات السوسيولوجية .
يستحضر الكاتب براءته الطفولية، وماعاناه من قهر وعنف لفظي وسادية فظيعة على يد فقيه المسيد، وما راكمته عائلته وساكنة قريته ببني عمير من حرمان وبؤس ومواجهات دموية في زمن السيبة ،وما خلفته إكراهات الجغرافيا بمناخها العصيب البالغ القساوة ، حيث تهجم زوابع لعجاج ولهيب الصهد الخانق للأنفاس موجها لفحاته الحارقة لأجسام نحيفة تشققت أقدامها ورؤوسها واحترقت وعصفت المجاعات والأوبئة ببطونها، هاجرت عائلته مضطرة الى الدار البيضاء بحثا عن لقمة العيش. واستقرت بـ'كريان سنطرال'ـ ببراكة بئيسة ؛شغل والده حرفا هامشية في بادئ الأمر، واستطاع التخلص من القهر والجوع بسيدي مومن حين عثر على شغل بمطار أنفا وسكن في مرآب (كراج) في ضيعة (فيرمة) لدى النصراني مسيو كوكو.حيث تضاعفت مآسي السارد حين اصطدم بواقع مغاير أثناء مقارنته لأوضاع المسلمين والنصارى ،ليتبدى له الفرق الشاسع على مستوى المعيش اليومي، حيث لاقياس مع وجود الفارق ، وبعد فصل الأب من العمل اضطرت العائلة قسرا إلى الرحيل والعودة إلى مسقط الرأس بضواحي الفقيه بن صالح والإيمان بالقدر خيره وشره بعدما عاشت بسيدي مومن أياما زاهية: (...وروعة الأيام والأحلام التي خلفتها ورائي ولم أعشها قط ولم أرها قط. تبا لك يا قدري،ملعون أنت في ما فات وماهو حاضر وما هو آت..) ص56 .
الرجوع إلى مسقط الرأس حيث الأهل والأقارب والقبيلة، وتقاليد وطقوس حافظت على هويتها رغم دواير الزمان، سيرغم الأب الطفل على الذهاب للكتاب (الجامع) ليصبح فقيها يكون له شأن كبير يحضر الأعراس والمآتم ويعالج المرضى ويطرد الجن. ...كم كانت محنة الطفل قاسية وسيزيفية إلى أبعد الحدود، يستيقظ فجرا ويلبس الجلباب والبلغة ويقصد الكتاب، يتعرض يوميا للتعنيف على يد فقيه ساد بواسطة الركل والرفس 'بتيمومة' وغرز القلم القصبي في حنجرته بلا رحمة أوشفقة، وعنف رمزي تجسده نظرات الفقيه المتوحشة للطفل، ومخاطبته بضربات لسان حادة ومعجم ساقط (يا ولد المجحومة - نوض الله ينعل تاصيلت أمك زيد يا ولد الكلبة اعرض- حل فمك يا ولد الكلب)..
واعتمد السارد في عمله الروائي لغة غاية في الإنسيابية وتنوع شعريتها بين الفصيح الموحي والعامي العميق المدهش، والوصف الدقيق الذي يهندس ملامح الشخصيات ودواخلها، وذاكرتي الزمان والمكان وما يؤتثهما بجرأة فائقة وواقعية تشد أنفاس القارئ حتى يكاد ينصهر بين وقائعها في حال ما إذا كان المشترك يجسد نفس الخصوصية والهواجس والقلق الوجودي ومحاولة التخلص من الفعل النكوصي / الطفولة بمطارداتها وفصولها الدرامية .
رواية 'حرائق المائة عام' عمل إبداعي جدير بالقراءة والنقد من قبل خبراء التاريخ والسوسيولوجيا وعلماء الاقتصاد والأنتروبولوجيين بالنظر إلى ما تحفل به من حمولة بتعدد حقولها المعرفية، وما ترصده من ثقافة شعبية وتراث إنساني حول ساكنة منطقة بني عمير وتصدي بعض زعمائها للمستعمر في محاولة لثنيه للعدول عن مخطط الري الذي اعتمده المقيم الجنرال تاليك بسهول تادلة، وكيف تشكلت النواة الأولى لمدينة الفقيه بن صالح واستحضار رموز المقاومة والخونة الذين كانوا في خدمة المستعمر.
محمد باهي

عبدالرحيم محمد احمد
07-10-2012, 23:44
'أغــنــيــة لــمــارغــريـــت'

رواية : لنا عبدالرحمــن.


تتقاطع رواية لنا عبد الرحمن 'أغنية لمارغريت'، الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون 2011 مع شخصية الأديبة الفرنسية مارغريت دوراس، في شواهد كثيرة ليس أهمها ورود اسم الأخيرة على غلاف رواية لنا عبد الرحمن، وإنما في تلاقي الاثنين حول شخص واحد هو 'يان أندريان' الحبيب الأخير للكاتبة، حيث بطلة الرواية 'زينب' تُرْسِل له رسائلها من بيروت بعد وفاة مارغريت، والثانية في حُبِّها لهذا الشخص الذي أخلص لها، وأيضاً في اشتراك لنا عبد الرحمن ويان أندريان في الكتابة عن 'مارغريت دوراس' بعد موتها، هي بكتابة أجزاء من سيرتها خاصة في أيامها الأخيرة، وهو بكتابة كتاب بعد وفاتها عن علاقته بها عنوانه 'هذا هو الحب'. مع كل هذا فالتماس القوي بين بطلة الرواية زينب ومارغريت، هو شعور كلتيهما بالوحدة، ومن الإحساس بها تولَّد الإبداع .
1
لعبة التماهي والتوازي
تتوازى ثلاثة خيوط سردية داخل النص، خيطان يقوم بسردهما الراوي الغائب، والخيط الثالث يسرده الراوي الأنا. الخيطان الخاصان بالراوي الغائب أحدهما يتتبع تفاصيل الحياة الخاصة بزينب وبأسرتها وهجرتهم من بيتهم في بئر العبد الواقع في الضاحية الجنوبية هروباً من العدوان الصهيوني الغاشم، إلى بيت خالها المقيم خارج لبنان في منطقة الصنايع في بيروت، وحال هذه الأسرة منذ وفاة الأب وما سبَّبه من شعورٍ بالافتقاد حاولت تعويضه في كُلِّ مَنْ يُحيط بها ففشلت، وقد دفعها هذا الفشل لأن تبحث عنه في ذات الله، (وهو ما نقابله بتحفظ شديد)، وعلاقاتها المتشظية بجميع أفراد أسرتها (الأم، والأخوين: وسام، وسامر) وكذلك علاقاتها (المتعدِّدَة) الفاشلة في الحبِّ بحامد ابن عمتها الذي سبَّب لها جُرحاً منذ أن تخلَّى عنها وهرب إلى أمريكا (وهناك واصل حياته بالزواج والإنجاب)، ولم تندمل آلامه (الجُرْح) حتى مع تردُّدها على عيادة الدكتور رامي الطبيب النفسي، ثم علاقتها بالدكتور عبد الله أستاذها بالجامعة الذي ظفرت به دون زميلاتها، وما سبَّبه لها من إهانات نفسية بالغة، وهو يبتزُ جسدها ثم يتركها تقف أمام باب الشَّقة التي تهدمت بفعل آلة الحرب ولم تشعر إزاء حالة الانهيار التي مني بها بأي تعاطف (وإن تغيَّر موقفها عند موت أخيه)، وأخيراً مازن زميل الجامعة الذي كان حلقة الوصل بينها وبين عالم 'مارغريت دوراس'، وعشيقها الذي هامت به 'يان أندريان'. ثم موت صديقتها الصحافية ساندرا وبموتها ماتت قيم الجمال بعد وفاة والدها ومارغريت دوراس، التي كانت تمدُّها بالأمل.
ويستمر الروي بالضمير الغائب في الخيط الثاني حيث يتتبع الراوي الغائب الحياة الخاصة بمارغريت دوراس، وهي في حجرتها، وعند إحساسها بالوحدة، وتآلفها مع كائنات تشاطرها الوحدة والضياع (عصافير، حشرات، قطط، فأر صغير)، كما يحكي عن علاقتها بأبطال روايتها التي كتبتها في غرفتها، وعن علاقتها بالزمن، وكيف صنعت لنفسها زمنها الخاص الخارج عن التقسيم الأبله للأيام والأعوام. ويرصد بداية علاقتها بيان أندريان، ووجه الشَّبه بينها وبين أبطال روايتها، وأصدقائها ومناقشاتهم حول السِّياسة الجديدة لحزب العمال، ورغبتها في أن تتحرَّرَ من كل ما يُقيدِّها وأمنيتها بأن تكون متسوِّلة أو غجرية، غير مسؤولة سوى عن معيش يومها .بل يرصد لنا الموضوعات المفضَّلة لديها عند الكتابة مثل الموت الهامشي العابر، إضافة لتفاصيل دقيقة، عن الأرز بالحليب الذي تطهوه 'تارا' (صديقتها في كمبوديا) أو حكاية العاشقين أسفل منزلها أو عن تسلُّلها إلى السينما لعدم امتلاكها ثمن بطاقة الدخول، أو أسرارها الخاصة كالحديث عن الغرفة الضيقة التي تلتقي فيها العشيق، وإحساسها بالمتعة حين تذهب إلى السينما ورؤيتها للعشيق، رغم رفض الأم وعقاب الأخ، وحالات الخوف من غياب يان أندريان، فتسعى لإبعاده عنها إلا أنه يرفض، وحبّها لكل شيء يفعله: رسائله، كلماته التي يصف عبرها العلاقة مع الحياة، والحب والموسيقى، يرصد الراوي الغائب أدق التفاصيل عن حياتها كرويه عن عشيقها الأول، وتناقض مواقفه ما بين سؤاله عن التقائها برجال آخرين، ووداعته وهو يفرك جسدها بيديه أثناء الاغتسال، أو أنْ يمسحَ الدماء عنها في أوقات عادتها الشَّهرية، إلى أن يصلَ إلى آخر أيامها وضجرها من كلِّ شيءٍ ومدى تحمُّل 'يان' لها وجلوسه أسفل سريرها يكتبُ ما تُمْليه عليه، واصفاً لنا آخر مشهد في حياتها، وهي تغفو تماماً عن العالم، والحبيب يجلس غير نائم في انتظارها، لكن كان الزمن قد مرَّ، وسرقها من بين يديه، ورحلت بهدوءٍ.
حياة شبه كاملة عن مارغريت دوراس التي ستتقاطع معها زينب، في المعاناة والإحساس بالوحدة، وتعنت الأخ الكبير، وبلادة مشاعر الأم، وفي كثير من الأشياء حتى في الذاكرة والرغبة في محو تلك التفاصيل التي تُرْهِقُ الذاكرة، بل تتشابهان في ما تحدثه الحرب من ذكرى أليمة، فموت ساندرا في الحرب التموزية يتوازى مع موت الضابط الشاب الذي مات في الحرب العالمية، وهو ما سبَّب حسرةً لها، جعلها تمقت الحرب، فكتبت عن مأساة هيروشيما 'حبيبتي هيروشيما'.
2
الرسائل واستعادة الذات
أما الخيط الثالث فكان تلك الرَّسائل التي، تكتبها زينب كلَّ مساءٍ (وهي تَعْلَمُ أنَّه لن يقرأها) ليان أندريان عشيق وزوج مارغريت دوراس، وهي جميعها مروية بصيغة الأنا، ومكتوبة ببنط كتابي مميّز. والسؤال: لماذا هذه الرسائل؟ وما دلالتها؟. الرَّسائل في ظني واحدة من وسائل المقاومة التي اعتمدتها المؤلفة لبطلتها لتقاوم كافة أشكال الانهيارات التي أصابتها، وتلك الندوب التي خلَّفتها علاقات الحبِّ الفاشلة، وصور الفقد التي أخذت تترى في حياتها. فالرسائل التي تكتبها إليه كما تقول:تمدُّها 'بالقوة على المقاومة'(ص 5). جاءت الرسائل كنوعٍ من البوح للآخر، هذا الآخر الذي تتشبث به للعثور على ذاتها المتشظية بفعل عوامل كثيرة. لذا فهي تريد مثل هذا الذي أودع حياته رهينة لمارغريت، تخاطبه علَّها تبحث عن السِّر، كيف أخلص لمارغريت؟ وفي المقابل لماذا خذلها مازن، وهو الذي عرَّفها على دورا عندما أهداها فيلما مستوحى من الكتاب الذي كتبه يان عنها؟ ثم كيف وجدت دورا مع يان الصَّفاء النفسي الذي جعلها تُبدع أعمالها. لهذا تبدأ البطلة سردها بهذه الرسالة التي مطلعها هذا السؤال: 'لماذا أحبتك مارغريت دوراس وعاشت معك حتى لحظاتها الأخيرة؟ ظلَلْتَ قربها، تساعدها على الرحيل بهدوء، وظلت تحبك'. (ص 5). البحث عن جواب، ليس هو الهدف الأسمى الذي تسعى إليه البطلة بقدر ما يصبح السؤال بمثابة الخيط الذي يُحقِّقُ لها الوسيلة المشروعة للخروج مما هي فيه. وبالفعل كانت صورة يان المتجسدة على الأوراق التي تكبتها هي المتنفس لها من وقاحة هذا العالم وتلك الحرب البشعة التي قهرتها وقهرت غيرها من هؤلاء الذين تنظر إليهم من نافذتها المطلة على حديقة الصنايع، وفوق هذا الواقع القسري الذي فرضته الحرب عليها بجلوسها مع أمها في مكان واحد، رغم ما تثيره الأم لها من استفزاز لمجرد رؤيتها، وكثرة انتقادها لجسدها الرفيع، وعدم وراثتها لجمالها الأرستقراطي، ومقارنتها ببنات خالتها، علاوة على نقمتها من حالها ومن هذا القدر، والأخير لأنه حرمَها الحياة المرفَّهة بعد زواجها، وهي الحالمة بمستوى أعلى وقد نقلها إلى مستوى اجتماعي أدنى من مستواها، وجعلها تظل طول عمرها من سكان بير العبد بدلاً من أن تسكن في قلب بيروت حيث تَربَّت وَكَبُرَت، ثم ترمُّلها المبكر، وتركها مع ولدين هما وسام وسامر وابنتها زينب.فكانت الرَّسائل بمثابة الخلاص.
مضمون الرَّسائل (حيث وصل عددها حوالى إحدى وعشرين رسالة)، يؤكد هذا الظن، فالبطلة زينب كانت لديها وسيلتان للفضفضة والبوح، الأولى هي مدام تريز والدة ساندرا، فما أن تذهب إليها حتى تتحدث عن الصّور المتلاحقة في ذهنها 'عن البيت الذي تركوه، عن أبيها الذي يلوح لها مبتسماً من مكان بعيد، عن د.عبد الله الذي التقت به في الشارع منذ قليل، وعن أمها التي تتنظر عودتها لكي تحضر معها أغراض البيت، حكت عن أشياء كثيرة،،'(ص 30). إذاً فشخصية زينب تحتاج لِمَنْ يسمعها في ظل العلاقة المتوترة مع أمها التي أشبه بجدار عازل، فكان يان خاصة أنه الشخص الوحيد الذي تحمَّل زوجة هرمة وعاش معها حوالي خمسة عشرة سنة، وكان يستمتع بتلك الأفعال البسيطة التي يقوم بها لها كأن يغسل لها جسدها، ويجلس أسفل سريرها حتى تغفو؛ لذا فهو الأنسب لها في هذا الظرف القسري فتحكي له في رسائلها عن تفاصيل الحياة اليومية وعن الشعور بالفقد عن طعم الموت، ومأساتها المتجلية في البرد، ألم ترَ كيف تخاطبه: 'البرد هو مأساتي، البرد لا شيء سواه'، والبرد هو مضاد للدفء والحنان اللذين تفتقدهما منذ موت أبيها وتحكي له عن قطع الجيران لأغصان شجرة التوت. وغيرها من التفاصيل عن ذاتها وطفولتها وعلاقتها بالله وارتداء الحجاب، وعن الأشخاص (عن بنت الجيران وفاء التي تنتظر العريس، وعن نهمها للطعام، وعن أم حسن قارئة الطالع، وعن انقطاع الاتصال بها لعدم حُبِّها التكنولوجيا، وعن أبو علي الفرَّان بائع المنافيش الذي مات تحت أنقاض الفرن، وعن النَّوَر الذين يخطفون الأطفال، وعن حماقة جارتها التي انتحرت قبل عامين بسبب خيانة رجل أحمق)، وعن الأماكن، بيروت،الجميزة وعن أماكن تخدعنا بمسمياتها كأن يكتب حي ذو طابع تراثي كالحمراء،والأشرفية، وفي الحقيقة لا توجد أماكن قديمة فقد حلَّت محلها أسواق حديثة مستعيرة الطراز القديم لكنها بلا هوية، أو أسرار،وعن مزار 'مارتقلا' وعن تأجيلها السَّفر إلى زحلة بسبب سفر وسام وموت ساندرا.
ربما هذه الأشياء ليست ذات قيمة، لكن أن تصدر من شخص مأزوم يبحث عن ذاته، فهي كفيلة بإعادة الذات وتحقيق التوازن النفسي، وهو ما جعلها تعْدل عن فكرة الانتحار التي ترددت في ذهنها من قبل. نعم فكان قرار الكتابة ليان كما تقول:'سأكتب لك لأحافظ على ذاكرتي من الفقد'(ص 70) أو لأن الكتابة كما وجدت مارغريت دوراس فيها أنها ليست وسيلة لمحو الذاكرة، وإنما 'طريقة لإعادة تكوين ذاكرة جديدة في كل مرة، حذف، إضافة، هدم وبناء'(ص43).
3
الحرب وإعادة تشكيل الأشياء:
قدمت الرواية صورةً جديدةً للحرب، ليست الصورة الشائعة المتمثلة في التهجير ونقص الإمكانات وانتشار أماكن الإيواء، وأصوات القذائف ونقص الدواء، وإن كان كل هذا وارداً، فالصورة الجديدة التي قدمتها الكاتبة هي صورة أخرى فإذا كانت الحرب في أحد مفاهيمها مرادفاً للموت، وهو الموت المجاني السهل والمتحقق في الرواية بأشكال شتى: موت فعلى (موت الأب، موت الجدة، موت ساندرا، موت الفرَّان، موت جارتها، موت أخي الدكتور عبد الله)، وآخر معنوي (فقدان الحب، والشعور بالدفء، غياب عاطفة الأمومة لديها)، فإنها (أي الحرب) في الوقت ذاته تمنح الإنسان القدرة على الحياة، فزينب في لحظة من يأسها وما عانته قرَّرت الانتحار ومن ثمَّ ترددت على عيادة الطب النفسي، وما أن حلَّت الحرب، حتى منحتها الإحساس بأنها 'كائن يستحق الحياة' (ص 16). يكفي أن نعرف أن هذا الإحساس تولَّد يوم أن تجولت مع صديقتها ساندرا في حديقة الصنايع، لتقديم المساعدات للنازحين، فمن كم الطلبات وبساطتها وأيضاً الخجل في طلبها من هؤلاء النازحين (كحبوب منع الحمل، والسجائر للزوج، وأوعية للطهي) اكتشفت تفاصيل لم تكن تدركها لولا الحرب، فلقد غيرتها هذه الحرب، أو على حد تعبيرها فقد 'عرفت أنها أكثر حرية وقوة'(ص 61).ومن المعايشة لحالة الحرب، ولَّدت الحرب حالة من التحدي لها وعدم الاستسلام لإفشال الأحلام، فقررت كارمن ورجا الزواج دون تعديل موعد الزفاف، فالزواج في حدِّ ذاته حياة وكأنهما باتمام الزواج لا تأجيله يواصلان الحياة التي تكون الحرب أحد أسباب قطعها.
كما أن الحربَ جعلت زينب أكثرتمرداً على قوانين الأم، فها هي تتمرد على الذهاب إلى المدرسة وتبحث عن عمل آخر غير الذي أختارته لها الأم من قبل، وكذلك تقصُّ شعرها هذا الجزء الذي كانت الأم تحبه لغزارته وانسيابيته، وهو الشيء الوحيد الذي ورثته عنها، كما أن الحرب غيَّرت نظرتها لأمها فرأتها 'تبكي موت ساندرا، وتبكي وحدتها، وتحزن على غياب ابنها '(ص 104)، على الأكثر رأت ضعفها (دموعها)، وهي التي تُصِرُّ على ألا تُرَى ضعيفة أمامهم، تريد أن تكون أمّاً مثالية لهم، حتى أنها تُدخِّن في الليل سِرّاً، وتضع باقي السِّيجارة ورمادها في داخل علبة الثقاب الفارغة وتنسى أن تليقها بعيداً.
4
نحن مع نصٍّ يسرق لحظات فرحه، انتصاره ،حُلمه من واقع قاسٍ ليس الحرب هي السَّبب الوحيد فيه، لكنها السَّبب الأكثر إيلاماً، وكأن الكاتبة بهذه الأغنية التي تشي بقرب الموت، والأجل تتجاوز دلالتها الأليغورية إلى معناها الشائع في انتزاع البهجة والفرح، فقد استطاعت بطلتها رغم كل ما عانته أن تخلق لحظة فرحها باستعارة مباهج حياة الكاتبة مارغريت دوراس، وأن تأخذ من يان أندريان عشيق الكاتبة الوسيلة في المقاومة، وفي ذات الوقت استنباط مواطن الجمال، كما أضفت على شخصياتها القدرة على سرقة فرحها كما فعلت رجا وكارمن، أو كما كانت تخطط ساندرا وفادي. فهل لنا أن نتقبل دعوة الكاتبة ونسرق لحظات فرحنا من أحزاننا؟! ليتنا نفعل، عندئذ نتصالح مع ذاتنا ومع الآخرين، ولا حاجة لنا بالبحث عن أسئلة وجودية وضعت علامة استفهام كبيرة حول الكاتبة، لكن يبقى الطموح في تجاوزالألم وطعم الحرب.والسعى للحفاظ على الذاكرة من الفقد، من الدمار، من الخيبة، حتى لو فقدنا آخر خيوطنا بِمَنْ يمنحون الجمال! فالشجاعة إننا لا نعدم الوسيلة في العثور على مَنْ يمنحنا القدرة على كتابة الحياة، كتابة الحرب والحب! عندها نكون جعلنا الجمال قيمة لا تندثر بموت أشخاص بعينهم.

ممدوح فراج النابي

بنت الرقراق
08-10-2012, 00:15
'أغــنــيــة لــمــارغــريـــت'
رواية : لنا عبدالرحمــن.

تتقاطع رواية لنا عبد الرحمن 'أغنية لمارغريت'، الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون 2011 مع شخصية الأديبة الفرنسية مارغريت دوراس، في شواهد كثيرة ليس أهمها ورود اسم الأخيرة على غلاف رواية لنا عبد الرحمن، وإنما في تلاقي الاثنين حول شخص واحد هو 'يان أندريان' الحبيب الأخير للكاتبة، حيث بطلة الرواية 'زينب' تُرْسِل له رسائلها من بيروت بعد وفاة مارغريت، والثانية في حُبِّها لهذا الشخص الذي أخلص لها، وأيضاً في اشتراك لنا عبد الرحمن ويان أندريان في الكتابة عن 'مارغريت دوراس' بعد موتها، هي بكتابة أجزاء من سيرتها خاصة في أيامها الأخيرة، وهو بكتابة كتاب بعد وفاتها عن علاقته بها عنوانه 'هذا هو الحب'. مع كل هذا فالتماس القوي بين بطلة الرواية زينب ومارغريت، هو شعور كلتيهما بالوحدة، ومن الإحساس بها تولَّد الإبداع .
1
لعبة التماهي والتوازي
تتوازى ثلاثة خيوط سردية داخل النص، خيطان يقوم بسردهما الراوي الغائب، والخيط الثالث يسرده الراوي الأنا. الخيطان الخاصان بالراوي الغائب أحدهما يتتبع تفاصيل الحياة الخاصة بزينب وبأسرتها وهجرتهم من بيتهم في بئر العبد الواقع في الضاحية الجنوبية هروباً من العدوان الصهيوني الغاشم، إلى بيت خالها المقيم خارج لبنان في منطقة الصنايع في بيروت، وحال هذه الأسرة منذ وفاة الأب وما سبَّبه من شعورٍ بالافتقاد حاولت تعويضه في كُلِّ مَنْ يُحيط بها ففشلت، وقد دفعها هذا الفشل لأن تبحث عنه في ذات الله، (وهو ما نقابله بتحفظ شديد)، وعلاقاتها المتشظية بجميع أفراد أسرتها (الأم، والأخوين: وسام، وسامر) وكذلك علاقاتها (المتعدِّدَة) الفاشلة في الحبِّ بحامد ابن عمتها الذي سبَّب لها جُرحاً منذ أن تخلَّى عنها وهرب إلى أمريكا (وهناك واصل حياته بالزواج والإنجاب)، ولم تندمل آلامه (الجُرْح) حتى مع تردُّدها على عيادة الدكتور رامي الطبيب النفسي، ثم علاقتها بالدكتور عبد الله أستاذها بالجامعة الذي ظفرت به دون زميلاتها، وما سبَّبه لها من إهانات نفسية بالغة، وهو يبتزُ جسدها ثم يتركها تقف أمام باب الشَّقة التي تهدمت بفعل آلة الحرب ولم تشعر إزاء حالة الانهيار التي مني بها بأي تعاطف (وإن تغيَّر موقفها عند موت أخيه)، وأخيراً مازن زميل الجامعة الذي كان حلقة الوصل بينها وبين عالم 'مارغريت دوراس'، وعشيقها الذي هامت به 'يان أندريان'. ثم موت صديقتها الصحافية ساندرا وبموتها ماتت قيم الجمال بعد وفاة والدها ومارغريت دوراس، التي كانت تمدُّها بالأمل.
ويستمر الروي بالضمير الغائب في الخيط الثاني حيث يتتبع الراوي الغائب الحياة الخاصة بمارغريت دوراس، وهي في حجرتها، وعند إحساسها بالوحدة، وتآلفها مع كائنات تشاطرها الوحدة والضياع (عصافير، حشرات، قطط، فأر صغير)، كما يحكي عن علاقتها بأبطال روايتها التي كتبتها في غرفتها، وعن علاقتها بالزمن، وكيف صنعت لنفسها زمنها الخاص الخارج عن التقسيم الأبله للأيام والأعوام. ويرصد بداية علاقتها بيان أندريان، ووجه الشَّبه بينها وبين أبطال روايتها، وأصدقائها ومناقشاتهم حول السِّياسة الجديدة لحزب العمال، ورغبتها في أن تتحرَّرَ من كل ما يُقيدِّها وأمنيتها بأن تكون متسوِّلة أو غجرية، غير مسؤولة سوى عن معيش يومها .بل يرصد لنا الموضوعات المفضَّلة لديها عند الكتابة مثل الموت الهامشي العابر، إضافة لتفاصيل دقيقة، عن الأرز بالحليب الذي تطهوه 'تارا' (صديقتها في كمبوديا) أو حكاية العاشقين أسفل منزلها أو عن تسلُّلها إلى السينما لعدم امتلاكها ثمن بطاقة الدخول، أو أسرارها الخاصة كالحديث عن الغرفة الضيقة التي تلتقي فيها العشيق، وإحساسها بالمتعة حين تذهب إلى السينما ورؤيتها للعشيق، رغم رفض الأم وعقاب الأخ، وحالات الخوف من غياب يان أندريان، فتسعى لإبعاده عنها إلا أنه يرفض، وحبّها لكل شيء يفعله: رسائله، كلماته التي يصف عبرها العلاقة مع الحياة، والحب والموسيقى، يرصد الراوي الغائب أدق التفاصيل عن حياتها كرويه عن عشيقها الأول، وتناقض مواقفه ما بين سؤاله عن التقائها برجال آخرين، ووداعته وهو يفرك جسدها بيديه أثناء الاغتسال، أو أنْ يمسحَ الدماء عنها في أوقات عادتها الشَّهرية، إلى أن يصلَ إلى آخر أيامها وضجرها من كلِّ شيءٍ ومدى تحمُّل 'يان' لها وجلوسه أسفل سريرها يكتبُ ما تُمْليه عليه، واصفاً لنا آخر مشهد في حياتها، وهي تغفو تماماً عن العالم، والحبيب يجلس غير نائم في انتظارها، لكن كان الزمن قد مرَّ، وسرقها من بين يديه، ورحلت بهدوءٍ.
حياة شبه كاملة عن مارغريت دوراس التي ستتقاطع معها زينب، في المعاناة والإحساس بالوحدة، وتعنت الأخ الكبير، وبلادة مشاعر الأم، وفي كثير من الأشياء حتى في الذاكرة والرغبة في محو تلك التفاصيل التي تُرْهِقُ الذاكرة، بل تتشابهان في ما تحدثه الحرب من ذكرى أليمة، فموت ساندرا في الحرب التموزية يتوازى مع موت الضابط الشاب الذي مات في الحرب العالمية، وهو ما سبَّب حسرةً لها، جعلها تمقت الحرب، فكتبت عن مأساة هيروشيما 'حبيبتي هيروشيما'.
2
الرسائل واستعادة الذات
أما الخيط الثالث فكان تلك الرَّسائل التي، تكتبها زينب كلَّ مساءٍ (وهي تَعْلَمُ أنَّه لن يقرأها) ليان أندريان عشيق وزوج مارغريت دوراس، وهي جميعها مروية بصيغة الأنا، ومكتوبة ببنط كتابي مميّز. والسؤال: لماذا هذه الرسائل؟ وما دلالتها؟. الرَّسائل في ظني واحدة من وسائل المقاومة التي اعتمدتها المؤلفة لبطلتها لتقاوم كافة أشكال الانهيارات التي أصابتها، وتلك الندوب التي خلَّفتها علاقات الحبِّ الفاشلة، وصور الفقد التي أخذت تترى في حياتها. فالرسائل التي تكتبها إليه كما تقول:تمدُّها 'بالقوة على المقاومة'(ص 5). جاءت الرسائل كنوعٍ من البوح للآخر، هذا الآخر الذي تتشبث به للعثور على ذاتها المتشظية بفعل عوامل كثيرة. لذا فهي تريد مثل هذا الذي أودع حياته رهينة لمارغريت، تخاطبه علَّها تبحث عن السِّر، كيف أخلص لمارغريت؟ وفي المقابل لماذا خذلها مازن، وهو الذي عرَّفها على دورا عندما أهداها فيلما مستوحى من الكتاب الذي كتبه يان عنها؟ ثم كيف وجدت دورا مع يان الصَّفاء النفسي الذي جعلها تُبدع أعمالها. لهذا تبدأ البطلة سردها بهذه الرسالة التي مطلعها هذا السؤال: 'لماذا أحبتك مارغريت دوراس وعاشت معك حتى لحظاتها الأخيرة؟ ظلَلْتَ قربها، تساعدها على الرحيل بهدوء، وظلت تحبك'. (ص 5). البحث عن جواب، ليس هو الهدف الأسمى الذي تسعى إليه البطلة بقدر ما يصبح السؤال بمثابة الخيط الذي يُحقِّقُ لها الوسيلة المشروعة للخروج مما هي فيه. وبالفعل كانت صورة يان المتجسدة على الأوراق التي تكبتها هي المتنفس لها من وقاحة هذا العالم وتلك الحرب البشعة التي قهرتها وقهرت غيرها من هؤلاء الذين تنظر إليهم من نافذتها المطلة على حديقة الصنايع، وفوق هذا الواقع القسري الذي فرضته الحرب عليها بجلوسها مع أمها في مكان واحد، رغم ما تثيره الأم لها من استفزاز لمجرد رؤيتها، وكثرة انتقادها لجسدها الرفيع، وعدم وراثتها لجمالها الأرستقراطي، ومقارنتها ببنات خالتها، علاوة على نقمتها من حالها ومن هذا القدر، والأخير لأنه حرمَها الحياة المرفَّهة بعد زواجها، وهي الحالمة بمستوى أعلى وقد نقلها إلى مستوى اجتماعي أدنى من مستواها، وجعلها تظل طول عمرها من سكان بير العبد بدلاً من أن تسكن في قلب بيروت حيث تَربَّت وَكَبُرَت، ثم ترمُّلها المبكر، وتركها مع ولدين هما وسام وسامر وابنتها زينب.فكانت الرَّسائل بمثابة الخلاص.
مضمون الرَّسائل (حيث وصل عددها حوالى إحدى وعشرين رسالة)، يؤكد هذا الظن، فالبطلة زينب كانت لديها وسيلتان للفضفضة والبوح، الأولى هي مدام تريز والدة ساندرا، فما أن تذهب إليها حتى تتحدث عن الصّور المتلاحقة في ذهنها 'عن البيت الذي تركوه، عن أبيها الذي يلوح لها مبتسماً من مكان بعيد، عن د.عبد الله الذي التقت به في الشارع منذ قليل، وعن أمها التي تتنظر عودتها لكي تحضر معها أغراض البيت، حكت عن أشياء كثيرة،،'(ص 30). إذاً فشخصية زينب تحتاج لِمَنْ يسمعها في ظل العلاقة المتوترة مع أمها التي أشبه بجدار عازل، فكان يان خاصة أنه الشخص الوحيد الذي تحمَّل زوجة هرمة وعاش معها حوالي خمسة عشرة سنة، وكان يستمتع بتلك الأفعال البسيطة التي يقوم بها لها كأن يغسل لها جسدها، ويجلس أسفل سريرها حتى تغفو؛ لذا فهو الأنسب لها في هذا الظرف القسري فتحكي له في رسائلها عن تفاصيل الحياة اليومية وعن الشعور بالفقد عن طعم الموت، ومأساتها المتجلية في البرد، ألم ترَ كيف تخاطبه: 'البرد هو مأساتي، البرد لا شيء سواه'، والبرد هو مضاد للدفء والحنان اللذين تفتقدهما منذ موت أبيها وتحكي له عن قطع الجيران لأغصان شجرة التوت. وغيرها من التفاصيل عن ذاتها وطفولتها وعلاقتها بالله وارتداء الحجاب، وعن الأشخاص (عن بنت الجيران وفاء التي تنتظر العريس، وعن نهمها للطعام، وعن أم حسن قارئة الطالع، وعن انقطاع الاتصال بها لعدم حُبِّها التكنولوجيا، وعن أبو علي الفرَّان بائع المنافيش الذي مات تحت أنقاض الفرن، وعن النَّوَر الذين يخطفون الأطفال، وعن حماقة جارتها التي انتحرت قبل عامين بسبب خيانة رجل أحمق)، وعن الأماكن، بيروت،الجميزة وعن أماكن تخدعنا بمسمياتها كأن يكتب حي ذو طابع تراثي كالحمراء،والأشرفية، وفي الحقيقة لا توجد أماكن قديمة فقد حلَّت محلها أسواق حديثة مستعيرة الطراز القديم لكنها بلا هوية، أو أسرار،وعن مزار 'مارتقلا' وعن تأجيلها السَّفر إلى زحلة بسبب سفر وسام وموت ساندرا.
ربما هذه الأشياء ليست ذات قيمة، لكن أن تصدر من شخص مأزوم يبحث عن ذاته، فهي كفيلة بإعادة الذات وتحقيق التوازن النفسي، وهو ما جعلها تعْدل عن فكرة الانتحار التي ترددت في ذهنها من قبل. نعم فكان قرار الكتابة ليان كما تقول:'سأكتب لك لأحافظ على ذاكرتي من الفقد'(ص 70) أو لأن الكتابة كما وجدت مارغريت دوراس فيها أنها ليست وسيلة لمحو الذاكرة، وإنما 'طريقة لإعادة تكوين ذاكرة جديدة في كل مرة، حذف، إضافة، هدم وبناء'(ص43).
3
الحرب وإعادة تشكيل الأشياء:
قدمت الرواية صورةً جديدةً للحرب، ليست الصورة الشائعة المتمثلة في التهجير ونقص الإمكانات وانتشار أماكن الإيواء، وأصوات القذائف ونقص الدواء، وإن كان كل هذا وارداً، فالصورة الجديدة التي قدمتها الكاتبة هي صورة أخرى فإذا كانت الحرب في أحد مفاهيمها مرادفاً للموت، وهو الموت المجاني السهل والمتحقق في الرواية بأشكال شتى: موت فعلى (موت الأب، موت الجدة، موت ساندرا، موت الفرَّان، موت جارتها، موت أخي الدكتور عبد الله)، وآخر معنوي (فقدان الحب، والشعور بالدفء، غياب عاطفة الأمومة لديها)، فإنها (أي الحرب) في الوقت ذاته تمنح الإنسان القدرة على الحياة، فزينب في لحظة من يأسها وما عانته قرَّرت الانتحار ومن ثمَّ ترددت على عيادة الطب النفسي، وما أن حلَّت الحرب، حتى منحتها الإحساس بأنها 'كائن يستحق الحياة' (ص 16). يكفي أن نعرف أن هذا الإحساس تولَّد يوم أن تجولت مع صديقتها ساندرا في حديقة الصنايع، لتقديم المساعدات للنازحين، فمن كم الطلبات وبساطتها وأيضاً الخجل في طلبها من هؤلاء النازحين (كحبوب منع الحمل، والسجائر للزوج، وأوعية للطهي) اكتشفت تفاصيل لم تكن تدركها لولا الحرب، فلقد غيرتها هذه الحرب، أو على حد تعبيرها فقد 'عرفت أنها أكثر حرية وقوة'(ص 61).ومن المعايشة لحالة الحرب، ولَّدت الحرب حالة من التحدي لها وعدم الاستسلام لإفشال الأحلام، فقررت كارمن ورجا الزواج دون تعديل موعد الزفاف، فالزواج في حدِّ ذاته حياة وكأنهما باتمام الزواج لا تأجيله يواصلان الحياة التي تكون الحرب أحد أسباب قطعها.
كما أن الحربَ جعلت زينب أكثرتمرداً على قوانين الأم، فها هي تتمرد على الذهاب إلى المدرسة وتبحث عن عمل آخر غير الذي أختارته لها الأم من قبل، وكذلك تقصُّ شعرها هذا الجزء الذي كانت الأم تحبه لغزارته وانسيابيته، وهو الشيء الوحيد الذي ورثته عنها، كما أن الحرب غيَّرت نظرتها لأمها فرأتها 'تبكي موت ساندرا، وتبكي وحدتها، وتحزن على غياب ابنها '(ص 104)، على الأكثر رأت ضعفها (دموعها)، وهي التي تُصِرُّ على ألا تُرَى ضعيفة أمامهم، تريد أن تكون أمّاً مثالية لهم، حتى أنها تُدخِّن في الليل سِرّاً، وتضع باقي السِّيجارة ورمادها في داخل علبة الثقاب الفارغة وتنسى أن تليقها بعيداً.
4
نحن مع نصٍّ يسرق لحظات فرحه، انتصاره ،حُلمه من واقع قاسٍ ليس الحرب هي السَّبب الوحيد فيه، لكنها السَّبب الأكثر إيلاماً، وكأن الكاتبة بهذه الأغنية التي تشي بقرب الموت، والأجل تتجاوز دلالتها الأليغورية إلى معناها الشائع في انتزاع البهجة والفرح، فقد استطاعت بطلتها رغم كل ما عانته أن تخلق لحظة فرحها باستعارة مباهج حياة الكاتبة مارغريت دوراس، وأن تأخذ من يان أندريان عشيق الكاتبة الوسيلة في المقاومة، وفي ذات الوقت استنباط مواطن الجمال، كما أضفت على شخصياتها القدرة على سرقة فرحها كما فعلت رجا وكارمن، أو كما كانت تخطط ساندرا وفادي. فهل لنا أن نتقبل دعوة الكاتبة ونسرق لحظات فرحنا من أحزاننا؟! ليتنا نفعل، عندئذ نتصالح مع ذاتنا ومع الآخرين، ولا حاجة لنا بالبحث عن أسئلة وجودية وضعت علامة استفهام كبيرة حول الكاتبة، لكن يبقى الطموح في تجاوزالألم وطعم الحرب.والسعى للحفاظ على الذاكرة من الفقد، من الدمار، من الخيبة، حتى لو فقدنا آخر خيوطنا بِمَنْ يمنحون الجمال! فالشجاعة إننا لا نعدم الوسيلة في العثور على مَنْ يمنحنا القدرة على كتابة الحياة، كتابة الحرب والحب! عندها نكون جعلنا الجمال قيمة لا تندثر بموت أشخاص بعينهم.
ممدوح فراج النابي
بارك الله فيك أخي الكريم.......شكرا على التقاسم,

http://www.majaless.com/up/get-6-2010-f2dypnpv.gif

عبدالرحيم محمد احمد
09-10-2012, 22:42
'ســونــاتــا لأشــبــاح الــقـــدس'

زواية : واسيني الأعـرج .


منذ العنوان 'سوناتا لأشباح القدس' يرمينا الكاتب في قلب الحكاية، منذ هذه العتبة الأولى الخطيرة يعقد النص شرطه القرائي الأوّل كون الرّواية نغما قدسيّا، سوناتا تتعقّب ذاكرة القدس، منذ العنوان تدهمنا القدس فنلج عوالم الرواية محمّلين بالاسم، مستعدّين استعدادا نفسانيّا سياسيّا ــ نحن القرّاء العرب على الأقلّ ــ لقصّة من قصص القدس، لحكاية من حكاياتها التي لا تنتهي، لنغمة في مقام قدسيّ يمكننا أو علينا أن نضيفه إلى سلّم مقاماتنا الشرقية نعزفه بلا توقّف حتى لا ننسى القدس ولا نواصل خذلانها ولا نغفر لأعدائها، هكذا يقول العنوان أو هكذا يريد أن يقول واسيني الأعرج وهو يضع القدس بوّابة رئيسية لروايته هذه.
منذ العنوان تعلن الرواية عن خصيصتها البنويّة الكبرى كونها مزيجا متلوّنا من الفنون قبض العنوان على فنّين منها هما الموسيقى (سوناتا) والحكاية (أشباح القدس) وانبنى المتن على دوائر من الألوان واللوحات والريشات وأسماء المعارض ليكون فنّ الرّسم هو الفنّ الرّئيس الذي حاورته سياقات السّرد، وانبنت عليه وانعقدت عليه كثير من أسرار الكتابة كما ارتآها واسيني الأعرج، فهو من اختار أن تكون 'بطلته' الرّوائية 'مي' رسّامة، واختار أن تكون شخصيته الرئيسية الثانية 'يوبا' موسيقيّا. اختار الكاتب أن تنبني الرواية على عوالم الفنّ، أن تكتب بالألوان وخفايا تركيبها وأسرار مزجها وإعادة بعثها على رأس الفرشاة أو رؤوس أصابع 'مي' محمّلة بآلامها وأشباحها وروائح قدسها الضائعة، وأن تكتب بولادة النغم الضائع الـ'السوناتا' التي تتكوّن في قلب يوبا شيئا فشيئا، نغمة نغمة، علامة علامة خلال الرّحلة الرّوائية المضنية اللذيذة كتابةً وقراءة. فنّ الرسم وفنّ الموسيقى هما مادّتا الرواية ونسجها الدّاخلي المميّز ولكنّ سيّدة الفنون في الرواية هي الكتابة، هي الحكاية، هي صهر الفنون الأخرى على قيمتها في فنّ الحكي الكتابي أو فنّ الرّواية.
تتكوّن المقامات السردية وتتحرّك من خلال الشخصيتين الرّئيسيتين، 'يوبا' الابن و'مي' الأمّ، وعليهما يعوّل الكاتب في بناء خطّته السردية واستدراج القارئ إلى الانخراط في مسالكها المتشعّبة.
يوبا، يبحث عن استكمال 'سوناتا' لآلام أمّه 'مي' وآلامه، يعطيه موت الأمّ واكتشاف أسرارها الباقية وراءها دفعا وجدانيّا وروحيّا لاستكمال لحنه الهارب، 'سوناتاه' التي تتكوّن وتتراكم تنغيماتها عبر استذكار آلام 'مي' وهزّاتها العنيفة، ذكرياتها وحاضرها الغارق في الموت. ويوبا يفتتح الرواية ويغلقها مهموما بالسّوناتا بدءا ومنتهى، تصيّدا وتركيبا، حلما وتحقّق حلم، يلقط نغماته ويراكمها في انتظار العزف الأخير من خلال علاقته بـ'مي'، الأمّ والذّاكرة والحبيبة والملهمة، الأصل والانتماء والكونيّة الشاملة، الأمّ الفلسطينية الأمريكية الأندلسية البربرية تعطي 'يوبا' من أب ألماني، وتبعثه 'إنسانا' مثقلا بروائح الشرق والغرب يبحث عن أناه المتشظّية في السّوناتا التي تكتمل عزفا ونجاحا باكتمال الرواية في نوع من النهايات الكلاسيكية 'السعيدة' أو المبشّرة بإنسان كونيّ يقف في وجه التحجّر والانغلاق وأغاني 'الهويّة' الشّوفينية الممجوجة، المشرّعة للقتل والتّقاتل! ويوبا هذا أمره غريب في الرّواية، كم لاعبه واسيني الأعرج ولاعبنا به! في ظلّ شخصية 'مي' يتحرّك، في صورة مثالية للابن البارّ الذي يعيش في علاقة نموذجية بأمّه، لا تنال منه غير الإعجاب والانبهار والطاعة المطلقة، لا يعرف 'يوبا' إلاّ ما تعرف 'مي' ولا ينجز إلاّ ما تتوقّع منه أو تطلب، حتى بعد موتها. بـ'وصايا أمّي' وُسم الفصل الأوّل من الرواية حيث يأخذنا الكاتب إلى لحظة تنفيذ وصيّة 'مي' فينثر 'يوبا' بعضا من رمادها في مياه نهر الأردن مردّدا كما تقول الوصيّة: 'يا نهر الأردن، يا صرخة الأنبياء المكتومة، الباحثين عن مأوى لهم في تدفّقك الأبدي، لقد جئتك بألمي وذاكرتي متحدّية كل الفواصل والحدود، فخفّف من وطأة الحرائق التي تأكلني وتأكل كلّ من اشتهى هذه الأرض فأحبّها حتى أحرقته كما تحرق الفراشات النبيلة' (ص 10)، وبعضه في حواري القدس 'كنت أبعثر رماد أمّي المعجون بنوار البنفسج البرّي، كمن يزرع حقلا ميتا بسماد الروح، من حيّ المغاربة الذي أصبح امتدادا للحيّ اليهودي، حتى مقام سيدي بومدين لمغيث' (ص 11)، وبعضه باسم 'يوسف' حبيب الطفولة وذكرى الحبّ الأوّل والقدس ملك اليد: 'وأنت يا يوسف، حبيبي الصغير وروحي المجنونة، إذا كنت من سكّان هذه المدينة الصامتة، التفت نحو شجرتنا الأولى، الزّيتونة القديمة المليئة بالحكايات والرّسومات' (ص 13)، ويحفظ باقي رماد 'مي' في جرّة رخامية وضعها يوبا عند رأس جدّته 'ميرا' أمّ 'مي' وقرأ الوصيّة: 'ألبسيني يا ميرا، يا يمّا، ودثّريني برحمك التي لم يجفّ ماؤه' (ص 13). ورغم هذه التبعية الظاهرة التي وضعت فيها شخصية 'يوبا' للشخصية المركزية في الرواية 'مي' فإنّ الكاتب يخرجه في منعرج مهمّ من المنعرجات الأخيرة في الرّواية من تلك التبعيّة، ويهبه طاقة من الاستقلالية والتحرّر من شخصية 'مي' حين يضع بين يديه أسرارا لم تتمكّن 'مي' من فكّها اختيارا أو خوفا أو هروبا، منها ما يحتفظ به يوبا لنفسه ومنها ما يشارك فيه القارئ (الفصل الثالث: سوناتا الغياب) متجاوزا بذلك الشخصية الرّئيسية أو الشخصية الأمّ في نوع من ردّ الاعتبار الفني لشخصية يوبا 'الرّجل' أمام شخصية مي 'المرأة'، هكذا أراد واسيني الأعرج في نهاية الرواية. لقد فتح أفقا سرديّا على مشارف النهاية صعد فيه يوبا إلى سدّة الحكاية وتراجعت 'مي' إلى الصفّ الثاني..
مي: مركز الرواية ودائرتها، لهيبها السّردي ورمادها الباقي في فم القارئ.. 'مي' ابنة القدس، تخرج من مدينة الله قسرا سنة 1948 في اتّجاه أمريكا وعمرها ثماني سنوات، وهنالك تحطّ رحال العمر بمجموعة من الآلام والخيبات والصّدمات والكدمات تؤثّث العوالم السردية وتجعل من 'مي' بطلة تراجيدية، تسقط كما الأبطال الكبار وعينها في عين الموت، تواجهه قدر ما يسمح به الجسد المتآكل بسرطان الرّئة، تسقط ولكنّها تترك من ورائها عالما خالدا من الألوان والكلمات، ترسم 'مي' حياتها وذكرياتها المقدسيّة وتكتبها وهي داخل الموت، تنقش في ذاكرة الزمن قصّتها مع القدس ومع نيويورك، للقدس الطّفولة والألوان والفراشات والعائلة ويوسف، ولنيويورك المنفى والغربة والشباب والحب و'يوبا'، ابنها من كونراد الألماني، المجنون بآثار الشرق وأسراره.
وقد طبعت شخصية 'الرسّامة' الخطاب الرّوائي بطابع مخصوص، وأثّرت تأثيرا واضحا في سياسة الكتابة التي اعتمدها واسيني الأعرج، إذ تبدو الرّواية وكأنّها مكتوبة بالرّيشة، لطخات سرديّة أوّليّة على لوحة الرّواية أو قماشة السّرد البيضاء الواسعة ثم العودة إلى تلك اللطخات بالتّوسعة والتّلوين والتقاط التفاصيل، هذه هي العلاقة الجمالية القائمة بين فصول الرّواية وسياقاتها الدّاخلية، يأتي الحدث مجملا مكثّفا في شكل إشارة أو صورة أو لون من ألوان 'مي' ثم يعود إليه الرّاوي لاحقا بالتفصيل والنشر والتّفكيك. بقي الكاتب وفيّا ــ ليس الأمر سهلا ــ لخصيصة شخصيته الروائية وتكوينها الداخلي كونها رسّامة، ونحن نتلقّاها رسّامة من خلال الكتابة لتصبح الرّواية هي اللّوحة الأصلية، ولوحات 'مي' بتلويناتها ومواضيعها ورموزها وأضوائها ومراحل تكوينها منذ ضربة الفرشاة الأولى حتى وضعها في معرض 'قوّة الحياة'، وحتى تلك الهوامش التوثيقية الخاصة بأرقامها في المعارض الأمريكية والدولية وأرقام شرائها والجهات التي اشترت واقتنت، كلّ ذلك يصبح ضمن اختيارات واسيني الأعرج السردية الجمالية حين يطعّم المتخيّل بشيء من التّوثيقية المربكة إذ يفقد القارئ أمام تلك الهوامش طمأنينته إلى أنّه بإزاء نصّ تخييليّ محض ويبدأ في مراجعة عقده القرائي وتغيير أفق انتظاره..نقيس على ذلك كلّ التواريخ الواردة في حكاية 'مي' مع القدس وذكريات التّقسيم والتهجير المرّة(ص 144...) رغم أنّ النص ينقلب أحيانا تاريخا صرفا (صص 302 ــ 303). لعبة من لعب الذات الساردة حتى وإن كانت الهوامش والتواريخ صحيحة! إلى جانب الرّسم مكّن الكاتب شخصيته من أداة تعبيريّة أخرى لاستكمال قصّتها هي الكتابة. كتبت 'مي' حكايتها مع ذاكرتها ومع راهنها، في 'الكرّاسة النيليّة' التي حملتها معها من القدس ببقايا طفولتها كتبت 'مي' قصّتها، تحرّكت القصّة عبر أداتين الفرشاة والقلم على امتداد الفصل الثّاني الموسوم بـ'مدوّنة الحداد'، أهمّ فصول الرّواية وأطولها، فقد امتدّ من الصفحة 137 إلى الصفحة 513، فصل هو كلّ الرّواية تقريبا!
'مي' و'يوبا'، الشخصيتان الفاعلتان في الحركة السردية، الآليتان السّرديتان اللّتان بنى بهما واسيني الأعرج كونه الرّوائي، ومارس من خلالهما لعبته السّردية. لعبة سردية متقنة، طبقات حكائية يعبرها القارئ طبقة طبقة، في غير ما تواتر زمني أو تنظيم، نقطة البداية هي نقطة النّهاية، والسّرد يدور على نفسه ويفتح أمامنا فضاءات شاسعة من الذّكريات والمآسي والأحلام. يدور السّرد على نفسه في حركة راقصة ليس همّها الوصول إلى نقطة معيّنة وإنّما همّها الحركة وجمال الحركة في ذاتهما.
بين مدينتيْ 'القدس' و'نيويورك' تحرّكت الحكاية، وعبرهما رقصت الذاكرة وراقصت، حنينا وغضبا وقهرا واغترابا. بقيت القدس قنديل الذاكرة، يطعّمها بلا توقّف أو نسيان بأناس القدس وحواريها وأزقّتها وأفرانها وأسواقها وحقولها وفراشاتها وألوانها، لم يضع شيء من ذاكرة 'مي' ولم يسقط اسم، تحوي القدس داخلها متوهّجة حيّة طيلة تسع وخمسين سنة، منها إحدى وخمسين سنة قضتها في نيويورك، مدينة الأضواء والضباب والجنون، ولكنّها لم تمح شيئا من قدس 'مي'، لم تسقط حجرا واحدا مرميّا في سفح جبل الزّيتون، لم تقتلع وجها من وجوه أحبّة 'مي' في القدس، الأحياء منهم والأموات، أمّها 'ميرا' التي أخفوا عنها خبر اغتيالها بأيدي الهجانا طيلة سنوات، حبيبها الصغير 'يوسف'، أختها الميتة 'لينا'، احتفالاتها وصلواتها في الأعياد الدينية في كنيسة المهد أو في المسجد الأقصى، جيرانها المقدسيّين من يهود ونصارى ومسلمين قبل أن تحلّ بالمدينة شياطين القبح والتفرقة، رحلتها القاسية من فلسطين إلى نيويورك مع والدها هربا من الموت.. تثبّت 'مي' ذكرياتها المقدسيّة الهاربة وتقلّبات حياتها العائلية والفنية والعاطفية في نيويورك في لوحاتها الأخيرة التي عاندت بها الموت وكابرت بها الفناء، رسمتها ما بين سرير المستشفى وحديقته وأيّام النقاهة التي تقضيها في بيتها ببروكلين ما بين جرعة كيماويّة وأخرى، هي لوحات معرضها الأخير الذي أعطته عنوان 'قوّة الحياة / Life Power'.
ولكنّ اللافت في هذا السياق هو 'ذاكرة المكان' في الرّواية، فقد جاءت مفعمة بالتفاصيل شرقا وغربا، ذاكرة جبّارة، مملوءة مسيطرة واثقة، تحاجج وعي القارئ بالتفاصيل وتفاصيل التفاصيل في هذه المدينة أو تلك، ما يحقّق للخطاب الروائي قدرته على الإقناع، ويرفّع من طاقة الإيهام داخله، ويجعل القارئ يأخذ العوالم الرّوائية 'الممكنة' مأخذ الواقع فعلا. يوقعنا واسيني الأعرج في فخّ النصّ! فأيّ ذاكرة يكتب واسيني الأعرج؟ وبأيّ ذاكرة يكتب؟ يكتب ذاكرة التاريخ والجغرافيا والسياسة والفنون بمختلف أنواعها، ذاكرة الوطن الكبير ورمزه 'القدس'، يكتب ذاكرة الشعب الفلسطيني من خلال شخصية 'مي' وكأنّ القدس مدينته هو! يكتب بذاكرة المثقّف المنتمي إلى قوميّة وإلى قضيّة، بين المثقّف/المبدع العربي وقضيّة القدس علاقة تاريخية وجدانية متواصلة في التاريخ وفي الضّمير ماضيا وحاضرا. تصبح القضيّة الفلسطينيّة في 'سوناتا لأشباح القدس' موضوعا جماليّا يكتبه واسيني الأعرج بحميمية الحامل لهذه القضيّة، المؤمن بعدالتها، الحاوي لآلام الشعب الفلسطيني في منافيه واغترابه وحرمانه العبثي من أرضه حيّا وميّتا، ألم ترفض السلطات الصّهيونية مطلب 'مي' أن تدفن في القدس ومن ثمّة اختارت 'المحرقة' لتبعث برمادها يختلط بأرض مدينتها (ص 137)؟الحركة السّردية في هذه الرّواية تقوى وتفتر، تعنف وتسكن بحسب رغبة الذّات الكاتبة وهواجسها ووجهة نظرها أو حالتها اللّغويّة لحظة إنشاء النص، رغبة تتقلّب أساسا بين مستويين، الرّغبة في الحكي والرغبة في التأمّل. قد يعلّق الرّاوي أحيانا الحدث ويذهب إلى فلسفة الحدث وهذا أمر شائع في كامل الرواية ما يعني أنّها علامة سردية دالّة على اختيار من اختيارات الذات الكاتبة قوامها أنّ الفعل الرّوائي لم يعد حكاية جميلة فقط وإنّما هو أيضا وجهة نظر لغويّة تشمل الجمالي والفلسفي في الآن ذاته، لتصبح لحظة القراءة لحظة انفعال وجداني وبناء عقلي وهذا أفق الرّواية الحديثة اليوم. وقد جاءت 'سوناتا لأشباح القدس' منسوجة نسجا محكما من هذين الخيطين اللغويين المميّزين، بديهيّ أنّ خيط السّرد هو الغالب على قماشة النصّ ولكنّ تطريزها بالتأمّل والتفلسف والتفكّر يعطيها قيمتها الجمالية ويحقّق لها فرادتها الفنية، وفي الظاهرة دلالة على أنّ الذّات الكاتبة تمارس نوعا من الفيض المعرفي على نصّها ومن ثمّ على قارئها، وهذا لا يتوفّر لكلّ كاتب وإنّما هو علامة ذات مفعمة بالمعارف والتجارب والثقافة الموسوعيّة الضرورية لهذا النوع من الخطاب دون السقوط في الاستعراض الفجّ للمعلومات الجاهزة السّاكنة، وإنّما العبرة الفنية هي في قدرة الكاتب على تضمين الرأي أو الموقف أو المعرفة في صميم الحركة الرّوائية وفي جوهر الحدث الرّوائي فيأتي القارئَ حيّا متوهّجا بالحكاية. 'سوناتا لأشباح القدس'، رواية الذاكرة، رواية القدس، رواية اللعبة الفنية المتقنة، رواية الوقوف في وجه التاريخ الماسح لذاكرة الشعوب والدفاع عن الموقف ووجهة النظر والقضية، رواية واسيني الأعرج كما عرفناه قبل هذه الرواية وبعدها.

آمنة الرميلي.

عبدالرحيم محمد احمد
11-10-2012, 22:30
'الـــعـــــاطـــل'

رواية : نــاصــر عــراق


ان اختيار 'العاطل' كعنوان للرواية هو اختيار ذكي. اذ أول ما يخطر للقارئ انه سيقرأ عن شخص عاطل او سيّئ. أما الاحتمال الثاني الذي يطرق باله، أنه ربما سيقرأ عن شخص عاطل عن العمل، ليكتشف هذا القارئ بعد ذلك ان العاطل هو ليس فقط العاطل عن العمل، وانما عن الحياة بشكل عام، وعن التواصل مع نفسه ومع الآخرين بشكل خاص. ويكتشف بعدها اكتشافا أكبر، هو أن هذا العاطل، هو عاطل عن الجنس بعبارة أخرى، هو معطّل أكثر منه عاطل.
أما إن كان شخصا عاطلا او سيئا فهذا ما تركه الكاتب، من خلال تسلسل الأحداث، للقارئ ليحكم على ذلك بنفسه. من هنا عنصر الذكاء الآخر الذي ساهم في انجاح القصة. ان حكم القارئ على شخصية الكتاب الأساسية- محمد الزبال- كشخص جيد او سيئ أو عاطل، هو خاضع لخبرات القارئ نفسه، وثقافته ومدى تأثره بالمجتمع الذكوري من ناحية، والديني من ناحية أخرى. أقول ذكوريا لأن للجنس وكيفية الحصول عليه للخبرة وتنفيس القوة الكامنة في جسد الشخصية الرئيسية في الرواية الذي هو رجل، حظه الوافر في القصة؛ فهناك من سيفكر أن ذلك من حقه لأنه رجل. حتى أن محمدا ينفد بهذا ولا يلام عليه، لا ممن يحب ولا من اصدقائه، بعد المصيبة التي نزلت به وأودعته السجن. ربما هناك من سيبرر فعل محمد كوسيلة ضرورية ومنطقية للتخلص من مشكلة عجزه الجنسي، فبالتالي لا بأس ان فتش عن ذلك عند الغواني. وكأن الغواني أشياء ولسن بشرا، وبهذا التبرير، تضعف وتموت صفات العيب والخطيئة والذنب.
لقد استعمل الكاتب عجز الشاب الجنسي في حضرة المرأة، بينما هو نشيط مع نفسه، ليعكس الحالة النفسية المعقّدة التي يعيشها. فهو في قرارة نفسه مقتنع انه فاشل. وقد طرح الكاتب هنا موضوعاً نفسياً واجتماعياً مهماً.
تكمن قوة القصة في حبك شخصية الراوي المنسحق داخل نفسه من الذل والعجز، أي في الحبك التحليلي النفسي للشخصية. ومن المقومات الأخرى التي تميز الرواية وتبيّن تمكّن كاتبها، الغزارة في التعبير التي تظهر في التفكير الضمني للشخصية، والحوار القائم بينه وبين نفسه، وبينه وبين القارئ.
نحن كقراء، لا نتعاطف مع بطل القصة تعاطفاً قوياً الا في ما يرتبط بعلاقته بأبيه، والمعاملة السيئة التي يعامله بها هو وبقية الأسرة، وطبعا زوجته. فهو لا ينفك يحقّره ويؤنّبه ويوبّخه ويضربه. والأنكى، أنه يفعل ذلك على مسمع ومرأى من أهل الحي بصغاره وكباره. يفهم القارئ تلقائيا، ان هذا الأب يحضِّر ولده للفشل ويربي فيه بدلا من رجل واعٍ، رجلا تلازمه عقدة نقص تكبر معه وفيه، وتخنق كل شيء آخر يجب ان يكبر ليخنفها.
من المقاطع الجميلة جداً في الرواية، والتي تبين بأسلوب مضحكٍ مبكٍ مدى فظاعة الأب وبؤس الولد، 'أرجوكم لا تظنوا أن الكلب هو الحيوان الوحيد الذي نُشبَّه به أنا واخوتي في منزلنا، بل هناك الحمار، والجاموسة، والبغل؛ فأنا حمار، ومحاسن جاموسة، وحسن بغل! اما أمي فهي البهيمة الدائمة!'
هنا نجح الكاتب جدا في أن ينقل الينا أن الزبال شاب حائر، ضعيف، ذليل وبدون شخصية. لا مواقف له، مشغول بعادته السرية ومشاكله النفسية. لذلك لا نعرف من أي طينة هو. ان محمد الزبال شخص أقل من عادي، وغير ملفت للنظر أبدا. فهو لم يوضع في الامتحان بعد، لا في المواقف الانسانية ولا الاجتماعية. فكل ما مر به من هذه المواقف كان من خلال منصور أو الأستاذ صلاح. هو في حالة اتكال دائمة، ويتصرف في ظل الاخرين، لا سيما منصور. لكن يتركنا الكاتب مع سؤال، وربما رأي مخالف لهذا، في نهاية الرواية.
لا تخلو الرواية أيضا من الرمزية، فهناك مشهد مؤثر من حيث رمزيته المتعلقة بالذل واليأس اللذين يعاني منهما الراوي. وفيه يقول محمد 'ألا يمكن أن يصنع الله معجزة الآن، ويحوّلني الى سجادة مثل هذه، فأصبح مفيدا وممتعا، فلا أتعرض لتوبيخ.'
في الرواية تنويه واضح بالمثقف، والمتمثل بشخصيتي منصور وصلاح. فهما المخلصان والشهمان والمدركان طريقهما. ان محمداً في القصة، يتثقف من خلال منصور ابن خالته الذي لا ينفك يتحدث عن كل أولئك الأدباء والمفكرين الذين يحترمهم والذين أثّروا به وأَثروه. وفيها أيضا اشادة وتحية لغبريال غارسيا ماركيز، وللقراءة التي يمكنها ان تؤثر على السياسة، اذ تحضِّر فكر الانسان وتوسِّع آفاقه وتعلِّمه ان يفكر لنفسه وعن نفسه. كما انها تشيد ببعض الشخصيات المثقفة والتي لعبت دورا مهما في الساحة الثقافية والسياسية في مصر مثل 'بدر المنياوي'. وهناك طبعا تحية للحب واحتفال به.
وقد نجح ناصر عراق نجاحا كبيراً برسم رواية موضوعية بشكل كبير. فالقارئ الذكي لا يمكنه ان يلصق بالكاتب أيا من أحداث وتطورات القصة، الا بما يتعلق بالأماكن والشوارع الموجودة في مدينتي دبي والشارقة، حيث يصف الكاتب شوارعهما وطرقاتهما وكيفية التنقل فيهما بدقة عالية لا يتقنها إلاّ من كان من سكانهما.
ان الكاتب يلقي الضوء على المكان ويلقي رأيه فيه وفي ناسه من خلال شاب مغترب جديد في المنطقة، ويفلت بذلك من الصيغة الشخصية أو الذاتية. فهو يبتعد عن الحكم والوعظ ويترك الكرة في ملعب القارئ بطريقة ذكية، وبدل ان يقول ما يريد مباشرة، يمررذلك من خلال سير أحداث الرواية، جاعلا القارئ يوافق معه تلقائياً. مثال على ذلك، عندما يبرر كره محمد الزبال للقراءة وعدم حبه للكتب، وعدم صبره على قراءة أي شيء، وبالتالي عدم ثقافته أو اهتمامه بالثقافة أصلا، فنسمع الزبال يقول 'لم أره (يقصد والده) يطالع كتابا قط، ولم أجد في بيتنا أصلا أي نوع من الكتب...'
انها لطريقة ذكية أن يبث الكاتب كل تلك الثقافة، والنقد، والتحليل، والنظرة على ما يدور حولنا في مدينة دبي، في المجتمع، وفي العالم، من خلال شخصية منصور وليس الراوي، اذ أن الراوي غير مثقف ولا تهمه هذه الأمور كلها. محمد الزبال لا يهتم بأي من اهتمامات الآخرين في السياسة والفن وغيره، الا بمشاكل نفسه، لكنه صريح مع نفسه ومع الامور؛ لا يحب عبد الحليم حافظ، ولا يهمه أمر صدام حسين، ولا يطيق أم كلثوم فيقول في نفسه بينما الآخرون مستمتعين بصوتها 'لماذا لا تتوقف عن النواح...'
ولكن انظروا الى كمية المعلومات والثقافة التي تتلون بها الصفحات بطريقة ذكية وعميقة ننشغل بها وعنها بحكاية محمد وذلِّه، وتعاسته، وحظه العاثر.
ان عاينا أسلوب الكاتب في 'العاطل' نجد أنه أسلوب فتى يصير شاباً، وشاب يصير واعيا وساخرا. ثم يلفتنا أيضا أن الأسلوب اللغوي لطيف سهل ومثقف، وفيه شيء من السخرية والمضحك المبكي، لنتبين في النهاية ان الكاتب برع في استعمال هذا الأسلوب، اذ أن الذي يكتب هو بطل الرواية نفسه الغير ملم بالكتابة وفنونها. وهذا ما يفسر الانطباع الذي يطغى علينا عند قراءة الرواية، وكأنها جلسة معالجة نفسية. اذ جعل الكاتب منه في آخر القصة، مثقفاً محباً للقراءة وكاتباً ومحللا نفسياً، مثبتا أن القراءة بامكانها أن تشفي من أي مرض، والكتابة هي أفضل علاج نفسي.
ان الأسلوب الذي يستعمله الكاتب لنقل الحوار الداخلي المتواصل هو من أهم مقومات نجاح هذه الرواية. هو أسلوب متين وقريب الى العامية أوالبساطة التي نتكلم بها عادة. وقد استعملها الكاتب بطريقة بارعة، فنشعر وكأننا نقرأ عامية أنيقة وأدبية.
يلعب عنصر التشويق لعبته في منتصف الرواية عندما يفاقم الكاتب الأمور ص. 190 و191 اذ يصير لمحمد فجأة رأي ويصبح مفكراً. ثم في ص. 193، يكذب محمد. صار له صوت وموقف. أو الأصح، يصير له صوت، وتبدأ بوادر شخصيته بالظهور. وكان قد رمى لنا هنا بعض التلميحات عن مستقبله، كاتخاذه زوجة، ودخوله السجن، وموت أيرينا، وهند والمتاجرة بالمخدرات. وكلها أمور يتطرق لها الكاتب، اذ هي وقائع في حياة المدينة.
ورواية ناصرعراق الواقعية، تملك جواً معيناً، خلقه الكاتب ولم يخرج عنه أبدا في كامل الرواية. كما أن هناك نقدا واضحا، ونظرة على السياسة .وفي الرواية أيضا تصنيف وعنصرية، يعكسان واقع الحياة في مدينة دبي. وكأننا كلنا مشبوهون آثمون في مدينة الخطيئة. نتواقح على بعضنا معطين لأنفسنا الحق بذلك، دون اعتبار لأية حدود او احترام. وكأن انسانية الانسان فُقدت، وصار كل بريء الحيوان الأول في كل واحد.
نشك ببعضنا، وكلنا مقتنعون أننا كلنا مذنبون، منتظرين أو متربصين فقط لنضبط الآخر في الجرم المشهود. وكأننا بهذا قد حكمنا على أنفسنا مقدماً بأننا عاطلون، خاطئون، مجرمون، ولا وجود لرحمة تنشلنا. والمبكي أننا نستمر بضعفنا وغبائنا، ونطلق الأحكام على الآخرين بدل أن نعطي لهم ولأنفسنا فرصة. انه الخوف، والتقاليد، والكبت الذي تربينا عليه، ووقاحة الجهل الذي تمكنت منا. كل هذا في الرواية، لكن فيها أيضاً أمل، وعلاج، وثقافة شافية.
ناصرعراق روائي ذكي لبق ومالك أدواته. وقد استحقت روايته 'العاطل' مكانها على لائحة جائزة البوكر العربية.

ميشلين حبيب

عبدالرحيم محمد احمد
15-10-2012, 21:55
'غـــريـــب الـــنـــهـــــر'

رواية : جمال ناجي


بهدوء لا يمتلكه كثير من الروائيين الأفذاذ، يأخذك جمال ناجي الى حيث الآفاق الإنسانية الرحبة، والأمداء الشاسعة من الدفق الروحي الجميل، باسطا قضية الشتات الفلسطيني على 215 صفحة تحضر في كل صفحة فيها فلسطين دون ان ترد هذه المفردة صراحة في كل متن الرواية.
تحضر فلسطين بكل معناها العميق كقضية انسانية عادلة، وكملامح شعب عانى /ويعاني الاحتلال والتشرد، دون ان تقع الرواية في فخ المباشرة أو التلقين أو في مأزق التسلق على الأدب باسم القضية الجوهرية الكبيرة.
الهدوء كان السمة الغالبة على جمال ناجي وهو يجترح لنا الحياة بتلاوينها المتعددة، المتمثلة في أنها لم تكن يوما لتكون حياة ؛ لولا الابتسامة التي تلتمع في نهر الدموع، ولا ينبغي لها للحياة- أن تتشكل بدون دفقها الجواني النبيل.
الرواية ضاجة بالحياة، وزاخرة بالمعاني، ومدججة بالاحاسيس المرهفة، وصاخبة بالبعيد الذي تحسه دون أن تلمسه، كل ذلك ضمن حكاية في مبناها بسيطة، ولربما يسمعها كثير من الروائيين كل أسبوع !
لكن مبدع 'غريب النهر' لم يسمع ما قيل، ولم يقل ما سمع، بل اجترح رواية فريدة تتألف من أربعة أجيال في رواية واحدة، دون أن يلتزم بتتبع تسلسلي ممل لهذه الأجيال ودون إيجاز مخل أو تفصيل فائض مل.
ما وراء الحكاية يكمن في أن 'غريب النهر' تحكي قصة الفلسطيني بكل تلافيفه بدءا مما كان عليه، مرورا باقتلاعه من جذوره، وذروه في المنافي والشتات، وليس انتهاء بدوره في 'تفهم' وحشية العالم وتمسكه بحق الحياة والعودة.
لم تبدأ الرواية كما يستدرجنا مؤلفها بمكر روائي لذيذ في شهر آذار من العام 1997، وانما من قبل الميلاد بألف وثمانمائة عام، حيث أصول العائلة الفلسطينية للبطل الرئيسي ' عمي اسماعين'.
ومن التاريخ الواقعي لا التاريخ الروائي الذي أورده جمال ناجي لتاريخ العائلة يتجلى موقفه الجذري الواضح من الصراع العربي الإسرائيلي، وعدالة قضية الشعب الفلسطين، وبهدوء مطلق، دون أن يقدم للقارئ 'خطبة روائية' في التأصيل لما أصيل.
إن الأجيال التي تناولتها رواية 'غريب النهر' ما كان لها أن تنسجم متناسقة، في هذه اللوحة المذهلة، لولا أنها بيد روائي ذي باع وذراع، ويد متمرسة بالإمساك بأرواح وأجساد وملامح الشخصيات الكثيرة الملتفة حول بعضها، وكلها أحجار زاوية.
لقد كنت أشعر في بعض أجزاء الرواية بانفلات شخصية ما من المؤلف، ثم لا أمتلك إلا أن أنتشي إعجابا بالطريقة التي يعيد فيها تلك الشخصية وأين وكيف، لأكتشف أنه لم يكن تغييبها إلا مقصودا وببراعة قلما تجدها في رواية ضمت عشرات الشخصيات /رئيسية وثانوية.
لقد رأينا 'غريب النهر' تقول ما لم تقله أرق القصائد، في وفاء الفلسطيني لنفسه، وعدم تفريطه في حقه؛ فـالبطل يبيع بطاقات الاونروا والإعاشة التي تزوده ووالدته وزوجته ووحيده بالطعام، يبيعها ليشتري 'أرضا' قرب النهر، كي لا ينسى أرضه المحتلة في قرية العباسية.
يضحي ببطاقات الإعاشة والمصاغ الذهبي لزوجته ووالدته، ويأبى أن يكون همه الطعام والشراب، ولا تقول الرواية هذا مباشرة، بل تقوله سيرة البطل -' عمي اسماعين'- الذي يصبر إحدى عشرة سنة حتى تثمر أشجار الأرض الجديدة.
لم يقل 'عمي اسماعين' كلمة عن الصبر، والحلم الحبيب بالعودة، ولم يفسح له الروائي إلا بأن يعيش حياته بكل بساطة، يضرب لنا الأمثال في فهم مأساته ونكبته اولا، ثم كيفية التعامل معها، دون التنازل عن أي حل استسلامي أو قبول بالمفاوضة على حقه.
إن الزلزال الذي أصاب الفلسطيني لم يكن من السهل عليه تصديقه، لذا فعمي اسماعين كان دوما يشعر بأن الواقع أقرب الى الحلم أو أن ما يقع ليس حقيقة، أو إذا شئت فإن ما يقع حقيقة ولكنه يقع مع شخص آخر ليس هو بالضرورة.
وعائلة البطل تخشى شهور الموت الذس يتربص بالعائلة في شهور السنة الأولى، وهو ما رصدوه تاريخيا، حيث يخطف أحد أفراد العائلة إن أراد في الشهور الاولى من العام كما تأكدوا، وليس بعدها، وهو ما يشير الى علاقة تفاهم فلسطيني مع الموت على نحو زمني ما .
ويحاكي احتفال العائلة الفلسطينية بأول ايام الربيع الدلالة الجمالية البعيدة لحب الفلسطيني للحياة والانطلاق، والإفلات من قبضة الموت، ويحمل قناعات (غير ساذجة) بأن الشتاء بما يحمل من الآم وأشجان هو حالة الضعف الوجداني التي يستأسد فيها الموت على الفلسطيني.
لقد صورت شخصيات الأبناء الثلاثة للبطل وهم شعبان ورزاق وجهاد، إضافة الى حمدان شقيقه، الصورة (البسيطة) للفلسطيني في الشتات القريب، من حيث السيكولوجية والسلوك وارتباط الشخص بالمحيط الخارجي وتعاطيه معه.
إن شعبان ما هو إلا الفلسطيني الذي نالت منه النكبة كل منال، حتى صار يظن أن مؤامرة كونية من قوى غير معروفة تماما تحيك له الخيبات، وظل هذا الشعور ملازما له حتى الى ما بعد تكوينه أسرة وانجاب ولدين.
وهذا الشعور بالظلم والاستهداف ما كان للروائي أن يعامله بسلبية مطلقة، وفي هذا ما يشابه حالة الإقرار بأحقية الفلسطيني الذي لا تشبه قضيته اية قضية في الكون، في ان يكون له شيء من الخصوصية النفسية المتفردة، في الإحساس الممض تجاه ظلم الكون بأكمله.
وتعكس صورة رزاق الابن الثاني للعم اسماعين، حالة الشاب الفلسطيني الذي يجوب الأرض بذكاء وحنكة وكتمان، وعلى ارتباط وثيق غير منفصم بقضيته المركزية ـ وهو يتحمل في سبيل ذلك المخاطر الجسام.
ودلل التعامل الهادئ للروائي مع رزاق بأن هذا النموذج من أبناء الشعب الفلسطيني، ما كان ينبغي له التعامل مع القضية والنضال في سبيلها إلا بهذه الروح المتالقة عطاء وبذلا بلا حدود مع محيطها الذي لا تراه محبطا إطلاقا، رغم أنه كذلك.
وكذلك جهاد الابن الثالث الذي التحق بكوادر منظمة التحرير الفلسطينية، وقاتل في صفوفها واغترب في بلاد مختلفة هو وزوجته السلطية، ثم استقرا في رام الله كموظفين في مكاتب السلطة الفلسطينية بعد اتفاقيات أوسلو التي يرفضها والده جملة وتفصيلا.
كما يعد حمدان شقيق عمي اسماعين صورة بهية من النماذج التي قدمت الكثير وبصمت الكبار، ودون أن تطيل في الخطاب، هو ذلك الشاب الذي ابتدرته الشهادة في معركة الكرامة، وأدى ما عليه بيسر وهدوء .
ولكن موته لم يمر في نفس الأم وعمي اسماعين إلا مثل رمح اخترق الروح، وأشعل فيها آيات الصهيل، ورمت على روح والدته الكثير من الياسمين الموشى بجارح الذكريات، وأليم الرثاء الموجع .
يمثل مصطفى أخ عمي اسماعين الصورة (المعقدة / المركبة) للشتات الفلسطيني في تجلياته التي تربط بين مقولة بسيطة مؤداها أن كل شيء من الممكن وقوعه مع هذا الفلسطيني، البعيد الذي هرب من قريته ذات صبا.
هذا الفلسطيني الذي تم تجنيده إجباريا للخدمة في الجيش التركي، هو ذاته الذي نجا من الموت وأهوال الحرب غير مرة، وهو الذي يبدو الحنين قد غادر جنبه؛ نراه هو صورة الحنين الملتاعة التي تدمي القلوب، ولا يبدو هذا الا في وصيته.
الأم وإن بدت على تلك الصورة الكلاسيكية للأم الفلسطينية؛ من حيث كونها النهر الغني من الحنان والصبر والعطاء، إلا أنها في 'غريب النهر' تلفعت بثوب الرقة والحزن الشفيف الذي لا يحتمل حدة النسمة.
وكذلك كان دور الزوجة غير عادي بالنظر الى قوتها الذاتية، التي احتمت وحمت العائلة، بتمجيدها وتقديسها للأب ـ عمي اسماعين- في صورة بهية، وعبر طرحه كرمز بعيد لا يمكن أن تنال منه حوادث الأيام.
تطرح الرواية شخصيات كثيرة لعل من اهمها ايضا شخصية 'سفر' وهي شقيقة زوجة عمي اسماعين والتي هي شخصية بعيدة العمق، وشديد الإصرار على الظهور الحاد، وبشكل غير تقليدي الى صورة المرأة الفلسطينية المثقفة المناضلة المؤلفة كثيرة الأسفار، والتي تفتدي الرئيس عرفات ذات يوم بروحها وتنقذه من عبوة ناسفة في اللحظات الأخيرة.
و لعل في 'خلود' الكثير من الإشارات والدلالات التي يبذرها جمال ناجي في 'غريب النهر' وخلود الابنة المراهقة لعمي اسماعين وهي الأخت غير الشقيقة لشعبان ورزاق وجهاد، وهي ابنة عمي اسماعين من زوجته الثانية ' نجود'.
خلود التي تستطيع الكشف عن حيل مختلفة للطبيعة والاشياء، والقادرة على اجتراح الحلول الذكية ببصيرة زرقاء اليمامة، وحكمة نادرة ليس لها من تفسير، لربما هي الجيل الجديد الذي يراه الروائي قادرا على تعاطي الفلسطيني مع قضيته الكبيرة.
ولم تنته الرواية كذلك قبيل نهاية آذار، كما أوهمنا جمال ناجي ذاك الوهم الجميل، بل 'لخلود' الحلم الجميل، والرأي السديد في حب الأرض والأهل، والقول الراجح إن غريب النهر ليس بغريب الأهل أبدا.

جمـــال القيســي

عبدالرحيم محمد احمد
19-10-2012, 20:42
'خـــلـــوة الـــغـــلـــبـــان'

سيرة ذاتية : ابراهيم أصلان .


يفترض الاقتراب من المنجز الإبداعي الثر للكاتب المصري الراحل إبراهيم أصلان الاعتراف بالوشائج القوية التي تصله بسيرته الحياتية.
لا يمكن والحالة هاته لمن قرأ 'بحيرة المساء' أو 'مالك الحزين' أو 'يوسف والرداء' أو 'عصافير النيل' أو وردية الليل' أن يقوم بفصلها عن بعض الفواصل والمحطات الدالة في سيرة الرجل والتي اتسمت ببساطتها وارتباطها الوثيق بالهوامش الشعبية المنكوبة في المجتمع المصري والتي عانت من عسف ونهب السلطة الحاكمة لثرواتها وحقها في العيش الكريم. عاش المبدع الراحل لفترة في حي الكيت الكات الذي ألهمه رائعة 'مالك الحزين' ولم يتجاوز طور التعليم الابتدائي وكسب لقمة عيشه من عمله البسيط في شركة التلغراف والبريد التي استلهم منها روايته 'وردية الليل'. ويمكن الاقتراب من نصه 'خلوة الغلبان' الذي صدر عن دار الشروق القاهرية في طبعته الأولى عام 2003 بوصفه سيرة رام من خلالها توثيق بعض الفواصل الرئيسة في سيرته الثقافية والإبداعية ورحلاته إلى بعض العواصم الأوربية والعربية علاوة على لقاءاته ببعض الوجوه الثقافية في مصر وخارجها. وحقيق بالإشارة في هذا المعرض إلى الملمح الجمالي المهيمن على فصول هذا النص والذي يتسم تحديدا ببساطة وسلاسة اللغة والاعتماد المكثف للعامية المصرية في نسج الحوارات وبعض المشاهد. بيد أن السمة المائزة التي تثير انتباه القارئ في هذا النص تتمثل في الثراء الإنساني الذي يتخلل بعض الفصول والذي يحيل بأكثر من قرينة على الشخصية الاستثنائية للرجل ورحابة آفاقه وقدرته على الانفتاح على مختلف التجارب والحالات الإنسانية على تفاوت فيما بينها.
تتأطر فصول هذا النص في جغرافيات وتواريخ متباينة فيما بينها تتوزع بين مصر وبعض العواصم العربية والأوربية وتنتمي زمنيا إلى مراحل في حياة الكاتب. وما يثير الانتباه في هذا المعرض يتمثل في حرص الذات الساردة على أن تقبض على الاستثنائي والمدهش في الحالات والمواقف التي عاشها صحبة وجوه دالة في المشهد الإبداعي العربي. ولعل في الخاصية الثقافية لهذه السيرة التأريخية ما يبرر هذا النزوع ويسوغ هيمنته على غالبية الفصول المؤثثة لهذا النص. ويلوح لنا باعتبارنا ذواتا قارئة أن الكاتب ينجز جردا دقيقا لسيرته الإبداعية منذ البدايات لكي يطرح منها الهش والنافل وسقط المتاع ويبقي على الاستثنائي والدال والمؤثر. ربما في هذا الخصوص نلمس دلالة تلكم الحكاية التي رواها في الفصل الموسوم 'شجون عائلية' والتي استعاد فيها تفاصيل علاقته بالصحافي الذي كان يوافيه ببواكير نصوصه وزوجته عطيات التي تحولت إلى رجل. وفي هذه الحكاية التي يختلط فيها الواقعي بجرعات قوية من الخيال؛ بحيث يستعصي على الذات القارئة الوعي بالحدود الفاصلة بينهما، نتمثل القوة التعبيرية للسرد بما هو افتراض عالم ممكن. يشدد السارد في غمرة الاستعادة على ثنائية الصدق والكذب؛ إذ يحفل الفصل بالتساؤل الاستنكاري ونقيضه: إنت ليه دايما تكذبني؟ شوف أنت إنسان كويس جدا، عيبك الوحيد إنك مش عاوز تصدقني، شوف بقى، عاوز تصدق، صدق. مش عاوز، إنت حر. علشان لما أقولك أي حاجة بعد كده، تبقى تصدقني'.
يتخلل التخييل فعل الاستعادة السردية؛ وهو ما يبسبغ على بعض الوقائع والتفاصيل ملمحا سحريا وغرائبيا. يمكننا أن نمثل لذلك بلقائه مع عباس محمود العقاد؛ حيث يصور السارد ما يدعوه بـ'اللقاء الوحيد' في شارع شريف بأسلوب يدفع بالدهشة والغرابة وتعبيراتهما إلى الحدود القصوى: 'تسمرت في مكاني. استوعبته كله دفعة واحدة: القامة المديدة، والبذلة الفاتحة المقلمة، والنظارة، والكوفية الرفيعة الطويلة والطربوش القصير المائل- هل كان يرتدي الطربوش حقا أم أن خيالي هو الذي يضيف الآن؟. ومثل كل أسطورة جليلة يمكن لها أن تدب على قدمين، احتل هو الإطار المهيأ له في روحي احتلالا كاملا. النص. ص، 32.
يبدو العقاد من خلال الوصف الذي خصه به السارد أشبه ما يكون بشخصية خارج الزمان والمكان. وعلى الرغم من تلكم القرائن النصية التي تؤشر على ما هو زمني وحسي، وأقصد تخصيصا الإشارة إلى ذلك اليوم من أيام عام 1963 وبعض الشخوص من قبيل الأب والكاتب الراحل ضياء الشرقاوي وبعض الأمكنة من قبيل شركة الأسمدة وعمارة الإيموبيليا، فإن السياق العام لفعل الاستعادة يبقى مدموغا بما يمكن وصفه واقعا استيهاميا. ويمكن للذات القارئة أن تلفي في المشهد الذي تعقبت فيه الذات الساردة أثر العقاد وهو يمشي في الشارع قبل أن يتوقف أمام مكتبة ما يمكن أن يمثل لهذا الافتراض التأويلي. كانت الحكاية بتفاصيلها الأأكثر إمعانا في الدقة ترصد انشغال العقاد بالمقارنة بين قلمه المثبت في عروة جيبه والقلم المعروض للبيع ثم انصرافه إلى حال سبيله وموته بعد شهور. وفي غمرة ذلك، يلفي القارئ نفسه أمام حالة التباس تخص الفهم والوعي بالحدود المائزة بين الواقعي والتخييلي.
ينضح النص من جهة أخرى بالسخرية اللاذعة حيال بعض تمثيلات التردي في الثقافة العربية عموما والمصرية بشكل خاص. وتطرح بعض الحالات والمواقف والبورتريهات بعض حالات التشوه والاختلال التي وسمت طرائق تعاطي المثقفين مع المنجز الإبداعي والعلاقة بالآخر من خلال نقض وهم 'العالمية' وهيمنة الجهل المتبادل. ويمكن أن نلفي في نص 'عن ماركيز ونزار قباني وأمادو' التمثيل الدال علت ذلك. يموت الشاعر السوري نزار قباني فتتصل إحدى المجلات العربية بغابرييل غارسيا ماركيز وجورجي أمادو كي تسألهما عن انطباعاتهما في خصوص هذه الوفاة وهي على يقين راسخ من عالمية الشاعر ومعرفة الكاتبين به. وكانت المفاجأة الراشحة بالسخرية وما يشبه الساركازم متمثلة في هذا الجهل الفادح من لدن هذا الآخر بأبهى وأكبر رموزنا الشعرية؛ إذ لم يلبث ماركيز أن أغلق السماعة بتأثير انزعاجه من المكالمة الصباحية المبكرة فيما اعتذرت زوجة أمادو بسبب وجوده في غرفة العناية المركزة وترقب موته خلال يومين.
يتقدم النص أيضا باعتباره محاكمة نقدية لبعض مظاهر حضور واشتغال الثقافة العربية التي تكرس لذهنية الادعاء والتبجح والارتزاق وتغييب الأسئلة الحقيقية وتعميم التمثيل الشعبوي للفعل الثقافي. ويمكننا أن تعثر في فصل 'مع ناقد صديق' على تمثيل جلي لتحول النقد الأدبي من وسيط ضروري بين المبدع والقارئ إلى جماع وصفات جاهزة مدموغة بالتكرار والتعالم واللهاث الدائم خلف الظهور والمال:
'رأيته قبل شهور في سهرة تلفزيونية خصصت للحديث عن العلاقة بين الكيت كات كفيلم ومالك الحزين كرواية أخذ عنها نص هذا الفيلم. المذيعة اعتقدت، مع الوقت، أنه يخلط بين الكيت كات وفيلم آخر تجهله تماما، لذلك راحت تذكره بالوقائع عله ينتبه إلى موضوع السهرة بينما هو سادر في غيه لا يلوي على شيء، وينسرب من تلك المآزق العابرة بنعومته المعهودة. هذا عن المذيعة، أما عني فقد كنت واثقا أنه يتحدث فعلا عن الرواية التي لم أكتبها' النص، ص26-27.
ولا ننسى في الآن نفسه الفصل الموسوم 'مشهد من المعرض' حيث تفضح العين الساخرة للسارد الغياب المؤسي للمكون الثقافي في دورات معرض القاهرة الدولي للكتاب وانشغال المثقفين باللهاث خلف المال. ويروي في هذا السياق حكاية استبداله الكيس الذي كان يحوي مجلدي ألف ليلة وليلة التي اقتناهما من المعرض بكيس 'الناقد الشاب' الذي كان يشتمل على عدد من الإصدارات الجديدة. واللافت في الحكاية العجيبة تغافل الناقد عن هذا الفعل بسبب انشغاله التام بملء الاستمارة الخاصة بالمستحقات المالية المترتبة على مشاركاته 'النقدية' ثم قبوله بهذا الاستبدال المتعمد بتأثير تحرجه من إغضاب واحد من كتاب 'الستينات'. ويبدو واضحا في هذه الحكاية التي لا تهم فقط معرض القاهرة وإنما مختلف المعارض التي تقام على امتداد الوطن العربي تحيل بأكثر من قرينة دالة على استشراء مرض الارتزاق الثقافي واستلزاماته الأخرى وأخص بالإشارة المحسوبية والإخوانيات وتكريس الرداءة والسطحية في التعاطي مع الفعل الثقافي وتمثيلاته.
تبقى البورتريهات التي حفل بها هذا النص الجميل المكون الرئيس والدال على ارتباطه الوثيق بالسيرة الشخصية لإبراهيم أصلان والتي لا يمكن فصلها عن تاريخه الشخصي في الكتابة. وحقيق بالإشارة في هذا المعرض إلى ارتباط بعض هاته البورتريهات بالرحلات القليلة التي قام بها الكاتب إلى مجموعة من العواصم العربية والعالمية. كان الاهتمام الأوفر منصبا كما سبقت الإشارة إلى ذلك على الاستثنائي والاستثنائي والمدهش والمثير للسؤال فيما يسم هاته الشخصيات وبعض تفاصيل اللقاءات التي جمعتها بالكاتب السارد. وعلى امتداد الفصول التي خصصها الكاتب لهاته الوجوه التي عبرت في حياته، والتي توزعت من جهة، بين الصحفي والناقد والشاعر والروائي وبين ابن الحارة البسيط وموظفة الاستقبال الفرنسية ذات الأصول المغربية والمغترب المصري اليهودي والمواطنة الفرنسية البسيطة، يسعى إبراهيم أصلان إلى القبض على العمق الإنساني لهاته الوجوه ومفارقة تمثيلات حضورها للمألوف والرتابة والابتذال. يتعلق الأمر أيضا بسرد يتسمت الكشف والرغبة في الاعتراف ببعض حالات الخطأ التي طالت تقديره لبعض هاته الشخصيات بفعل وطأة المسبق السلبي والحكم الجاهز. يمكننا أن نمثل لذلك بالبورتريه الخاص ب 'جاك حسون أو خلوة الغلبان'؛ حيث يلتقي السارد أثناء رحلة له إلى فرنسا بشخصية جاك حسون الذي يلح على استضافته بمعية أعضاء الوفد الآخرين من قبيل جمال الغيطاني ومحمد البساطي وعبد المنعم رمضان ولطيفة الزيات وإبراهيم عبد المجيد. لكن انشغالهم بجولة في بعض المدن الفرنسية وبعض اللقاءات والحفلات جعل من هذه الدعوة نسيا منسيا. بيد أن المانع الرئيس تمثل تحديدا في 'يهودية' الداعي؛ وهو ما عبر عنه السارد بهذه الصيغة الصادمة: ' تحول الموضوع إلى قضية خاصة بعدما تساءل أحد الزملاء عن كيفية ترك عشاء في معهد العالم العربي والذهاب للعشاء مع واحد يهودي؟' النص، ص، 87. وسرعان ما سوف يكتشف السارد غب رحلة ثانية إلى فرنسا وهو منهمك في تصفح إحدى الجرائد خبرا عن رحيل هذا الرجل الذي لم يكن سوى طبيب نفسي وعضو في مدرسة جاك لاكان ومناضل يساري تروتسكي ومؤلف كتاب عن يهود النيل.
يروم السارد من خلال استعادة بعض الوجوه التي صاحبها أو عبرت في حياته بخفة أوثقل التأريخ للصداقة بما هي قيمة والتشديد على المشترك الإنساني الذي يعلى على الانتماء الطبقي أو القطري أو الديني. يلفي القارئ نفسه مشدودا إلى العشاء الأخير مع عبد الوهاب البياتي في مقهى الفينيق بعمان؛ حيث تحيطنا الذات الساردة علما ببعض تفاصيل اليومي الخاص بالشاعر العراقي الكبير في منفاه الأردني وصلاته الخاصة بالفضاء والناس والارتياب الذي كان يميز رؤيته وكرمه الحاتمي. والشأن نفسه بالنسبة للكاتب يحيى الطاهر عبد الله والقاص والروائي يوسف إدريس أو الشاعر أمل دنقل أو عم نجيب محفوظ والتي تشف عن احتفاء خاص بصداقة الكتابة والحياة وتكشف عن الارتباط الحميم بالفضاءات التي شهدت تخلق هاته الصداقات.
اللافت في هذه الاستعادة السردية المثيرة حرص السارد على التقاط العابر والمؤقت في الرحلات النادرة التي قام بها والقبض على عمقها الإنساني. ولم أجد فيما يهمني أبلغ أو أعمق من الفصل الموسوم 'بنت مغربية صغيرة' الذي استعاد من خلاله تفاصيل لقائه بالشابة الفرنسية المغربية دليلة التي كانت تقيم في ليون وتأتي كل يوم كي تعمل موظفة استقبال في معرض سانت إتيان. تكتشف الشابة إبراهيم أصلان فتتعلق به وتحدثه عن ولعها بمصر وفنانيها وتبدي رغبتها في اقتناء بعض أعماله. يتحول هذا اللقاء إلى صورة أليغورية لتجربة الاقتلاع من أرض الجذور والإقامة في فضاء الآخر المختلف لغويا وثقافيا، ويتحول السارد في عين المغربية الصغيرة إلى جسر يصلها بأرض السلالة. ربما في هذا السياق نلمس دلالة انجذابها إلى الكاتب بمجرد سماعها له وهو يتحدث العربية في قاعة المعرض أو الحوار الأخير الذي دار بينهما قبل المغادرة:
' قبل أن أركب سألتها:
'أنت اسمك إيه؟'
قالت: دليلة.
'اسمك حلو قوي يا دليلة'
ودليلة تعلقت برقبتي. عانقتني وارتاحت برأسها قليلا على صدري، وتراجعت بوجهها الجميل الخمري. كانت تبتسم وتغالب البكاء.' النص. ص، 103.
تكشف سيرة 'خلوة الغلبان' عن رحلة الذات الساردة في الأمكنة والتواريخ التي أثثت بطريقة أو أخرى متخيلها السردي. يتعلق الأمر في البدء والمنتهى باستعادة سردية تستكشف الأمكنة والتواريخ والوجوه من خلال فعل التخييل. ويمكننا أن نرى إلى هذا العمل الاستثنائي بوصفه اجتراحا لأسلوب مغاير في كتابة السيرة الذاتية ينأى بها عن التوحد اللصيق بالذات ويصلها بذوات وعوالم مغايرة ويوسع من جغرافية الخيال في نسيجها..

عبدالمنعم الشنتوف

عبدالرحيم محمد احمد
21-10-2012, 22:00
'أرواح الـــقـــتـــلـــى'

مجموعة قصصية : محمد عبدالسلام العمري.


هناك محاور أساسية مهمة موجودة في قصص هذه المجموعة ومنها تمثيلا لا حصراً: عالم الموت، عالم الأحلام، عالم القسوة والقتل، والعائدون بعد غياب، الوعي بالمكان، التداخل بين عوالم الإنسان والحيوان، تحول البشر إلى حيوانات والحيوانات إلى بشر، السلوك الغريزي البدائي الذي يحول الكائنات ويهدم الفواصل الخاصة بالأجناس والسلالات التي تفصل بينهم، وكذلك: حضور الموت في الحياة وحضور الحياة في الموت، ووجود حالة الالتباس والشك وفقدان اليقين وتداخل عوالم الليل والنهار، وظهور أرواح الموتى وأشباحهم، والتكرار الدائم للموت والاختفاء والمغادرة، والوعي بالمكان. ونكتفي بالإشارة هنا إلى بعض هذه المحاور للكشف عن الطبيعة الخاصة بهذه المجموعة المتميزة.
إدانة للعنف
في قصة 'ديمي مور' وصف لكيفية هروب الصراصير من العنف الإنساني ثم تحولها بعد ذلك إلى كائنات عنيفة تهاجم الإنسان في كل لحظة، تتعلم آلياته وتحول حياته إلى جحيم حتى لو كانت في جمال ديمي مور ومثل أنوثتها. وفي 'كلب' هجوم الكلاب على الحياة، على البشر، على الميادين، سيرها في مسيرات تنشد العدل وتحلم بالمساواة، وحديث من الراوي عن أخلاقها وأنواعها وأسمائها وسلوكياتها وأفراحها وأحزانها كما لو كان السرد يتم هنا عن بشر وليس عن حيوانات أصبحت بشرية وبشر أصبحوا حيوانيين.
وفي قصة 'عُرس كلب' يستمر هذا الاهتمام الخاص بالحيوانات مع ولع بالحديث عن عالمهم، عن أفراحهم، وملابسهم الاحتفالية في الأفراح، والطعام، والفنادق، والفرق الموسيقية، والصور الخاصة بهم وتظاهراتهم وادعاءاتهم الكاذبة، وكأنه يتحدث عن بشر وليس عن كلاب، وما سر ذلك؟ ربما كانت الإجابة عن هذا السؤال كامنة في واحد من الاحتمالات التالية:
أن البشر قد تحولوا إلى حيوانات يشبهون الكلاب والصراصير وربما أصبحوا أقل من ذلك، وأنهم ينبغي عليهم أن يفيقوا مما هم فيه ويعودوا إلى إنسانيتهم، أو أن الوعي الذي كان يفصل البشر عن الحيوانات والعقل وكذلك الخيال - المميز لهؤلاء البشر - لم يعد موجودا وأن الغريزة والمظاهر والسطح هي الأكبر وجودا وتأثيرا الآن، أو أن الحيوانات ربما كانت أكثر إنسانية من البشر، أو أنه يمكن فهم الكثير من سلوك البشر من خلال الملاحظة لسلوك الحيوانات لأن التطور مستمر وموجود ولكنه غير مكتمل.
حوارات الموتى
وتعد قصة 'حوارات الموتى' إحدى قصص هذه المجموعة الغريبة، ففيها: وصف لعالم الموت والمقابر والأماكن المهجورة والأشباح والشخص الذي يموت ويراقب موته ويراقب عمليات دفنه ثم يعود ليشارك في جنازته هو نفسه ويتلقى العزاء في ذاته، بل إنه يعود دائما إلى ذكريات قديمة وبيوت كان يلتقي خلالها بأحباء وأصدقاء، والذاكرة هنا أقرب إلى ذاكرة ميت يتذكر حياته أكثر منها ذاكرة شخص حي يحكي قصة حياته.
وفي قصة 'في ملك الحكومة' حديث عن فكرة قطع يد السارق وكيف أن شخصاً أراد أن يحصل على يده بعد قطعها كي يعطيها لجراح يعيد وصلها، لكنه يفشل في ذلك لأن هذه اليد أصبحت كما قيل له 'ملك الحكومة'، هنا حديث عن علاقة الجزء بالكل واليد بالجسد، اليد التي هي رمز للكتابة والإشارة والسلام والتحية والكثير من الإيماءات، اليد التي تهز المهد وتزلزل أعتى الحكومات - كما كان نابليون يقول - 'يمكن أن تقطع وتنفصل عن صاحبها، ويصبح لها وجودها المستقل، تصبح ملك الحكومة'، تصبح بعيدة عن صاحبها، مبعدة، يتم إقصاؤها عنه، وفي القصة وصف شديد القسوة لعملية بتر اليد وإشارات كذلك إلى حدة السكين المخصصة لقطعها وعملية فصل العضلات عن المفصل والعظام..، إلخ. ويتم ذلك كله على نحو مرعب، هنا لا تتوفر الحماية للشخص ولا ليده، هنا يصبح جزء منه أشبه بالنفاية، بالبقايا، مصدر للتقزز والاشمئزاز، هنا ترتبط اليد بالدم، بالجثة، تصبح جثة متحللة، هنا يصبح العنف البدني مرتبطاً بالإقصاء والإبعاد والنبذ، كما تقول جوليا كريستيفا، هنا يحدث التمزق، تنشأ حدود بين ما هو 'أنا' وما هو ليس بـ'أنا'، يصبح الجزء غريباً عن الكل والعكس بالعكس، هنا انتهاء وموت بطيء وقاسٍ.
معابد الأحلام
من القصص المهمة في هذه المجموعة أيضاً قصة 'معابد الأحلام' وفيها مقارنة بين عوالم الأحياء وعوالم الموتى، عالم الحاضر وعالم الماضي، مصر الحالية ومصر القديمة، مقارنة بين الموتى الذين هم أكثر حياة وخلوداً والأحياء الذين هم أكثر موتا وفناء. هنا رصد للعالم الماورائي، للموت، للأحلام، للغرابة، للتكرار للعدم، لاستحضار الموتى، الماضي، وصف عالم معابد الأحلام في مصر القديمة ورصد لممارسات وخطوات علاج الأمراض النفسية والعقلية من خلال معابد الأحلام، من خلال الطقوس والأدعية الدينية، الكهنة الأطباء والأطباء الكهنة، محاولات علاج الألم والإحباط وفقدان الأمل واليأس، الحزن والانسحاب الداخل والارتداد إلى الخرابات المظلمة، متاهات الشفاء والخرافات، طبائع الأحلام وآليات التكثيف والتفكيك حسب نظرية فرويد، وحلم الحفيد في القصة بمعابد أحلام أجداده، هنا يتم الحلم بمعابد الأحلام، حلم يتم في الحاضر من أجل استعادة الماضي. هناك أحلام يقظة وأحلام نوم، أحلام يقظة بالعدل والعلم والكفاية والرخاء والتقدم واستبعاد الظلم والاستبداد والفقر والجهل والمرض، وأحلام نوم تجسد الأحلام النهارية اليقظة، ومعلومات عن إيقاف الجانب الآخر المنطقي في المخ وتنشيط للجانب الأيمن منه، دراسات حول حركات العين السريعة REM) Rapid Eye Movements). تحول القطط إلى تماسيح، أحلام الطيران والغيبوبة وتداخل عوالم الحلم والجنون والموسيقى، طوفان من الصور والأصوات والمشاعر المنطلقة، حديث عن الفزع والرعب والكآبة التي نحيا بها، الظلم الذي يقع على الجميع وبشكل مختلف، ذهاب إلى الماضي وحلم بأن يكون الحاضر شبيهاً به، عدم خوف من الموت أو من أي شيء، وذلك لأن الموت كالأحلام بوابة تنفتح على عوالم الخلود.
هنا سرد للخرافات الجماعية التي تسبب الرعب، ونوع كذلك من البحث عن وسائل جماعية للعلاج، العلاج هنا ليس جسدياً فقط بل علاج روحي وعقلي ومعرفي أيضاً، محاولة لمقاومة القمع والكبت والتخطيط والقوانين التي تقع فيها المجتمعات، المعتقدات والأفكار المتسلطة، ليست الخاصة بالفرد فقط بل بالفرد والجماعات أيضاً.
هنا أيضاً استفادة من قراءات للكاتب عن الأحلام وعن جلجامش البطل الأسطوري، الذي كان يطالب الجبل أن يأتي لصديقه أنكيدو بحلم مطمئن 'يا أيها الجبل، يا موطن الآلهة، أرسل حلما لأنكيدو، ابعث إليه بحلم مطمئن، وهنا معرفة أيضاً بكتابات ودراسات لعلماء وباحثين مهمين حول تلك النظرة الإيجابية المتفائلة للأحلام التي كانت موجودة لدى الفراعنة بينما كانت متشائمة في أوروبا الجديدة، هنا الأحلام إبداع متحرر من قيود العقل المنطقي من أجل الاستكشاف للحلول الجديدة المفيدة للفرد والمجتمع، وقد طورت هذه الأساليب العلاجية بواسطة الأحلام الكاهن اُمنحتب طبيب الملك زوسر وإله الطب المصري، وتحتوي البردية رقم 3229 في اللوفر على وصفات طبية وتعاويذ للإجراءات الشفائية التي كانت تتم في معابد الأحلام، حيث اتصال الروح بالجسد، وعبور لعتبات ما قبل الوعي وممارسات علاجية وتصورات نظرية سبقوا من خلالها فرويد في نظرياته عن التداعي الحر وتفسير الأحلام.
أرواح القتلى
أعتقد أن هذه القصة والتي جعل الكاتب منها عنواناً لهذه المجموعة أشبه بالاستكمال أو التقديم لنسخة أخرى من قصة 'بعد صلاة الظهر' حيث نجد فيها وصفاً للحالة أو السياق الذي تنبأ به في تلك القصة الثانية حالة من الهوس بالقتل، فيقتل كل ما يجده في حديقته من حيوانات وطيور مستأنسة، هذا الولع بالدماء، التاريخ المستمر من القتل والموتى الذي يعودون إليه في ليله ونهاره يقضون مضجعه ويحولون حياته إلى جحيم، وهو يحاول أن يتخلص من إلحاح أرواح القتلى عليه بالمزيد من القتل، قتل البشر والطيور والحيوانات، وحيث أحلامه عدمية عنيفة مؤذية وكذلك سلوكياته، وتزداد شراهته للقتل والطعام في كل يوم ويصاب بالضعف الجنسي والهلاوس والهذيان ويوشك أن يقتل أحد أبنائه، ويوضع في مستشفى للأمراض العقلية ويحاول الأطباء الخلاص منه دون جدوى، يرفض أن يأكل إلا ما كان مكونا أصلا من الدم، كالكبدة مثلا، ويستمر حضور أرواح القتلى إليه في زنزانته أو محبسه، تريد أن تنتقم منه، تنتابه الهلاوس بأن طوفانات من الدماء تقتحم زنزانته من أسفل الباب ومن أعلاه ومن كل الجوانب، فيتحول إلى ما يشبه الحيوان المجنون الذي يفقد السيطرة على نفسه وعلى وظائفه الحيوية ويستمر حضور 'أرواح القتلى' مهددة له بالجحيم والثأر والانتقام.
ولماذا تعود أرواح القتلى هنا؟ إنها قد تعود لسبب أو أكثر من الأسباب التالية:
تقوم الأرواح بتجسيد الوظيفة الأساسية الخاصة بها في الأدب ألا وهي إقامة صلة بين عوالم الموتى وعوالم الأحياء.
2-أنها تقوم أيضاً بوظيفة التذكير بوجود أزمة في التمثيل الخاص بالواقع. 'تذكرني' هكذا كان يقول شبح والد هاملت لابنه هاملت، إذن، قد يكون هناك اضطراب في الزمان والمكان هنا تقوم الأشباح والأرواح بالتذكير به والإيحاء بضرورة الخلاص منه وتحقيق الاتزان كبديل عنه.
3-تنشط هذه الأشباح عند المستوى قبل الشعوري الخاص بالنصوص، أي عند المنسوب الموجود بين الوعي واللاوعي، والأنا والآخر، والاضطراب والاتزان، تلك المنطقة البينية الخاصة بالحضور والغياب والتجلي والخفاء، هنا تقوم اللغة بوظيفة الرؤية للواقع والبناء للثقافة والبناء للهوية وتكوين الخطاب المميز لها إيجابياً أو سلبياً، كما تقول كرستيفا، أدبياً أو سياسياً، هنا لا تكون بنية اللغة في الغالب عقلانية، لأنها، تكون، بداخلها، قوى تسكنها وتهدف إلى تدمير بينها أو تقويضها. فيظهر الشبح هنا كنص كي يحدث صلة بين جانبي البناء والهدم المتمثلين في اللغة تلك التي تكون تعبيراً عن الواقع ـ النفسي ـ التاريخ ـ السياسي ... إلخ، وتجسيداً له أيضاً.
هكذا تحضر الروح الشبحية، على نحو خاص، في تلك المساحة الثالثة التي تقع ما بين الهدم والبناء والحضور والغياب، المألوف وغير المألوف، والموت والحياة، القتل هنا ضد الحياة، القتل وسيلة تفتح بوابات عالم الموت وتطلق من داخله عالم الأرواح والأشباح.
وترتبط فكرة الأشباح والأطياف والأرواح العائدة بفكرة المروادة والعودة من الموت والغرابة عند فرويد ودريدا، حيث شبح أو طيف والد هاملت - عائد بعد غياب Revenant، شبح يعود من الماضي كي يحدث الاضطراب في تلك الاستمرارية الخطية النمطية المتواصلة في الزمان والمكان، هنا في عمليات القتل، وفي معابد الأحلام، في التخلف والتراجع والركود، وفي قصة 'ياميت' وغيرها استرجاع سردي لهزيمة يونيو 1967 واسترجاع لأرواح من استشهدوا أو قتلوا غدراً أو خسة على يد الصهاينة في صحراء سيناء، هنا استحالة، كما يقول بعض النقاد والمفكرين أمثال بيتر بوس وأندرو ستوت، تجميد الزمن أو الماضي معرفياً أو تصورياً. والماضي لا يمكن تجميده، إنه يعود دائماً ليهز استقرار البيت أو الوطن، ليشير إلى تلك الأخطاء التي كانت ولا تزال، وقد تبقى، ومثلما يعود الطيف والشبح بعد غياب، كذلك تعود الأفكار والانفعالات والصور والرؤى، يعود المكبوت منها والمخيف والذي تم إقصاؤه، بعد غياب أيضاً.
ومثلما يعود الطيف / الروح/ الشبح..إلخ، العائد، بعد غياب، الموجود، دائماً، على العتبة، عتبة الوعي، عتبة الزمن، عتبة التاريخ، خارج الزمن، مضطرباً، مفككاً، لكنه موجود أيضاً، إنه يكون موجوداً في تلك الحالة، هذه الحالة البينية الموجودة بين الحضور والغياب، ومن ثم فإنه دائماً يعود، كي يذكر بما حدث، بأن القبر لم يغلق بعد، وأن الذاكرة لم تنس بعد، وأن الوعي لم تلحقه بعد أطلال النسيان.
ولماذا يعود الموتى أيضاً؟ أجاب 'لاكان' عن هذا السؤال بقوله: 'لأنهم لم يدفنوا على نحو مناسب، لأن شيئاً ما قد حدث خلال عملية مواراتهم الثرى، لأن ظلماً قد لحق بهم وهم يعودون للثأر لأنفسهم من هؤلاء الذين ظلموهم، لأن الطقس الرمزي الخاص بدفنهم لم يتم على نحو مناسب، لم يتم تكريمهم على نحو مناسب، يعود الموتى كي يجمعوا بعض ديونهم الرمزية القديمة'.
هكذا يعود الموتى، تعود الأشباح، ويكون ظهورها علامة على اضطراب ما في النظام الرمزي، أو الأخلاقي أو المعرفي، تعود كي تسلم رسالة أو تنجز مهمة أو تحدث اضطراباً، تعود أيضاً كي تقول إنها تعرف بعض الأسرار التي ينبغي كشفها أو الأخطاء التي ينبغي تصحيحها، كي تشير إلى ظلم ما قد شاع وانتشر أو إلى أمر جلل ينبغي الخشية أو التحذير.
في كتابها 'التفاوض مع الموتى Negotiation with the Dead' قالت الكاتبة الكندية 'مرجريت آتوود' إن كل أنواع السرد، بل وربما كل أنواع الكتابة، يدفعها نوع من القلق أو الخوف الخفي، وولع ما بطبيعة الموت، رغبة ما في القيام برحلة ما نحو عالم سفلي لإحضار شيء ما أو شخص ما من بين عالم الأموات، وهكذا فإن العلاقة بين الكتابة والموت إنما تكمن في تلك الرغبة في القيام بالإحياء، أو الإبقاء حباً للأعماق السفلية السحيقة العميقة الخاصة بالنسيان من أجل استحضارها ووضعها في نطاق العالم الحاضر، من أجل تذكرها وتأملها والإبقاء عليها، هكذا فإن الكتابة ذاتها ذات طبيعة شبحية، وبالقدر الذي تستطيع عنده - هذه الكتابة - أن تجعل الأموات أحياء مرة أخرى، تجعلهم خالدين معنا وكما هو الأمر معنا الآن بالنسبة لهذه الكتابة، ولهذا الكاتب ـ محمد عبد السلام العمري - أيضاً.

عبدالمجيد شاكر

عبدالرحيم محمد احمد
21-10-2012, 22:02
'أرواح الـــقـــتـــلـــى'

مجموعة قصصية : محمد عبدالسلام العمري.


هناك محاور أساسية مهمة موجودة في قصص هذه المجموعة ومنها تمثيلا لا حصراً: عالم الموت، عالم الأحلام، عالم القسوة والقتل، والعائدون بعد غياب، الوعي بالمكان، التداخل بين عوالم الإنسان والحيوان، تحول البشر إلى حيوانات والحيوانات إلى بشر، السلوك الغريزي البدائي الذي يحول الكائنات ويهدم الفواصل الخاصة بالأجناس والسلالات التي تفصل بينهم، وكذلك: حضور الموت في الحياة وحضور الحياة في الموت، ووجود حالة الالتباس والشك وفقدان اليقين وتداخل عوالم الليل والنهار، وظهور أرواح الموتى وأشباحهم، والتكرار الدائم للموت والاختفاء والمغادرة، والوعي بالمكان. ونكتفي بالإشارة هنا إلى بعض هذه المحاور للكشف عن الطبيعة الخاصة بهذه المجموعة المتميزة.
إدانة للعنف
في قصة 'ديمي مور' وصف لكيفية هروب الصراصير من العنف الإنساني ثم تحولها بعد ذلك إلى كائنات عنيفة تهاجم الإنسان في كل لحظة، تتعلم آلياته وتحول حياته إلى جحيم حتى لو كانت في جمال ديمي مور ومثل أنوثتها. وفي 'كلب' هجوم الكلاب على الحياة، على البشر، على الميادين، سيرها في مسيرات تنشد العدل وتحلم بالمساواة، وحديث من الراوي عن أخلاقها وأنواعها وأسمائها وسلوكياتها وأفراحها وأحزانها كما لو كان السرد يتم هنا عن بشر وليس عن حيوانات أصبحت بشرية وبشر أصبحوا حيوانيين.
وفي قصة 'عُرس كلب' يستمر هذا الاهتمام الخاص بالحيوانات مع ولع بالحديث عن عالمهم، عن أفراحهم، وملابسهم الاحتفالية في الأفراح، والطعام، والفنادق، والفرق الموسيقية، والصور الخاصة بهم وتظاهراتهم وادعاءاتهم الكاذبة، وكأنه يتحدث عن بشر وليس عن كلاب، وما سر ذلك؟ ربما كانت الإجابة عن هذا السؤال كامنة في واحد من الاحتمالات التالية:
أن البشر قد تحولوا إلى حيوانات يشبهون الكلاب والصراصير وربما أصبحوا أقل من ذلك، وأنهم ينبغي عليهم أن يفيقوا مما هم فيه ويعودوا إلى إنسانيتهم، أو أن الوعي الذي كان يفصل البشر عن الحيوانات والعقل وكذلك الخيال - المميز لهؤلاء البشر - لم يعد موجودا وأن الغريزة والمظاهر والسطح هي الأكبر وجودا وتأثيرا الآن، أو أن الحيوانات ربما كانت أكثر إنسانية من البشر، أو أنه يمكن فهم الكثير من سلوك البشر من خلال الملاحظة لسلوك الحيوانات لأن التطور مستمر وموجود ولكنه غير مكتمل.
حوارات الموتى
وتعد قصة 'حوارات الموتى' إحدى قصص هذه المجموعة الغريبة، ففيها: وصف لعالم الموت والمقابر والأماكن المهجورة والأشباح والشخص الذي يموت ويراقب موته ويراقب عمليات دفنه ثم يعود ليشارك في جنازته هو نفسه ويتلقى العزاء في ذاته، بل إنه يعود دائما إلى ذكريات قديمة وبيوت كان يلتقي خلالها بأحباء وأصدقاء، والذاكرة هنا أقرب إلى ذاكرة ميت يتذكر حياته أكثر منها ذاكرة شخص حي يحكي قصة حياته.
وفي قصة 'في ملك الحكومة' حديث عن فكرة قطع يد السارق وكيف أن شخصاً أراد أن يحصل على يده بعد قطعها كي يعطيها لجراح يعيد وصلها، لكنه يفشل في ذلك لأن هذه اليد أصبحت كما قيل له 'ملك الحكومة'، هنا حديث عن علاقة الجزء بالكل واليد بالجسد، اليد التي هي رمز للكتابة والإشارة والسلام والتحية والكثير من الإيماءات، اليد التي تهز المهد وتزلزل أعتى الحكومات - كما كان نابليون يقول - 'يمكن أن تقطع وتنفصل عن صاحبها، ويصبح لها وجودها المستقل، تصبح ملك الحكومة'، تصبح بعيدة عن صاحبها، مبعدة، يتم إقصاؤها عنه، وفي القصة وصف شديد القسوة لعملية بتر اليد وإشارات كذلك إلى حدة السكين المخصصة لقطعها وعملية فصل العضلات عن المفصل والعظام..، إلخ. ويتم ذلك كله على نحو مرعب، هنا لا تتوفر الحماية للشخص ولا ليده، هنا يصبح جزء منه أشبه بالنفاية، بالبقايا، مصدر للتقزز والاشمئزاز، هنا ترتبط اليد بالدم، بالجثة، تصبح جثة متحللة، هنا يصبح العنف البدني مرتبطاً بالإقصاء والإبعاد والنبذ، كما تقول جوليا كريستيفا، هنا يحدث التمزق، تنشأ حدود بين ما هو 'أنا' وما هو ليس بـ'أنا'، يصبح الجزء غريباً عن الكل والعكس بالعكس، هنا انتهاء وموت بطيء وقاسٍ.
معابد الأحلام
من القصص المهمة في هذه المجموعة أيضاً قصة 'معابد الأحلام' وفيها مقارنة بين عوالم الأحياء وعوالم الموتى، عالم الحاضر وعالم الماضي، مصر الحالية ومصر القديمة، مقارنة بين الموتى الذين هم أكثر حياة وخلوداً والأحياء الذين هم أكثر موتا وفناء. هنا رصد للعالم الماورائي، للموت، للأحلام، للغرابة، للتكرار للعدم، لاستحضار الموتى، الماضي، وصف عالم معابد الأحلام في مصر القديمة ورصد لممارسات وخطوات علاج الأمراض النفسية والعقلية من خلال معابد الأحلام، من خلال الطقوس والأدعية الدينية، الكهنة الأطباء والأطباء الكهنة، محاولات علاج الألم والإحباط وفقدان الأمل واليأس، الحزن والانسحاب الداخل والارتداد إلى الخرابات المظلمة، متاهات الشفاء والخرافات، طبائع الأحلام وآليات التكثيف والتفكيك حسب نظرية فرويد، وحلم الحفيد في القصة بمعابد أحلام أجداده، هنا يتم الحلم بمعابد الأحلام، حلم يتم في الحاضر من أجل استعادة الماضي. هناك أحلام يقظة وأحلام نوم، أحلام يقظة بالعدل والعلم والكفاية والرخاء والتقدم واستبعاد الظلم والاستبداد والفقر والجهل والمرض، وأحلام نوم تجسد الأحلام النهارية اليقظة، ومعلومات عن إيقاف الجانب الآخر المنطقي في المخ وتنشيط للجانب الأيمن منه، دراسات حول حركات العين السريعة REM) Rapid Eye Movements). تحول القطط إلى تماسيح، أحلام الطيران والغيبوبة وتداخل عوالم الحلم والجنون والموسيقى، طوفان من الصور والأصوات والمشاعر المنطلقة، حديث عن الفزع والرعب والكآبة التي نحيا بها، الظلم الذي يقع على الجميع وبشكل مختلف، ذهاب إلى الماضي وحلم بأن يكون الحاضر شبيهاً به، عدم خوف من الموت أو من أي شيء، وذلك لأن الموت كالأحلام بوابة تنفتح على عوالم الخلود.
هنا سرد للخرافات الجماعية التي تسبب الرعب، ونوع كذلك من البحث عن وسائل جماعية للعلاج، العلاج هنا ليس جسدياً فقط بل علاج روحي وعقلي ومعرفي أيضاً، محاولة لمقاومة القمع والكبت والتخطيط والقوانين التي تقع فيها المجتمعات، المعتقدات والأفكار المتسلطة، ليست الخاصة بالفرد فقط بل بالفرد والجماعات أيضاً.
هنا أيضاً استفادة من قراءات للكاتب عن الأحلام وعن جلجامش البطل الأسطوري، الذي كان يطالب الجبل أن يأتي لصديقه أنكيدو بحلم مطمئن 'يا أيها الجبل، يا موطن الآلهة، أرسل حلما لأنكيدو، ابعث إليه بحلم مطمئن، وهنا معرفة أيضاً بكتابات ودراسات لعلماء وباحثين مهمين حول تلك النظرة الإيجابية المتفائلة للأحلام التي كانت موجودة لدى الفراعنة بينما كانت متشائمة في أوروبا الجديدة، هنا الأحلام إبداع متحرر من قيود العقل المنطقي من أجل الاستكشاف للحلول الجديدة المفيدة للفرد والمجتمع، وقد طورت هذه الأساليب العلاجية بواسطة الأحلام الكاهن اُمنحتب طبيب الملك زوسر وإله الطب المصري، وتحتوي البردية رقم 3229 في اللوفر على وصفات طبية وتعاويذ للإجراءات الشفائية التي كانت تتم في معابد الأحلام، حيث اتصال الروح بالجسد، وعبور لعتبات ما قبل الوعي وممارسات علاجية وتصورات نظرية سبقوا من خلالها فرويد في نظرياته عن التداعي الحر وتفسير الأحلام.
أرواح القتلى
أعتقد أن هذه القصة والتي جعل الكاتب منها عنواناً لهذه المجموعة أشبه بالاستكمال أو التقديم لنسخة أخرى من قصة 'بعد صلاة الظهر' حيث نجد فيها وصفاً للحالة أو السياق الذي تنبأ به في تلك القصة الثانية حالة من الهوس بالقتل، فيقتل كل ما يجده في حديقته من حيوانات وطيور مستأنسة، هذا الولع بالدماء، التاريخ المستمر من القتل والموتى الذي يعودون إليه في ليله ونهاره يقضون مضجعه ويحولون حياته إلى جحيم، وهو يحاول أن يتخلص من إلحاح أرواح القتلى عليه بالمزيد من القتل، قتل البشر والطيور والحيوانات، وحيث أحلامه عدمية عنيفة مؤذية وكذلك سلوكياته، وتزداد شراهته للقتل والطعام في كل يوم ويصاب بالضعف الجنسي والهلاوس والهذيان ويوشك أن يقتل أحد أبنائه، ويوضع في مستشفى للأمراض العقلية ويحاول الأطباء الخلاص منه دون جدوى، يرفض أن يأكل إلا ما كان مكونا أصلا من الدم، كالكبدة مثلا، ويستمر حضور أرواح القتلى إليه في زنزانته أو محبسه، تريد أن تنتقم منه، تنتابه الهلاوس بأن طوفانات من الدماء تقتحم زنزانته من أسفل الباب ومن أعلاه ومن كل الجوانب، فيتحول إلى ما يشبه الحيوان المجنون الذي يفقد السيطرة على نفسه وعلى وظائفه الحيوية ويستمر حضور 'أرواح القتلى' مهددة له بالجحيم والثأر والانتقام.
ولماذا تعود أرواح القتلى هنا؟ إنها قد تعود لسبب أو أكثر من الأسباب التالية:
تقوم الأرواح بتجسيد الوظيفة الأساسية الخاصة بها في الأدب ألا وهي إقامة صلة بين عوالم الموتى وعوالم الأحياء.
2-أنها تقوم أيضاً بوظيفة التذكير بوجود أزمة في التمثيل الخاص بالواقع. 'تذكرني' هكذا كان يقول شبح والد هاملت لابنه هاملت، إذن، قد يكون هناك اضطراب في الزمان والمكان هنا تقوم الأشباح والأرواح بالتذكير به والإيحاء بضرورة الخلاص منه وتحقيق الاتزان كبديل عنه.
3-تنشط هذه الأشباح عند المستوى قبل الشعوري الخاص بالنصوص، أي عند المنسوب الموجود بين الوعي واللاوعي، والأنا والآخر، والاضطراب والاتزان، تلك المنطقة البينية الخاصة بالحضور والغياب والتجلي والخفاء، هنا تقوم اللغة بوظيفة الرؤية للواقع والبناء للثقافة والبناء للهوية وتكوين الخطاب المميز لها إيجابياً أو سلبياً، كما تقول كرستيفا، أدبياً أو سياسياً، هنا لا تكون بنية اللغة في الغالب عقلانية، لأنها، تكون، بداخلها، قوى تسكنها وتهدف إلى تدمير بينها أو تقويضها. فيظهر الشبح هنا كنص كي يحدث صلة بين جانبي البناء والهدم المتمثلين في اللغة تلك التي تكون تعبيراً عن الواقع ـ النفسي ـ التاريخ ـ السياسي ... إلخ، وتجسيداً له أيضاً.
هكذا تحضر الروح الشبحية، على نحو خاص، في تلك المساحة الثالثة التي تقع ما بين الهدم والبناء والحضور والغياب، المألوف وغير المألوف، والموت والحياة، القتل هنا ضد الحياة، القتل وسيلة تفتح بوابات عالم الموت وتطلق من داخله عالم الأرواح والأشباح.
وترتبط فكرة الأشباح والأطياف والأرواح العائدة بفكرة المروادة والعودة من الموت والغرابة عند فرويد ودريدا، حيث شبح أو طيف والد هاملت - عائد بعد غياب Revenant، شبح يعود من الماضي كي يحدث الاضطراب في تلك الاستمرارية الخطية النمطية المتواصلة في الزمان والمكان، هنا في عمليات القتل، وفي معابد الأحلام، في التخلف والتراجع والركود، وفي قصة 'ياميت' وغيرها استرجاع سردي لهزيمة يونيو 1967 واسترجاع لأرواح من استشهدوا أو قتلوا غدراً أو خسة على يد الصهاينة في صحراء سيناء، هنا استحالة، كما يقول بعض النقاد والمفكرين أمثال بيتر بوس وأندرو ستوت، تجميد الزمن أو الماضي معرفياً أو تصورياً. والماضي لا يمكن تجميده، إنه يعود دائماً ليهز استقرار البيت أو الوطن، ليشير إلى تلك الأخطاء التي كانت ولا تزال، وقد تبقى، ومثلما يعود الطيف والشبح بعد غياب، كذلك تعود الأفكار والانفعالات والصور والرؤى، يعود المكبوت منها والمخيف والذي تم إقصاؤه، بعد غياب أيضاً.
ومثلما يعود الطيف / الروح/ الشبح..إلخ، العائد، بعد غياب، الموجود، دائماً، على العتبة، عتبة الوعي، عتبة الزمن، عتبة التاريخ، خارج الزمن، مضطرباً، مفككاً، لكنه موجود أيضاً، إنه يكون موجوداً في تلك الحالة، هذه الحالة البينية الموجودة بين الحضور والغياب، ومن ثم فإنه دائماً يعود، كي يذكر بما حدث، بأن القبر لم يغلق بعد، وأن الذاكرة لم تنس بعد، وأن الوعي لم تلحقه بعد أطلال النسيان.
ولماذا يعود الموتى أيضاً؟ أجاب 'لاكان' عن هذا السؤال بقوله: 'لأنهم لم يدفنوا على نحو مناسب، لأن شيئاً ما قد حدث خلال عملية مواراتهم الثرى، لأن ظلماً قد لحق بهم وهم يعودون للثأر لأنفسهم من هؤلاء الذين ظلموهم، لأن الطقس الرمزي الخاص بدفنهم لم يتم على نحو مناسب، لم يتم تكريمهم على نحو مناسب، يعود الموتى كي يجمعوا بعض ديونهم الرمزية القديمة'.
هكذا يعود الموتى، تعود الأشباح، ويكون ظهورها علامة على اضطراب ما في النظام الرمزي، أو الأخلاقي أو المعرفي، تعود كي تسلم رسالة أو تنجز مهمة أو تحدث اضطراباً، تعود أيضاً كي تقول إنها تعرف بعض الأسرار التي ينبغي كشفها أو الأخطاء التي ينبغي تصحيحها، كي تشير إلى ظلم ما قد شاع وانتشر أو إلى أمر جلل ينبغي الخشية أو التحذير.
في كتابها 'التفاوض مع الموتى Negotiation with the Dead' قالت الكاتبة الكندية 'مرجريت آتوود' إن كل أنواع السرد، بل وربما كل أنواع الكتابة، يدفعها نوع من القلق أو الخوف الخفي، وولع ما بطبيعة الموت، رغبة ما في القيام برحلة ما نحو عالم سفلي لإحضار شيء ما أو شخص ما من بين عالم الأموات، وهكذا فإن العلاقة بين الكتابة والموت إنما تكمن في تلك الرغبة في القيام بالإحياء، أو الإبقاء حباً للأعماق السفلية السحيقة العميقة الخاصة بالنسيان من أجل استحضارها ووضعها في نطاق العالم الحاضر، من أجل تذكرها وتأملها والإبقاء عليها، هكذا فإن الكتابة ذاتها ذات طبيعة شبحية، وبالقدر الذي تستطيع عنده - هذه الكتابة - أن تجعل الأموات أحياء مرة أخرى، تجعلهم خالدين معنا وكما هو الأمر معنا الآن بالنسبة لهذه الكتابة، ولهذا الكاتب ـ محمد عبد السلام العمري - أيضاً.

عبدالمجيد شاكر

عبدالرحيم محمد احمد
21-10-2012, 22:07
'أرواح الـــقـــتـــلـــى'

مجموعة قصصية : محمد عبدالسلام العمري.


هناك محاور أساسية مهمة موجودة في قصص هذه المجموعة ومنها تمثيلا لا حصراً: عالم الموت، عالم الأحلام، عالم القسوة والقتل، والعائدون بعد غياب، الوعي بالمكان، التداخل بين عوالم الإنسان والحيوان، تحول البشر إلى حيوانات والحيوانات إلى بشر، السلوك الغريزي البدائي الذي يحول الكائنات ويهدم الفواصل الخاصة بالأجناس والسلالات التي تفصل بينهم، وكذلك: حضور الموت في الحياة وحضور الحياة في الموت، ووجود حالة الالتباس والشك وفقدان اليقين وتداخل عوالم الليل والنهار، وظهور أرواح الموتى وأشباحهم، والتكرار الدائم للموت والاختفاء والمغادرة، والوعي بالمكان. ونكتفي بالإشارة هنا إلى بعض هذه المحاور للكشف عن الطبيعة الخاصة بهذه المجموعة المتميزة.
إدانة للعنف
في قصة 'ديمي مور' وصف لكيفية هروب الصراصير من العنف الإنساني ثم تحولها بعد ذلك إلى كائنات عنيفة تهاجم الإنسان في كل لحظة، تتعلم آلياته وتحول حياته إلى جحيم حتى لو كانت في جمال ديمي مور ومثل أنوثتها. وفي 'كلب' هجوم الكلاب على الحياة، على البشر، على الميادين، سيرها في مسيرات تنشد العدل وتحلم بالمساواة، وحديث من الراوي عن أخلاقها وأنواعها وأسمائها وسلوكياتها وأفراحها وأحزانها كما لو كان السرد يتم هنا عن بشر وليس عن حيوانات أصبحت بشرية وبشر أصبحوا حيوانيين.
وفي قصة 'عُرس كلب' يستمر هذا الاهتمام الخاص بالحيوانات مع ولع بالحديث عن عالمهم، عن أفراحهم، وملابسهم الاحتفالية في الأفراح، والطعام، والفنادق، والفرق الموسيقية، والصور الخاصة بهم وتظاهراتهم وادعاءاتهم الكاذبة، وكأنه يتحدث عن بشر وليس عن كلاب، وما سر ذلك؟ ربما كانت الإجابة عن هذا السؤال كامنة في واحد من الاحتمالات التالية:
أن البشر قد تحولوا إلى حيوانات يشبهون الكلاب والصراصير وربما أصبحوا أقل من ذلك، وأنهم ينبغي عليهم أن يفيقوا مما هم فيه ويعودوا إلى إنسانيتهم، أو أن الوعي الذي كان يفصل البشر عن الحيوانات والعقل وكذلك الخيال - المميز لهؤلاء البشر - لم يعد موجودا وأن الغريزة والمظاهر والسطح هي الأكبر وجودا وتأثيرا الآن، أو أن الحيوانات ربما كانت أكثر إنسانية من البشر، أو أنه يمكن فهم الكثير من سلوك البشر من خلال الملاحظة لسلوك الحيوانات لأن التطور مستمر وموجود ولكنه غير مكتمل.
حوارات الموتى
وتعد قصة 'حوارات الموتى' إحدى قصص هذه المجموعة الغريبة، ففيها: وصف لعالم الموت والمقابر والأماكن المهجورة والأشباح والشخص الذي يموت ويراقب موته ويراقب عمليات دفنه ثم يعود ليشارك في جنازته هو نفسه ويتلقى العزاء في ذاته، بل إنه يعود دائما إلى ذكريات قديمة وبيوت كان يلتقي خلالها بأحباء وأصدقاء، والذاكرة هنا أقرب إلى ذاكرة ميت يتذكر حياته أكثر منها ذاكرة شخص حي يحكي قصة حياته.
وفي قصة 'في ملك الحكومة' حديث عن فكرة قطع يد السارق وكيف أن شخصاً أراد أن يحصل على يده بعد قطعها كي يعطيها لجراح يعيد وصلها، لكنه يفشل في ذلك لأن هذه اليد أصبحت كما قيل له 'ملك الحكومة'، هنا حديث عن علاقة الجزء بالكل واليد بالجسد، اليد التي هي رمز للكتابة والإشارة والسلام والتحية والكثير من الإيماءات، اليد التي تهز المهد وتزلزل أعتى الحكومات - كما كان نابليون يقول - 'يمكن أن تقطع وتنفصل عن صاحبها، ويصبح لها وجودها المستقل، تصبح ملك الحكومة'، تصبح بعيدة عن صاحبها، مبعدة، يتم إقصاؤها عنه، وفي القصة وصف شديد القسوة لعملية بتر اليد وإشارات كذلك إلى حدة السكين المخصصة لقطعها وعملية فصل العضلات عن المفصل والعظام..، إلخ. ويتم ذلك كله على نحو مرعب، هنا لا تتوفر الحماية للشخص ولا ليده، هنا يصبح جزء منه أشبه بالنفاية، بالبقايا، مصدر للتقزز والاشمئزاز، هنا ترتبط اليد بالدم، بالجثة، تصبح جثة متحللة، هنا يصبح العنف البدني مرتبطاً بالإقصاء والإبعاد والنبذ، كما تقول جوليا كريستيفا، هنا يحدث التمزق، تنشأ حدود بين ما هو 'أنا' وما هو ليس بـ'أنا'، يصبح الجزء غريباً عن الكل والعكس بالعكس، هنا انتهاء وموت بطيء وقاسٍ.
معابد الأحلام
من القصص المهمة في هذه المجموعة أيضاً قصة 'معابد الأحلام' وفيها مقارنة بين عوالم الأحياء وعوالم الموتى، عالم الحاضر وعالم الماضي، مصر الحالية ومصر القديمة، مقارنة بين الموتى الذين هم أكثر حياة وخلوداً والأحياء الذين هم أكثر موتا وفناء. هنا رصد للعالم الماورائي، للموت، للأحلام، للغرابة، للتكرار للعدم، لاستحضار الموتى، الماضي، وصف عالم معابد الأحلام في مصر القديمة ورصد لممارسات وخطوات علاج الأمراض النفسية والعقلية من خلال معابد الأحلام، من خلال الطقوس والأدعية الدينية، الكهنة الأطباء والأطباء الكهنة، محاولات علاج الألم والإحباط وفقدان الأمل واليأس، الحزن والانسحاب الداخل والارتداد إلى الخرابات المظلمة، متاهات الشفاء والخرافات، طبائع الأحلام وآليات التكثيف والتفكيك حسب نظرية فرويد، وحلم الحفيد في القصة بمعابد أحلام أجداده، هنا يتم الحلم بمعابد الأحلام، حلم يتم في الحاضر من أجل استعادة الماضي. هناك أحلام يقظة وأحلام نوم، أحلام يقظة بالعدل والعلم والكفاية والرخاء والتقدم واستبعاد الظلم والاستبداد والفقر والجهل والمرض، وأحلام نوم تجسد الأحلام النهارية اليقظة، ومعلومات عن إيقاف الجانب الآخر المنطقي في المخ وتنشيط للجانب الأيمن منه، دراسات حول حركات العين السريعة REM) Rapid Eye Movements). تحول القطط إلى تماسيح، أحلام الطيران والغيبوبة وتداخل عوالم الحلم والجنون والموسيقى، طوفان من الصور والأصوات والمشاعر المنطلقة، حديث عن الفزع والرعب والكآبة التي نحيا بها، الظلم الذي يقع على الجميع وبشكل مختلف، ذهاب إلى الماضي وحلم بأن يكون الحاضر شبيهاً به، عدم خوف من الموت أو من أي شيء، وذلك لأن الموت كالأحلام بوابة تنفتح على عوالم الخلود.
هنا سرد للخرافات الجماعية التي تسبب الرعب، ونوع كذلك من البحث عن وسائل جماعية للعلاج، العلاج هنا ليس جسدياً فقط بل علاج روحي وعقلي ومعرفي أيضاً، محاولة لمقاومة القمع والكبت والتخطيط والقوانين التي تقع فيها المجتمعات، المعتقدات والأفكار المتسلطة، ليست الخاصة بالفرد فقط بل بالفرد والجماعات أيضاً.
هنا أيضاً استفادة من قراءات للكاتب عن الأحلام وعن جلجامش البطل الأسطوري، الذي كان يطالب الجبل أن يأتي لصديقه أنكيدو بحلم مطمئن 'يا أيها الجبل، يا موطن الآلهة، أرسل حلما لأنكيدو، ابعث إليه بحلم مطمئن، وهنا معرفة أيضاً بكتابات ودراسات لعلماء وباحثين مهمين حول تلك النظرة الإيجابية المتفائلة للأحلام التي كانت موجودة لدى الفراعنة بينما كانت متشائمة في أوروبا الجديدة، هنا الأحلام إبداع متحرر من قيود العقل المنطقي من أجل الاستكشاف للحلول الجديدة المفيدة للفرد والمجتمع، وقد طورت هذه الأساليب العلاجية بواسطة الأحلام الكاهن اُمنحتب طبيب الملك زوسر وإله الطب المصري، وتحتوي البردية رقم 3229 في اللوفر على وصفات طبية وتعاويذ للإجراءات الشفائية التي كانت تتم في معابد الأحلام، حيث اتصال الروح بالجسد، وعبور لعتبات ما قبل الوعي وممارسات علاجية وتصورات نظرية سبقوا من خلالها فرويد في نظرياته عن التداعي الحر وتفسير الأحلام.
أرواح القتلى
أعتقد أن هذه القصة والتي جعل الكاتب منها عنواناً لهذه المجموعة أشبه بالاستكمال أو التقديم لنسخة أخرى من قصة 'بعد صلاة الظهر' حيث نجد فيها وصفاً للحالة أو السياق الذي تنبأ به في تلك القصة الثانية حالة من الهوس بالقتل، فيقتل كل ما يجده في حديقته من حيوانات وطيور مستأنسة، هذا الولع بالدماء، التاريخ المستمر من القتل والموتى الذي يعودون إليه في ليله ونهاره يقضون مضجعه ويحولون حياته إلى جحيم، وهو يحاول أن يتخلص من إلحاح أرواح القتلى عليه بالمزيد من القتل، قتل البشر والطيور والحيوانات، وحيث أحلامه عدمية عنيفة مؤذية وكذلك سلوكياته، وتزداد شراهته للقتل والطعام في كل يوم ويصاب بالضعف الجنسي والهلاوس والهذيان ويوشك أن يقتل أحد أبنائه، ويوضع في مستشفى للأمراض العقلية ويحاول الأطباء الخلاص منه دون جدوى، يرفض أن يأكل إلا ما كان مكونا أصلا من الدم، كالكبدة مثلا، ويستمر حضور أرواح القتلى إليه في زنزانته أو محبسه، تريد أن تنتقم منه، تنتابه الهلاوس بأن طوفانات من الدماء تقتحم زنزانته من أسفل الباب ومن أعلاه ومن كل الجوانب، فيتحول إلى ما يشبه الحيوان المجنون الذي يفقد السيطرة على نفسه وعلى وظائفه الحيوية ويستمر حضور 'أرواح القتلى' مهددة له بالجحيم والثأر والانتقام.
ولماذا تعود أرواح القتلى هنا؟ إنها قد تعود لسبب أو أكثر من الأسباب التالية:
تقوم الأرواح بتجسيد الوظيفة الأساسية الخاصة بها في الأدب ألا وهي إقامة صلة بين عوالم الموتى وعوالم الأحياء.
2-أنها تقوم أيضاً بوظيفة التذكير بوجود أزمة في التمثيل الخاص بالواقع. 'تذكرني' هكذا كان يقول شبح والد هاملت لابنه هاملت، إذن، قد يكون هناك اضطراب في الزمان والمكان هنا تقوم الأشباح والأرواح بالتذكير به والإيحاء بضرورة الخلاص منه وتحقيق الاتزان كبديل عنه.
3-تنشط هذه الأشباح عند المستوى قبل الشعوري الخاص بالنصوص، أي عند المنسوب الموجود بين الوعي واللاوعي، والأنا والآخر، والاضطراب والاتزان، تلك المنطقة البينية الخاصة بالحضور والغياب والتجلي والخفاء، هنا تقوم اللغة بوظيفة الرؤية للواقع والبناء للثقافة والبناء للهوية وتكوين الخطاب المميز لها إيجابياً أو سلبياً، كما تقول كرستيفا، أدبياً أو سياسياً، هنا لا تكون بنية اللغة في الغالب عقلانية، لأنها، تكون، بداخلها، قوى تسكنها وتهدف إلى تدمير بينها أو تقويضها. فيظهر الشبح هنا كنص كي يحدث صلة بين جانبي البناء والهدم المتمثلين في اللغة تلك التي تكون تعبيراً عن الواقع ـ النفسي ـ التاريخ ـ السياسي ... إلخ، وتجسيداً له أيضاً.
هكذا تحضر الروح الشبحية، على نحو خاص، في تلك المساحة الثالثة التي تقع ما بين الهدم والبناء والحضور والغياب، المألوف وغير المألوف، والموت والحياة، القتل هنا ضد الحياة، القتل وسيلة تفتح بوابات عالم الموت وتطلق من داخله عالم الأرواح والأشباح.
وترتبط فكرة الأشباح والأطياف والأرواح العائدة بفكرة المروادة والعودة من الموت والغرابة عند فرويد ودريدا، حيث شبح أو طيف والد هاملت - عائد بعد غياب Revenant، شبح يعود من الماضي كي يحدث الاضطراب في تلك الاستمرارية الخطية النمطية المتواصلة في الزمان والمكان، هنا في عمليات القتل، وفي معابد الأحلام، في التخلف والتراجع والركود، وفي قصة 'ياميت' وغيرها استرجاع سردي لهزيمة يونيو 1967 واسترجاع لأرواح من استشهدوا أو قتلوا غدراً أو خسة على يد الصهاينة في صحراء سيناء، هنا استحالة، كما يقول بعض النقاد والمفكرين أمثال بيتر بوس وأندرو ستوت، تجميد الزمن أو الماضي معرفياً أو تصورياً. والماضي لا يمكن تجميده، إنه يعود دائماً ليهز استقرار البيت أو الوطن، ليشير إلى تلك الأخطاء التي كانت ولا تزال، وقد تبقى، ومثلما يعود الطيف والشبح بعد غياب، كذلك تعود الأفكار والانفعالات والصور والرؤى، يعود المكبوت منها والمخيف والذي تم إقصاؤه، بعد غياب أيضاً.
ومثلما يعود الطيف / الروح/ الشبح..إلخ، العائد، بعد غياب، الموجود، دائماً، على العتبة، عتبة الوعي، عتبة الزمن، عتبة التاريخ، خارج الزمن، مضطرباً، مفككاً، لكنه موجود أيضاً، إنه يكون موجوداً في تلك الحالة، هذه الحالة البينية الموجودة بين الحضور والغياب، ومن ثم فإنه دائماً يعود، كي يذكر بما حدث، بأن القبر لم يغلق بعد، وأن الذاكرة لم تنس بعد، وأن الوعي لم تلحقه بعد أطلال النسيان.
ولماذا يعود الموتى أيضاً؟ أجاب 'لاكان' عن هذا السؤال بقوله: 'لأنهم لم يدفنوا على نحو مناسب، لأن شيئاً ما قد حدث خلال عملية مواراتهم الثرى، لأن ظلماً قد لحق بهم وهم يعودون للثأر لأنفسهم من هؤلاء الذين ظلموهم، لأن الطقس الرمزي الخاص بدفنهم لم يتم على نحو مناسب، لم يتم تكريمهم على نحو مناسب، يعود الموتى كي يجمعوا بعض ديونهم الرمزية القديمة'.
هكذا يعود الموتى، تعود الأشباح، ويكون ظهورها علامة على اضطراب ما في النظام الرمزي، أو الأخلاقي أو المعرفي، تعود كي تسلم رسالة أو تنجز مهمة أو تحدث اضطراباً، تعود أيضاً كي تقول إنها تعرف بعض الأسرار التي ينبغي كشفها أو الأخطاء التي ينبغي تصحيحها، كي تشير إلى ظلم ما قد شاع وانتشر أو إلى أمر جلل ينبغي الخشية أو التحذير.
في كتابها 'التفاوض مع الموتى Negotiation with the Dead' قالت الكاتبة الكندية 'مرجريت آتوود' إن كل أنواع السرد، بل وربما كل أنواع الكتابة، يدفعها نوع من القلق أو الخوف الخفي، وولع ما بطبيعة الموت، رغبة ما في القيام برحلة ما نحو عالم سفلي لإحضار شيء ما أو شخص ما من بين عالم الأموات، وهكذا فإن العلاقة بين الكتابة والموت إنما تكمن في تلك الرغبة في القيام بالإحياء، أو الإبقاء حباً للأعماق السفلية السحيقة العميقة الخاصة بالنسيان من أجل استحضارها ووضعها في نطاق العالم الحاضر، من أجل تذكرها وتأملها والإبقاء عليها، هكذا فإن الكتابة ذاتها ذات طبيعة شبحية، وبالقدر الذي تستطيع عنده - هذه الكتابة - أن تجعل الأموات أحياء مرة أخرى، تجعلهم خالدين معنا وكما هو الأمر معنا الآن بالنسبة لهذه الكتابة، ولهذا الكاتب ـ محمد عبد السلام العمري - أيضاً.

عبدالمجيد شاكر

عبدالرحيم محمد احمد
22-10-2012, 21:39
" ســـأرى بـــعـــيـــنـــيـــك يـــا حـــبـــيـــبـــي "

روايـــة : رشـــاد أبــو شـــاور .


يواصل رشاد أبو شاور في روايته (سأرى بعينيك يا حبيبي ) دار الآداب 2012 مسعاه الموصول لتثبيت قدميه وترسيخهما في ميدان الرواية بعد: أيام الحب والموت، والبكاء على صدر الحبيب، والعشاق، والرب لم يسترح في اليوم السابع، وشبابيك زينب.
واللافت للنظر أنّ رواياته المذكورة تتناول الموضوع الفلسطيني تناولا مباشرًا، سواءٌ منه ما كان متصلا بمرحلة الانتداب والثورة الشعبية قبيل عام النكبة، والحوادث التي عمَّت البلاد في العام 1948 وما تبع ذلك من احتلال الضفة الغربية عام 1967 (العشّاق) أو مشكلات المقاومة التي نخرها التشرذم، وشوهتها القيادات الفاسدة (البكاء على صدر الحبيب) فاجتياح لبنان عام 1982 ومغادرة المقاومة باتجاه المنفى عبر سفائن تحرسُها القوى الكبرى( الربّ لمْ يسْترحْ في اليوم السابع) فإلى انتفاضة الشعب في الضفة والقطاع 1987 (شبابيك زينب) (1) على حين تمثل الرواية، التي نحنُ بصدد الحديث عنها، عدولا عن هذا السياق لرصد التحولات الاجتماعية في فضاء مكانيّ لم يحدّدهُ الكاتب، وإنْ كان يوحي بأنه فضاء عربي قد يكون في الأردن، مثلما قد يكون في فلسطين، أو سورية، أو مصر، أو العراق، دون أن يتخلى الكاتب تمامًا عن البعد الفلسطيني للحكاية.
فالرواية تشد القارئ العادي بما فيها من تدفق تلقائيّ للسرد، تدفق يصدُق عليه القول: إنه سرد بسيط ، يتجنب الوقع في التصنع الذي كثيرًا ما يؤدي إلى الحذلقة. فالحكاية تبدأ بولادة (نجمة) التي سبقها إلى الحياة (حسن) ثم تبعها عصام، فأسرة أبي حسن تتألف من ثلاثة أشخاص، ونجمة فيها واسطة العقد، ولأبي حسن هذا شقيق هو ( أبو صخر) الذي تتصف زوجته بالغيرة، والحسد، وكثرة (النقّ) ولها ابنان: صخر الأكبر، وسعيد، وثلاثٌ بنات إحداهن وطفاء التي أسند لها الكاتب دورًا بارزًا في الحكاية. وأما صخر، فهو من الشخصيات الرئيسة التي تؤدي دورًا فيما يلي من حوادث، كونه خطيب نجمة منذ اليوم الأول لولادتها (عطوة صينيّة ما من وراها جزيّة). يتنبأ الراوي العليم بإخفاق هذا الزواج، وبما سيسبّبه من مشكلات عميقة للأسرتين الشقيقتين( ص 20) ولعل هذا ما توقعته رباب (ص22) فالأسرتان تنتميان لإحدى العشائر البدوية، ولكن ظروفًا غامضة زحفت بها للإقامة في إحدى المدن القريبة من العاصمة. وقد فرض عليها الفضاء المَدينيّ الجديد ضروبًا من التحولات التي توجبها الظروفُ، مع توافر القناعات، فأبو حسن مثلا يرسل ابنته نجمة للمدرسة، وذلك شيء لم يعتدْهُ الناس في البادية، مما أضرم نار الخلافات بين الأسرتين الشقيقتين، فعارضتْ أمّ صخر بادئ الأمر، ثم لانتْ، ورضختْ على مَضَض، (ص31) وعلى وفق السرد التلقائي التسلسلي كانَ لا بد أن تتعرف نجمة على الصديقة سلمى، وهي من أصل فلسطيني، وتنشأ بينهما صداقة عميقة (ص35) لكن هذه الصداقة تسفر عن أمرين: أولهُما أنّ صخرًا، الذي يكبر نجمة بسنوات، لا يرتاح، ولا يطمئن لهذه العلاقة، وثانيهما أنّ تردُّد نجمة لمنزل سلمى يؤدي لظهور ميول عاطفية من سامي تجاهها على الرغم من أنّ الجميع (سلمى وسامي ونجمة) ما زالوا صغارًا على الحبّ بمعناه البيولوجي، وفي الوقت ذاته تميل نجْمة لابن عمها سعيد، شقيق صخر، فقدْ ظلت تقارن بين الاثنين، لتستخلصَ من ذلك صواب رأي الأم فيهما، وهو أنّ الرحم كالبستان، فيه الأشواك، مثلما فيه الزهورُ والورود (ص46).
وابتداءً من الفصل الموسوم بعنوان (مجلاتٌ وقصص) ص48 تتجه الحوادث بالحكاية اتجاهًا آخر، لكنه يسير على الخط ذاته من حيث النسق الزمني. فقد تكشَّف للراوي أنّ في شخصية صخر بعدًا خفيًا، فعلاوةً على أنه فاشل في الدراسة، غيورٌ، وشريرٌ، وشرسٌ ولهذا يحاول أنْ يمنع نجمة من زيارة سلمى بحجة أنّ سامي يظل معهما، ويكلّمها بذريعة أنّها صديقة شقيقته سلمى (ص50) ومع أن القارئ لا يتبيّن من طباع صخر، وأمّه، أنهما حريصان على العلم، إلا أنّ الراوي يضيف لما عرفه القارئ عنْه شيئًا آخر، وهو رسوبُه في الثانوية العامة مراتٍ ثلاثاً دونَ أنْ يرفّ له جفن(ص60).
وتجري الرياحُ بما لا تشتهي سفنُ نجمة، ورباب، وأبي حسن. فما إنْ أدركتِ الفتاة نجمة البلوغ حتى سارع أبو صخْر إلى منزل اخيه قائلا: ' بدْنا البنْت يا أخي '(ص65) وباءتْ محاولات أبي حسن للتسويف، والتأجيل، بالإخفاق الذريع. واضطرتْ نجمة لترك المدرسة، ولم تفلح وساطات المديرة، والمعلّمة زينب، في ثني الأسرة عما اعتزمته من إجراء وَضَعَ حدًا لآمال الفتاة في التعلّم، فمآل الفتاة الطبيعي - في رأيهم - هو بيت الزوجيّة، والدراسة لا تعدو أن تكون إضاعَة للوقت، لا أكثر. (ص71) وقد كانتْ اللحظة القصيرة التي وقع فيها نظر حسن على المعلمة زينب كافية لوقوع حبّها في قلبه من النظرة لأولى. وفي ذلك تنبؤٌ من الراوي العليم سوفَ يتحقق أثرُه فيما يلي من حوادث.
على أيِّ حال يجري الزفاف على الرغم من كراهية نجمة لصخر (ص73)، وإذا جاز للمؤلف أنْ يلتزم في مَحكيّهِ الروائي لهذه الحكاية النسق الخطي الذي يخلو من التعرّج، أو التكسُّر، أو التقديم والتأخير، فإنّ الذي لا يجوز لهُ هو أنْ يُبْقي شخصياته: حسن، ونجمة، وصخر، ووطفا، وغيرهم أشباحًا يتحركون بإشارةٍ من الراوي، ولهذا تنبّه لذلك فألقى الضوء على ما يمور من انفعالات، وما يجيش من هواجس في أعماق وطفا التي تتعلق بعصام شقيق نجمة، مثلما تتعَلق بالقراءة. ويلقي بالأضواء أيضًا على نفسية أمّ صخْر التي لا يؤرّقها شيء قدر ما يؤرقها أنْ يكون لصخر أطفالٌ منْ نجْمة، ولا يهمّها إلا أنْ ترى ابنتيها تزفان وتحملان على أكتاف الإبل، وينتهي حراك أمّ صخر للدفع بابنها الأكبر لمراجعة طبيب طالبًا إجراء ما يلزم من الفحوص بهدف الوقوف على حظه من الخصوبة، أو العقم. ليفاجَأ الرجل الشرير بأنه ليس فاشلا فحسب، بلْ عقيمٌ أيضًا، ولا يستطيع الإنجاب، (ص96 ) غير أنه لا يخبر أمه، ولا زوجته بنتائج الفحوص، فهو يزعم أنّ الطبيب يؤكّد سلامته من أيّ علة، وأنّ المشكلة ليستْ عنده، بل ' عندها، وليس أمامهُما إلا أحدُ الخيارين الآتيَيْن، إما العيش معًا، والقبول بالقسْمَةِ والنصيب، أو لا سمح الله- الطلاق، والزواج بامرأةٍ أخْرى. ' ص103 وتنطلي الأكذوبة على الجميع إلى حين..
في المقابل ثمّة حبكة أخرى تسير في خطّ موازٍ، وهي حبكة الحكاية الفرعيّة لسلمى التي تغادرُ إلى ألمانيا لتعيش مع زوجها فوزي، وتنجبُ هناك طفلين وديعين، هما: مُحْسنُ وزينب. (ص 107) وعندما تعود بابنيها إلى الوطن، بعد سنواتٍ من الإقامة هناك، تجري لهم مفارقاتٌ، وحوادثُ عدّة، تدفع بهما للعودة من حيث أتيا بعد الرّعب الذي عرفاه.(ص216) وبعد أنْ أيقنا من أنّ الحياة ها هنا باتت جحيمًا لا يُطاق، وأما الشرارة التي أضرمت النار في بيدر الحياة، فهْي الهجوم الشرس الذي تعرض له شابان عاشقان أمامَهما على يديْ آخر مُلتح، يرتدي دشدادشة بيضاء قصيرة، في أحد المطاعم المتخصّصَة بتقديم أطباق البيتزا.(ص221) وذلك أنَّ صخرًا، وابتداءً من ص 114 يتحول فجأة إلى سلفيٍّ جهاديّ مطلقًا ذقنهُ التي تمتدّ حتّى السرة، مرتديًا تلك الدشداشة القصيرة، مُهاجمًا شقيقتهُ وَطفا وهي في طريقها إلى الجامعة، مختفيًا عن منتزله، وعن أهلهِ، سنواتٍ دون أنْ يخبرهم أينَ هو.
تلكَ هيَ التحولات التي تتراكم، وتكشف بمزيد من الإلحاح عن سؤال الهوية. فوطفا التي انتهتْ من الثانوية، والتحقت بالجامعة لتدرس علم الاجتماع، كانَ هدفها هو الإجابة عن سؤال منْ نحن؟ ولماذا يملأ التمزّق حياتنا هذه؟ وتطرح نجمة بدورها السؤال عندما يعود صخر من غيابه، ويكتشف وجود الطبق الفضائي على سطح البيت، فيصفُهم بالكفَرَة، الفَجَرَة، ويحاول أنْ يدمِّر كل شيء يعترضُ سيره. وتجري نجمة فحوصًا طبيّة بنصيحةٍ منْ سلمى لتعرف أنَّ زوْجها السلفي الملتحي الذي ينْعتُ الآخرين ' بالكفَرَة الفَجَرة ' هو العقيم، وهو الذي كذَبَ عليها (ص149) والأنكى من هذا كله، أنّه كان قد تزوج من أخرى خفْيَة، امرأةً من تيّاره، ترتدي الخمارَ، وتنجب له، وهو العقيم ابنًا، وتلاحقهُ بعد أنْ توارى من حياتها هي الأخرى، سائلة عنْه في عُقْر داره. ومعَ هذا لا يفتأ يلاحق شقيقته وطفا ليمْنَعَها من مواصلة الدراسة، تارةً بالاعتداء عليْها، وتارة بإرسال من يقذفها بماء النار ليشوّهَ الوجه الأنيق للفتاة. وهذا العنف الذي يتزايد بعودة صخر لا يسلمُ منه حتى أئمَّة المساجد (ص174- 175) ولا حتى طلبة الجامعات (ص194).
وتراكمُ هذا التمزق، وهذا العنف، يؤديان إلى تفكك الأسْرة، وفتور العلاقات بين الإخوة المنحدرين من رحم واحدة. يشهدُ على ذلك أنّ افراد الأسرتين قد نسوا الابنتين اللتين تزوجتا، ورحلتا إلى البادية على أكتاف العيس. فقد باتوا متباعدين، وكأنهم ينتمون لبيئتين أو ثقافتين مختلفتين، وأما العُمْران الذي تشمَخُ به المدينة فهو قناعٌ زائفٌ- في رأي وطفا - يخفي وراءه عقمًا، وتخلّفًا اجتماعيًا، وتشويهًا، وضياعًا في تيهٍ لا يُعرفُ إلى أين يقودُ، ولا إلى أين يتجه. (ص214) ولعل في إشارة الراوي لرغبَةِ عصام - شقيق نجمة- في هدم المنزل، وإعادة إعْماره، تعبيرًا غير مباشر عن الرغبة في نسيان الماضي، والتطلّع لحياةٍ جديدة (ص232) وأمّا كسب نجمة لقضيّة الخَلْع التي رفعتها ضدّ صخر فيعبر رمزًا عن اعتزامها هي الأخرى تجاوُز الماضي، والتطلع لعلاقة زوجيّة مثمرَةٍ مع سامي شقيق سلمى بعد أن تحرَّرتْ من زواج بني على إكراه. وبذلك يجري إسدال الستار على علاقتها السابقة بصخر، الذي اتضحَ، مثلما سبق، زواجه من أخرى، وتخليه عن الاثنتين. وفي الإصْرار الذي أبدته وطفا لاستكمال اطروحة الدكتوراه، ومناقشتها، والنجاح، مع الاقتران بالدكتور يونس، تعبيرٌ آخر رَمْزيٌّ عن تخطي الماضي.
وهذه الحكاية التي سلك فيها المؤلفُ مسلك الراوي العليم في تتبّع الأحْداث، وفقاً لمسارها الخطي، زمنيًا، دون تدخل منهُ، في كثير أو قليل، تستمدُّ مغزاها من ثرائها الرمْزي. فلمْ يكنْ تجاهل المؤلف لتحديد المكان، وذكره، شيئًا عشوائيًا، بقدر ما كان استجابَة لمُخطط سردي كامِن في النصّ، وهو أنْ يُمكنه من الدلالة على أكثرَ منْ مكان، والتحرُّك في غير فضاءٍ روائيٍّ، وهذا يُغني النصَّ من حيث دلالاته، إلى هذا كان تدخُّل سلمى الصيدلانية في حياة نجْمة إشارة رامِزةً للدْور الذي يؤديه هؤلاء الناس الذين همْ من أصل فلسطينيّ في حياة أشقائهم في هذه البيئة، أو تلك، فالتعاوُن بينهما على الحلوة، والمرة، أوْضحُ من أنْ يخفى. وإلى ذلك تأتي إشارة الكاتب لصخْر الذي ضرب مثلا، ورقمًا قياسيًا في إخفاقاته؛ فهوعقيمٌ على مستوى الدراسة إذ رسب ثلاث مرات لا مرة واحدة، وعقيم على مستوى الأخْلاق، فعلاوة على أنه كذب على زوجته نجمة، وأبوية، وعمّه، كذب على نفسه عندما تزوج من أخرى من التيار الذي ينتمي له، وينتسب، وأنجبت له ابنا حرامًا، ففضل الاختفاء منْ حياتها. وهو عقيمٌ على المستوى البيولوجي. وهذا كلهُ قد يُنظر إليه على أنه يمثلُ وجْهَة النظَر الكامنة في ثنايا المُتخيَّل السرديّ ها هنا.وهذا شيءٌ ينسجم مع ما يرمز إليه العنفُ في الرواية، سواءٌ منْ صخر، أوْ منْ غيره، وباختلاف الأدوات: خناجر تارة، وتارة ماء النار، وهذا لا يتعارضُ مع رمزية هدْم المنزل، وإعادة إعْماره، فالتحرُّرُ من الماضي، وذاكرته المُثقلةِ بالإخفاقات، بدايَة لا بدَّ منها لحياةٍ جديدةٍ يُنظر إليها، وَتُرى بعيون يملؤُها الحبّ، بدلا منَ البَغضاءِ، والكُرْه.

ابراهيم خليل.

عبدالرحيم محمد احمد
23-10-2012, 22:51
'أنــا عـــشـــقـــــت'

رواية : محمد المنسي قنديل.


محمد المنسي قنديل، روائي مصري من مواليد المحلة الكبرى عام 1949.
دَرَسَ الطب ويكتب القصة والرواية ويمارس العمل الصحفي وإن كان الإبداع برمته انتصر على مهنة الطب، له العديد من الأعمال التي ظلت علامة بارزة في تاريخ الرواية العربية كـ 'انكسار الروح'عام 1992، ورواية 'الوداعة والرعب'، و'قمر على سمرقند' التي فازت بجائزة 'ساويرس' للآداب عام 2006 وتُرجمت إلى الإنجليزية، و'يوم غائم في البر الغربي' التي وصلت للقائمة القصيرة في جائزة البوكر للرواية العربية عام2010، ومن المجموعات القصصية 'انتحار نفس بشرية'، و'مَن قتل مريم الصافي'، و'احتضار قط عجوز'، و'عشاء برفقة عائشة'. وأخيراً رواية 'أنا عشقت' عن دار الشروق 2012.
1
في الرواية الجديدة 'أنا عشقت' (الطبعة الثانية) يبرز دور الحركات العمالية والطّلابية في الدعوة إلى الحرية والمناداة بتطبيق الديموقراطية، وفي سبيلهما يُقْتَلُ والد 'علي' طالب الطبِّ برَصَاص الشُّرطة في أثناء دفاعه عن المصنع، ويسجن 'حسن الرشيدي' ثمَّ يُرفد من وظيفته (معيد في كُلِّيَّة الهندسة) بسبب خروجه في المظاهرات وينتهي به الحال في نهاية الرِّواية إلى قاتلٍ محترفٍ، يصوِّب طلقاته الطَائشة تجاه الخوَنة، وكأننا إزاء سعيد مهران ثانٍ (بطل اللِّص والكلاب لنجيب محفوظ)، ينتقم مِنْ الجميع الذين أوصلوه إلى هذه النِّهاية المُؤْلِمة، فكلاهما مارست عليه السُّلْطَةُ قهرها، وكلاهما بعد خروجه من السَّجن قرَّر الانتقام.
'الأحلام المجهضة والمصير المجهول' العنوان الأكبر الذي يلخص مضمون الرواية، وفي ذات الوقت يشي بتقاطع الرِّواية الجديدة مع رواية 'انكسار الروح'، فمثلما انتهى مصير والد البطل
هنا بالقتل، انتهت رواية انكسار الروح بموت عامل النسيج والد علي (طالب الطبِّ الفقير) كمداً وحسرة ًعلى ما حاقه من ظُلم بالسَّجن والاعتقال بسبب خروجه في المظاهرات، كما يتشابه مصير فاطمة في 'انكسار الروح' مع مصير 'ذكرى البرعي'، فالأولى تتحوَّل إلى مومس في شقة حقيرة يلتقيها البطل بعد تمرُّدِه على كُلِّ الصِّراعات الأيديولوجية في الجامعة وخيانته لأصدقائه، والثانية 'ذكرى البرعي' تتحوَّل من رمز البراءة إلى واحدة من الحيتان التي تنهش في مال البلد لتجمع الثروة بعدما حوَّلها مَنْ كانت تظنُّه أنَّه المُخلِّص لها من الفقر والحياة المدقعة اللتين كانت تعيشهما في غيط العنب بالإسكندرية إلى مومس في صورة سيِّدة أعمال تُقدَّم للكبار كورقة رابحةٍ لامتيازات تُجْنَى نظير تقلُّبها في فراش هذا الكبير راتب باشا. وبهذا التقاطع نكون أمام مشروع سردي ممتد منذ أعماله الأولى ولا ينتهي إلا بانتهاء التجربة (أمدَّ الله في عمر صاحبها)، بما يحمله من قضايا سياسيَّة ومواقف أيديولوجية إزاء واقعه المُشْكِل والذي يزداد تعقيداً كُلَّما تقدَّم الزمن.
2
الرِّوَايةُ في فصلها التأسيسي تبدو حكاية فانتازية، عن علاقة حبِّ رومانسية، بطلاها ورد وحسن الرشيدي، حيث تذهبُ ورد إلى محطة القِطار لوداعه وهي تتوسَّل إليه بألَّا يتأخرَ عليها كما كان يفعل في المرَّات السَّابقة، أو أن يعدل عن قراره، ومع هذا يمضي في طريقه إلى أنْ يرحلَ القطارُ وهي تتطلعُ إليه في لهفةٍ حيث'هناك كلمة حبٍّ لم يقلها، ولمسة مرتعشة لم تشعر بها، وقبلة مازالت مُتَلِّهِفَة إليها'(ص 18) ومن لوعة الافتقاد التي لم يتحمَّلها جسدها النحيل، تُصَاب بموت إكلينيكي (كما فسَّر الطبيب الشرعي الذي جاءوا به) فتتيبس أعضاؤها وتقف متجمدة على رصيف المحطَّة، فيطرق على بال 'علي' طالب الطب خاطر مفاده: إنْ عُثر علي حبيبها ربما عادت إليها الحياة مرَّة ثانية، وكأننا إزاء إعادة إنتاج لأُسْطورة إيزيس وأوزوريس في سياق اجتماعي وسياسي جديدين، حيث الاحتقان والفَسَاد (طُلاب الجامعة، وسكَّان قلعة الكبش بسبب التهجير القسري) وهو ما يسمح بتبادل الأدوار في الواقع الجديد. ومع هذا فتحقيق هذا المطلب ليس بالأمر اليسير أو الهين، في ظل غياب عنوان له مع أصدقائه الثلاثة (عزوز مهرج السِّيرك، وعطية الزَّمَاني أشهر حلاق في المدينة، ومحروس المخبر)، فيذهب حسن في رحلة مجهولة إلى العاصمة التي كانت حُبلى كغيرها من المدن الأخرى بمخاض الثورة، مدفوعاً بالأمل، في رحلة محفوفة بالفشل إلي قلب مدينة لا يعرفها، قلبها صار قاسياً تقهر الغرباء وتلوِّثهم بأمراضها، ومن ثمَّ يُقدِّم لنا القاهرة (إنسانها وأماكنها) التي تحتاج إلى مَنْ يقهرها كما أخبره الشاعر الصعيدي في نصيحته له عندما التقاه في الفندق، بعد أن كاد يُغْتَصَبُ من فتاة الليل، فيلتقي بصنوفٍ مختلِّفة من البشر، كثير منهم من ضحاياها: طُلَّاب ثوريين، عاهرات، رجال أعمال فاسدين، قوَّادين، شُعَراء، ناقمين، مقهورين. وكأنَّ المؤلف يقدِّم لنا أسباب التلوث الذي أصاب علي ولم يعد نقياً مثلما كان بل شريكاً في جريمة، تطارد صاحبها حتى لو عاد إلى الرِّيف .ومثلما كان البشر متناقضين، كان المكان أيضاً، فمن القصور الفخمة والمنتجعات إلى العشش كما في قلعة الكبش، والفنادق الرخيصة والأحياء الشعبية إلى المغارات في الجبال، يأخذنا علي في رحلته عن حسن الرشيدي، لنقف على معالم التغريب والاغتراب اللتين أصابتا المكان وإنسانه. وكأنَّنا أمام المؤلف لا الراوي، يبحثُ عن هويته، عن الجمالِ الذي سُرِقَ من الأثرياء (لاحظ افتخار الرجل الكبير بفضه لبكارة ذكرى البرعي)، ومن ثمَّ كانت تيمة الرِّحْلة هي الأنسب للسرد.
3
من الرِّحْلة المجهولة، تبدأ تفاصيل أخرى تنحو بعيداً عن الجانب الفانتازي الذي بدت عليه الرواية في استهلالها، فالبحث عن هوية حسن الرشيدي! يأخذنا في درب من السَّرد البوليسي حيث كُلُّ العناصر التي تقود إليها جميعها عناصر مجهولة، وما أن يصل إلى أحد خيوطها حتى يعودَ إلى نقطة الصِّفر التي بدأ منها، ومن ثم تتوزَّع حكاية حسن الرشيدي على شخصيات الرواية، وتبدأ كل شخصية في تفسير علاقتها به، وبهذا يقتصر دور الراوي الغائب على الجزء الأول من الحكاية الذي أسماه (الواقعة كما عايشها ورواها أهل مدينتنا) ثم بعد ذلك تأتي جميع الفصول معنوَّنة بأسماء الشِّخصيات التي يترك لها السَّارد دَفَّة السَّرد (علي نهائي الطب، عزوز مهرج الشّوارع، سمية يسري رابعة هندسة، ذكرى البرعي سيدة أعمال، عبد المعطي خريج السّجون). ترتبط جميع هذه الشخصيات مع حسن الرشيدي، بعلاقات مختلفة قد تبدأ صدفة وإن كانت تنتهي بصداقة كما في حالتي عبد المعطي .وذكرى البرعي. ومن ثم تصبح شخصية حسن مجهولة أو شبه مجهولة تدور حولها شخصيات مختلفة، لكل شخصية حكاياتها الخاصة التي تكشف صورة من صور الفساد الذي استشرى في نسيج المجتمع، وتغلغلَ في كلِّ المؤسسات فأصابها بالعفن لا فرق بين مؤسسة الجامعة التي تتحوَّل إلى مرتع لأجهزة الأمن تمارس قهرها، أو بين الأساتذة الذين تخلَّوا عن وظيفتهم في تلقين العلم، لطلابهم إلى اصطياد الطالبات وتحويلهن إلى محظيات، أو أقسام الشُّرطة التي تحولت إلى فزَّاعة تُرْعب الجميع، ويخشى النَّاس من الذهاب إليها 'حتى ولوكانت المصلحة تحتِّم عليه ذلك'(ص 74).أو رجال الأعمال الذين لم يكتفوا بدورهم في امتصاص أموال البلد إلى امتصاص أجساد النساء كما في حالتي أكرم فريد والرجل الكبير.
4
جاء بناء الرواية متوازياً مع نص ألف ليلة وليلة، مازجا بين السَّرد الفانتازي، والسَّرد الواقعي والسَّرد البوليسي، بل إن الجزء الأخير أشبه بروايات المغامرات. وما بين البداية والنهاية يكون كل شيء تغيَّر لا حسن عاد حسناً (الصِّفَة والشَّخْصيَّة) ولا البراءة ظلت على نقائها (سمية يسري، ذكرى البرعي)، حتى نقاء البطل 'علي' تلوَّث منذ أن أشركه حسن قَصْراً في جريمته بقتل الرَّجل الكبير. وتتعدَّد أشكال الاستعارة من نص الليالي، فمنها ما هو شكلي كما في الأسماء (ورد، حسن) واستعارة عنصر الرحلة التي يقوم بها البطل للبحث عن الحبيب المجهول، وهي تيمة متكررة في الليالي، ومنها ما هو فني / تقني كاستعارة بنية التوالد القصصي في بنية الليالي، فأحداث الرواية وكشف هوية الشخصية الغامضة لا ينجلي إلا بهذه التقنية. فتتوالد حكاية عزوز المهرِّج، وحبّه المجهض في زمن إجهاض الأحلام البريئة (حتى لو كان الحُلم مجرد قُبْلة وداع كما كانت تُمَنِّى نفسها' ورد' من حبيبها قبل صعوده القطار). وكذلك حكاية سميَّة يسرى طالبة الهندسة، والتي تبدو منذ المشهد الأول شخصية متمردِّة ثوريَّة، تُشَارِك في المظاهرات وتُعْلن عن رفضها لسياسات الدولة في مجلتها الورقية، ثم علاقتها بالدكتور جلال عرفان، وكيف تتحوَّل هذه الفتاة الثورية المتمردِّة إلى عاهرةٍ يُمَارِسُ على جسدها أستاذها العجوز نزقه وشبقه، دون أن يقدِّمَ لنا أسباب هذا التحوّل في مسار الشخصية، ما عدا إشارته بأنها تجرِّب كل شيء (وهو ما يضع علامة استفهام كبيرة؟! فكيف لنا أن نقبل في ظل حالتي الوهج والغضب ضد السُّلطة اللتين كانت عليهما، في نفس اللحظة بعد أن ضُربت بهراوة أحد العساكر، تذهب مع هذا الكهل الذي اصطادها في رحلة الأقصر واقتادها عبر قبلة لم تنسها حتى بعد عودتها، إلى مكتبه بدلاً من أن يواسيها يذهبان في ضرب من الفسق، لا يليق بمكان ومنصب الأستاذ الجامعي، ولو كان يحدث؟!) حتى ولو كان المؤلف يريد أن يعكس صوَّر الفساد الذي نَخَرَ سوسه في كافة مؤسسات الدولة، لكن بهذا الوَصْف نحن أمام تكريسٍ لهذا الفعل، خاصة وأن الظرف الذي قادها فيه إلى غرفة مكتبه لم يكن مُنَاسباً بالمرة لأن يتحققَ فيه الفعل التام، وهو ما يحسب عليه
وكما توالدت حكاية سميَّة يسرى التي تفقد براءتها، تتوالد حكاية أخرى مثل حكاية عبد المعطي صديق حسن في السِّجن ثم في الغرفة بعد خروجهما، وحكايته منذ أن قَدِمَ من قريته في المنيا ولبده أمام منزل قريب له، يعمل مسئولاً كبيراً في وزارة الثقافة، تجاهله كُلمَّا خرج ودخل من المنزل (في إشارة إلى تلويث المدينة لنقاء القرية)، حتى نفدَ صبره، وتحت هذا الإلحاح يجد له عملاً كحارس لمتحف، إلى أن يقع في غرام رأس تمثال الإلهة 'نوت'، نظراً لقرب الشَّبه بينها وبين فتاة شاهدها في قريته وهي تستحم ووقع في غرامها، وكحال جميع قصص العشق المجهضة في الرواية، والتي يُعَبِّرُ عن نهايتها هذا التصدير من الأغنية الشعبية لسيد درويش 'آه..أنا عشقت وشفت غيري كتير عشق عمري ما شفت المرّ إلا في هواك' ينتهي حاله بالألم أقصد السَّجن، حيث تُسرق الرأس الأصل، وكان عبد المعطي من فرط حبِّه وعشقه لها أخذ صورة لهذه الرأس من فتاة تبيع الصوّر خارج المتحف، وقاده عشقه إلى حيرم المنياوي ليصنع له رأساً مثلها لتكون إلى جواره في أوقات انتهاء العمل، لكن ما أن تُسْرق حتى يُفَتشَ منزله ويكتشف وجود الصورة فيعتقد أنها الأصل ( في إشارة إلى أنَّ فساد الكبار يتحمله الصغار)، ويدخل السَّجن، وفي داخل السَّجن يتعرَّف على حسن حيث استقبله بعد الحفلة التي تُعدُّ للضيوف الجدّد، ومنذ اقترابه منه وجلوسه إلى جواره وحيدا منزويا تقرَّب منه وصار صديقه في السجن وحكى له حكاية التمثال، وفي داخل غرفة قلعة الكبش التي يبقى فيها مذعوراً منذ خروجه من السجن، تُنْسج / تتوالد خيوط حكاية جديدة، حكاية 'ذكرى البرعي' سيدة الأعمال، فما أن يجد علي الكارت الخاص بها تليفونها حتى يبدأ خيط جديد لكنه معقدٌ ومتشابك، فما أن يخبر سمية بما وجد حتى يتم الاتصال وتصرّ على اللقاء وبالفعل يذهبان إلى قصرها في المنصورية ضمن قصور رجال المال والسُّلطة، وهناك تكتشف أشياء جديدة مثل تورط حسن برجال الأعمال في صراعاتهم وهو ما يدخل الرواية في جزءها الأخير إلى دائرة السَّرد البوليسي، وأيضاً تكتشف سمية أنها حامل بعد إجراء اختبار حمل، حيث تعرِّيها ذكرى البرعي وكأنها بهذه التعرية تريد أن تتوَّحد مع أخرى من نفس فصيلتها، فذكرى هي مثال للبراءة التي أفسدها رجال السلطلة والمال، وهي تمثِّلُ نموذجاً لحكاية صعود بنات الطبقات الوسطى إلى قمة المجد والشهرة لكن هذا الصعود يصحبه تسلّق الطبقات الرأسمالية على أجسادهن، وهي إشارة ذكية من المؤلف ليبين لنا أن أي تغيُّر في وضعية الطبقات الدُّنيا، أو بمعني أدق في الأخلاق والقيم الدينية هو مرهون بالعلاقات الاقتصادية كما يقول 'ماكس فيبر'. وإن كان هذا التعميم أصاب الرؤية بالضبابية والعتمة. مُجْمَلُ حكاية ذكرى البرعي على طولها يكشف عن الفساد الذي أخذ ينخر في المجتمع، ويفسد كل ما هو جميل. فمع كل هذا الصعود تظل تَحِنُّ لهذا الماضي والدليل صورة أبيها في قصرها بملابس الصيادين، كأن الذي انسلخ هو الجسد، ومن ثم فجاء موتها بمثابة التطهير لها.
5
هكذا ما بين مشهدي البداية الفانتازي والنهاية الدرامي، وبأسلوب شعري مرهف، يجمع ما بين الأسطوري والواقعي، تتكوَّن فصول الرواية التي كان الأمل رسالة مؤلفها لنا، فمع كل العفن الذي حَاق بالجميع، وَهَتْك البراءة التي تَكَالب عليها الكل ( أكرم البدري، الرجل الكبير، الدكتور جلال عِرفان، فتاة الليل في الفندق الرخيص، زينهم، رجال الشرطة، ثريا )، والأخير راح ضحيته ( ورد، علي طالب الطب، سمية يسري، ذكرى البرعي، عبد المعطي )، كانت هناك نقطة النور(الأمل). وكأن المؤلف يسعى إلى استعادة الأمل المفقود في 'انكسار الروح' حيث أخو فاطمة بعد أن صَنَع سيارة من بقايا سيارات الخردة، حَلُم بأن يطوف بها العالم العربي دون أن تعوقه الحواجز أو الحدود، وهو ما لم يتحقق رغم تلك الوعود الناصرية بالحُلم العربي والحُلم المشترك. وعلى العكس ينجح 'علي طالب الطِّب' هنا في أن يحققَ أمل عودة الحياة لورد بعودة حبيبها، رغم كل المعوِّقات التي صادفته، نجحَ لكن ما أخفق فيه، هو أن يعود بحسن الرشيدي العاشق البكر، دون أن يكون تلوَّث بداء المدينة التي ضغطت عليه وأحالته إلى شخص آخر، عاد حسن الجسد (القاتل) لا المُحِب، ومن ثمَّ تتجاوز شخصية 'ورد' دلالة الأنثى العاشقة إلى دلالة الوطن المعشوق، وبناءً على هذا تأخذ صيحة علي بالابتعاد دلالة أخرى تتجاوز التحذير وفقط، فهو لاقى الهوَان لكي يصل إلى هذه النقطة (عودة الحياة) إليها، وهو أيضاً الذي وقع في غرامها، لهذا يريد لها حياة أخرى حياة جديدة غير ملوَّثة بأكذوبة حسن الرشيدي الذي يتساوى مع أي مجرم. وكأن الخلاص الذي يريده لهذا الوطن يجب أن يكون خلاصاً بيد شرفاء، لا بأيدٍ ملوَّثة، حتى ولو تأخَّر الخلاص قليلاً، المهم أن يأتي مُنَزَّهاً وغير مُلطخ بالدماء. هنا نفهم دلالة قلب الأدوار للميثيولوجيا الفرعونية القديمة أسطورة البعث (إيزيس وأوزوريس) فيتحوَّل الحبيب إلى 'أوزوريس' والمحبوبة إلى 'إيزيس' تحتاج إلى القبلة، فيمنحها لها بعد أن تيبس جسدها، ولكن تأتي القبلة رغم تأثيرها في إعادة الحياة لها من جسد هو الآخر مات يحتاج إلى من يعيده إلى الحياة بعد أن تلوَّث، حيث صار قريناً لـ 'ست' في الأسطورة القديمة، وما أكثرهم في الواقع، فكلاهما قاتل وما أصابه من تفسُّخ وانهيار، علامته الأحلام المجهضة التي منيت بها الشَّخصيات في هذا النص. وفي ضوء هذا تكون دعوة علي لورد بأنه ميت قاتل دعوة لرفض الحياة الجديدة لها، لأجل هذا يصيح علي في نهاية الرواية 'إنه ليس حسن الذي أحببته، إنه قاتل، ليس قاتلا عادياً، ولكنه قاتل محترف يقتل بدم بارد، ربما تكونين أنت ضحيته القادمة'(ص436). وكأنه بصيحته لا يريد الخلاص والتطهُّر لورد وفقط، وإنما لنفسه، فقد لوَّثه حسن الرشيدي، ومن ثمَّ يحتاج هو الآخر إلى التطهُّر، لكن هل تكفي صيحة التحذير ليلقِ بأدرانه على قارعة المحطة، ويمشي بريئاً؟ فهل نقبل بهذه الصيحة كإعلان عن طَوْق النَّجاة،؟! أم نكتفي بالسِّخرية المريرة من واقع تتبدَّل فيه الأدوار.

ممدوح فراج النابي

عبدالرحيم محمد احمد
23-10-2012, 22:53
..........

abdo-sami
27-10-2012, 13:40
شكرا وألف شكر على هذا المجهود

عبدالرحيم محمد احمد
29-10-2012, 13:09
دفـــاتــــر قـــديــمـــــة

رواية : هشـام علـوان.



تمثل رواية 'دفاتر قديمة' للروائي هشام علوان الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية إضافة نوعية للسردية الجديدة، الواعية بضرورة تجاوز مأزق الكتابة على حافة السيرة الشخصية، بالإضافة الى ذلك فهي تتجاوز فكرة الخفض من قيمة اللغة هربا مما يظن أنه التركيب المناهض لفكرة السرد ذاتها وطمعا في مغانم وهمية حول ضرورة تجديد القاموس الروائي. كذلك يبدو الموضوع الروائي الذي تجاوز، طبقا لهذا الفهم، كون السردية الروائية جزءا من ذات ضيقة يتمركز حولها العالم، فاتسعت قماشة الموضوع الروائي حتى باتت مزيجا من محنة السرد الذاتي ومحنة السرد في عموميته الإنسانية، وقد استطاعت شخوص الرواية بلورة هذا البعد بشكل مكثف عبر شخصيتي 'شهاب'، و'أكثم'، كشخصيتين محوريتين ومركبتين أشد التركيب، يتزامن ذلك مع مفردات العالم المحيط، وسير الأحداث من نقاط صفرية متعددة تبدو أحيانا متباعدة، حتى تتلاقى في نهاية محكمة وذكية تعزز خصوصية العالم الروائي.
وفي هذا الحوار يجيب الروائي هشام علوان على العديد من الأسئلة منها مفهومه للغة الروائية، ومفهومه للغة خارج الكتابة، ومزجه ببراعة بين عامية محلية مغرقة أحيانا في محليتها وبين لغة فصيحة لكنها ليست قاموسية وتصنع التوازن المطلوب حتى لايتحول العمل الروائي الى مدونة لغوية، كما يتحدث عن كيفية توصله لموضوعه الروائي وتطويعه على هذا النحو المدهش وكيف صنع تلك الشخوص البسيطة من هذه العوالم شديدة الثراء والتنوع، لاسيما وأن الرواية يمكن تصنيف موضوعها كواحدة من روايات القضايا الكبرى، وهو أيضا ما يتعرض له هشام علوان.
وعلوان، حاصل على ليسانس الآداب قسم اللغة الإنجليزية وآدابها، جامعة المنصورة، ويعمل مذيعاً ومقدم برامج بإذاعة صوت العرب، وهو عضو باتحاد كتاب مصر، ومقرر لجنة الإعلام في الاتحاد ومن أعمـاله المنشورة روايتان الأولى: واحة الخِصْيان عن سلسلة 'أدب الجماهير'، وفازتْ بالمركز الثالث في جائزة: سعاد الصباح للإبداع الروائي للعام 1998م/ 1999م، حصلتُ عام 1998م، ولأول مرة على منحة التفرغ من وزارة الثقافة المصرية، و'تحوّلُ الكائنات'، وهي رواية في جزأين، عن مكتبة الأسرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب ديسمبر عام 2002م، كما صدرت لعلوان رواية: خيال ظل المهرج، للأطفال، كتاب قطر الندى، هيئة قصور الثقافة 2003م، ومجموعة بعنوان 'حكاية طائر النوم'، للأطفال عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة عام 2004م، ورواية 'المواويّة'، عن كتاب المرسم للإبداع عام 2005م، بالإضافة لبعض الأعمال الأخرى.
هذه الأسئلة وغيرها يتعرض لها صاحب 'دفاتر قديمة'..
وهنا الحوار:
* حدثني عن مفهومك للغة الروائية، في روايتك، ومفهومك للغة خارج الكتابة، ولاتنس أنك، مزجت ببراعة بين عامية محلية مغرقة أحيانا في محليتها وبين لغة فصيحة لكنها ليست قاموسية وتصنع التوازن المطلوب حتى لايتحول العمل الروائي الى مدونة لغوية.
* الكتابة قنصٌ فاتن، تحتاج لصبر وتربص، واللغة هي عصب الكتابة، وترجمان الفـكر، وقناة الاتصال بين المبدع وقارئه، ولا أميل إلى تشفير نصي بصياغات معجمية غامضة، تربك المتلقي، وتشعره بدونية أو إبهار لغوي، كل نص عندي يصنع لغته بطريقة ما، لا أعرف كيف تتم، لكنني أحاول دائماً، الوصول إلى جوهر الكتابة ببساطة وسلاسة، يحسبها الجاهل سهلة، لكنها مثل قطعة الحرير، تبدو ناعمةً، وطيّعةً في ملمسها، رغم أنها مكوّنة من آلاف الخيوط الدقيقة المعقدة، المتداخلة بانسيابية، وإحكام متقن، وفي (دفاتر قديمة) سارت اللغة بمستويين متوازيين، الأول يتمثل في لغة تقريرية خالـية من جمـاليات السـرد المألوفة، وجاءت من خلال تقارير الرائد أكثم سعفان لرؤسائه عن شهاب، والمستوى الثاني عن طريق الحكي على لسان شهاب عبر (دفاتره القديمة) بلغة أدبية جاذبة، والتي سجل فيها مذكراته الشخصية، وكان الانتقال بين مستويي السرد مرهقاً جداً بالنسبة لي.
وخارج الكتابة، تشبه اللغة المرآة التي تعكس ثقافة المتحدث، وشخصيته، ودرجة وعيه بالأحداث، وتقديره للأمور، وإذا كانت الحكمة القديمة تقول: تكلم حتى أراك، لكنني علقت مرة، وقلت: أكتب حتى أراك، لأنني أميل أكثر للتعبير بالكتابة، ربما أفضل من الكلام.
والعامية التي جاءت في روايتي (دفاتر قديمة)، عبّرت عن مسمياتٍ لأشياء تراثية، بشكل غير مفتعل، رأها أبناء جيلي في مجتمعنا الريفي والحضري أيضاً، لكن معظمها اندثر، أو انسحق تحت عجلة الزمان، كما استلهمت الفولكلور الشعبي المصري في مواويل أو أمثال، أو حكايات أسطورية عن (نوم النهر) أو (كبّاش البيوض).
* كيف توصلت الى موضوعك الروائي وطوعته على هذا النحو المدهش وصنعت من تلك الشخوص البسيطة هذه العوالم شديدة الثراء والتنوع، لاسيما وأن الرواية يمكن تصنيف موضوعها كواحدة من روايات القضايا الكبرى. كيف تنظر لمسألة القضايا الكبرى والصغرى في الفن الروائي؟
* أكتب عن المهمشين، السائرين بجوار الحائط، الحالمين بقوت اليوم من كد الجبين، الشجعان الذين يواجهون الموت بابتسامة تحد، ويخرجون ألسنتهم لأحلك الظروف، ويطلقون النكات، ويضحكون حتى البكاء، هؤلاء هم أبطالي الذين أنحاز إليهم، ولا أتعمد طرح قضايا كبرى أو صغرى في أعمالي، ولا أهتم أبداً بتلك الشواغل، يبدأ الأمر بالفكرة التي تمرق كبرق خاطف في الخاطر، وعلى السـارد الأريب، اللـحاق بها، والإمساك بتلابيبها، ستراوغه كامرأة لعوب، تمنيه وتهجره، تسعده وتشقيه، لدرجة تقترب من حافة الجنون، ثم تستسلم له في النهاية طواعية ودون إكراه، عندئذ ستبين الأمور، حين يبث فيها من روحـه، فتخرج الشخصـيات مدهشة وطازجة، ينميها الكاتب، ويرسم ظلالها من خـلال خـبراته الحياتية، وثقافته الخاصة، وخياله الخصيب، تخرج إلى عالمها ونمطها الإنساني، والسارد الجيد تكون شخصياته حقيقية، من لحم ودم، تراها كل يـوم، وكأنها خرجت من رحم السـطور، لتمشي في الأسـواق والطرقات، وقد تشـاكسك وتشتبك معك ذات يوم.
* ما الذي تمثله بالنسبة لروائي مثلك شخصية أمنية مثل الضابط أكثم على تركيبها وتناقضها، هل ترى أن هذا النموذج عكس بالفعل قسوة وعنف الجهاز الأمني كصورة من صور الحكم في العالم الثالث.
* شخصية أكثم سعفان مثيرة للتعاطف، فهو القادم من عائلة برجوازية صغيرة، الأب مات في الكويت، وعاد مع والدته بعد حرب الخليج الثانية، ليلتحق بكلية الشرطة، حتى تكتمل الهيئة الاجتماعية، وتخطو درجة على السُلّم الاجتماعي، يحب كسائر أقرانه بنت الجيران، لكن فارس أحلامها يخطفها منه ويطيربها على استراليا، فتكون أول صدمة عاطفية له، ثم يوقعه حظه العاثر بـ (صافي) ابنة أحد أشرس اللواءات في الوزارة، يحبها بصدق، يتزوجها عن اقتناع تام، لتتحـول حياته إلى جحيم، تنقذه حيلته، وحسـن تصـرفه من براثنها الشـبقة، وسخافات أبيها المتكررة معه، ليصير مُطلّقاًَ، حتى يرى فرحة زوجة شهاب فيقع في حبها دون أن تعرفه، وتظهر منه تصرفات إنسانية نبيلة، تكشف لنا أن تحت الدرقة الصلبة المختفي خلفها، كائناً هشاً ونبيلاً أيضاً.
لكنه لا يتوّرع عن استخدام برنامج الإدارة في التعذيب مع العناصر المتهمة الخطرة مثل شهاب، يضعه على (العروسة) أو يقصف أظافره بوحشية، كي ينال منه اعترافاً، إنها شخصية مهتزة لا تعرف أين تقف، تائهة وغير مستقرة على بر، أنتجتها ببراعة الأنظمة القمعية، وقدمتها في أبشع صورها، إمعاناً في التخويف، وإظهاراً للقدرة على البطش، لذلك سيشعر القارئ بحنق شديد عليها، وتعاطف غريب معها.
* شخصية شهاب تتقاطع أحيانا مع شخصيات كان لها شيوع واسع في حياتنا الثقافية مثل شخصية نجيب سرور، والمفارقة أن يتفق عدوان حقيقيان هما الضابط أكثم والبطل شهاب على حب نجيب سرور، كيف تفسر هذا الربط ومادلالته النفسية والمعرفية.
* الجمال إقناع دامغ، وقصائد نجيب سرور كانت فارقة الإبداع، جذبت اللواء مروان النمر رئيس أكثم في الإدارة السرية لمراقبة المجانين، لدرجة جعلت أكثم نفسه يلحظ تلك المحبة في عين مديره، حين يتخلى عن جهامته المعهودة، وهو يتحدث بوله عن عنصره المتهم نجيب سرور، نفس الوله انتقل للرائد أكثم، لكن بصورة أوضح مع شهاب، الذي يكتب الروايات في (دفاتر قديمة) عثر علـيها أكثم عند مداهمـة شقته للقبـض علـيه، فاحتفظ بـها لنفـسه، وقرأها بإعجاب شديد، هذه التناقضية في الشخصية موجودة لدى كثيرين من ضباط الجهاز الأمني، يحاولون إخفاءها بشتى الطـرق، فهم يخجـلون بدرجـة ما من إظـهارها،
ويعدونها عيباً، لأنها تبرز ضعفاً إنسانياً شفيفاً بداخلهم، لا يريدون لأحد رؤيته، حتى لا تهتز صورتهم المروّعة، والتي كوّنها الناس عنهم، كفزّاعات يستخدمها النظام، لقمع الثوار والمعارضين، خاصة الضباط العاملين في الأجهزة الحساسة، يحرصون على طمس أي ملامح إنسانية بداخلهم تعبر عن العاطفة، الدهشة، الانبهار، التعاطف. ... وغيرها من المشاعر السوية، إمعاناً في تصدير الفزع والرعب، لكل المتعاملين معهم.
* هل ثمة تقاطعات حقيقية يمكن أن نعثر على ظلالها في الواقع بين شخصية شهاب وشخصية الكاتب نفسه الذي اكتشفنا أنه أيضا يعمل مذيعا بالإذاعة؟
* ربما. . خاصة روح التمرد والرفض، والقدرة على المواجهة. . فكل عمل نكتبه تطل بعض ملامحنا منه، دون قصد أو بتصرفٍ أحياناً، لكن شهاب أكثر شجاعة مني، وأقدر على الفعل بحرية، وإيجابية وحسم، ودفع الثمن كاملاً وباهظاً، في سبيل ما آمن به، أما أنا فاكتفيت بالكتابة عنه فقط، كنت مجرد راصد لأفعاله، وحسدته كثيراً، وحنقت عليه أكثر لأنه ورطني بالمقارنة معه، وحتماً ستكون لصالحه.
* كيف رصدت مفهوم الجنون في الرواية وماهو معادله الموضوعي في الواقع، لاسيما وهو محاط في بعض الأحيان بجدية تشي بصدقه، وبهزل يشي أحيانا بأنه تمثيل لحالة سياسية.
* تماماً كالمهرج الذي ينطق بالحكمة، لا ينتبه إليه الناس، ولا يفهمون إسقاطاته العميقة، وتفسيراته الفلسفية، في حين تكون بصـيرته حادة لدرجة الرؤية التامة للأمـور بجـلاءٍ ووضوح، ولأن نظرتنا قاصرة، ونحكم على الأشياء - غالباً - بظواهرها، فلا نكترث بالمجانين، أو نعيرهم أدنى اهتمام، حتى تأتي المفارقة في النهاية لتكشف لنا قدرتهم الهائلة على إحداث التغيير، وأنهم هم صُنّاع الثورة الحقيقيين.
فالجنون في كتاباتي، معادل موضوعي لاكتمال الرؤية وتمامها، لدرجة لا يدركها أحد، فتصبح عصـية على الفـهم، ومغايرة لما اعتاده الناس، وهي تهمة التصـقت بالأنبيـاء والفلاسفة والمبدعين، وكل المصلحين، الذين سعوا للتغيير، فوصموا بالجنون.
* كيف ترى تجربة جيلك الروائية، لاسيما وأن اندياحا كميا تشهده الساحة الروائية.
* تجربة جيلنا مختلفة عن الأجيال السابقة كماً ونوعاً، فنحن أكثر جرأة على طرح الأفكار الجديدة والغريبـة، وأكثر مغامرة في الاقتـحام، وأكثر إلحـاحاً على النشـر المؤسسي والخاص، ولدينا القدرة على بناء جملة سردية جديدة، مكثفة ومقتضبة، تعبر عن حالتنا النفسية التي نعيشها في الوقت الراهن، إن جيلنا أكثر عدائية، وأكثر قدرة على التغيير الجذري، والدليل على ذلك هو التطور الهائل الحادث في شكل الرواية العربية ومضمونها الآن، هناك انفجار روائي يحدث في عالمنا العربي، والمطابع لم تعد قادرة على مواكبة هذا الزخم الإبداعي المتدفق.
* كيف ترى مشاهد روايتك على خلفية واقع الثورة في حياتنا اليومية، هل بالفعل كانت تستحق أن يضحي من أجلها كل هؤلاء المجانين.
* طبعاً. . ينزل المجانين لميدان التحرير، يرفعون أعلاماً، ويشيرون بأصابعهم بعلامة النصر، يهتف (عكاشة الزعيم)، فترد الجموع خلفه، وتغني (سونيا مجنونة ناصر) بأهـازيج ثورية مُحـفزّة، بينما (النبي جـمال)، يبشر بالصـباح والفـجر الذي لاح، ويظهرشهاب محمولاً على الأعناق يشير بيديه نحو الرائد أكثم، ويبتسم له، فيدمغه بإحساس غريب، أن المجانين انتصروا وحققوا ما أرادوا، رغم بطش السلطة الغاشم.
إننا محظوظون لنعيش أحداث ثورة يناير المجيدة، لحظة بلحظة، حالة تشبه الميلاد، كأن مصر خرجت من شرنقة مظلمة، قبعت فيها لعقود طويلة، لترى النور، ربما أصابتنا بعض الغشاوات، لكننا تحررنا من الخـوف والظلم، وعـبرنا مرة أخـرى لضفاف الحـرية، وانتصرنا على كل هواجسنا. . إنها رؤية تفوق الخيال، ولا يدركها إلا أصحاب البصائر السديدة، والرؤى الصائبة، حالة تتجاوز منطق العقل، وحسابات الورقة والقلم، حالة تشبه الجنون، بغرابته وغموضه، ونزقه، وجموحه، وتستحق كل التضحيات.
* ثمة أزمة حقيقية تشهدها ثقافتنا بعد الثورة، هل ترى ذلك، وهل تري أن الخطاب الثقافي بحاجة الى تغييرات جذرية حتى يتواءم مع فكرة التعدد والتنوع.
* بعد الثورة حدث فوارن فكري وثقافي متوقع، فبعد عقود طويلة من الكبت، أتيح للجميع أن يناقش ويحاور، ويطرح الأسئلة، صار من حق كل مواطن أن يقول ما يشاء، وأن يُعمل عقله في طرحه للأمور.
وقفزت إلى الساحة كل التيارات، وتنوعات لغات الخطاب من ديني بكل أطيافه، إلى ليبرالي وعلماني وقومي ويساري، وأصبح الخطاب الثقافي يحتاج إلى إعـادة صياغة، وترتيب أولويات تلائم كل المستجدات المجتمعية المتلاحقة بإيقاعٍ لاهث، خاصة في توجهه للبسطاء والعاديين، لأن معظم المثقفين افتقدوا آذان المواطنين، خاصة أن هناك خطاباً تعبوياً مضاداً من دعاة الإسلام السياسي، وحتى لا نكون كالنعامة تغمس رأسها في الرمال، فإن هـذا الخطـاب يجتذب قطاعاً عريضاً من الجمـاهير، لأنه يدغدغ مشاعرهم الدينية، ويلعب بحرفية على محبة وولع المصريين بالدين، كما أن الخطاب الثقافي بحاجـة إلى أدوات وأساليب أخرى في طرح القضايا المهمة، وسماع صوت الشارع جيداً، وعـدم الاكتفاء بأحاديث المقاهي أو النـدوات والتجمعات الثقافية المنغلقة على النخبة، والتنازل عن أي خطاب استعلائي أو فوقي أثناء التعامل مع المشكلات المجتمعية المختلفة، فذلك ينفر معظم الجماهير، ويشعرهم بدونية أمام القائم بالفعل الثقافي، كما يجب على النخبة أن تغير من ذهنيتها في الطرح، باستغلال كل الأدوات المتاحة، لتصل إلى كسب احترام المواطن البسيط والإيمان برسالتها التنويرية، دون حسابات أو مغانم وتربيطات مع التيارات الأخرى.


محمود قرني

عبدالرحيم محمد احمد
30-10-2012, 12:34
الــقـــوقـــعــــــــــة
يـومـيــات مـتـلـصــص

روايــة : مصطفـى خليفــة .



تظل تجربة الاعتقال السياسي من التجارب المغرية بالكتابة و القراءة في ذات الآن، يعود ذلك إلى عدة أسباب لعل أهمها الارتباط القوي بين التجربة و الكتابة - باستثناء بعض التجارب القليلة بطبيعة الحال، أي أولئك الذين لم يعيشوا هذه التجربة، لكنهم كتبوا عنها في/ من الخارج، من حيث إن الذات الكاتبة هي في نفس الوقت الذات التي عاشت تجربة الاعتقال لتصير بعد ذلك الموضوع . هي إذن ذات و موضوع ، باعتبارها متلقيا و مرسلا: تتلقى الذات تجربة الاعتقال وكل الممارسات اللاإنسانية التي تختبرها أثناء الاعتقال، وترسل مرسلة تروي فيها هذه التجربة غالبا إلى قارئ غير مفترض و كأن المعتقل، من خلال بوحه، إنما يهدف بالدرجة الأولى إلى التنفيس عن الذاكرة عبر الكتابة، و يؤرخ لفترة عصيبة تشكل له لحظة تحول في حياته.
السبب الثاني يهم تحول هذه الذات من شخص حقيقي وجد في الزمان و المكان- عادة مكان مغلق أثناء لحظة الاعتقال- إلى شخصية ورقية تضطلع بسرد تجربة تندرج في سياق التجارب الإنسانية، و غير محددة بمكان معين، بل مرتبطة بأي رقعة جغرافية سادها/ يسودها نظام استبدادي لا يبقي و لا يذر كل من عمل على الوقوف في وجهه. في هذا الصدد قد يكون التمييز الذي قام به منظرو السرديات غير إجرائي، أي التمييز بين المؤلف الحقيقي، أو الضمني، و الراوي. باعتبار أن من يروي هو من سمع و رأى و خبر.
نص «القوقعة: يوميات متلصص» للمخرج السينمائي و الكاتب السوري «مصطفى خليفة» يندرج في هذا السياق. هو نص متوتر و رهيب من خلال توصيف كل أنواع التعذيب التي مورست على الراوي و التحول الذي سيعرفه بعد التجربة. بين هذه اللحظات يتمدد الحكي، راصدا لنا أجواء تعيش فيها الذات المعتقلة أفظع اللحظات اللاإنسانية، بما هي لحظات طرفاها الضحية و الجلاد، كل واحد منهما يجهد للانتصار على الأخر: الجلاد بجَلدها، و الضحية بجلَدها. تتحول الكتابة الذهنية إلى كتابة على الورق بسبب انعدام الورق و القلم. يصير الحفظ قلما و الذاكرة ورقة: « هذه اليوميات كتبت معظمها في السجن الصحراوي. و كلمة (كتبت) في الجملة السابقة ليست دقيقة. ففي السجن الصحراوي لا يوجد أقلام و لا أوراق للكتابة... الكتابة الذهنية أسلوب طوره الإسلاميون... عندما قررت كتابة هذه اليوميات كنت قد استطعت بالتدريب تحويل الذهن إلى شريط تسجيل.»(1)
في مجملها تحكي رواية القوقعة، كما تم تجنيسها على ظهر الغلاف، اعتقال مخرج سينمائي سوري شاب يعود من فرنسا بعد ست سنوات. يتم اعتقاله في المطار و يقاد بعد ذلك إلى السجن الصحراوي حيث سيقضي ثلاث عشرة سنة بسبب تقرير حول نكتة تلفظ بها في إحدى الحفلات. و هي جنحة عقوبتها « من سنة إلى ثلاث سنوات». غير أنه سيلبث هناك ثلاثة عشر عاما تسومه خلالها الأجهزة الأمنية القمعية العذاب هو و جميع المعتقلين، و معلوم أن الرقم 13 في الثقافة الغربية رقم مشؤوم:» ثلاثة عشر عاما و ثلاثة أشهر و ثلاثة عشر يوما.. مضت على وصول الطائرة، التي كنت على متنها، إلى مطار عاصمة الوطن.»(2) حين يطلق سراحه، يجد والديه قد قضيا، و تركا له نصيبه من الميراث. لكن دخول الحمام ليس كالخروج منه. يدرك الراوي أنه تغير بثمان و مائة درجة. سيعرف تغيرا على المستوى النفسي كما على المستوى الجسدي:» منذ أن خرجت من السجن أحسست أن هناك هوة لا يمكن ردمها أو جسر بيني و بين الآخرين، حتى أقرب الناس إلي، إخوتي أو لينا، أحكي عواطفي و مشاعري فلا أشعر تجاههم بشئ: الحيادية في المشاعر. لا شيء يثير اهتمامي.»(3)، ثم يقول:» منذ عام و أنا أعيش الحالة هذه. أعرف أن انزوائي و انكفائي، عزوفي و كرهي للتعامل مع الناس حالة غير صحية... أحس رعبا قاصما للظهر عندما يومض في ذهني خاطر أن أعود للعيش كبقية الناس. « يا إلهي كم العيش مثلهم، متعب و سخيف» «.(4)
هذا الوعي بحالة الذات في علاقتها بالآخرين يسمح بمعرفة مدى التغير الذي طرأ على الراوي بعد كل هذه السنين من التعذيب. عرف ما يقع في الضفة الأخرى. و بذلك تأتي العزلة التي بات يعيشها، و القوقعة التي شكلها حول نفسه، كشرفة يرى منها إلى سخافة الواقع و سذاجة الآخرين. إنه إدراك لمعنى الحياة داخل مجتمع تسعى فيه السلطة الحاكمة إلى تأبيد ذاتها من خلال ما تمارسها أجهزتها القمعية من ضبط و عنف على المارقين منها.
يأتي النص على شكل يوميات عدد أيامها ستون يوما، لا تسجل سوى ما ظل محفورا في الذاكرة، و يتم القفز على بعض الأيام أو الشهور، بحيث يصعب، إن لم يكن من المستحيل، معرفة عدد السنوات التي قضاها الراوي في السجن لو لم يشر إليها بنفسه. كما تمت الإشارة ، كُتبت هذه اليوميات ذهنيا و سُوِدت بعد السراح. هكذا تأتي الكتابة كسرد لتجربة ماضوية، خالقة بذلك مسافة بين الأحداث و حكيها. و هو حكي يراعي شروط طبيعة كتابة هذا النوع من الحكي. عندما يتحدث الراوي عن تجربته، يلتمس الأسلوب الذاتي من حيث كونه موضوع الذات الكاتبة.
و حين يسرد ما يقع سواء داخل المهجع أو خارجه لما يكتشف الثقب في الجدار، تتخذ الكتابة عنده الأسلوب الموضوعي؛ بحيث تصبح عينه مثل عدسة كامرا تلتقط ما يحدث و تسجله في الذاكرة. ذاكرة كل سجناء الرأي، باعتبار أن الراوي لا يذكر اسمه طوال الحكي، و أن تجربته تجربة إنسانية لا تقتصر على فرد بعينه، و إنما كل الذين طالتهم أيادي السلطة بدون موجب سبب. إنه نموذج لهذه التجربة، و التي سيسعى إلى تكريسها بنفسه عندما تصر لينا على نعته بالبطل/ الأسطورة: « فبنفس الدرجة التي تضايقني عملية اعتباري أسطورة من قبل لينا، إلا أنها تُرضي بعض العوالم الجوانية في نفسي، أي بما أنني بطل و أسطورة كبيرة في نظرها فإنني ـ مع ضيقي من ذلك ـ أحاول بأكثر من وسيلة أن أؤكد ذلك.»(5). هكذا فالتضحيات التي قدمها الراوي في نظر لينا تصبح مظهر قوة و إنجاز تقدم لأسرته، المتمثلة في أخيه و ابنة أخيه، كي تفخر به و تجعل منه أسطورة.
هذه الصورة التي يخلعها الراوي على نفسه، أو تخلعها عليه ابنة أخيه، لينا، تجد مقابلها في الصورة التي تلصقها به أجهزة السلطة، أي كأسطورة القيمة المضادة المستباحة بدون حدود، بحسب مصطفى حجازي. فانقطاع أخباره و عدم معرفة مكانه، ما هو إلا محاولة من طرف الجلاد لإلغاء إنسانية الراوي المعتقل، و تدميره ليس كشخص، و إنما « تدمير أسطورة شر و سوء». من هنا يبدو الضحية ــ الراوي هنا رمز لكل ضحايا الاعتقال ــ هي الشرير و الخطر المحدق باستقرار السلطة و أمنها.
على أن هذا الأسلوب الموضوعي لم تمله طبيعة السرد السجني و حسب، و إنما أيضا الوضعية التي ستجد فيها الذات الراوية نفسها بعد أن علم السجناء الإسلاميون انتماءه العقائدي و إلحاده، و تهمة التجسس التي ألصقت به. يكون نتيجة ذلك انزواءه، أو ما يسميه شخصيا بالقوقعة: «.. مع مرور الأيام بدأت تنمو حولي قوقعة بجدارين: جدار صاغه كرههم لي. كنت أسبح في بحر من الكراهية و الحقد و الاشمئزاز، و حاولت جاهدا ألا أغرق في هذا البحر، و الجدار الثاني صاغه خوفي منهم !»(6)، ثم « «كسلحفاة أحست بالخطر و انسحبت داخل قوقعتها، أجلس داخل قوقعتي.... أتلصص، أراقب، أسجل، و أنتظر فرجا» «(7).
هكذا، إذن، تجد الشخصية الراوية نفسها حبيسة فضاءين مغلقين: فضاء المهجع كمكان قسري زج بالراوي فيه بقصد الإذلال و التعذيب، و فضاء العزلة الذاتية بسبب التمايز العقائدي و اختلاف القناعات، و الخوف من الموت المحدق به. يصير المهجع فضاء اللاتسامح بين الأديان: « ـ لكنه نصراني... و جاسوس !»(8). من ثمة، و بشكل عبثي، يعاني الراوي نوعين من التعذيب: التعذيب الجسدي الممارس من قبل أجهزة النظام، و تعذيب نفسي من السجناء الإسلاميين المتشددين بسبب معتقده الديني، بحيث لن يتكلم إلا مكرها بعد سنوات: « ـ يا جماعة، أكثر من عشر سنوات حكمتم علي بالسكوت، لقد سمعتم كثيرا، و الآن اسمعوني لدقائق فقط.»(9)
في ظل هذا الوضع الصعب لا يبقى أمام الراوي سوى الانكفاء على الذات و الالتجاء إلى الأحلام كملاذ و مهرب، ذلك أنه بتكون الحاجة تتوارد صور إشباعها. « أحلم أحد أحلامي الصغيرة، و قد صغرت كل أحلامي.»(10) و إلى التلصص أولا من القوقعة التي شكلها اضطرارا، و من الثقب الذي اكتشفه صدفة: « عندما صفق المساعد الباب و من قوة الضربة سقطت هذه الكتلة الإسمنتية و التي يبدو أنها بالأساس متشققة و أحدثت هذا الثقب.»(11)
لعل استراتيجية التلصص التي التمسها الراوي هنا تلعب على الجانب الانفعالي للقارئ ، إذ تسمح بإذكاء الرغبة لمعرفة ما يحدث خارج المهاجع، و هو أفظع مما يحدث داخلها. و يدفع إلى القراءة، باعتبار أن حب النظر و الفضول من خصائص الذات البشرية. هذا الإغراء الذي يمارسه الراوي على قارئ مرويه يعلن عن ذاته منذ العنوان الفرعي: يوميات متلصص. إن التلصص هنا لا يعني النظر خفية إلى الآخر و حسب، و إنما أيضا مسعى للبحث عن الذات، بحيث ترى الشخصية الرئيسية ذاتها في كل السجناء من حيث اشتراكها معهم في نفس المحنة.
و لئن اختلف معنى التلصص عن معناه المعتاد:» إن التلصص الذي مارسته لم يكن تلصصا جنسيا ــ و إن لم يخل الأمر من ذلك.»(12)، فإن هناك من مشاهد التعذيب ما يناظر ذلك، أي ما يماثل الفعل الجنسي، من حيث إن الجنس يحمل معه العنف، و هو مظهر عدواني فيه التحدي و استعراض القوة. مثل مشهد الوحش: « يتوقف الوحش قليلا و هو يلهث، بعدها و بحركات هستيرية يضع أحد طرفي العصا بين إليتي الجثة و يدفع بها إلى الأمام، تتحرك الجثة كلها إلى الأمام، يستمر الوحش بالضغط، الطرف الثاني للعصا بين يديه الاثنتين يركزه في موضع قضيبه و يبدأ بدفع العصا بين إليتي الجثة رهزا...»(13)
هكذا، يتمظهر التلصص أولا كمحاولة لإشباع رغبة الراوي للمعرفة، رغبة ملئها الخوف من قادم الأيام و كتنفيس عن ما يختبره من تعذيب و إذلال، على غرار ما تقوله العرب: إذا عمت هانت؛ و ثانيا كشخصية تضطلع بفعل نقل ما يحدث داخل أسوار السجن الصحراوي. وهو نقل لغيض من فيض: « و الآن أفرغ «بعض» ما احتواه الشريط.»(14). و إذن فما حدث أكبر بكثير مما تم نقله. كيفما كان الحال، فما يرويه الراوي يشهد على حجم درجة الإذلال التي يتعرض له المعتقل على يد الجلاد في سياق علاقة متوترة يسعى كل طرف فيها إلى الانتصار على الآخر. بقدر ما يجهد الجلاد في انتزاع ما يود انتزاعه من الضحية، و تحقير الضحية و إذلالها و تجريدها من كل دلالة إنسانية، تصر هذه الأخيرة على عنادها: « أجالد نفسي خوفا من السقوط. يحدث انفصال تام بين العقل و الجسد. عقلي صاف تماما وواعِ كل ما يجري حولي. أما جسدي فينفصل عني شيئا فشيئا خدرا و تجمدا.»(15)، ثم: « بقيت صامدا، لم أضعف مطلقا هذه المرة، كنت دائما أقول لنفسي إنها ساعات ألم مؤقتة ستزول. أتلهى بأفكار أخرى... قلت في سري برنة تحمل التباهي: - هذه معمودية صيرورتي رجلا يحترم نفسه.»(16)
هذا الانتصار يجد مصدره في عناد الراوي و في التجربة التي خبرها في السجن، و هي ما ستسمح له بأن ينعت بالبطل بعد محاولة الجلاد لإلغائه و هدر إنسانيته حتى قبيل إطلاق سراحه، حيث محاولة تدجينه، و تطويعه و توظيفه لخدمة السلطة كمتعاون معها أو مخبر: « لكنني قررت: « لا مزيد من الذل، و ليكن السجن أو الموت».»(17) غير أن المفارقة تكمن رمزيا في تحول الراوي إلى بطل في فيلم كتبت سيناريوهه أجهزة السلطة القمعية، و قام هو بإخراجه، فيما يقوم الجلاد بصورة لاواعية بإلغاء ذاته كإنسان، من خلال استخدام السلطة له كأداة لفرض قوتها. و هكذا، فعدوانيته تحط من قيمته إلى درجة أحط من الحيوان الذي تقتصر عدوانيته على الافتراس من أجل الطعام، لكنه لا يعتقل فريسته.
تلك هي حقيقة الجلاد الذي يتوهم أهميته، في حين أنه رهين أيديولوجية معينة تحد من كرامته، مُشيئة إياه كآلية من آلياتها، و موهمة إياه بأنه يقوم بواجب نبيل من أجل الوطن. يقول الراوي عندما يوصلونه إلى السجن: « أمام السجن عشرات من عناصر الشرطة العسكرية. الباب صغير، تصدم العين لوحة حجرية فوق الباب مخططة بالأسود النافر: « و لكم في الحياة قصاص يا أولي الألباب». «(18) هذا الوهم يمنح الجلاد إحساسا بعدم الشعور بالذنب من جراء ما يقوم به لانتهاك كرامة الإنسان، لاعتقاده بأنه يدافع عن قضية سامية مرتبطة بالوطن و الدين.
و لئن كان الراوي قد ذاق كل أصناف التعذيب، و خرج منتصرا، لكونه لم يتحول إلى ميفستوفيلس جديد ? لم يبع نفسه إلى الشيطان ? بل ظل مصرا على حماية كرامته و إنسانيته ــ « أهم ما تعلمته منهم هو معنى و أهمية الكرامة الرجولة»(19) ــ فإن الجلاد، من حيث أداة طيعة للسلطة، قد ضل الطريق، باعتبار أن خادمها يكشف عن ذكائه و نباهته عندما يعارضها. و كما أن الضحية في نظر الجلاد مصدر الشرور، فإن الجلاد هو أيضا في نظر الضحية شر محض. من هنا انهيار الارتباط الإنساني بينهما، من حيث هو ارتباط يشكل أس العلاقات الإنسانية. كلامها يفقد إنسانيته لحظة التعذيب، لكون الذات لا تكتسب هذه القيمة إلا في علاقتها بالآخر.
هكذا، إذن، لا يثبت الجلاد قوته، و قدرته، و سطوته إلا داخل المعتقل، حيث يمارس ساديته، ملغيا بذلك قيمته الإنسانية. ففي حين يتوج الراوي بطلا/ أسطورة في نهاية النص بفعل ما قام به من تضحيات، و من خلال التجارب التي تجعل منه ذاتا إيجابية، لا تعطى للجلاد أي قيمة خارج أسوار السجن. إنه سجين ساديته، و أداة طيعة في يد مرؤوسيه، أداة تصبح عديمة الجدوى لحظة انتهاء صلاحيتها. فهو نكرة في الخارج، و ذاتا مشيئة في الداخل. و إذ يسعى إلى تحطيم صورة ذات الضحية من خلال تجريدها من خصوصياتها، إنما يقوم بشكل لاواع بتحطيم كيانه عندما يكشف عن هوانه و ضعفه، معتقدا أن تدمير ذات الضحية انتصار لشخصه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
1. مصطفى خليفة، القوقعة: يوميات متلصص، دار الآداب، ط 1، بيروت، 2008، ص. 9
2. نفسه، ص.341
3. نفسه، صص، 364-365
4. نفسه،ص. 381
5. نفسه، ص.361-362
6. نفسه،ص. 72
7. نفسه، ص. 78
8. نفسه، ص. 71
9. نفسه، ص. 218
10نفسه، ص. 182
11.نفسه، ص. 127
12. نفسه، ص. 8
13. نفسه، ص.227
14. نفسه، ص. 9
15. نفسه، صص. 178-179
16. نفسه، ص. 320
17. نفسه، ص. 338
18. نفسه، ص. 39
19. نفسه، ص. 338

عبدالرحيم محمد احمد
30-10-2012, 12:36
..........

عبدالرحيم محمد احمد
30-10-2012, 22:52
'مـــولانـــا'

رواية : ابراهيم عيسـى .


جدلية العلاقة بين الدين والسياســـة .

تعد رواية ' مولانا' للكاتب والصحافي المصري إبراهيم عيسى - التي صدرت في طبعتها الثالثة عن دار بلومزبري ـ مؤسسة قطر للنشر 2012 ـ من الروايات العربية التي طرحت بجرأة علاقة رجل الدين بالسلطة السياسية في عالمنا العربي.
هذه العلاقة الجدلية التي تكون مشبوهة في أحيان كثيرة بالنسبة للعامة والمتخصصين، لأنها علاقة تقوم على المنفعة الشخصية والمصلحة التي يتقرَّب بسببها رجل السلطة من رجل الدين، لتلبية رغباته ونزواته الشخصية والسياسية وتَدَيُنِهَا، ومن ثمَّ يصبح الدين خادما للسياسة مزخرفا وجهها القبيح، وقد حفل تاريخنا العربي بالكثير من الحكايات التي صوَّرت رجل الدين على أنه خادم للسلطة وليس العكس، ومن ثم فقد اعتمد الراوي على شخصية محورية داخل الرواية وهي شخصية (مولانا الشيخ حاتم الشنّاوي) ذلك الفتي الذي نشأ في أحد الأحياء الشعبية في القاهرة وتخرج في الأزهر الشريف وتدرج في مناصب الشهرة الزائفة حتى أصبح نجما فضائيا كما نجوم السينما تتلهف عليه القلوب الفارغة والعقول المخبونة الضعيفة التي لا تصدق إلا كل ما يروق لها من فتوى وحكايات لا أساس لها من دعاة مشكوك في توجهاتهم وتحمل صورهم الكثير من علامات الاستفهام، وعليه فقدم إبراهيم عيسى شخصية حاتم الشناوي في روايته معتمدا على الإسقاط الاجتماعي. فهو الشخصية البطل (مولانا) الذي تدور حوله الأحداث أو هو الذي يحرك الأحداث بمساعدة الرواي العليم / السارد العليم الذي يملك كل تفاصيل الرواية معتمدا على لغة سردية عميقة و بسيطة في الوقت نفسه تشبه لغة الحياة اليومية التي تلوكها ألسنة العامة من الشعب المصري، مرتكزا على تنوع مستوى الخطاب اللغوي أيضا داخل الرواية بين الفصحى التي ترد على لسان مولانا الشيخ حاتم ويستخدمها في لقاءاته التلفزيونية وأمسياته الدينية وفتواه، وبين اللغة العامية - إن جاز التعبير - التي يستخدمها حاتم نفسه في لقاءاته الخاصة مع أصدقائه ومحبيه ورجال أمن الدولة من السياسيين وأتباعهم من أهل العسس والحنجلية والنصابين، وهي تقترب من لغة المهمشين الذين لم يكن لهم حظ من التعليم ويحملون كل الصفات القميئة التي تلبي مصالحهم!
وعليه فقد اعتمد السارد العليم على بؤرة مركزية في السرد وهي شخصية حاتم وكأنها مفتاح الرواية ،لأنها شخصية انتهازية لا تؤمن بالمبادئ العامة ولا الأخلاق التربوية السليمة التي نصَّ عليها الإسلام الحنيف، بل تؤمن بمقولة : قلْ شيئا وافعل شيئا آخر، والغاية تبرر الوسيلة، فقد ارتكز حاتم على عملية الخداع النفسي والإخلاقي على عامة الناس من خلال أحاديثه المكذوبة التي تقوم بتلفيق الحق بالباطل وتَقْلِب الموازين فتجعل الباطل حقا والحق باطلا، وكان هدفها هو الحصول على المال بأي وسيلة ممكنة متاجرا بالدين والفقه والتفسير، وكل العلوم الشرعية التي حفظ منها القليل وبعض الإسرائليات من الحكايات المكذوبة أيضا لكي يقوم بعملية الترغيب والترهيب والقصص التي تلوكها ألسنة البسطاء من الناس، وفي الوقت نفسه يصدقونها ولا يحيدون عنها مطلقا، فقد سلموا عقولهم إلى الداعية (مولانا الشيخ حاتم)، واتخذوه قدوة ونموذجا لحياتهم التعسة التي اعتمدت على تصديق الأكاذيب التي يتفوه بها الدعاة الجدد الذين قفزوا على حياتنا الدينية ونصبوا أنفسهم شيوخا بدلا من الأزهر الشريف ..
وقد اتكأ عيسى على رسم شخصية حاتم بكل تفصيلاتها العقلية والفكرية المتناقضة فيقول حاتم متحدثا عن نفسه أمام والده: 'وهل هذا يبقى شيخا؟ هذا موظف بدرجة سيخ، عارف أنا ايه يابابا، أنا تاجر علم!' (مولانا، ص 11)
إن حديث الشخصية عن نفسها يومئ إلى دلالة مهمة وهي أن حاتم نفسه يدرك ما يقوم به من أفعال مكذوبة فهو تاجر علم على حد قوله امتهن هذه المهنة ليتاجر بالعلم ويجمع الأموال باسم الدين والعلم من الأغنياء والفقراء معا .. رغم إن تجارة العلم الدنيوي المتعلق بحياة الناس من تجارة وصناعة وفيزياء وكيمياء ليست عيبا أو أمرا مشينا، لكن المتاجرة بالدين وبعقيدة الناس ومعتقداتهم هذا هو الأمر المشين الذي يجعل الداعية منافقا ومدلسا عظيما لما يقوم به من تدليس ونسج الأكاذيب لكي يجمع المال ويكتنز الذهب والفضة والمجوهرات ويستعمل الخدم والحشم والفتيات الصغيرات اللاتي يحببنه ويفضلن الالتزام على يديه الطاهرتين وهو يستغلهن ويمارس معهن الرذيلة التي لا تناسب رجل الدين الذي يقول: (قال الله وقال الرسول)
على مشهد جنسي واضح بين حاتم الشناوي ونشوى تلك الفتاة التي أوهمت حاتم بحبها الشديد له وفي الوقت نفسه هي مجندة من قبل جهاز أمن الدولة لابتزاز حاتم وقامت بسرقة الأمانة التي تركها الشيخ مختار الحسيني عند حاتم. ولم يكتشف حاتم هذه السرقة إلا عندما تعترف نشوى على نفسها في زيارتها له. وهنا يدرك حاتم أنهم يعرفون عنه كل شيء بل يراقبون تحركاته واتصالاته من أجل خدمتهم واستغلاله في نشر الجهل بين أفراد الشعب، كي لا يفكر هذا الشعب في السياسة أو العدالة أو الحرية أو أمور الحكم المستبد.
ارتكزت رواية مولانا على استدعاء النص القرآني بشكل واسع والنص النبوي والسيري وغيرها من النصوص الدينية التي جاءت على لسان الشخصية الرئيسية في الرواية (شخصية حاتم) ولا يخلو هذا الاستدعاء من دلالات متعددة مفادها، أن الروائي إبراهيم عيسى يمتلك ثقافة دينية كبيرة يستطيع من خلالها تنويع المستوي السردي داخل الرواية ،وقد جاء توظيف آيات بعينها من القرآن الكريم على لسان الشيخ حاتم أثناء جداله مع المتصلين ببرامجه المتنوعة التي لاقت رواجا لدي العامة ومخروقي العقول، وكان مولانا يختار الآيات التي تعزز قوله وتقويه والروايات والقصص التي تمكنه من الانتصار والإقناع، وأيضا جاءت هذه الآيات القرآنية أثناء جداله مع حسن بطرس الشاب المسلم (ابن الأثرياء وأخته زوجة ابن السيد الرئيس) الذي تحول إلى المسيحية ،وكان على حاتم أن يرده إلى الإسلام كما أمره ابن الرجل الكبير الذي استدعاه في بيته طلبا مشورته وفقهه ،كان قد تعرف عليه عن طريق نادر الممثل، وهنا تتجلي صورة السلطة واستغلالها لرجل الدين الذي ينفذ أوامر أهل الحكم ولايستطيع الاعتراض عليها، ثم يفشل حاتم في رده إلى الإسلام، لأنه يدرك أن حسن لم يخرج عن الإسلام ولم يدخل في المسيحية، لكن مشكلته مع أسرته التي أرهقته نفسيا فهو بحاجة للانفصال عن أسرته حتى يستقر نفسيا مستقلا عنها، هكذا كان تصوره عن حسن بطرس كما قاله لزوجته أميمة التي كانت تراقب تصرفات حاتم وأفعاله، لكنها لا تناقشه كثيرا فقد أُصِيبَتْ علاقتهما بالفتور والضعف منذ فقدان عمر ابنهما الوحيد ذاكرته عندما أنقذوه من الغرق ومن ثم سفره إلى إنجلترا للعلاج، أميمة زوجته التي اعترفت لحاتم بخيانتها مع الطبيب (عادل ) الذي كان يعالج عمر في المستشفى وكان حاتم هائما على وجهه ينظف المساجد والمراحيض هروبا من تحمل المسؤولية، مناجيا ربه أن يشفي له ابنه عمر . كل هذه السرود المتدفقة في رواية مولانا تشي بمجموعة من التقنيات السردية لدى الروائي إبراهيم عيسى وهي امتلاكه الجلي لخطوط السردي الروائي ومنطقيتها ومحاولا طلائها بالخيال المختلط بالواقع ، ثانيا : الاعتماد على الرمز الشخصي داخل الرواية بشكل كبير واصفا حياة الدعاة المتحولين من أمر إلى أمر مناقض له، ثالثا: اعتمد الروائي عيسى على اللعب بخطوط المكان والزمان داخل النص الروائي وكأنه داخل حلبة الصراع، على الرغم من تأكيد السارد العليم مكررا أنه خارج الصراع أصلا وليس طرفا فيه ولن يكون، لكن الرواية تذكر عكس ذلك تماما، وهي أن السارد العليم ركن ركين من مجريات الأحداث داخل الرواية، ومن التقنيات المهمة أيضا واللافتة للنظر لدى عيسى هي اللعب بتقنية الاسترجاع (الفلاش باك) داخل الرواية وتممثل ذلك في شخصية حاتم عندما يسترجع بداياته وكيف كان فقيرا لا يجد شيئا ، وحياة والده وزوجة والده وأخوته، اعتمد على الاسترجاع أيضا في الليلة السوداء التي قضاها حاتم في حجرة مظلة في أمن الدولة تركوه وحيدا لاقيمة له ونالوا من هيبته مما اضطر حاتم إلى أن يبول عليهم في الحجرة وهو يعرف أنهم يراقبونه من خلال الكاميرات، ثم يخلص من هذا كله ليخلو بنفسه في حلقات الذكر داخل الحجرة القذرة المملوءة بهوام الأرض، متحديا لهم معلنا عن سخطه الذي لايستطيع أن يبوح به في حضورهم .
طرح عيسى من خلال مولانا الكثير من القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية التي ألمت بالشعب المصري ما قبل ثورة كانون الثاني (يناير) 2011، هذه القضايا كانت نذيرا مهما بولادة الثورة وقد تنبأ عيسى نفسه بها في الكثير من مقالاته الساخرة التي لاتخلو من حس فكاهي تجلي كثيرا أثناء السرد وقد جاءت على لسان حاتم مولامنا خفيف الظل الذي يقلب الأمور سخرية وضحكا، على الرغم من أن هذه السخرية تحمل دلالات كثيرة منها الوجع المستمر الذي يحمله حاتم من الواقع الرديء الذي لا يستطيع أن يجابهه بل انهزم أمامه ولم يستطع أن ينتج واقعا بديلا أكثر إنتاجا وعملا نافعا للوطن. وفي نهاية الرواية، فقد خاتم عيسى بحادثة زلزلت الواقع المصري وبخاصة الأقباط وهي تفجير كنسية القديسين بالإسكندرية التي الحادثة التي كان بطلها حسن بطرس الذي كان صديقا لحاتم، فيفزع حاتم عندما يري الفيديو الذي عرضه الأنبا موسى على حاتم فيقول الأنبا موسى موجها خطابه لحاتم : 'لابد أن نتحرك سريعا، فلدينا شباب يغلي كما رأيت بنفسك، والأقباط ليس في مصر وحدها، بل في العالم كله، وصلوا مع هذه الحادثة إلى درجة من عدم القدرة على التحمل، وقد حصل بعضهم على هذه الصور والأدلة، والمسألة صارت محسومة لديهم، وهم يهددوننا حتى في الكنيسة، أنه لو لم يسلِّم حسن نفسه خلال اثنتين وسبعين ساعة فسوف يعرضون هذه المشاهد في العالم كله ويفضحون تورط عائلة صهر الرئيس شخصيا في قتل الأقباط وتفجير الكنائس، وللأسف يا مولانا فقد جمعوا كل ما يخص حسن بما فيه دروك ووجودك معه، وهناك من يزعم أنه فيه شبهة تورط بينكما على الرغم من إيماننا الكامل في الكنيسة أنك أبعد الناس عن التطرف عموما تحارب التعصب ضد الأقباط خصوصا.' يبدو الاندهاش والتعجب على الشيخ حاتم الشناوي وعدم التصديق لكنه عندما رأي صورة حسن هو الذي قام بعملية التفجير، وشبهة تورطه هو نفسه جعلته لايستطيع الحراك، فقد طلب الأنبا موسى من حاتم أن يساعدهم وأن يقنع حسن بأن يسلم نفسه.. يبدو المشهد الأخير في الرواية مؤثرا من خلال طرح قضية الأقباط في مصر وعلاقتها بالسياسة، ودور النظام السابق في تفجير هذه القضايا لإلهاء الشعب بالفتنة الطائفية التي تقاعست الدولة عن حلها واكتفت بتبادل القبلات والأحضان الباردة بين شيخ الأزهر وقداسة الأنبا، وتظل المشكلة قائمة.. حاول إبراهيم عيسى في هذه الرواية الجريئة أن يطرح أسئلة كثيرة حول ماهية الدعاة الجدد الذين تركوا أعمالهم الأصلية التي تخصصوا فيها ومارسوا الفتيا والوعظ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وساهموا في تهميش الأزهر الشريف، بل سخروا من علمائه وقضوا على العلم فيه من خلال تشددهم وغطرستهم ،متمسكين بخطاب ديني تكفيري يحتقر العقل ويشجع الظلام والتخلف. فقد فضحت الرواية الكثير من الكوإلىس الفنية في عالم الدعاة وعلاقاتهم المشبوهة . فهي تعد رواية سياسية اجتماعية من الدرجة الأولي لماتحمله من طرح واسع لتجسيد حركة المجتمع المصري في السنوات العشر الأخيرة من حكم الرئيس السابق مبارك ...

د.أحمد الصغير : ناقد من مصر

عبدالرحيم محمد احمد
01-11-2012, 22:35
'بـــنـــات فـــي حـــكـــايـــات'

رواية : رشـــا سميـــر .

الحيـــاة لا تقبـــل الهـــزيـمـــة


'بنات في حكايات' رواية جديدة للكاتبة رشا سمير صدرت حديثا عن مكتبة 'الدَّار العربية للكتاب' الشقيقة الصغرى، للدار المصرية اللبنانية.
تقع الرواية في 460 صفحة من القطع المتوسط، بغلاف الفنان عمرو الكفراوي، وهي الرواية الخامسة لرشا سمير بعد: 'حواديت عرافة' 1995، و'معبد الحب' 2001، و'حب خلف المشربية' 2005، و'يعني إيه راجل' 2011.
تدور حكايات الرواية الجديدة 'بنات في حكايات' في عوالم نسوية بامتياز، حيث يشكل الحب القيمة المركزية لأغلب أعمال الكاتبة، حتى أنه يشكل محور الرؤية الفنية لديها، وتنبني تصورات العالم وفهمه ومحاولة حل تشابكاته انطلاقا من هذه القيمة: (الحب) ولا يقف الحب في هذا العمل باعتباره مشكلة نسوية فحسب، بل هو الطريق الأوحد والأمثل للتحقق الإنساني، وفي محاولاتنا للتحقق نكون غالبا ضحايا لظروف خارجة عن إرادتنا، مثل أشخاص انتهازيين أو خلاف الوالدين، أو غيرها من الظروف.
شخصيات العمل كلها باحثة عن الحب، وتحاول التحقق مثل: سارة، جمانة، سلمى، حنان، وكلهن يواجهن أطرافا أخرى تشكل محور السلب في الرواية مثل أسامة زوج حنان، وفهمي سائق عائلة سلمى، وفي النهاية ينتصر النبل والرغبة في الحب والتحقق، كل هذه العوالم نراها من خلال عيني 'فريدة' مدرسة الرسم، وهي في الأساس فنانة تشكيلية خريجة قسم الهندسة في الجامعة الأمريكية، تحاول فريدة بحس الفنان وإحساسه بالمسؤولية الاجتماعية، الوقوف بجوار جميع شخصيات الرواية، باعتبارهن تلميذات لها في المدرسة، حتى يصلن بهن جميعا إلى بر الأمان ولحظات التحقق، وفي سبيل ذلك تقوم بدور الطبيبة النفسية لفهم ما تمر به الفتيات من مشكلات، لتكتشف في النهاية أنهن ضحايا لآخرين مثل:
'سارة': التي سافر والداها إلى الخليج بحثا عن التحقق المادي، مضحين بالتحقق النفسي لبنتهما، فتقع سارة في مشكلات نفسية معقدة، وتكاد تضيع لولا وجود فريدة في حياتها، التي تأخذ بيدها حتى تصل بها إلى بر الأمان، ثم تلتقيان في النهاية في باريس وسارة متزوجة ولديها ابنة سمتها على اسم مدرستها 'فريدة'.
و'جمانة' الفتاة المتمردة، ذات الطاقات النفسية الهائلة التي لا تستغل، وفي النهاية تنضم إلى جماعة 'الإيموز' لإخراج طاقاتها، وهي أيضا ضحية طلاق الوالدين، وفي محاولتها للتحقق تكاد أيضا تضيع، لكن دخول فريدة في حياتها يغيِّر مجراها .
'سلمى'، أبوها رجل أعمال، وأمها سيدة مجتمع، وكلاهما مشغول عنها بعالمه الخاص، ومحاولاته للتحقق على طريقته، تقع ضحية لفهمي السائق الانتهازي الذي يأخذها إلى جماعة متطرفة بحجة تلقي دروس دينية، وفي النهاية يحاول الاعتداء عليها.
ولا ننسى شخصية حنان، المدرسة زميلة فريدة وزوجها أسامة الذي سافر إلى أمريكا وانبهر بالغرب، فعاد إلى مصر مبشرا وناشرا للفكر الغربي.
كل هذه الشخصيات تقدِّم صورة بانورامية للمجتمع المصري بشكل عام، ولمشكلات الشباب بوجه خاص، ودور الفنْانين والمثقفين في التصدي لهذه المشكلات من خلال شخصية الفنانة فريدة التي تعي دورها جيدا، وحركتها في المجتمع، لتتجاوز الرواية بذلك، فكرة المجتمع الضيق الذي تنتمي إليه فريدة، لتغوص في المجتمع الكبير، ومحاولة رؤيته بشكل أعمق. حتى أن عناوين فصول الرواية تأتي من كلمة واحدة فعل غير مضاف إلى شيء يكتسب صفة العمودية ولا ينسحب فقط على شخصية متعينة مثل: تتمرد، تبوح، تتشاجر، تروي، تتعلم، تعتقد، تصطدم، تتذكر، تتزوج، تتهرب، تلهو، تنجذب، تنزلق، تفضفض، تنزوي، تعترف، تعاند.
تتعامل الرواية مع المجتمع العربي كله، باعتباره وحدة واحدة، يعاني أبناؤه المشكلات نفسها، ويواجهون العقبات والتحديات نفسها ولا سبيل أمامهم إلا التعاضد والمحبة لعبور واقعهم الأليم.
لجأت الكاتبة إلى تقنيات فنية على مستوى الشكل، تتسم بالبساطة واليسر، من خلال طريقة سرد عمودية، تجعل من التفاصيل الإنسانية الرقيقة بمثابة الأنهر الصغيرة التي تصب في نهر الرواية الكبير، كما تراوح الروائية بين الوصف الخارجي للشخصية باعتباره انعكاسا لما يعتمل في باطنها، ومثال على ذلك وصفها لإحدى شخصيات العمل المهمة 'سارة': 'شعرها الأسود الداكن المموّج الذي تتركه وراءها طليقا معانقا الهواء، معبرا عن أنوثة مبكرة تحاول النهوض على قدميها، على الرغم من كونها لا تزال تحبو، عيناها السوداوان، اللتان تعلوهما نظرة تحد واحتجاج، وقسمات وجهها التي تفيض بطفولة، تتخفى وراء قسوة مفتعلة، تحاول جعلها ستارا حديديّا تحتمي به'.

عبدالرحيم محمد احمد
01-11-2012, 23:16
'اوديـــة الـــعـــطـــش'

للروائي الموريتاني : بدي ولد ابنو


هناك إبداعات شعرية وروائية ومسرحية تنبّأت بثورات الغضب العربي، لأن أصحابها أحسوا ووعوا مبكّرا بأن الأزمة الأخلاقية والمادية والفكرية والاجتماعية الخانقة ستؤدي حتما إلى انفجار طال الزمن أم قصر، وهنا تكمن قوة المبدع ويكمن حدسه.
لأنه ابن الواقع وإرهاصاته، هذا الواقع الممزق الذي يعايشه يوميا، دون أن يلمس أي أمل في الأفق، ما دامت تلك الأنظمة القمعية باقية تعيث في الأرض فسادا، ولم يكن أمام المبدعين العرب إلا أن يقرأوا ويحللوا معطيات هذا الواقع المزري، فكان مادة خصبة لبعض أعمالهم التي استقرأت الحاضر وحاولت فك طلاسم المستقبل، حيث لم يكن من بد أمامهم إلا الانطلاق مما بين أيديهم من المعطيات التي يكتوون بها يوميا لبناء قراءة مفعمة بأمل الثورة والتغيير، هذا ما نراه في رواية المبدع الموريتاني بدي ولد ابنو، وهي بعنوان :' أودية العطش' الصادرة حديثا في الدار البيضاء، عن منشورات عرفان، والتي تقع في 93 صفحة، وتضم مجموعة فصول على شكل أيام الأسبوع تضاف إليها اسم واد، على سبيل المثال الأحد وادي الصمت، الاثنين وادي النجم، الثلاثاء وادي الرحيل، الأربعاء وادي الصخرة، الخميس وادي النهر، الجمعة وادي الهزيع، مع خلو الوادي السابع من تسمية.
يقدم لنا الراوي الأحداث في أغلب الأحيان بضمير نحن، ويبرز لنا من خلال هذه الأودية قراءة للعالم العربي عبر فئاته الاجتماعية وكل فئة تمثلها جماعة، حيث يأتي على ذكر الفئة الخانقة، الفئة الثائرة، الفئة الصامتة، يخاطبها في بعدها الرمزي، وأحيانا بشخصها، أي يأتي بمسميات من عندياته مثل 'الفئة المفكّرة' ويرمز إليها بالجمجمة، ويقصد بها فئة النخبة التي تحدثت وناقشت أمر السلطة، فقضى عليها السلطان الحاكم.
أما الفئة التي قامت بالثورة فيرمز إليها بملفوظ المجنون، لأن المواطن قبل ثورات الغضب العربي كان يعتبر تحويل النظام من الدكتاتورية إلى الديمقراطية فيه نوع من الجنون، أي نوع من اللا مفكر فيه.
يرمز إلى الحرية بملفوظ العذراء التي يعجب بها المجنون ويقوم بكل ما يستطيع ليقترب منها بحثا عن الوصال. ' لما كنت إياي وكنت إياك ولفظت غيرك، ورأيت العزلة مطلبا للوصال، والوحدة مولدا للتوحد، اعتقدت وإياك أن الحين حان، وأن اليقين حضر، فما كان الحين ولا اليقين إلا آجلا لانقشاع وهم قديم' ( ص.69 من الرواية).
يصف الراوي في بداية الرواية الشعوب العربية ككتلة واحدة، ويرمز إليها بضمير الجمع لأنها صامتة وغير مميزة المعالم، ولكنها عند اقتراب ثورة الغضب العربي ( رغم أننا نعرف بأن هذه الرواية قد نشرت في طبعتها الأولى عام 2000) انتفضت في كل مكان، مما يمثل إرهاصا ونبوءة بقيام هذه الثورات، وهذا يعكس قدرة الأديب في استشرافه للغد.
أما في فصل النهاء، أو النهاية فيقفز الراوي فوق أحداث الثورة ويصف الحاكم بعد تجريده من السلطة في حالته النفسية، حيث يصف تصرفه ووهمه الذي لم يتحول، إذ يقول في ص.85 من الرواية ' ذكر قوم أنهم رأوا الذي له علم بالسلطان وحده هائما في مدن الروم، وقد ساء حاله، وشاخ، وابيض رأسه'. ، حتى أدت به الحال إلى أن صار ' يؤم كل يوم، كل صبح، إحدى الحانات يؤذن في الروم صمتا، وينادمهم علّ الشمس تطلع من مغربها'. مما يبين بأنها صلاة رمزية تظهر استحالة رجوعه إلى السلطة.
نلاحظ استخدام وتوظيف أجواء من البعد الصوفي، خاصة حين يتحدّث عن الحرية بمنطوق العذراء، فيناجيها مناجاة صوفية ليبرهن بأن الحرية مطلب جوّاني لا تتم الحياة إلا به ' سأشرب حتى تمتلئ المقامات عطشا. ساعتها ترون من أنا. هل تريدون أن تعرفوا من أنا ؟ كيان تافه...أنا وحدي الموجود والوجود. أنا أنا. من يرني ير العوالم الحقة'. ( ص.66 من الرواية).
يوظف الراوي الشعر العربي القديم والقرآن الكريم والتاريخ العربي في شقه الاستبدادي وكأنه يؤكد للقارئ بأن الاستبداد موروث عربي يجب التخلص منه، وأينما تواجد السلطان يستخدم في المتن الروائي يستخدم الراوي كثيرا الخطاب الديني عبر الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ليرمز لاستعانة الحاكم برجال الدين لتدعيم سلطته وترسيخها، ولكنه في مسعاه هذا حريص على إعطاء العبارة بعدها الجمالي لأنه يقتطع من الآية كلمات ليربطها بالنص المقدس ولكنها لتفارقه في نفس الوقت، فهي نوع من الحداثة في الحكي الروائي الذي يخاطب المتلقي عبر صعيدين: يستدعي النص الغائب بنصفه الحاضر.
وهو ينشد التغيير حينما يقول ' الشتاء يسبق الربيع. ذلك تعاقب لا راد له... من يقبل بالشتاء يظل في الشتاء، ومن يتوقف في البحر يغرق، عجبت لمن يضرب في البحر حينا، كيف لا يرى الأودية والجبال؟ وكيف لا يسمع أحاديث العصافير، وينصت لأناشيدها ؟' ( ص.67).. وهذه الفقرة واضحة وضوح الشمس، لأن الراوي يرى بأن الثورة ستقضي على البؤس وعلى قساوة الشتاء، وعليه يجب أن نثق في الشباب الذين يعدّون خميرة المجتمع، وهي نغمة أمل كبيرة يسجّلها بعد أن كشف أو تبصّر في وضع العالم العربي، وحين حلّل معاناة شعوبه، حيث يقول في الصفحة 13 واصفا الوضع المزري للأمة ' وكان العطش... ومسنا الضر... وكنا نزرا ملتحفا بالرفض. في كل واد نهيم، وعن كل غائب نسأل، وإلى كل مجهول نتوق، والسلطان يجمع الجمع في أدنى الأودية. الساعة ساعة القهر. والشاطئ شاطئ العدم. والذاكرة متناثرة، خلف الهزيع السابع. كأنها وجود منتحر، أو رجوع صامت، أو موت محض' ( ص15 من الرواية).
أو كما جاء في الصفحة 25، حيث يعلن السلطان حكمه وجبروته على الناس، فهو الآمر الناهي، وهو حاكم البلاد والعباد، حينما يخطب فيهم قائلا: 'أيها الناس اسمعوا وعوا، إذا وعيتم فاسجدوا لي وأركعوا؟ ألا إن في البر موتا وقتلا، وفي البحر رعبا وهلعا، من شاء فليصمت ومن شاء فليمت، كبر اسمي وتنزّه، ولأهل السلطان السماء والأرض، ولبطانتي النهر والمزن، ولجمعي القهر والرمل.... أيها الناس لقد حكمنا- وحكمنا عينه الرشد والعدل، وكل ما عداه باطل لغو- حكمنا بإرسال جيوش جرارة خلف رهط الرفض، وبتمزيق جلودهم إربا إربا على ذلك ليكونوا عبرة لمن يعتبر' ( ص.25 من الرواية).
وهذه الفقرة المملوءة إيحاءات إلى خطبة طارق بن زياد المشهورة كناية عن حصار الحاكم لشعبه، أو نابعة من الواقع العربي المأساوي، تدل على أنه من أجل تغيير الأوضاع يجب التضحية بالغالي والنفيس حتى يستعيد الإنسان العربي كرامته المهدورة، لأن من يحكمونه لم يتعودوا على سماع كلمة لا، ولا على رفض طلباتهم وأوامرهم، وأنهم لم يصدّقوا بأن ثورة الشباب ستزيلهم من مناصبهم هم وأسرهم وأعوانهم وحاشيتهم إلى الفضاءات التي تناسبهم وتليق بهم.
يعتبر أحد النقاد بأن هذه الرواية تعبر عن ' صورة الديكتاتور العربي بشكل يدفع القارئ إلى التأمل في طبيعة وخلفية هذا الاستبداد الذي يصل إلى حد الغباء حين يتجاوز التحكم في الأجساد، إلى محاولة السيطرة على الوظائف الحيوية والسعي لاستبدال الغرائز والثوابت الحياتية، حيث يفرض الحاكم على شعبه استبدال شرب الرمل بشرب الماء'.
في النهاية نقول ان هذا العمل الروائي المتفرّد يجمع بين جمالية اللغة التي تتخذ البعد التراثي كأحد سياقات فهمها ، والبعد السوسيولوجي المتوفر بكثافة لخلق توليفة ذكية بين الاستمتاع الفني والتقرب من الواقع بغية تغييره.

الطيب ولد العروسي

عبدالرحيم محمد احمد
04-11-2012, 22:17
'حـــبَّـــاتِ الـــتُّـــوتِ'

مجموعة قصصية : للكاتب المصري عادل العجيمي.


صدرعن دار صفصافة للنشر ( القاهرة ـــ2012) 'حبَّات التوت' وهي المجموعة القصصية الثالثة للكاتب المصري عادل العجيمي، اتكأ الكاتب في هذه القصص علي بعض البنيات السردية المهمة الأكثر بروزا في القصة العربية بنية الزمن، المفارقة، والمشهدية.
وجاءت الأفكار التي احتفت بها المجموعة متفاوتة ومخاتلة في الوقت نفسه، فقد احتفت بفلسفة الشخصيات داخل المجموعة،ومناقشة أفكارهم التي تخطر ببالهم، وكأننا أمام شخصيات نخبوية ليست منتمية الى الشخصيات المهمشة التي احتفى بعض كتاب جيل الستينيات من قبل في أدبنا العربي، وقبل الولوج في عالم القصص ينبغي أن نشير الى العتبة الأولى في النصوص وهي العنوان /المؤشر الدلالي الذي يأخذنا الى عالم المجموعة من الداخل، ويمكن أن نسأل أنفسنا مجموعة من الأسئلة، لماذا حبات التوت؟ ولماذا لم يقل شجرة التوت؟ أظن أن الكاتب أراد أن يعطي للحبات طابعا خاصا، وهي أشهى ما في شجرة التوت والتوت هنا يرمز للحرية والحب والانتماء الحقيقي للأرض التي ولدنا عليها وفيها انها أرضنا العربية ويأتي بعد العنوان الإهداء الذي ارتكز على تقنية مباشرة موجها الى مصر الوطن والى شهداء التوت والحرية في ميدان التحرير
فيقول:
'الى شجرة التوت الكبري مصر
الى التوت الذي تدلي منها فتذوقناه
وانتشينا ورفرفنا في فضاءات
الحرية
الى أصدقائي ثوار يناير
الى عبير الشهداء الذي ينتشر في كل مكان '
صحيح أن هذه المجموعة صدرت بعد ثورة 25 يناير 2011، إلا إنها كتبت قبل الثورة بكثير إلا أن أوان ظهورها كان مع بزوغ الثورة المقدسة المصرية العظيمة وشبابها المناضل ثورة الخامس والعشرين من يناير، هذا كله جعل القاص عادل العجيمي يهدي قطعة من كيانه الأدبي لمصر وشهدائها، وحبّات التوت هنا رمز للشهداء المصريين الذي قتلوا في ثورة الخامس والعشرين من يناير على أيدي الأنظمة الفاسدة.
جاءت هذه المجموعة في اثنتين وأربعين قصة قصيرة جدا كما أراد الكاتب نفسه أن يسميها أو فيما عرف في النقد الأوروبي short story ومن ثم فقد نلاحظ الإيجاز الشديد الذي اعتمد عليه العجيمي في بنائه اللغوي داخل المجموعة مما جعلنا ندرك أثناء الفعل القرائي الأول أن جميع القصص اعتمدت على لغة ذات مستويات متعددة، ويجمع بينها الايجاز حسبما تقتضي حالة الكتابة لدى المؤلف، فنلاحظ ذلك جليا في القصة الأولى داخل المجموعة التي جاءت بعنوان 'وحدة' يقول: 'رأت نفسها لأول مرة عارية تماما ... أعجبها جسدها ... أغلقت عينيها .. راحت تحلم .. غرقت في أحلامها .. لم تر إلا صورتها العارية وقد نبتت أشواك مدببة غطت جسدها وانتشرت بصورة مفزعة في مناطق عدة، فتحت عينيها .. وجدت نفسها وحيدة منزوية في ركن بعيد لا يقترب منها أحد فراحت تنتزع الأشواك شوكة شوكة، بصعوبة شديدة .....' بهذا الفراغ الذي أصر عليه المؤلف تنتهي القصة ونصبح أمام نص ملغز غامض يحتاج الى عناء القارئ والمتلقي في آن واحد، في ظني أن الذي كان سببا في عملية الغموض مجموعة من الآليات الفنية التي ارتكز عليها العجيمي وهي اعتماده المكثف على الجمل الفعلية القصيرة جدا أيضا، ومن ثم جاء النص حاملا مجموعة من المشاهد القصصية المتمردة داخل المتن والشخصية الأنثوية التي لم نعرف سببا واضحا لرؤيتها للعالم، ويمكن القول أن العجيمي كان همه الأكبر في ترسيخ تقنية المشهد الإنساني داخل المجموعة، محاولا بذلك الاتكاء عليه بشكل واسع، فتتجلى عوالم هذه الشخصية من خلال القفزات السينمائية السريعة داخل القصة مما يجعلنا نقرأ القصة مرات عدة دون أن يصيبنا الملل، بل نتجه الى عملية إنتاجية للنص بروح مختلفة عن الحالة التي كتبت عليها، كما نلاحظ أيضا أن هناك علاقة خفية بين القصة الأولى وحدة والقصة الثانية 'موسيقى' فيقول علي سبيل المثال: 'تحسست جسدها ..
لم تعرف تفسيرا لما اكتشفته لكنها شعرت براحة غريبة واسترخاء أغرب، ......' تتجلى العلاقة الخفية في استخدام الفعل الماضي في القصة الأولي' رأت، الفعل الماضي تحسست في القصة الثانية ' وكأننا أمام لوحتين متماستين متوازيتين من ناحية ومتعارضتين من ناحية أخرى، تحقق التوازي الإبداعي / المشهدي في عملية البناء اللغوي والتشكيلي داخل القصتين وتجلى التعارض في بنية العالم داخل الشخصية نفسها، وهذه سمة من سمات البناء الفني في قصص العجيمي بشكل خاص، ومن التقنيات الأخرى لدى العجيمي تقنية الانتقال بالسرد من الخاص الى العام أحيانا ويتحقق العكس في أحايين أخرى، فيقول في قصة بعنوان أغطية: 'بعد نوم عميق .. تلفت حوله .. لم يجدها ..
هب مسرعا ملقيا ما عليه .. تاركا لنفسه كل الحرية لتبحث عنها، عثر عليها أخيرا .. كانت ملقاة عند شريط القطار وقد انشطرت الى نصفين متساويين .. تدثر كل نصف بأغطية تشبه الى حد بعيد بعضها، وقف أمامها خالعا كل ما كان عليه أو ما كان ملتصقا به وحوله أناس يروحون يجيئون دون توقف ...' تبدو القصة الفائتة من القصص التي تحتفي ببنية السرد الداخلي للنص الذي يعتمد على ماهية الشخصية وحركتها دون أن يسبب خروجا لافتا عن السياق الزمني اللحظي الذي تفتق عنه فقدان الكينونة الأبدية التي لا تستطيع الذات الساردة أن تعيش بدونها في هذا العالم المتسلط الأناني الذي لا تهمه قضايا الآخر في أي مكان وزمان، إن التأويل الدلالي لهذه القصة يكمن في عملية اللامبالاة الأبدية التي يعيشها أغلب السائرون نياما على الطرقات لا يبالون بالوطن الذي انشطر الى نصفين، وكأن هذا الوطن لا يمت لهم بأية صلة، وكأنهم أعداء له يفكرون في تغطيته ولملمة أشلائه من الطرقات الموزعة في كل مكان، كما أن هذه القصة تتبنى حسا دراميا عاليا من خلال بينة المشهد الدرامي بين العاشق والمعشوق لحظة الفراق / الموت ....
احتفى العجيمي أيضا بالبناء الفلسفي داخل مجموعته وقد أطل علينا في قصص كثيرة، وكأنه يقول انتبهوا إن الفلسفة هي الحياة الحقيقية الرائعة التي يمكن لنا نحن البشر أن نعيش من خلالها ونشكل على طريقتها حياتنا الأولى والأخيرة وقد تحقق ذلك بصورة كبيرة في قصة بعنوان 'كراهية' فيقول : ' أكره هذه الحياة ..
إنها خالية من ال ..
لقد نسيت أمورا كثيرة
اسمحوا لي أن أنسحب في هدوء لا تزمجروا
لن أحدث صوتا
أعرف جيدا قوانين الانسحاب
ابقوا فقط صاخبين كما كنتم ...'
قبل الولوج في عالم هذه القصة يلاحظ المتلقي الخاص أنه أمام نص شعري قصير يمتح من رحم الشعر العربي من خلال صوره ومشاهده ومجازاته وكياناته، ومن ثم فإن لغة عادل في هذه القصة تقترب بشكل كبير من لغة الشعر كما ذكرنا آنفا، وهذه اللغة بالطبع لغة ذات خصوصة مائزه ؛ لأنها تقترح موضوعا مهما وبعدا أكثر حدة، وهو البعد الفلسفي أعني فلسفة الذات الساردة في الحياة الخاصة والعامة، ومن ثم فإن الحس الفلسفي الذي طغى علي لغة العجيمي وخيالاته يبدو أنه حس متراكم أيضا وكان قد بزغ بزوغا خفيفا في مجاميعه القصصية السابقة.
لاشك أن القصة الفائتة تطرح كيانات الإنسان الذي يعلن بالغياب والرحيل عن هذا العالم الى عالم آخر أكثر نضجا وحرية واحتراما للعقول، لأن هذا العالم الصاخب لايروق للذات التي تجنح الى عالم واسع يقبل تعدد الرؤى الشخصية ومقترحاتها داخل الحياة، كما يبدو أن قصص العجيمي تعتمد على البناء الدلالي المتعدد حيث أنه يميل الى إنتاج عوالم قصصية مختزلة في مشاهد أكثر اتساعا، من خلاله لغة متمردة كالسيل الهادر الذي يكسح كل البرك التقليدية الميتة التي أزكمت الأنوف، بل إن العجيمي كسر حواجز لغوية صارمة وتخفف من صرامة التقليد بحسب قوله، لأن اللغة المجازية أكثر تهيئا وتقبلا لبراكين التجريب القصصي، ومن القصص التي تدل على استشراف الكاتب لثورة الخامس والعشرين من يناير هذه الثورة البيضاء نجد قصة بعنوان 'وعد' هذه القصة التي تجنح الى عالم إنساني رحب وأفق أكثر نضجا من السابق، حيث :' بمنتهى الأبوة احتضنه وعلى خديه دمعة، ناصحا إياه بأن الحياة أفضل .. رفع الابن عينيه .. صارتا في مواجهة عيني أبيه، قرأ فيهما إصرارا وعنادا ينطلقان من قاعدة قوية ..
حاول الأب أن يستخرج من بين شفتيه وعدا ولو كاذبا بألا يذهب .. بحسرة وصدق قال الابن : لا أستطيع
عاد الأب الى قوته وقال: حاول أن تعود
اهتزت في عيني الابن دمعة وقال:
أعدك ...
بقلب مرتجف وعين تملؤها الدموع، رأى على الشاشة بقايا ملابس وإصبعين من أصابعه
يرسمان علامة النصر ...'
تطرح هذه القصة بطريقة مباشرة صادقة عاطفة الحب التي تفجرت في عيني الأب والابن، وكلا هما يخاف على الآخر، وكأن الأب يعلم أن ابنه سيموت شهيدا رافعا يده وملوحا بعلامة النصر، وعلى الرغم من إلحاح الأب تجاه الابن إلا أن الابن أصر على الذهاب الى ميدان التحرير والمشاركة في الثورة المقدسة، وراح الابن شهيدا من أجل حرية مصر وقوتها، الابن هنا هو المؤلف نفسه الذي انتقل من مثقف يجابه الموت على الأوراق البيضاء في عالمه الخاص، الى مثقف عضوي يشارك بنفسه وبروحه في بناء الحرية الحقيقية التي تحتاجها الأوطان والشعوب النبيلة، تخيلت الذات الساردة أنها هي البطل الرئيس لكل الأحداث في القصص، وقد صدق إحساسها وصنيعها، فقد فردت مساحات متعددة داخل السرد القصصي، مما جعلنا نحن أيضا نعيش عوالم متغيرة تارة وموزعة تارة أخرى بين الفلسفي والإنساني والسياسي، والنفسي، والاجتماعي . وقد تجلى الهم السياسي بشكل كبير في قصص العجيمي على الرغم من أنه لم يكن مباشرا بل جاء متخفيا داخل الكلمات فيقول في قصة بعنوان 'اختيار': 'وقف متحيرا .. اليمين أم اليسار؟ أشار عليه البعض باليمين وامتدح آخرون اليسار ..
ظل يرسم جداول للمقارنة ودار على الناس يستشيرهم ...
يد المرحوم والده تضغط على أذنه
وصوته يفر من العالم الآخر ويهجم بشراسة ...
(امش في طريقك عدل يحتار عدوك فيك)
ظل سائرا .. وجد حجرة بلا نوافذ يتوسطها سرير متهالك ولكنه
يصلح لأداء مهام
عدة..........'
يتجلى الحس السياسي بشكل واسع ومسيطر على مجريات الأمور في القصة الفائتة، وجاء ذلك بصورة تقترب من الدراما المتجسدة في صراع الأفكار والانتماءات ما بين اليمين واليسار، وكيف الخلاص من هذا الصراع الذي يمكن أن يقتتل الناس من أجله حول الوصول للسلطة والحكم، على الرغم من أن اليسار له تاريخ مشرف في العملية السياسية المصرية لأنه تبنى أفكار الفقراء ومطالبهم والسعي وراء نهضة الأمة المصرية وتقدمها على أساس مدني متقدم، لا ديني انتهازي يسعى من أجل السلطة فقط، ثم صنع العجيمي مفارقة مغموسة بروح السخرية المريرة عندما استدعى المثل الشعبي (امش عدل يحتار عدوك فيك) وكأن القرويين البسطاء لديهم فلسفة خاصة بالنسبة للحكم في مثل هذه الأمور، عندما يكون الإنسان مستقيما ولا يترك وراءه أخطاء، لن يجد خصومه خطأ ما لكي يضغطون به عليه، ومن ثم فإن هذه المقولة الشعبية تنتصر للفكر اليساري المتقدم الذي يسعى لإقامة دولة مصرية مدنية، لأنه يؤمن بفكر سياسي حر، ويؤمن بقيمة الإنسان وحقوقه المعنوية والمادية، بل يكون أمينا أمام مجتمعه محققا طموحات شعبه، إن العجيمي أراد أن يبث كل هذه القضايا من خلال قصته 'اختيار' دون أن يطرح جل هذه القضايا التي تطرقنا إليها، وعليه فإن القاص عادل العجيمي قدم لنا في هذه المجموعة 'حبات التوت' مجموعة من الخطابات السردية المتعددة التي تفتق عنها خيوط فكرية متفاوتة، من خلال لغة حياتية تنتمي للواقع مبتعدة عن الأكلشة والزركشة اللفظية، مقتربا من لغة الشعر بشكل كبير، ضاربا عصفورين بحجر واحد، الانتقال بالمجاز من عالم الشعر الى عالم القصة القصيرة جدا كما يحب العجيمي أن يطلق عليها.

أحمد الصغيــر

عبدالرحيم محمد احمد
05-11-2012, 23:28
'دم الـــحـــســـيــــن'

رواية : للكاتب إبراهيم عيسى


أصدرت دار بلومزبري ــ مؤسسة قطر للنشر طبعة جديدة من رواية 'دم الحسين' للكاتب والصحافي إبراهيم عيسى والتي يتناول فترة نادراً ما تم تسليط الضوء عليها وهي القصة الكاملة لمقتل الحسين والانتقام من القتلة.
ورداً على تساؤلات البعض: 'هل وقته الآن الكلام عن الحسين؟'
يقول إبراهيم عيسى: 'نعم، في كل وقت نحن في حاجة إلى هذا الزمن، ورغم كثرة ما كتب - وقرأ - عن الحسين سيد الشهداء وسيد شباب أهل الجنة (جعلنا الله من شبابها.. يارب) إلا أن كثيراً من العيون والأقلام أغفلت الحديث عما بعد مقتل الحسين... ماذا جرى تحت اسم دمائه الطاهرة؟
ستجد في هذا الكتاب شيئاً مما أريد أن أقوله... لكن لن تجد كل شيء تمنيت أن أقوله... وعليك أنت أن تقرأ وتخرج بما تريد...
لكن ما أضمنه لك أمران:
أنك ستحب سيدنا الحسين أكثر.. والثاني أنك سترى هولاً لا تطيقه، ودماء لم تعهدها، وأحداثاً أغرب من أن تتخيلها، وكل هذا حقيقي، وسنده الأساسي ابن كثير والطبري.
عندما أعدت قراءة كتابي هذا، قررت أن أحذف منه كثيراً وأضيف إليه أكثر.. لكنني كلما كنت أحاول، أعود فأرى الدم المراق، والأحصنة اللاهثة، والسيوف اللامعة، وألسنة النار، وألوان الخيانة، ودفقات الجثث، وصراخ الثكلى، وجموع الرؤوس المقصوفة والمذبوحة.
فلم أحذف... ولم أضف... '
من الجدير بالذكر أن رواية 'دم الحسين' قد صدرت أول مرة عام 1992 ثم طبعت ثانية عام 2008 ثم اختفت من الأسواق منذ ذلك الحين.
يعتبر إبراهيم عيسى واحدا من أهم الصحافيين المعارضين في مصر. ولد في نوفمبر 1965 والتحق بالعمل في مجلة 'روز اليوسف' منذ أن كان طالباً في السنة الأولى من كلية الإعلام. ونتيجة لمواقفه أغلقت السلطات المصرية ثلاث صحف كان يرأس تحريرها كما صادرت روايته 'مقتل الرجل الكبير'.
وقد نال إبراهيم عيسى عدة جوائز عالمية في مجال الصحافة وحرية الرأي، منها جائزة جبران تويني عام 2008 من الاتحاد العالمي للصحف، وجائزة صحافي العام الممنوحة من اتحاد الصحافة الإنكليزية عام 2010، وجائزة منظمة إنديكس العالمية التي تحمل اسم صحيفة 'الغارديان' المرموقة عام 2011.
وبالإضافة لكتاباته الصحفية فهو أديب متميز صدر له عدد من الروايات مثل 'مولانا'، 'مريم التجلي الأخير'، ' دم على نهد'، 'مقتل الرجل الكبير'، و'أشباح وطنية'.
ورغم ترك إبراهيم عيسى لمنصبه في جريدة الدستور الورقية، إلا أنه لا يزال رئيس تحرير موقع 'الدستور الأصلي' الذي يعتبر نسخة إلكترونية منفصلة عن الجريدة، ورئيس تحرير جريدة 'التحرير' التي صدر عددها الأول في يوليو 2011.

عبدالرحيم محمد احمد
06-11-2012, 22:29
..........

عبدالرحيم محمد احمد
08-11-2012, 17:46
'حـــب مــن نـــوع خـــاص'

مجموعة قصصية : لمحمـــود بلعيـــد.


شخصيات هذه المجموعة القصصية قوية في صمودها أمام الذين يغتالون الذاكرة .. وأمام الموجة الجديدة التي يسعى أصحابها ومنظروها الى تهميش الآداب والفنون وأدوارها المهمة في النسيج الاجتماعي والثقافي .. ان هذه الشخصيات التي نجح محمود بلعيد في تقديمها الينا في هذه المجموعة القصصية وغيرها، على غاية من الوعي والسخرية تجاه ما يحدث الآن .. ونذكر بعض ذلك في قصة ' وتوقفت الجنازة' .. هذه القصة ذات الرمزية العالية التي شأنها شأن بقية القصص الأخرى .. وشخصية الدبسي تقول الكثير الذي نراه مهمّاً لأمراضنا اليوم ...
' كانت تلك الأيام بداية انفتاح عيني على الدنيا وانبهاري بما حولي ومن حولي .. بدت لي الحياة مبهرة بين أمي وأبي في بيتنا الرحب ... ها هي الذكريات تعود مجزّأة غير كاملة ... الجميل منها والمحزن والمحبب للقلب والفؤاد ...
أدرك الطبيب بخبرته أن الرجل أصيل لكن خانه الدهر والدهر خؤون وأدارت له الأيام ظهرها .. لقد تقدمت بك الأعوام الى أن شخت وانتهت بك الرحلة الى عالم الموت والنسيان .. ها قد عدت اليك بكل ما أحمل من حب وذكريات ... فدونت منها ما دونت على هذه الصفحات ... '.
لست أدري بالضبط ما هو السر الدفين الذي تتوفر عليه هذه الشحنة السردية ( وأعني بالسر السحر) لدى هذا الكاتب الذي كلما أهداني اصداره الجديد أمضي معه بقراءة فيها الكثير من الفوضى لأتحسس وفاء الكتابة لسياق كاتبها الذي عرف به منذ أعماله الأولى .. ثم أعود بعد ذلك الى القراءة المتأنية والعاشقة أيضا..
أولا الكاتب الذي أعنيه هو محمود بلعيد وثانيا، السؤال الذي طرحته يتكرر مع كل مؤلف جديد من مؤلفاته ..
هذا الأمر حصل مع المجموعة القصصية الأخيرة للأديب محمود بلعيد والممهورة بـ ' حب من نوع خاص.'
أذكر أننا تجولنا ذات ليلة صيف وتحدثنا كثيرا ونحن نجوب شوارع وأزقة العاصمة التي فرغت الى حد ما من ضجيج الوافدين والمزعجين والمفتعلين للغط واللغو والهراء وقلة الحياء والحياة والأدب .. كان الحديث قد فاض بما هو حميمي بالنظر لما افتقدناه من ميل نحو الجذور والأصل وجوهر الأشياء والقيم حيث حل الزيف والوهم والبهتان والتافه وباختصار ' الكاملوت' .. عمت الفوضى وامتلأت الأرجاء ( بالمزروبين) بالمسرعين وضاعت الحميمية بين الأرجل التي تحدث ضجيجا لإيهامنا بالحركة وبالعمل وبالعطاء .. إنها لحظة فارقة حيث يعبث الصغار بلحية خالي هشام غير عابئين بهيبته وجراحاته وهواجسه وخساراته ولكن أبا الأطفال الطبيب أدرك بخبرته أن الرجل أصيل و ... ( ولكن الأيام ..).
هذه المجموعة القصصية الجديدة للأديب محمود بلعيد كانت وفية لسياق تجربته السردية التي عرف بها منذ ' أصداء في المدينة' ثم ' عندما تدق الطبول' و ' القط جوهر' و ' عصافير الجنة' وصولا الى ' شكرا ايها اللص الكريم' ...
أما هذه النصوص التي تضمنتها المجموعة التي نحن بصددها وأعني ' حب من نوع خاص' فإنها قد تميزت بعوالمها المتناقضة والمتقلبة ولكنها عوالم ثائرة في هدوء ..
هو هدوء متعة الحكي والكتابة والتذكر .. والثورة هنا هي إبراز الأحوال البسيطة والجميلة والوديعة والمتأنية والحالمة .. التي غادرتنا بفعل أننا غادرناها أولا وذلك مع هذا الهبوب الفاحش لرياح العولمة حيث غدت البسمة مبرمجة والأزقة من نهج بومنديل الى غيره مكتسحة من قبل جحافل حوانيت وباعة ' الكاملوت' .. هذا النهج الذي كان يعرف ' بباعة التوابل والفلفل الجاف والفواكه الجافة .. 'كما جاء في القصة التي عنوانها ' حب من نوع خاص' وهو عنوان المجموعة: '... العمارة قديمة، نهج ضيق مغمور ذي اسم قديم منذ عهد الاستعمار، نهج البرنيطة، .. هكذا يسمى نهج البرنيطة ويفتح هذا النهج الصغير على نهج سيدي بومنديل ..'.
وهذا ما حدث لسامي في قصة ' قمر':
' شاءت الأقدار أن ينهي سامي دراسته في أمريكا .. وأن يصبح من كبار المهندسين ويجوب العالم طولا وعرضا .. ويمضي الأعوام والسنين متنقلا بين عواصم الدنيا ومدنها ..
يعود سامي الى الحي وليته لم يعد، ويقف في البطحاء وقوف الشاعر على الأطلال وليته لم يقف ..
... ثم يبتعد، ويفارق البطحاء والحي ..'
انها حرقة من نوع خاص تجد لها مكانا في الذوات الهادئة التي لم تهزها علامات الزيف .. الذوات المتعبة بحبها الدفين لما هو جميل وأصيل .. في هذه القصص نجد محمود بلعيد طفلا كبيرا متجولا بين دروب ومنعطفات مختلف الأمكنة في هيئة كاتب ذكي في التقاطه للأصوات والحركات والمشاعر وألوان الوعي ضمن منطق التفاصيل وجمالياتها .. كل ذلك في كتابة لها أسلوبها الساحر وصدقها ورشاقتها...
لقد عرف الكاتب محمود بلعيد بهذه النزعة المكانية في أدبه فهو يأتي على الأمكنة بتفاصيلها وعطورها الاجتماعية والثقافية والسياسية التي تستنبطها ليقودها الى متن قصصه بكثير من الألفة والحسرة على سبيل القول بالذاكرة، وهو يعي ان هذا الزمن صار بلا ذاكرة فالعولمة تسعى لقتل الخصوصيات وما هو حميمي في حياة الناس ..
إن الأدب مع محمود بلعيد لعب آخر وبوعي حيث يلعب الكبار على تدنيس الأمكنة وثقب الذاكرة وتعميم الرداءة حتى يصلح الحكم الذي تروج له الآلة التي بانت أدوارها والقائل 'بلا جدوى الأدب وكل شيء يمضي باتجاه العولمة ويجب نسيان الماضي ولا قيمة للخصائص والخصوصيات .. والجميع سواسية أمام من يهيمن على الآخرين والمجد الآن للكمبيوتر ولا بد لك من فيسبوك .. والمجال لم يعد للكتاب او القراءة .. التقليعات والسراويل المتداعية .. الكرة .. المزود ..' هذه بعض نتاجات العولمة التي لونت العوالم بلون واحد ... ولكن ذلك لن يحصل أمام الأدب الذي يكشف ما يكشف من عورات الحضارات والعولمات والزيف حين يستبد الكائن بأخيه الكائن ..
في ' حب من نوع خاص' تصرخ الكلمات والقصص في هدوء صاحبها .. كل ذلك يحدث بوجه القبيح والزائف وكل الذين يقفون خلف هدم الذاكرة بفعل الجهل والمادة والكسب السريع.
إن شخصيات هذه المجموعة القصصية قوية في صمودها أمام الذين يغتالون الذاكرة .. وأمام الموجة الجديدة التي يسعى أصحابها ومنظروها الى تهميش الآداب والفنون وأدوارها المهمة في النسيج الاجتماعي والثقافي .. ان هذه الشخصيات التي نجح محمود بلعيد في تقديمها الينا في هذه المجموعة القصصية وغيرها، على غاية من الوعي والسخرية تجاه ما يحدث الآن .. ونذكر بعض ذلك في قصة ' وتوقفت الجنازة' .. هذه القصة ذات الرمزية العالية التي شأنها شأن بقية القصص الأخرى .. وشخصية الدبسي تقول الكثير الذي نراه مهما لأمراضنا اليوم ...
مرة أخرى يأخذنا الأديب محمود بلعيد الى حيّز من مراراتنا وأشجاننا وجهلنا ونحن نغمض العيون تجاه حقائق الأشياء في واحة يغمرها الزيف والغثيان..
أصل الأشياء هو الحكاية ومداراتها الوفاء والعطاء والشجن الجميل لتظل لعبة الكتابة مشغلا آخر للسخرية من فصاحة القلب والحال والأحوال ...
أسماء نهوج وأمكنة ومشاهد لا يفتعل محمود بلعيد ذكرها والحديث عنها ولا يتقصد منها تجميل وتأثيث القصص مسايرة للموضة التي عرفتها بعض الأعمال الروائية على سبيل التهويل والتهور الساذج باسم الجمالية وعنفوان السرد .. الكاتب يوظف كل ذلك في سياق مقتضيات السرد الأمر الذي يعطي لهذه الأمكنة توهجها الذي افتقدته في شيء من عطور الذكرى والذاكرة التي تعطي للقصص رمزيتها العالية .. وهنا تكمن أدبية القص وحرفية الكاتب محمود بلعيد .. هذا ما نلمسه ونحن نتوغل في جغرافيا النصوص التي منها ' ليلة الوطية' و' حب من نوع خاص' و' قمر' و' خالي هشام' و' تعاز' و' خطبة نهج الزعرور' .. في طيات قصص محمود بلعيد كثير من السخرية والأسف والشجن والحرقة .. السخرية تجاه الأحوال في تلويناتها الساذجة التي تلهم الناس شيئا من وهم الحياة وإن كان الوهم أحيانا مصدر ابداع وابتكار .. الأسف تجاه ما آلت اليه أمور كثيرة في الذي نسميه اليومي ... والشجن الذي يحتاجه الكاتب ليأخذنا اليه طوعا وكرها لنرى تقلب الأيام وحظ الرجال وأهل الشهامة والقنوعين منها حيث يمضي البعض كاتما سره وحكايات حرقته و .. و .. وهذا ما يرد في قصة ' خالي هشام' التي أخذتني معها واليها كثيرا .. فأنا أحترم كثيرا الكبار خاصة في زهدهم .. وعدم لهاثهم وراء العابر والزائف فضلا عن توفرهم على ضروب كثيرة من العطاء والكرم وحب الآخرين ..
الحرقة وهي تنخر الكينونة وتلسع الذات بتوهج الذاكرة .. هذه القاتلة خاصة أمام مرآة الزمن والتدفق المريب والمربك لتغير الأحوال.

عبدالرحيم محمد احمد
08-11-2012, 18:06
'طـــائـــر الــخــــراب'

رواية : حبيب عبد الرب سروري .


1 . يعد حبيب عبد الرب سروري واحدا من الروائيين اليمنيين الذين حققوا تراكما سرديا مهما في السنوات الأخيرة؛ فقد أصدر رواية 'الملكة المغدورة' (بالفرنسية عن دار لارماتان، ترجمها إلى العربية الدكتور علي محمد زيد، دار المهاجر،2000، وأعادت طبعها مجددا وزارة الثقافة اليمنية، مايو 2004.).
ثم انتقل ليكتب باللغة العربية ثلاث روايات وهي: 'دملان' (ثلاثية روائية، نُشِرت عن مؤسسة العفيف الثقافية، أبريل 2004.) ورواية 'عرَقُ الآلهة' (مؤسسة العفيف الثقافية، ديسمبر 2005.) التي نشرت بعد رواية 'طائر الخراب'. يتسم متخيله الروائي بالانشغال بما يقع في بلده اليمن، بتشخيصه ونقده حينا وأسطرته حينا آخر، أو المزج بين ذلك حينا آخر، انطلاقا من المسافة المكانية التي تفصله عن وطنه، من خلال مقامه في فرنسا وتسمح له بالتأمل والكشف والمقارنة بين الهنا والهناك ورصد تحولات المجتمع اليمني.
2. تحكي رواية 'طائر الخراب' قصة شخصيتين يمنيتين (نشوان وإلهام) جمعهما الحب والغربة في فرنسا، الحب الذي قاد البطل نشوان إلى الاصطدام بغموض والتباس إلهام وأفسد عليهما حبهما وحميميتهما. يضطر إلى كشف ذلك بالعودة إلى اليمن فيصطدم بصور الخراب والفساد على جميع المستويات اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.
فيكتشف أن إلهام تعرضت لاغتصاب وهي في سن العاشرة، ساعدها زوج أختها خالد فسافرت إلى فرنسا عام 1985 لدراسة اللغة الفرنسية. لكنها اختارت البقاء في فرنسا ومواصلة دراستها الجامعية وتخصصت في الرياضيات. لكنها لم تستطع التخلص من ماضيها الذي كان سببا في غموضها، خصوصا في علاقتها مع نشوان الذي بلغ درجة علمية مهمة، فتظل إلهام غامضة في نظره تحمل معها سرا ما. وعلى الرغم من الحب والسعادة اللذين كان يعتقد أنه ينعم بها، وكلما حاول فهم غموض إلهام، كانت تفلح في مراوغته حتى اختفت من حياته في يوم من الأيام، الأمر الذي أدخله في غيبوبة. وعندما استفاق اكتشف كارثة، بعد أن فتش أوراقها وعلبة رسائلها وكراسة مذكراتها، وهي ديون إلهام. سددها عبر بيع منزله، ثم سافر إلى اليمن ليجد نفسه أمام مجموعة من الصور الصادمة؛ التخلف، الفقر، الاستغلال الجنسي، التسول، فوضى النسل.
حاول قراءة الأدب ليكشف مدى تفاعله مع الواقع، لكن الكتب المنشورة كانت ضعيفة ولم تشف غليله، فلجأ إلى الإنترنيت، فعثر على قصة للكاتبة اليمنية نادية الكوكباني، التي كانت صورة أمينة عن الواقع، إلى أن التقى مع صديقه حسن المرشدي الذي حكى له القصة فوجدها قصة واقعية أبطالها إلهام وأختها نعيم، فورد بالصدفة ذكر 'نعيم' بأنها زوجة صديقهما القديم خالد الشرفي فدله على مكان نعيم التقاها في فندق هيلتون بصنعاء بتنسيق من حسن المرشدي، فباحت له بكل تفاصيل القصة التي قرأها وكيف ساعدها زوجها خالد الشخصية المتحررة في تجاوز مشكلتها.
كلما حاول نشوان الاقتراب من إلهام ازدادت صور الخراب، وازدادت الكارثة، فهي تمثل الوطن الذي ابتعد عنه الكاتب، ففي كل مرة يحاول السارد فهمها والاقتراب منها، يعكر عليه غموضها ذلك ويحرمه من لحظات خطط لها كثيرا، وكلما ازداد الاقتراب ازداد الخراب. تقول إلهام السارد:' لعلك اخترت بمحض إرادتك أن تنتقل إليك عذابات 'طائر الخراب'! أنت مسؤول وحدك عن قرارك... اللهم إني بلغت!'(الرواية، ص.27.) هربها كشف خرابها النفسي(الديون، لعب اللوطو، الشعوذة)، في أرض الغربة، والسفر إلى اليمن جعل نشوان يكتشف تحول عدن وتراجعها عبر مجموعة من المظاهر والصور التي اكتشفها عن قرب، فكلما اقترب ازدادت حدة الخراب، كما اكتشف أنها تعرضت للاغتصاب.
فرض الغوص في شخصية إلهام الملغزة على نشوان الانتقال بين عدة أماكن، كما تطلب انتقاله بين عدة قضايا، ستجعل الرواية تتسم بتعدد لغوي يساير تعدد القضايا المطروحة، كما أن الانتقال في المكان طبع الرواية ببناء تقابلي سيغتني بتسلح السارد البطل بروح نقدية لا تهادن مظاهر الاستغلال والتخلف ليواجهها بالفضح والتعرية.
3. من الخصوصيات المميزة لرواية طائر الخراب نسجل قدرتها الكبيرة على توظيف عدة لغات، فتتغير اللغة بتغير السياق، فنجد لغة التجارة، ولغة الحب، ولغة الرهان، ولغة المال والاقتصاد، ولغة العلم (الرياضيات، الكومبيوتر)، ولغة الانترنيت، ولغة كرة القدم، لغة التحليل الصحافي والسياسي. وهو أمر يعكس خبرة الروائي بالموضوعات التي يناقشها وبمعجمها ولغتها، فتتغير اللغة بتغير الموضوع المناقش، فتغير المضمون يقتضي تغير الشكل فتتلون اللغة بحسب الموضوعات التي تتناولها. فتصير الرواية توليفا بين عدة لغات.
كما تتحول اللغة العلمية إلى أداة في الوصف، فتستخدم لوصف أمر بعيد كل البعد عن العلم، إذ يتم توظيف اللغة العلمية في تقريب بعض الصور. وكذلك يحضر المعجم الإلكتروني الواصف يقول: 'سكانير ذاكرتي' (الرواية، ص.20 ) كما نسجل حضور الكومبيوتر. وهو ما سمح له بإدخال مجموعة من الكلمات إلى اللغة العربية (تتأرشف) (الرواية، ص.152.). كما أن اللغة لا تبقى أداتية فقط بل تصير أحيانا لغة شعرية محضة.
تحقق الرواية تجاورا وتحاورا بين لغة العلم الصارمة والدقيقة وبين لغة الأدب الاستعارية، انطلاقا من التعدد المميز لشخصية الكاتب التي تجمع بين العلم والأدب فهو عالم رياضي قبل أن يكون أديبا، وعندما يكتب يحضر الشخصان الأديب والعالم، فينعكس ذلك على اللغة. نجد لدى الروائي دراية بكل اللغات؛ لغات الحيوان، والنبات، والعلوم، والأدب والفن والاقتصاد والسياسة.
4. يعود البطل من الخارج بحثا عن حبيبته إلهام ليكتشف صور الدمار والخراب المسيطرة على الوطن، مقارنة مع ماضيه ومقارنة مع البلد الذي كان فيه (فرنسا)، وهو الأمر الذي جعل الرواية تقوم على التقابل انطلاقا من فكرة ناظمة وهي أن من يأتي من الخارج تكون لديه القدرة على ملامسة التحولات والتغيرات الطارئة بالداخل بالمقارنة مع الماضي والخارج طبعا، تمكنه من ذلك المسافة الزمنية والمكانية، وهو ما سماه سروري في أحد حواراته بـ 'رؤية البيضة من الخارج' أما من يوجد في الداخل فكأنه تساكن مع ذلك الوضع.
وارتباطا بما سبق تقوم رواية 'طائر الخراب' على عدة تقابلات تتجلى في تقابلين أساسيين الأول مكاني والثاني زماني:
- التقابل الزمني بين ماضي السارد وحاضره في علاقة بالمكان والمتغيرات الطارئة عليه، أي بين ما قبل الهجرة وما بعدها (العودة). وتتفرع عنه تقابلات أخرى:
- ما قبل الوحدة اليمنية وما بعدها، إذ تسجل تردي الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية بعد وحدة اليمن، والتحول إلى الأسوأ بعد مغادرة البطل البلاد قبل الوحدة، يكشف تلك التحولات بالمقارنة مع الماضي (ما قبل الوحدة).
- المقارنة بين زمن الطفولة وزمن العودة حيث يسود الخراب. وكذلك تنتج عنه مفارقة ما بين أماكن الطفولة وحاضر البطل. فالماضي يمثل السعادة، أما الحاضر فيجسد الخراب والجوع والفقر واللواطة والسياحة الجنسية وضمور المحميات وانقطاع الماء والكهرباء. فيعيد نشوان اكتشاف اليمن انطلاقا من المقارنة بين ماضيه فيها وحاضرها بعد عودته.
- التقابل المكاني بين فرنسا بلد الهجرة والدراسة والإقامة الحالية واليمن الوطن ويتجسد في عدة تجليات:
- الحرية في فرنسا مقابل انعدامها في اليمن.
- تحرر المرأة الفرنسية في حين تتكبل المرأة اليمنية بتقاليد رجعية.
- انعدام الثقافة الجنسية في اليمن بالمقارنة مع فرنسا. يقول:' أما دروس الثقافة الجنسية الرسمية فتتلقاها البنت عشية ليلة زواجها فقط!'(الرواية، ص.87.)
- الغربة داخل الوطن مقابل الإحساس بالمواطنة في فرنسا. يقول:' البلد الذي وصلته في 17 يوليو 2000 لا تنتمي إليه فعلا!...'(الرواية، ص.147.)
لقد وسم هذا البناء التقابلي الرواية بروح نقدية، بل كان معول النقد حاضرا بقوة داخلها، فلم تعد الرواية سردا خالصا بل استعار تقنيات التحليل والكشف والبحث والمقارنة وغيرها من أساليب الاستطراد التي لم تؤثر على متعتها السردية. فيستنفر الروائي كل خبراته في هذه الرواية. ليتداخل الإيديولوجي بالجمالي ويتفاعلا. ويرتبط النقد في الرواية بشخصية إلهام تلك الشخصية الغامضة المختلفة عن كل النساء الأجنبيات اللواتي عرفهن البطل أثناء مقامه في فرنسا، شخصية لا يمكن أن يكتفي البطل بسرد تجربته معها، فهو محتاج إلى فك غموضها والتباسها وكشف أسرارها، مسلحا بكل تجاربه مع من سبقها من النساء. كشف سيقوده إلى خراب مزدوج: ذاتي يخص إلهام وآخر موضوعي يخص الوطن. الأول يكتشفه في فرنسا بعد غيابها في البحث في خصوصياتها، فيجد أنها وقعت ضحية للكثير من العادات السلبية؛ ديونها الكثيرة ولعبها الرهان وغرقها في المسابقات وذهابها إلى المشعوذين. والثاني يكشفه أثناء عودته إلى الوطن، حيث سيكتشف من تكون إلهام وكيف هاجرت إلى فرنسا وكذلك العالم الذي جاءت منه. عندها حاول الاقتراب منها أكثر. فيدفعه ذلك الكشف إلى نقد مجموعة من المظاهر السلبية سواء المرتبطة بإلهام أو بالوطن.
فبالنسبة للمظاهر السلبية التي ينتقدها الكاتب في حياة إلهام بفرنسا:
- نقد النظام العالمي. يقول: 'العالم مجنون يلهث وراء الكسب السريع.'(الرواية، ص.53.)
- نقد العقلانية المعاصرة ببعض قيمها السلبية عندما تصبح في خدمة اللاعقل فتجعل مدرسة رياضيات تقع في فخ الشعوذة من أجل كسب أحد الرهانات: 'كيف يعقل أن تقع إلهام العبقرية الرائعة، الحادّة الذكاء والبصيرة، في هذا الشرك؟ كم هو غريب هذا العالم! نفس شعوذات ما قبل التاريخ، تعشعش بأساليب جديدة في عقر دار الحضارة الإلكترونية!'(الرواية، ص.128.)
- نقد بعض شركات القروض التي كانت تستنزف حياة إلهام وتمص دمها.
أما بالنسبة للوطن، سواء أثناء مقامه في فرنسا أو بعد عودته، فينتقد عدة مظاهر:
- نقد واقع يحد من حرية الفرد ويجعله يتأخر إلى الوراء.
- نقد النظرة الذكورية للمرأة.
ـ نقد الثقافة السائدة التقليدية ومواجهاتها والدعوة للتخلص منها: 'لم أكن.. قادرا أن أستهل قبلاتي معها بغير هذه الطريقة البدوية، الرعوية، الفوضوية!...'(الرواية، ص.40.)
- نقد الفكر الخرافي والدعوة إلى تمجيد العقل.
- نقد عادات الشرق في التعامل مع المرأة.
- نقد كل الخرافات والأساطير المستغلة لاحتقار المرأة مثل أسطورة التفاحة، ونقد الأطروحات الذكورية ونظرتها التحقيرية للمرأة.
- نقد الخطاب الوعظي الذي يحط من قيمة المرأة.
- نقد الوضع الثقافي المتردي المتسم بالتكرار الذي يطبع الشعر والضعف وشبه غياب القصة القصيرة والرواية.
كان النقد في الرواية مرتبطا دائما بشخصية إلهام الملتبسة منذ أن التقاها البطل وهو يحاول الفهم. فقاده إلى مجموعة من المفارقات المرتبطة بها، سواء في فرنسا أو في اليمن. ويتأسس النقد على أسلوبي التقابل والمقارنة التي يجريها البطل بين الماضي والحاضر ومظاهر الخراب المُشاهدة والمعاينة، وكذا تقارير المنظمات الدولية الموظفة توظيفا سرديا جيدا. قاد النقد البطل إلى اكتشاف عدة مفارقات:
- التخلف رغم وجود البترول والمؤهلات السياحية.
- الولادات والوفيات.
- من يدّعون تحرير المرأة هم أول من ينتهك حقوقها.
تؤكد رواية 'طائر الخراب' فكرة أساسية وهي أن الإنسان المهاجر لا يمكن أن ينسى ماضيه الذي قد يفسد عليه سعادته، فيكون مضطرا للعودة إلى بلده لفهم وكشف ما جرى. فكان اختفاء إلهام مناسبة للبطل نشوان ليكتشف مجموعة من التناقضات المسكوت عنها التي يتخبط فيها الوطن، وكذا المسكوت عنه بالنسبة إلى إلهام وما تعرضت له من عنف واغتصاب قبل هجرتها وأثر ذلك على حياتها في الغربة، بالإضافة إلى تخلف المجتمع والبيئة التي أدت إلى مثل تلك السلوكات، فالسلوك ابن بيئته إن صح القول. كما أن النقد في الرواية لم يكن فجّاً وإنما تم تأطيره داخل حبكة روائية شديدة الإحكام.

* حبيب عبد الرب سروري، 'طائر الخراب'، رواية، منشورات مؤسسة العفيف الثقافية، اليمن، 2005.

بنت الرقراق
08-11-2012, 18:24
مشكور أخي الفاضل على مجهوداتك الجبارة....
http://i223.photobucket.com/albums/dd310/geet_kunal/unsorted/roses-1.jpg

عبدالرحيم محمد احمد
08-11-2012, 22:42
مشكور أخي الفاضل على مجهوداتك الجبارة....
http://i223.photobucket.com/albums/dd310/geet_kunal/unsorted/roses-1.jpg (http://i223.photobucket.com/albums/dd310/geet_kunal/unsorted/roses-1.jpg)


العـفـــو سيـدتـــي الـكـــريـمـــة

أشـكـــرك علـى الـبـــاقـــة الـجـمـيـلـــة

لـك مـــودّتـــي وتـقـــديـــري ..

عبدالرحيم محمد احمد
08-11-2012, 22:48
'عـــلاّلـــة الــزّيــنــــي'

روايـة : ريــاض خـلـيــف .


لم يجد صديقنا الكاتب رياض خليف في هذه الدعوة الموجهة لي كقارئ علم خبايا نفسه وخيباته الجميلة وطموحاته المتخيلة غير جرّي لعالمه لأدخل معه روايته الجديدة 'علالة الزيني' مذكرا عذاب نفسي بأمكنة كنت صاحبته فيها وجالسته عندها مستمتعا بوقائعها وآفاقها.
كأنه يشركني لذة نصه ويذكرني بمدينة جمعني بأهلها حب الفن وعشق الخروج عن المألوف والانكباب على إحصاء الآلام ولكن إلى حين. وأي هذا الحين أقرب من هزّ عرش 'بن علي ' سالب الرزق وهاتك الكرامات وراعي عصابات النهب : 'اختلط الناس في سيدي بوزيد مواطنون قادمون إلى السوق وتلاميذ يغادرون معاهدهم بمناسبة عطلة الشتاء ... ساروا واحتجوا وتصادموا مع رجال الأمن ... وصارت سيدي بوزيد ثكنة مغلقة '
1 ـ أهمية السرد في استفهام الزمان والمكان
هكذا هي مدينة 'سيدي بوزيد' أو 'بوزيد' كما يحلو لخليف تسميتها مكان يأخذنا السرد عنده لآفاق تشتعل الأحداث بها وتتوهج داخلها وقائع تاريخ تونس الحديث: 'فتح النادل جهاز التلفزة ...إنهم يبثون نبذة عن تاريخ الزعيم صوره وهو يصعد وينزل أمام الناس ويصيح ويضرب الطاولة ...وهو يعود في يوم النصر ... وهو يلتحم بالناس ... وهو يخطب في مؤتمرات الحزب ...ثم صوره وهو يهرم وقد أحاطت به جوقة من حاشيته الشهيرة ...ونبذة عن تونس السابع من نوفمبر... وكرروا تلك الاسطوانة المعروفة ...موت بورقيبة خسارة كبيرة للبلاد ...هو الذي حررها وبناها وشيدها وأعلاها وأعطاها رايتها ووجهها بين الأمم' لعلها أيضا شهادة على جملة من الأحداث العربية كوقائع دخول جيوش 'صدام' للكويت: 'ذات قيلولة حارة توجهت إلى بيت الأخوال كعادتي في أغلب قيلولات وأمسيات ذلك الزمن... وجدت الخال متكوما على مذياعه الكبير صاحب 'الانتانان' المربع الذي اقتناه من طرابلس حيث كان يعمل منذ أعوام ...فهو الوحيد الذي يقدر بسهولة على العثور على إذاعة لندن وإذاعة مونتي كارلو وصوت العرب والقاهرة وغيرها من الإذاعات ....بادرني الخال بالقول 'لقد أصبح العراق في الكويت'. فهل كانت المدينة رواية للأحداث ،أم هي رواية الأسماء أم هي لغة الأمكنة في إحالة على الذاكرة حيث ألم الأمكنة والأزمنة والتاريخ وسخف حياة الأعلام وفضاءات الوجود؟
هي'بوزيد' تكتب ذاتها عبر تأمل تاريخ المكان، فمنه قامت ثورة الكرامة ومنه اشتعلت باقي مدن تونس لتنتقل العدوى الجميلة إلى الأوطان القريبة والبعيدة :
' أخبار الصباح تتصاعد...الحشود تكثر ...نظام منهار ...حزبيون يرتعدون من المحاسبة التي أعلنت البارحة ...الهدوء لم يرجع ...الداخلية محاصرة بالشعب الغاضب الذي التاع منك طويلا ...تواصلت المسيرات واحتشد الناس غاضبين أمام الداخلية وتكررت المواجهات ...كان النظام وحشيا لكن الغروب حمل مفاجأة ثقيلة ...أعلن التلفزيون بالخط العريض قرب بث خبر هام جاد . جاء محمد الغنوشي مرتعدا أعلن أن منصب الرئيس صار شاغرا الآن ...انفجرنا فرحا ...هرب بن علي ...سقط السابع ...' هنا يذكرنا السرد بأصل الأشياء إذ الأسماء تحيل على الموضوعات ذاتها وهنا كذلك يشدنا الحدث إلى استفهام الرمز فلا يبقى من المكان غير إحالاته الرمزية أو ما يوحي به الخيال:
'لا ينبغي فقط أن نأخذ مأخذ الجد هذه المقاربة الأولية للمشكل، بل كذلك أن نحصن معضلة التاريخ والحقيقة هذه ضد كل الحلول السابقة لأوانها. وأكثر الحلول رداءة هنا هو التلفيقية وأشدها إغراء هو 'الاعتقاد بمنطق محايث للتاريخ'. ولأن المكان إحالة ضرورية على الزمان كان السرد يحيل القارئ إلى علاقة بين طرفيه الآن والماضي فإذ بالمتابع للأحداث يجد نفسه بين زمانين يجمع بينهما التوتر واليأس ومرارة الوجود ، فكأنّ الحاضر لا يختلف عن ذاك الماضي إلا بفعل موضوعية الانتماء .
2ـ القارئ وكتابة المعنى
هي لعبة أراد بها صاحب العمل جرّنا إلى الاعتراف بما يريده إذ لديه تتساوى كل الأزمنة بحكم السواد المنتشر في لحظات الزمان ومساحات المكان معا .هي مدينة 'سيدي بوزيد' أو 'بوزيد ' إحالة على ملحمة الخلاص أو هي نقيض ذلك، فهي إشارة إلى وجه 'علالة الزيني' الذي يشبه واقع هذه المدينة المبهم. إن فتوحات الآن لم تغير حقيقة المكان فكأن رمزية الأسماء' البوعزيزي - سمرقند - سيدي بوزيد ...' تغوص في فراغ الحاضر وضياع الأهالي بين شعارات الأمس والآن. لعلها تبحث عن معناها في ذهنية متلقيها بحثا عن ذاك الجميل الفني في سحره للقارئ :
'لئن كانت كلمة ( (Rezeptionasthetikالألمانية توحي للأسف بسوء فهم محتوم، فإن كلمة (R'ception ) الفرنسية أو ( Reception ) الإنجليزية لا تستعمل إلا في لغة الصناعة الفندقية. بيد أنّ كثرة تداول هذا المبتكر المعنوي في النظرية الجمالية العالمية تستدعي التدقيق في استعمالها. فالتلقي بمفهومه الجمالي، ينطوي على بعدين: منفعل وفاعل في آن واحد. إنه عملية ذات وجهين أحدهما الأثر الذي ينتجه العمل في القارئ والآخر كيفية استقبال القارئ لهذا العمل (أو 'استجابته' له). فباستطاعة الجمهور (أو المرسل إليه) أن يستجيب للعمل الأدبي بطرق مختلفة، حيث يمكنه الاكتفاء باستهلاكه أو نقده أو الإعجاب به أو رفضه أو الالتذاذ بشكله أو تأويل مضمونه أو تكرار تفسير له مسلم به أو محاولة تفسير جديد له. كما يمكنه أن يستجيب للعمل بأن ينتج بنفسه عملا جديدا. هكذا إذن تستنفذ السيرورة التواصلية للتاريخ الأدبي: فالمنتج هو أيضا ودائما 'متلق' حين يشرع في الكتابة. فبواسطة كافة هذه الطرق المختلفة يتشكل معنى العمل على نحو جديد باستمرار، نتيجة تضافر عنصرين: أفق التوقع (أو السنن الأولى) الذي يفترضه العمل، وأفق التجربة (أو السنن الثانية) الذي يكمله المتلقي'.
هو النص جدل مع قارئ يؤمن بكتابة تتأسس على إعادة التكوين ليصبح للقراءة سيادتها الأولى على ذاك الموضوع الملقى.إن القارئ باحث قبل كل شيء يتعامل مع نص وفق عقلية نقدية حيث توجد رؤية تنظيرية توجه العين وتكشف لها المختفي. لعله خطاب المعاصرة في تحديثه لبنية النص بما هي لعبة تأويل للمعنى خارج كل المتعاليات اللغوية والإسمية. إنه البحث عن سلطة القارئ لا سلطة ذات النص: 'تعلمنا منذ مقتبل العمر كيف نرى إلى النص كلعبة أسلوبية. لا يتركب النص إلا من أدلة، أدلة فقط، ومع ذلك فإن كل أصولية أسلوبية تظل فعلا برانيا. إن الكتابة بحث عن أسلوب، ولكنها ليست حنينا أسلوبيا. حروف تنتقي حروفا، أدلة تعضد أدلة، والبلاغة صناعة أيضا. تغيير الأدلة من مواقعها داخل الأنساق اللغوية، وتفجير مدلولاتها المنسية والمكبوتة بعيدان عن الصدفة، فهما مغامرة تشتهي استنطاق رؤية وتدمير سيادة.استنطاق رؤية بمعنى أن النص يتحول إلى مجال إشاري، يختطف الحال ويمحو المعنى، يغوي الاستعارة والمجاز وينسى التنميق، يفسخ العلائق الوهمية بين الأشياء والأسماء، يخفي ويضمر قبل أن يبوح ويصرح، وما هذا الاستنطاق إلا تدمير لسيادة المعنى وأسبقيته داخل النص' .
لعلنا أمام عمل يحيل عنوانه القارئ على متابعة مسيرة الرجل 'علالة الزيني' هذا الجمع في صيغة مفرد هذا الحامل لوجه آخر من ذاكرة المدينة ومن وقع تسارع نبض أحداثها ونسج السرد في حكاياتها: 'سارع علالة بالتوقيع على مناشدة الزين لانتخابات 2014 فهي فرصته الأخيرة ليضمن المنصب الذي يتمناه خصوصا وهو يسمع أن الزين إذا ربح فسيغير الوجوه القديمة ويصعد وجوها جديدة وهو يعتبر نفسه من الوجوه الجديرة بمناصب كبرى ...يحلم بفرصة جديدة وفوز أكبر ...ويسعى إلى أن تعين زوجته أيضا فهي أستاذة وقادرة على خدمة الجهة وهم يرغبون في تعيين النساء في المناصب ...أنت يا علالة الدمية الكبيرة التي علت سيدي بوزيد وأهلها ...أنت من بعت الجهة ...أنت من هربت المشاريع وأفسدت البرامج' ....
3ـ الرواية بنية 'العتبات' وتأجيج المتخيل
إنّ القارئ يخاتله عنوان العمل فيسعى لمتابعة مسيرة 'علاّلة' ولكن هيهات إنه لن يعثر من خلالها على ما يشفي فضوله ذلك أنّ حداثة تشكيل البنية السردية تخاتله فإذ هو في فضاء أسماء جديدة لها وقعها الخاص على الواقع والذاكرة معا. هي أسماء سياسية وإعلامية وشعبية أسطورية يتداخل فيها الواقعي والمعلوم' - صالح جغام - الحبيب بورقيبة - محمد مزالي - الزين ... 'بالخيالي المجهول' - عثمان الشرقي - خالي عبد السلام-عبد الله المسرحي ...' وهي أيضا فضاء إدراك المتلقي لذاك البعد الإسمي الحامل للأسطوري والعجيب 'لقمان ـ علالة الزيني- ... هي كلّ رمزي يحملنا إلى دلالات ثرية الأبعاد والمعاني تلح على ذواتنا وتدعوها إلى الانتباه لجدلها مع الموضوع لتأكيد سؤال المعنى بحثا عن ذاك النص الجديد واللذيذ في آن.
أ فنحن مع رواية يحكمها زمن موضوعي يكره الحلم ويتوحد بالخبر في تقريرية المباشر والعيني أم نحن بصدد العودة إلى تاريخ الكتابة بتتبع وقع جدلية الذاكرة والمكان وفق متخيل فني جيد الرهانات؟
' سواء أكان الفن رسما أو نحتا أو شعرا أو موسيقى ... فليس من هدف له إلاّ استبعاد الرموز المفيدة عمليا والعموميات المقبولة اصطلاحا واجتماعيا وأخيرا استبعاد كل ما يحجب عنا الحقيقة والواقع لنكون وجها لوجه مع الواقع ذاته'.
إن ما يجعل لهذا العمل وجودا فنيا جادا هو هذا التوجه نحو الرمز والدخول إلى عالم المتخيل إذ أن المدينة الموضوع 'بوزيد' هي مدينة أخرى فهي ليست فعل الثورة وشرارتها فحسب بل هي مدينة 'علالة الزيني' بعفنه القيمي
وعمالته السياسية للتجمع حزب 'بن علي' الحاكم الدكتاتور السارق الهارب.
هكذا يراوغ المجهول المعلوم في بنية سردية تعمدت اعتماد العتبات والعناوين، إنه يوظف عتبة الإهداء وعتبات الأبواب معتمدة أيضا على رمزية العناوين الداخلية التي تحف بالعمل.
هي محاولة للاشتغال الفني على بنية العمل ليكون من رهاناتها الخفية هذه المحاولة لكسر رتابة زمانية السرد وذلك بتقديم تبويب آخر يتجاوز التراتب الزماني المعلوم للأحداث فإذ بالزمن يتحول إلى لعبة للمتخيل يشكله القارئ كيف شاء ومن أي عتبة يريد. لعل الكاتب يراهن على هذه البنية ليكون تقديم العناوين أو تأخير تراتبها في ذهنية القارئ غايته كسر موضوعية الأحداث مما يكسب القص روعة التلقي والبناء في آن.
لقد استطاع رياض خليف في هذا العمل أن يبين للقارئ قدرة الكتابة الواقعية على تجاوز التأريخ والدخول بها إلى فضاءات متخيلة تعلن أنّ عهد الفن البعيد عن مشاغل الناس قد ولى بلا رجعة. هي الثورة التونسية في محاولتها تغيير السائد الفني مبشرة بكتابات تحفر في الموجود الشعبي وتقربه لذاك القارئ ليبني حدث الكتابة الجديدة للنص حيث الذات والحرية والإنسان: 'وفن الرواية في جملته تجريبي في الثقافة العربية على وجه الخصوص لأنه كان يتداخل مع أنواع السرد التاريخي والشعبي الديني والعجائبي ويشبع شهوة القص في المجتمعات الشفاهية في رواية الأخبار والآثار من ناحية واختلاق الأكاذيب المتخيلة من ناحية أخرى'

الهوامش
- (مصدر العمل) رياض خليف 'علاّلة الزيني - أو المطلوب عدد 1 في سيدي بوزيد ' - رواية - مطبعة دنيا برانت سيدي بوزيد 2011 .
بنيس- محمد بنيس : بيان الكتابة - كتاب البيانات ' أدونيس أمين صالح محمد قاسم حداد ' تقديم محمد لطفي اليوسفي سلسلة عناصر دار سيراس للنشر تونس 1995.
- مجموعة من الباحثين الرواية العربية ممكنات السرد راجع مداخلة
د. صلاح فضل التجريب في الإبداع الروائي. أعمال الندوة الرئيسية لمهرجان القرين الثقافي ديسمبر 2004 المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويت 2008 -الجزء الأول.
- هانس روبيرت ياوس: جمالية التلقي من أجل تأويل جديد للنص الأدبي ترجمة رشيد بنحدّو . المجلس الأعلى للثقافة مصر 2004 .

حـاتـم الـنقـاطـي .

عبدالرحيم محمد احمد
10-11-2012, 10:55
' الـحـيــاة الـثـانـيــة لـقـسـطـنـطـيــن كـفـافـيـــس'

روايـة : طـارق إمـــام .


هناك أعمالا أدبية تطرح على صعيد التكوين، والبناء، والاحتواء، وعموما اجتراح تجربة فنية في مضمارها، وتبلغ فيها مبلغ التميز والاقتراح، ما يفحم الناقد والقارئ عامة لإيلائها الاعتبار، والتوجه سلفا لرصدها من زاوية اجتهادها في تصور الكتابة،ضمن الجنس الأدبي الذي تنتج فيه، وبالإحتكام إلى الأدوات والخبرة المتوفرة والإمكانات التعبيرية والتصويرية لأدائه، وهي هنا الرواية ومستويات أدائها ومميزاتها، وصولا إلى اختراقاتها، التي ينزع إليها كل عمل قيمته كبيرة ومنزعه منزعه جديد، ومرامه مثير، هو المرصود في رواية:' الحياة الثانية لقسطنطين كفافيس' لكاتبها المصري طارق إمام (دار العين،القاهرة،2012، 563 من القطع المتوسط).
2ـ واسمُ هذ المؤلف ليس غُفلا، كما تبين لائحة إصداراته، موزعة بين القصة القصيرة والرواية، بزّ في هذين النوعين بعض أقرانه من جيل الشباب المصري (فهو من مواليد 1977) من حيث تتويجه بعديد جوائز أدبية، نخص بالذكر الجائزة المركزية لوزارة الثقافة لأفضل مجموعة قصصية مرتين عامي 2004 و 2005، وجائزة الدولة التشجيعية عن رواية: 'هدوء القتلة' (2009)، التي يبدو أنها حازت انتشارا، قياسا بطبعاتها الأربع، واستحسانها للترجمة. لم نقرأ له من قبل أي نص، وهي مصادفة حسنة أن وقعنا على عمله الجديد، هذا، ينبئ بخبرة، ويشي بمؤهلات بعضُها نامٍ، وبعضُها الآخر، قيد الشحذ والتنضيد، وبينهما نزوع واضح لبلورة حس تجريبي في الكتابة الروائية، متراوح بين خبرة روائية متراكمة في تقاليد السرد الحديث والمستحدث، خاصة، وتضعيفها في سجل مدونة قولية، سرديةـ شعرية، وصفيةـ استبطانية، تعيينية ومجازية، لتوليف نص مُنزاح، بقدر ما يسائل بتجريبيته، يصبح بدوره عرضة للمساءلة والمخاطرة، وهذا امتحان لا مناص منه لكل من يعصى شريعة التقليد ملوحا بـ'إيديولوجيا' التجديد، فكيف إذا دخل إلى الجنس الأدبي (= الرواية) من باب الشعر وسيرته وعُدّته (كفافي).
3ـ يعمد طارق إمام إلى سيرة الشاعر اليوناني قسطنطين كفافيس (1863ـ 1933 ولد ومات في الإسكندرية)، ليتخذها مهادا وسنادا لكتابة رواية تحمل اسم هذا الشاعر ذي الشهرة الإبداعية والإشكالية. وبذا فالعمل للوهلة الأولى، من خلال الإعلان الصريح لشخصية بطله الواقعية، والعناصر التوثيقية المؤسسة والمصاحبة والقابلة للتحقيق، كعناصر ذاتية، والمنصوص عليها كلاما مدونا كأشعار منشورة وموثقة بدورها في المدونة الشعرية الكاملة والمعلومة للشاعر؛ إن هذا العمل، والحال هذه، يندرج في الإطار الأجناسي للسيرة ( Biographie)، وهي بأبسط تعريف نوعٌ كتابي يُعنى بحياة شخصية ذات تميز معين، وتقتضي معالجتُها الحيادَ ما أمكن، والعمل التحقيقي حول هذه الحياة ، والتأطير التاريخي بخلفياته المعلومة المحيطة بها، فضلا عن توفر عدد من الحوافز القرينة بالإقدام على تشخيص لسيرة بعينها، ذاتية أو ثقافية أو خلقية، الخ.. جدير بالذكر، بعد هذا، أننا مع هذا النوع أمام ضربين: إما سيرةٌ عالِمة، وهي ذات مقتضيات موضوعية، وإما سيرة روائية، من طبيعة تخييلية، أي تتجاوز حضور الشخصية في موضوع حياتها، إلى وضعها كذات قابلة للتأويل، وباستعادتها على صعيد التحويل (=الروائي، مثلا) مع ملاحظة أن المقاربتين يجمع بينهما عنصر السرد كمكون أساس لبنيتهما القولية، وللسارد، حقيقيا أو من ورق، ولمادة ومرجعية مشتركة، هي أحد مصادر قياس درجة الصدق من الخيال، وبالتالي درجة انتساب التلفظ إلى هذا السجل التعبيري أو ذاك.
4ـ من العنوان يتضح أن طارق إمام، اختار السيرة التخييلية الفنية، يزكيها بطبيعة الحال التجنيس المرسوم على الغلاف، وإن جاز ان يكون اتفاقيا لا نصا بالضرورة على النوع، بحكم السوق الأدبي، وهذه قضية أخرى. اختيارٌ مسوّغٌ كذلك بتسمية فرع في العنوان، جاء في صيغة الصفة (الثانية)، من عبارة (الحياة الثانية) وهو في رأينا الحاسم من نية القول، لدى المتلفظ قبل فحص شكله ومحتواه لاحقا، والصفة تتعلق بالموصوف، أي بالشاعر كفافيس، الذي يكون في قراءة(كتابة) تأويل الكاتب قد عاش حياتين. وبما أن الأمر يتعلق بمجال يحضر فيه التأويل فوق البنية الكلية للتخييل فإننا لا نعلم، بالأحرى لا نجزم هل هي صفة حقيقية لازمة بالموصوف أم غير ذلك، وكلما سعينا لاختبار عملها نحويا إلا لزم ربطها بما تدل عليه، انطلاقا من تعريف الجرجاني للوصف الذي يدل على الذات باعتبار معنى هو المقصود من جوهر حروفه، أي يدل على الذات بصفة (التعريفات).
5ـ هذه الصفة النحوية هي بوضعها الترتيبي (الثانية) تفيد بوجود أكثر من حياة تقلب فيها كفافيس، ما يفتح الباب واسعا لتطويع العنوان، ومن ثم الكتاب، لتفسيرات شتى، وتصورات ووجوه من الفهم، لنفترض أن أولها قرينٌ، صراحة أو ضمنا، بالمتن السِّيَري كما اقترحه علينا الكاتب. هذا الذي ينبغي أن يكون حرَثَ حياةَ شخصيتِه طولا وعرضا، ونقّبَ، وقام بكل الحفور، لم تفُته شاردةٌ ولا واردة منها، وبعد الغربلة الدقيقة، وهي شبه مستحيلة في هذا النوع من المسعى، مهما بلغت من الشمول( والحقيقة أننا لا نستطيع تقديرها على الوجه المطلوب، لأن المؤلف، هو هنا روائي لا باحث، فلا جُناح عليه، يكتفي بإشارات عامة في نهاية كتابه يسميها 'إحالات' (564) والإحالة ليست كذلك تعريفا..) ليصل إلى تخوم العيش الحقيقي، ومنها يتأكد أنه جنح إلى الخيال، إلى:'تحريف وقائع أخرى أو اختراعها في النسيج التخييلي للعمل..'(م.ن 565). وإذ لا يساورنا شكٌ في أن المؤلف ذهب إلى الوقائع في مضانها، وتلمّس أكثر من نسيج للحياة الواقعية لشخصِه السِّيَري، قبل أن يحوّله إلى شخصية روائية تعيش بأداة 'النسيج التخيلي' الذي حاكَهُ هو، لا يجد غضاضة من الاعتراف بأن: 'الفجوات الواسعة في بعض أزمنة الشاعر، فضلا عن الحقائق والتواريخ التي وردت مشوشة أو متناقضة، وبعض المناطق الغائبة، منحتني فرصة ذهبية لإعادة تأويل حياة، حدَّ خلقها وتخمينها، بعد أن بدت لي في كثير من الأحيان كما لو تكن وُجِدت قط.'(م.س). وهذا بيت القصيد، من عبارات تمنينا لو وردت في العتبة لا ذيلا وتكملة، نعني أنها تمثل الوعي الفني النظري للكاتب إثر خوض غمار تجربته، ومحصّلتها، وبعد أن قضى منها وطرا ليُزوِّجناها عملا كاملا، ناضجا، وحمّال أوجه. عمل سِيَري، عالِم وتخييلي معا، لأنه لا يمكن أن يقبل الترتيب إلا إذا بتسانُد طرفيه وتضافرهما، ذا لذاك، وهذا وجه إشكالي من وجوه الكتابة البيوغرافية، بلا صفاء هي، هُجنتها أصلٌ فيها، ومع هذا العمل الفريد شكلا وقيمة يتيح لنا طارق إمام الخوض في مسائل نوعية حقا ليس في الطرْز الذي ارتضى لسرد تاريخ 'عشيقهّ الأدبي'، بل الرواية كمعشوقة سردية، هي اليوم في قلب حب الأدب المعاصر، يغازلها جماعة من الكتاب العرب يقدمونها لنا بوله طافح.
6 ـ فما هي هذه الحياة؟ وفيم تتشخص؟ وكيف تُشخص؟ ومن هم شخوصها بجوار بطلها؟ وفي الأخير، أي محتوى لرهان هذا العمل، الذي يعلن ضمنا، تارة، وصراحة، تارة أخرى، في غير موضع، وبقصدية ملحة، أن ثمة لعبةً يتواطأ فيها كاتبٌ وساردٌ ومؤلفون وشخصيات، في قلبهم كفافيس: 'الذي وجد نفسه فجأة قطعة من حياة متوهمة، تعيش في المستقبل من واقعه الفعلي، أنه يجب أن يطور اللعبة[الرواية] بما يمكنه أن يستبق هو المخطوط، أن يصير ما في الرواية التي تنمو أوراقها يوما بعد الآخر، تأريخا لأوهامه.'؟ (30). حقيقية كانت أو أوهاما، فإن الرواية تستهل من نهاية حياة كفافيس بعد أن عاد إلى مسقط رأسه الإسكندرية من أثينا، إثر عملية جراحية على الحنجرة بسبب ورم سرطاني، (1932) فقَدَ معها النطق:' على سرير ضيّق، انتزع الأطباءُ حنجرته ولم يتمكنوا من إعادتها'(48) وفي أوائل 1933 انتكست صحته فنقل إلى المستشفى اليوناني في الإسكندرية، حيث أمضى الشهور الأخيرة من حياته. نشرع نحن القراء في التعرف على هذه الحياة، على مقاطع ومشاهد مبعثرة، متناثرة، جزئية، ومنتقاة جدا منها عن قصد لتخدم الصور التي يريد الكاتب أن نراها بانورامية ونفاذة عن شخصيته، بؤرة رؤيته؛ اختيار له ما قبل وما بعده. مرةً يرويها سارد عليم، ومرة أخرى، سارد شخصية، وثالثا كفافي الشخصية، أو كفافي الشاعر، فهو ليس واحدا، وطورا واحدة من عديد الشخصيات المحيطية قياسا بالبطل ـ المركز، أو منه إليها. نحتاج نحن القراء، حسب درجة تلقِّينا ومستواه، وصبرنا، أيضا، وهذه قضية/ امتحان بمفرده، أن نلمّ حصيلة أصوات، وشتات مشاهد، وأمشاج صور، وسجلات خطابات، ومدونة شعرية متخللة بين افتتاح الفصول ومطلع الفقرات، أومعانيها مذوّبة في المحلول السردي العام، عليك أنت القارئ أن تكون مُلما بشعر صاحبها، لتُعيدها إلى مصدرها، أو تصل إلى قرينتها، صحيحة أو مفترضة، فما بالك إن جرى الكلام، وهو كثيرا ما يجري هكذا على سبيل الاستعارة لعدم وجود حدود بين التعيين والمجاز ضرورة.
7ـ عن أيّ كفافيس نتعرف من خلال هذه الأفخاخ والحواجز؟ بالأحرى هناك معرفتان، واحدة تكون متحصِّلة لدى قارئ عارف سلفا بقامة الرجل الشعرية، وموقعه في هذه الخريطة، إلى جانب نُتف عن حياته الشخصية، وهو الأقرب إلى التقدير، وهنا إحدى جاذبيات التلقي، وبعض ما يصنع أفق الانتظار، بل إني أذهب إلى القول بأن خالي الذهن من أي معرفة بالشاعر، بمحيط تكوينه بمشاربه المتعددة، الكوسموبوليتاني تحديدا، لن يفوز بكثير، بل قد يخرج محبطا، إن هو امتلك الصبر لمتابعة عمل بحجم ما بين يديه، وخاصة تتشابك وتتدافع شخوصه وتمثيلاته وأهواؤه. وفي المعرفتين، موجبة وسالبة، يقدم لنا الكاتب صورة شخصيته في حال التفسّخ والزوال، بمفارقة مواجهة القمة الشعرية بالانهيار الجسدي. يقدمه لنا، على الخصوص، من بؤرة مركزية هي نزعته المثلية، وهو تبئير يتمكّن ويمتد على سائر أعضاء محيطه، والعلائق الإنسانية والاجتماعية والثقافية التي يقيمها مع المحيط، في الداخل والخارج، لدرجة أننا إن أردنا أن نستبدل الصفة( الثانية) بغيرها لوجدنا أفضل براديغم(إبدال) لها هو( المثلية). وعلينا، على القارئ في هذه الحالة، ومن غير أن نتهم تلقيه بالسطحية أو التسرع، أو الإحساس بصدمة أخلاقية انطلاقا من عرف ثقافة معينة؛هذا القارئ مدعوٌّ أن يتقبل سلوك الشخصية باعتباره شرط وجود لها، وهويةً ملازمة، سيحرص الكاتب تصريحا وتلميحا، على تعريفها بل وتنظيرها بالحديث عن الأبيقورية مفهوما وتاريخا وتجليات (214) أو بمقولات وعبارات حجاجية وحِكمية:' إن تدمير الذات، وبالملذات خصوصا،[ل]هو الطريق الأكيد الذي يقود إلى الفن'(237) ؛ وبالدفاع عن المثلية باعتبارها: '[ما] يجعلك في الحقيقة قادرا على الإصغاء لنفسك.'(261) لتبلغ ذروتها بوصفها 'شرارة الشعر': 'هذه الشرارة هي الشعر، لستُ روائيا كي أجهد نفسي في تزويج المتناقضات، أنا شاعر، صوت، الشاعر أيها الأصدقاء، هو بالضرورة ذلك المثلي'(م.س). ليس بعد أوضح من بلاغة التماهي هذه قوةً في التبئير النظري لتيمة/ هوية المثلية، لا سيما وقد جاءت في سياق محاضرة لكفافي أمام جماعة 'الحياة الجديدة' بأثينا، وهو في الخمسين، حلل فيها اللغة الديموقيطية التي تبناها في شعره، مركزا على'حسية التاريخ' في قصائده، وعيناه تتحرشان بشابين يصوبان نظراتهما لعينيه في القاعة (!). ولن يكفي القول بأن الهمّ الشعري، الذي لا شك يستبطن النص كله، ويمتد فيه شريانا دافقا، هو البنية العميقة للكلام الأدبي، مما ينبغي أن يُعتدّ به في حياة الشاعر، في تراثه، فالمعوّل على المنظور الروائي، ومقاربات الشخصيات التي تصب في بؤرة مركزية أرادها الكاتب عمدا وبحساسية.
8ـ من هنا التركيز على السلوك المثلي عمليا، في حياة كفافي، فهو دأبه العادي، اليومي، الملتصق بجلده، تُشخِّصُه الرواية في العلاقات التي أقامها مع عديد أفراد، منذ فتوته، وإلى بلوغه أرذل العمر. هم مصريون وأجانب. أفراد متميزون وآخرون عاديون ورَعاع، من الإسكندرية وحيثما حل، وهو قد تنقّل كثيرا، لتبقى هذه محطته الأم. هنا يلتقي حول جسده كل عشاقه، الأقربون والأبعدون، وهو شاعر، لكنه يعرض جسده بضاعة للغواية، ليلبي حاجته وهو يبحث عن نفسه:'(...) يبدو وهو ينحني كأنه يخوض حربا ضد كبريائه، يريد جسدُه فيها أن يخرج منتصرا بأن يمعن في المهانة(...) كان يتمدد في جسده، يتأمل أعمق نقطة في الوجود بتوسيع إسته، كأنه يرى عبره جوهرا مخفيا' (267) . هذا ما جربه مع توتو(عبد الفتاح) وديمتري، وسائق الترام، والقس تيوفيليس، وفتية يؤجرهم، وعشرات انتهكوا جسده، الذي وهو عرضة للمثلية الصارخة، يتحول إلى نص للكتابة، الحسية، الأبيقورية هي الحبر والقلم الذي يفتقه (193)، . وأخيرا إلى فورستر، الكاتب المعروف، الصديق والمحاور له، تجمع بينهما إلى جانب الانشغال بأحوال الإسكندرية، أن كليهما فقد أباه مبكرا، و: 'كلاهما فرّط في جسده ـ كنوع من التسامح يصعب أن يصدقه العبيد والساسة على السواءـ في أجساد الرجال'(134). ستُرينا الرواية أن المثلية هي صعيد من بين أصعدة في علاقة الرجلين، اللذين يلتقيان حول قطب الأدب، وقطب مدينة واحدة عشقاها حتى نخاعهما. ولن يفوتها أن تبرز بمناسبة هذه العلاقة، وطورها الأدبي خاصة،الفرق الذي يُقيمه كفافيس ـ من منظور الروائي طبعاـ ، بين المثلية شبه الفطرية، وحتى المبتذلة في حياته اليومية، وبين عالمه الشعري وانشغالاته الوجودية، نصوصا وقيما وأفرادا، وبدون هذا التمييز، كحاجز احتماء من المجتمع الملوث، الذي ما ينفك يكيل له الصاع صاعين، بدون هذا التصعيد الثقافي المتولد سلفا من السِّيَرية الأصلية للشخصية، ما كان للمثلية أن تتبأر، وتنزاح روائيا.
9ـ في هذه الرواية، في هذا الانزياح، أي بالاصطلاح الاختراق الفني، الذي به يتحقق عمل أدبي على نحو مغاير فينزاح عن سواه، يتمثل عالمها بجماعة مجنّسة، ذكورا وإناث، وكما لهذه الرواية، ول'بطلها' رجال'هاـ ه' لها نساؤها، يقمن بدور محوري، لا تكميلي، تتواشج به فصولها وفصول حياة البطل نفسه، من النشأة إلى الزوال، الأم، والجيران، والبغي، والمعجبات، والشاعرات: خريكيليا الأم والعقدة، فُتية، البغي المفتتنة به، وهي تعلم أي حاجز بينهما فتتهتّك أكثر، وهي تُعيِّرُه بأنه 'محض شاذ متأنق'(90) وتنعته بـ'جثمان حيّ'(94)؛ كلوديا تراه ، وهي ذاكرته الشعرية:' يمصّ دمَ الرجال'(71) ؛ كرستينيا تشرف على مرضه، تحمّمه وتدهنه، وتقوِّم شعره وشخصيته كناقد ومرب عطوف، وهي في هذا الموقف تحمل قناع الكاتب وصوته؛ أيُّ نقد كهذا:' كان يتعامل مع نفسه كشاعر كلاسيكي، ينتمي لأسلاف عظماء، ويتعالى على الصغائر والصراعات الهامشية، رغم أنه خاض كل الحروب الصغيرة وتشبّع بشتى الابتذالات الممكنة التي أملاها عليه جسده'. شخصيات ومرايا تنعكس عليها تكوينات وأبعاد الأيقونة الروائية، وبواسطتهن، تزداد نتوءاً، تتميز مقارنةً ومفارقةً كي تتجلى العلاقة وتتباعد بوضوح بين الشخصية ومحيطها، والعلاقة هي هذا البحث المسترسل الإشكالي الذي ما يفتأ الكاتب مُمعنا فيه للقبض على هوية من هو سمسار وصحفي، وشاعر(325)، مقتفيا خطاه في عيشه وخلف وطء عشاقه له، ومن خلال استعراض واستكناه قصائده،(338) وبرسم خريطة مدينته، وعبر شبق نسائه وأحزانهن. هم وهنّ جميعا حوله:' دوائرُ من ماء، متباعدة، غير أن وجهه موزع عليها(...) فأي شخص في كل أزمنة أشباحه يمكن أن يكون هو؟'(55).
10ـ وإذا كان لكفافي مثلِيتُه، عشقه، شاعريته، رجاله ونساؤه، فإنها نواظم تدور حول الناظم الأكبر، الجامع، مدينة الإسكندرية، الحاضرة الكوسمبوليتانية، التي يدين الأدب الحديث لزمنها بأدباء كبار منهم كفافي أولا، وبالطبع لورنس داريل، صاحب تلك الرباعية الشهيرة: جسدٌ آخر يلتحم بجسد كفافي، ليصنعا جسدَ النص الروائي، وهما ملتحمان رغم تقسيم العمل إلى قسمين، حيث يأتي عنوان المدينة تاليا. وكما أن لا رواية بدون مكان وزمن، كذلك لا تسريدَ وأشكلةَ لشخصية الشاعر الإغريقي السكندري بدون مكانه الأم، به يتشخصن، وفيه مرتعُ أهوائه، ومجلى عبقريته، حيث نما عشب جنونه وهنا ذوت روحه، في صراع وتوتر دائم الاحتداد، بينه وبينها، هي أناه الأعلى وعقدته الثانية بعد أمه خاريكليا. بعبارة أخرى مختصرة، هذه رواية الإسكندرية بامتياز، مرثية لزمن مضى، وفي الآن، تذكّرٌ حزينٌ، دراميٌّ، لزوال الأمكنة، بقدر ما تُحيل على الماضي تنفض غبار النسيان، تأسَى ضمنا على الحاضر بخطاب الإحالة، وهو ينكفئ إلى الوراء، وينعى الغابرين، أيام 'لا أحد ينام في الإسكندرية' رواية إبراهيم عبد المجيد المعتبرة، ينضاف إليها اليوم عمل طارق إمام، ليؤكد خصوبة التخييل مصريا في كتابة سرد المكان، وسرد الأدب العربي المعاصر عامة. لم يكن صراع كفافي مع عشاقه، وإنما مع روحه، وهذه من مدينته، كجزء من زمانه وتراثه الهلليني ككل، يخوض معها وضدها حرب مثاقفة ولود، لا يهادنها قط بعد أن أدمنها، فيرسم لها من الصور شتى: 'الجميع في الإسكندرية يرتدون أقنعة، لا يمكنك أن ترى شخصا يرتدي وجهه الحقيقي'؛ 'إنها المدينة التي تُجيد الكذب، وتنطق بلغات لا تعرفها لتحفظ بقاءها'(125)؛ 'شارع ليبسوس[حيث أقام] هذا يلخص الإسكندرية بشكل نموذجي.. فيه مستشفى لآلام الجسد، وماخور للذات، وحانة للنسيان. لم أقصد عندما اخترت هذا البيت ان أتورط في هذه المدينة لهذا الحد، لكن ذلك حدث، ويبدو أن المدينة هي التي فعلت ذلك بقدرتها على صنع القدر.. وقدري بالذات'(205). لا أفْحَمَ من هذه العبارة. ورهانُ الكاتب كان عجْنَ تاريخ الشخصية السِّيَري والوهمي (المصطنع) بتاريخ مدينتها لصنع وجدان وهيئة مشتركة بأداة التخييل، مضطلعا بـ 'جدول أعمال الرواية' و'دفتر تحملاتها' كما يراها هو، بعضها على هدي أسلاف، وبعضه الآخر، الأهم من بنات خياله ونظامه، فأي نظام؟
11ـ لا شك نصل هنا إلى 'مربط الفرس' في هذا العمل، نعني معمارَه، طريقةَ بنائه وأدواتها، العمالةَ والموادَ المستخدمة، لنقُل بتبسيط (مُخِلّ)، بِنيته في شكله الكلياني من منطلق تصوره الذي لا ينفصم عن محتواه، الذي هو شكلُه في الآن عينه. وقد كنا أشرنا سالفا إلى تناسله من النوع السِّيَري، وتكييفِه له على وجه السيرة المبدعة لا العالِمة، ما سنقف عنده هنا، وبعجالة، لأن فحصه يتطلب في الحقيقة رسومات وتخطيطات مدققة، دراسة مستقلة بمفردها. لنوجز قائلين في وصف مبسّط بأن هذه الرواية بُنيت في هيئة عمارة من ثلاث طوابق، تولّى الإشراف عليها و(كتابتها) مقاولٌ واحد هو المؤلف، وبتنفيذ ثلاثة مسيرين: الأول، هو السارد العليم، الذي يقدم لنا من أول صفحة السارد الثاني (وهو شخصية في العمل) اسمه ألكسندر سينجوبوليس، عشيق كفافي اليوناني غادر معه السفينة القادمة من اثينا ل:'يكتب عنه رواية، يخبئها عنه في حقيبة، ويضيف إليها كل يوم سطرا، أو بضعة أسطر، فقرة أو فصلا كاملا'(11)، وهو شخص وُجِد بالفعل لا بالاحتمال، وكان بمثابة وريث مسؤول عن الأعمال الأدبية للشاعر لمدة عشر سنوات قبل رحيله (نظير ماكس برود بالنسبة لكافكا، نوعا ما) متكئا على معرفته به، ومستعينا بشعره (112). وما سيكتبه هو النص الذي سيخضع لرقابة، وتنقيح مخطوط لسارد ثالث ليس إلا الشخصية الروائية، مدار العمل والسراد الثلاثة، كفافيس ذاته ، بعلمه: 'كان ثمة شخص يتلصص على ماضيه'(49) هو ألكسندر الذي يكتب رواية سرية عنه، سيتلصص عليها بدوره، ويسجل عليها ملاحظات:' إلى أن تشكل ما يصلح لرواية موازية'(13). معلومات أكثر منها استنتاجات، واردة في المتن بقلم المؤلف الواقعي، يضيف إليها إضاءات هي وما سبقها بمثابة دليل سير للقارئ ـ وكم يحتاج من دليل في المتاهات، والتقلبات، والمنعرجات، وتعدد وتداخل الأصوات والأزمنة، ذهابا وإيابا والعكس، إلى ما لا نهاية، فضلا عن كثافة الاستعارت، ما يجعل القراءة شاقة وتحتاج إلى صبر الشغوف، والمثابر، الذي يكابد حتى يقبس من النار المقدسة، إن وجدها في آخر الصعود والنفق، وهذه مسألة أخرى في باب تلقي الكتابة المجددة على نحو من الأنحاءـ . نقول دليل سير وبروتوكول قراءة يتحدد في: 'حضور الشخصيات من الأحدث للأقدم، بحيث يبدو الزمن وكأنه يعود إلى الخلف بالتقدم في الرواية'(112) وبروتوكولُها مبنيٌّ على ترجيح الخيال على الواقع أقنوما ممثلا في ألكسندر المتخيل يروي عن كفافيس المتخيل(م.س)، وقبله على رجحان مبدأ الشك:' عندما تبدأ بكتابة شخص[سيرة] تبدأ في التشكك بوجوده، وبعد قليل تكتشف أن لا وجود حقيقيا له خارج أوراقك.'( 54).
12ـ هذا المعمار المتداخل، ذو التناسق الخاص به، والبنية الروائية المركبة، مثلثة السراد، بنقيصة تشابه لغتهم، وغياب تمايزات بلاغية إشارية دالة على تنوع الخطابات، لا تكرارها ، مع اعتبار أن هناك فعلا مستوى مجازيا ترقى إليه اللغة يكثف التعبير شعريا وينسجم مع رؤية حلمية، من قبيل أن: 'الشتاء يقطن أحشاءه، وصباح في زرقة ملاك ساقط..'(58)، هو معمار تحتويه كتابة بُنيت بداية وختاما وفق استراتيجية 'التطريس'، أي تدوين طرس على طرس، تعبيرا عن مفهوم التضافر النصي، والتناص أحد وجوهه، والمقصود هنا ما نظّر له جيرار جنيت(1930-) انطلاقا من اللفظ الإغريقي palimps'stos، ونحب أن نحيل للإلمام بالقضية من جوانبها كافة إلى الدراسة القيمة للأكاديمي التونسي أحمد السّماوي 'التطريس في القصص، إبراهيم درغوتي نموذجا'(صفاقس،2002) تطلعنا على شجرة أنسابه النقدية بدءا من باختين، مرورا بكرستيفا، وإلى جنيت بموازاة مع تراث النقد العربي. ولهذه الاستراتيجية صيغ عمل، (نمطيات التطريس، حسب جنيت) منها التناص، والتضافر، والنصية الموازية، والوصف النصي، والمعارضة، والنصية الناسخة، خاصة، الأقوى اشتغالا في رواية إمام . هذه مجتمعة تحتاج إلى تطبيقات لفصلها عن بعضها، وفحصها سيميائيا ودلاليا، وقد ساعدت الطباعة بالرقن المميز بينها، وهذا لا يكفي، شأن فكرة تمييزها لأن محافل تعدد الأصوات وتنويع طبقات النص، يعوزها ما هو أكثر من العلامات الطباعية، وتنويع بل تكثير وتفكيك الفصول، لتسويغها. وتبقى النمطيات المذكورة في حاجة إلى إضافة أساس وحاسمة، هي النصية الجامعة، (جنيت) وهي ضمنية، وسمة كل نص، وأبرز شكل لها هو في ما ترشد إليه من علاقة للأثر أو بجنس قول ما، وفي ما ترسمه للمتلقي كأفق انتظار(السماوي52). ويبقى عمل إمام مبتورا إن لم يعمد هذا المتلقي، ضمن استرتيجية التطريس التي قلنا إن هذه الرواية تشتغل بإوالياتها، إلى توظيف ذاكرته، وهذه تتأرجح في تلقيها شكا ويقينا، بين استنساخ الواقع، وتبجيل الخيال، ليتجه، لم لا، إلى إعادة كتابة العمل نفسه على طرز مختلف، دعك من تغيير المنظور. أضف إلى هذا البروز القوي للعبة كسر السرد الخطي، وتداخل الأزمنة بإيقاع حدِّي، ونصيةُ التشظية المتقاطعة مع الكتابة الشذرية، والتقاطع بين اللسان الشعري (الوحدة) واللسان النثري (التعدد) بالذات هنا حيث تحدث الحوارية، وتتفاعل النصوص، لهي وغيرها، مما يتعذر الوقوف عليه هنا، لتعدّ من أبرز خصائص المتن الروائي المدروس، الذي وهو يقدم لنا ذخيرة عن حياة كفافيس، واقعية وأدبية ووهمية، تَجسّدَ نصّا فذّا، مُجترحا روائية عربية، تسمو فيها أدبية الكتابة ومناوراتها، مع آليات السرد، قديمة وحديثة، للتعبير عن متعاليات، أعظمها الذات والإبداع والحرية، وبروح مغامرة وجرأة في القول الفني، وككل مغامرة، فلها تبعات.


احمـد المـدينـي .

عبدالرحيم محمد احمد
13-11-2012, 20:35
"حـكــايـتــي مـع رأس مـقــطــــوع"

روايـة : تحسيـن كرميـانـي .



يحيلنا تحسين كرمياني في روايته الاخيرة ( حكايتي مع رأس مقطوع ) الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت عام 2011 الى العلاقة الصادمة في واقع يرتكزعلى تشابك المصائر والقائم على الصراع ، صراع سياسي وفكري ، يتحول بموجبه البطل الى مركز لهذه الصراعات ، صراع بين الواقع والخيال ، صراع يتحول فيه الواقع الى فانطازيا غرائبية وكذلك تحويل الفانطازيا الى واقعية ساحرة.. بغية طرح اسئلة الوجود الكبيرة المهيمنة عبر سيرة يرويها رأس مقطوع ، اسئلة الروائي ( الشخصية الرئيسية في الرواية ) عبر تشابك عنصرين مهمين يندرجان في اصل الثيمة او اللعبة ـ الواقع والخيال ـ عبر انساق تتمحور في ذاتيتها حيث يتم دمج المؤلف بالراوي الذي يحمل انساق السرد الرئيسية يبث فيها الحياة ليتحول الحلم الى واقع ، واقع البطل وهو يعيش محنة صراعه ضد الظلام الذي يريد ان يهيمن عبر لغة الدم والموت ، لغة لاتعرف الا تكفير الاخر ووصمه بالخيانة والعمل على نسفه عبر الموت وبطرق بشعه...ان يقتل انسان ما ذبحا يعني وصول هذه المفردات الى اقصى تطرفها ، ويمكن ان ينعكس هذا على كل شيء ، بدءا من الابداع الذي يقرر هذه المصائر .
في البدء نفهم ان البطل وهو روائي يعيش في ( جلبلاء ) ـ نحت الكاتب هذا الاسم ربما في اشارة الى البلاء الكبير الذي تعرضت له اغلب مدن الوطن ومنها مدينة ـ جلولاء ـ المدينة التي يسكنها تحسين كرمياني ـ يكتب ويسافر مع زوجته المبذرة والمهووسة بالتغيير وشراء الجديد بين فترة واخرى ، حتى لحظة شرائها دمية ناطقة .. ندخل بعدها في ذلك المفترق المؤدي بنا الى عقدة اراد منها الكاتب بناء روايته ، ذلك النفق الذي تعمد الكاتب ادخالنا فيه عبر هذا التمهيد السلس عن علاقة الكاتب بمحيطه ،ومن هنا وفي مفصل مهم من تدرج الاحداث ندخل فخ العثور على رأس مقطوع موضوع في كيس ملقى في القمامة التي يمر الكاتب بجوارها ، ويسمع صوتا بشريا يصرخ باسمه ، هذه المفارقة الاولى ان الرأس يتكلم مع الروائي ونفاجأ انه يطلب منه ان ينقله من القمامة الى غرفته وعبر خوف الكاتب والصدمة الاولى يحمل الكاتب الراس الى غرفته دون علم احد .. وهذا الرأس يدور حوله لغط كبير في المدنية ان رأسا وضحية يتم البحث عنهما في كل مكان ، ويبدأ الحوار بين الرأس والكاتب ، ونفاجأ ان الرأس يعرف كل دقائق حياة الروائي ، وقبل ان يدخلنا في متاهة الحديث عن قصته وعلاقته بالجسد ( الجسد الملتصق بي ) كما يسميه يدخلنا في الصراع الازلي بين العقل والجسد وبين ماهو مادي وشهواني وبين ماهو مثالي في اعلى درجات المثالية ... عبر السرد ... حديث الرأس عن ماضيه بلغة استطاع تحسين كرمياني بذكاء جعلها مختلفة عن الاستهلال ، لغة مكتنزة مليئة بالحكمة والجمال عدا بعض مداخل الفصول التي يتحدث فيها الرأس وجدتها مقحمة وغير منسجمة مع الاحداث ، لكن عموما كانت لغة الرأس تتميز بجمالية تحسب للكاتب انه استطاع ان يوظفها ليزيد من لعبة دخول الفانطازيا وتمازجها مع الواقع حتى تتحول الى جزء منه ، كما في اسئلة الروائي للرأس هل يأكل ، هل يود ان يستحم ، ولماذا يتكلم اثناء نومه ، وكذلك في الحديث الفلسفي عن الرأس والجسد ، حتى يدخلنا في التباس فانطازي غريب حينما يلقى القبض على ( الجسد قبل الموت) متهمين اياه بانه الكاتب الذي يشهر بالمجموعات الارهابية ، الكاتب الذي يدين القتل والتكفير واستخدام الدين ستارا لتمرير ابغض مايمكن ان يتوصل اليه الانسان في لعبة السياسة البغيضة.... ويطرح موضوع التحذير الذي تلقاه الروائي حينما كان يحاور الرأس عن ( الجسد بعد الموت ) ويتهم على انه مؤلف الرواية التي تلقى الكاتب التهديد بالقتل لكي يسحبها من المطابع ، التهديد هنا ينصب على ( الجسد قبل الموت ) وفي هذه المحنة التي تعني ان الرأس هو رأس الكاتب وانه ميت يستمع الى نهاية الرأس المقطوع اذ يذبح لانه مصر على كتابة الرواية ووسط هذه الحيرة المقصودة ـ حيرة الروائي ـ التي يتداخل فيها التهديد وفعل القتل بين الرأس المقطوع والكاتب حينها فقط يموت الرأس ويتوقف عن الكلام وشرح ماهو مبهم او مابقي مبهم امام الكاتب ذاته ولهذا يلجأ الى ...ابتكار الفصل المتعلق بالاستجواب ، استجواب الروائي من قبل ضابط الشرطة التي كان يفترض ان يعمقه ليكون مدخلا لبث الشفرات اللازمة المكملة للعمل وفي حوارالكاتب مع ضابط الشرطة يفكك قليلا من حالات الالتباس التي كان المؤلف يعيشها ..وامام هذا الالتباس وهذه النهاية المفتوحة كنت اود ان تنتهي الرواية ... لكن النهاية التي اراد لها الروائي كانت غير محسوبة تشبه الضربة حينما وضعنا امام حقيقة ان رأس الدمية التي اشترتها الزوجة مفقود ... في اشارة واضحة جدا الى ان ماكان يعيشه الكاتب كان هاجسا ذاتيا ازاء اقتناء الزوجة تلك الدمية الناطقة ، وينهي الرواية التي اسقطت كل الاحتمالات التي وضعنا ازائها الروائي ، صحيح انها نهاية مفتوحة تقبل الكثير من التأويل والاحتمال ، لكني اعتقد ان النهاية الاولى ، قبل اكتشاف البطل اختفاء رأس الدمية ، قابلة للتأويل الكثير ونهاية مفتوحة تسع ماورد في قصيدة الشاعر اليوناني جورج سيفيريس عن علاقة الشاعربرأس رخامي
........((صحوت وبين يدي رأس رخامي | يرهق مرفقي ولااعرف اين اضعه | كان ينحدر نحو الحلم لحظة خروجي من الحلم | وهكذا تتحد حياتي بحياته | حتى يصعب الفصل بينهما | انظر الى العينين ... ليسا مفتوحتين ولا مغمضتين | اتحدث الى الفم الذي يحاول جاهدا ان يتكلم | امسك الخدين اللذين انتقلا وراء البشرة | لم تعد لدي القوة | يداي تختفيان وتعودان لي مشوهتين .......)) .
عملت الرواية على ثيمة وشفرات الوعي الانساني ازاء جبروت الظلام .. وكانت صرخة الكاتب حينما نشر روايته رغم كل التهديد والرعب الذي عاشه ، رعب القتل ذبحا.. ورعب الانغمار في حرب مبهمة لايمكن معرفة الجبهة التي يحارب فيها.... وهو يحدث زوجته....
....( اليوم بدأت معالم الحرية تولد في بلدتنا ـ جلبلاء ـ ) ص 133. في اشارة واضحة على الوقوف بوجه الظلم والقتل واباحة الدم الانساني ... انها رواية اعدها اضافة جديدة الى سلة السرد العراقي .

عبدالرحيم محمد احمد
13-11-2012, 22:54
" دابادا "

روايـة : حسـن مُـطـلَـك .



أثارت رواية (دابادا) لحسن مطلك ردود أفعال متباينة حال صدورها سنة 1988 وذلك لما اختلفت فيه عن السائد في جل عناصرها ابتداءً بغرابة العنوان، ومن بين ذلك أن الروائي عبدالرحمن الربيعي قد وصفها، آنذاك، بالقول: "لقد جاءت هذه الرواية صرخة وحيدة وسط كم من الأعمال الروائية العراقية التي اتفقت على المنطق وتلاقت في الشكل والتقنية واللغة.. إنها رواية غريبة مثل اسمها (دابادا)" .
فماذا تعني تسمية (دابادا)؟.. ولماذا هذا العنوان بالذات دون غيره؟.. من أين أتت هذه الكلمة الغريبة؟.. لماذا اختارها المؤلف عنواناً على الرغم من أن الرواية تزخر بالكلمات والعبارات المدهشة؟.. ويبقى هذا التساؤل يحوم مع غيره في مدار اعتراف الجميع واتفاقهم على أن (دابادا) رواية مختلفة عن السائد التقليدي في الوضع الروائي العراقي وموروثه في أشياء كثيرة، إن لم نقل في كل شيء تقريباً، ابتداءً من أول كلمة فيها (دابادا) ألا وهي العنوان على الغلاف الأوّل وانتهاءً بما كتب على غلافها الأخير من أنها: "صرخة في الفراغ".
فلا وجود لهذه الكلمة في معاجم اللغة العربية أو في أشعارها وأخبارها المعروفة، اللهم إلا ما كان موغلا في القدم أو فيما هو خارج أيدينا، ولكن المصدر الذي استقى الكاتب منه هذه الكلمة ـ على حد علمي ـ هو اللهجة المحلية العراقية، وبالتحديد اللهجة الدارجة في مناطق (الشرقاط) وقراه (سُديرات) مسقط رأس الكاتب، علماً بأنها كلمة آيلة إلى الاندثار، ولكنه التقطها من حديث العجائز والشيوخ والذين أذكر منهم بشكل خاص المدعو (شيخ العزاوي) الذي كان يستخدمها في أحاديثه بكثرة. أما معناها فهو أقرب ما يكون إلى معنى تعبير (إلى آخره) أو (الخ)، أو تكرار كلمة (كذا وكذا) أو (وهلم جرّا).. فهي تحاول وصف أشياء وأفعال متعددة في آن واحد. وهكذا فهمها حسن مطلك أيضاً حيث يقول:" نعم، ولكنها لا تعني هذا وحسب في الرواية، وهي تستخدم في المجتمع وربما يكون الاستخدام قريباً؛ فهي تأتي أيضاً عندما يحاول شخص ما أن يصف حادثة ثم لا يستطيع أن يكمل لشدة ما بهرته الحادثة ولشدة تأثره بها أو تأثيرها عليه، فيقول لك في النهاية: ودابادا.." .
إنها إذاً كلمة تُحَس أكثر مما يمكن شرح معناها أو تحديده بدقة قاموسية، وهي بالطبع وليدة خبرة جماعية شعبية متوارثة عن عدة أجيال ومتفصدة عن تجارب حوارية طويلة حتى استقرّت على هذا الشكل الذي استخدمه الناس واختاروا لها هذا الموضع في حديثهم، وهي في نهاية الأمر تشبه في حياتها وظروف ولادتها ولادة الحكايات الشعبية والأساطير والخرافات وشأنها شأن كلمات شعبية أخرى كثيرة.
وضمن محاولاتي العديدة في تقصي معاني كلمة (دابادا) أذكر ما قالته لي صديقة أسبانيّة من سكان الشمال الذين يتحدثون القطلانية، من أن ثمة كلمة شعبية أيضاً يتداولها بعض الأهالي في قرى منطقتها وذلك عندما يبدأون بتعليم الطفل كيفية المشي بخطواته الأولى، وتلفظ (دابادا) منغمة عندهم بإيقاعية وليس لها دلالة لغوية، لذا فهي تشبه تماماً ما نقوله نحن في بعض مناطق العراق للغرض نفسه (تاته.. تاته.. تواته) لتحفيز الطفل وتشجيعه على الشروع بخطواته الأولى. وبالطبع لم تكن لحسن مطلك دراية بهذه المعلومة عند اختياره لهذه الكلمة، إلا أنه لم يرفضها حين أخبرته بها معتبراً أن بالاستطاعة إضافة معناها هذا أيضاً لوصف شخصية شاهين الذي هو في السابعة والعشرين من عمره ومع هذا لم يغادر الطفولة تقريباً حيث تتعطّل لغته فيأخذ بالصراخ بهذه الكلمة ليكون أشبه بالأطفال في أصواتهم وخطواتهم الأولى، وشاهين يتصف بالحس الفطري البريء والمباشر مثلهم، ويضيف في لقاء معه:" اكتشفت ـ وبعد أن استخدمتها ـ أن الدادئية قد استخدموا لفظة (دادا) عن المفهوم نفسه تعبيراً عن التلقائية.. صحيح أنها لفظة لا تعني شيئاً ولكنها تعبر عما هو تلقائي لأنها لفظة طفولية"3 وكان الدادائيون قد عثروا على هذه الكلمة صدفة في قاموس لاروس. وقالوا أن كلمة (دادا) تعبر عن العلاقة الأكثر بدائية بالواقع المحيط بنا. وسوية مع الدادائية ينشأ واقع جديد وتتُقدّم الحياة كتشابك للأصوات والألوان والإيقاعات الروحية التي يتقبلها الفن الدادائي من اليومي.. وفي الحقيقة أرادت الدادائية إلغاء الذاكرة والمنطق ومن ثم الدعوة إلى نتاج قائم على العفوية التي وجدوها ضمانة للحقيقة وأصالة للطرح. وإطلاقية المباشرة خير من يعبر عنها هو صوت الطفل الرضيع الذي لا يعرف اللغة وقواعدها بعد ولا يملك أية فكرة عن وجود أي جمال أو تدرج في القيم. وعقل الرضيع مازال طرياً وهو لا يشوه ردود الفعل اللاشعورية للسرور والحزن4. وهذا الطرح الدادائي قد وظفه حسن مطلك بصورة ملفتة من خلال طبيعة الشخصية الرئيسية شاهين والتي كان لها انعكاسها الكبير على أسلوبه في اللغة والتقنية والرؤية.
كما ويبقى من غير المستبعد احتمال وجود هذه الكلمة أو شبيهة لها في لغات أخرى وإن كانت البدائية منها، فهي وفي أول انطباع عنها توحي بالتشابه مع كلمات قبائل الهنود والأفارقة أو حتى كلمات لغات الحضارات القديمة وخاصة حضارات بلاد الرافدين التي كان الكاتب مولع بتقصيها ـ وهو أمر سيتجلى لاحقاً بشكل أكبر في روايته (قوة الضحك في أُورا) ـ. نجد اسم (أدابا) وهو ابن إيا، راهب في أريدو. والذي يعرف أيضاً باسم أوان (أو أنس). أول الحكماء السبعة. عَرّف الإنسان على الفنون والمهارات الحضارية قبل الطوفان5. ولكن سيبقى الأمر الأرجح هو أن حسن مطلك قد استقى هذه الكلمة من عالمه القروي الشعبي مثلما استقى كلمات أخرى وعادات وتقاليد وأغان شعبية وأجاد في توظيفها في الرواية، ثم أن المعنى الشعبي الذي بيناه لكلمة (دابادا) هو أقرب ما يكون إلى ما أرادت الرواية قوله دون إنكار ما قام به الكاتب من إعادة خلق لها وكأنه يبتكرها ابتكاراً، فقيامه بعرض كلمات كثيرة وكبيرة في مدلولاتها وتقطيعها ليركب من جزئياتها أو حروفها كلمة لها علاقة بكل تلك الكلمات ولها إيقاع صوتي يتناسب تماماً وما يراد منها لإطلاق صرخة مقصودة، فهي تبدو لمتلقيها أو لمؤديها بأنها مطواعة وأنها التعبير المناسب الذي يلائم صرخة قوية حبيسة في داخله ويرغب في إطلاقها صائتة أو بلا صوت… أي ترديدها بشكل هامس لنفسه، أو أنها أشبه بصرخة يراودنا إطلاقها أحياناً لنشعر بالتفريغ والراحة مع حرصنا على ألا يسمعنا أحد.. أمر نستعير لوصفه عنوان مسرحية محي الدين زنكنة: "صراخ الصمت الأخرس".
فمن المزايا الصوتية لهذه الكلمة (دابادا) أنها خالية من وجود أي حرف من حروف الحلق تلك التي تسبب التكلف في النطق وإنما ضمّت حرف الألف لثلاث مرّات وهو حرف يتيح الامتداد العالي والتطويل للصوت، وتفريق هذا الحرف بثلاثة حروف قاطعة هي الباء والدال مرتين، مما جعلها تأتي بمثابة عوارض أو برهات زمنية قصيرة تحل محل الصدى أو تتيح المجال لانتظاره، تقطيعات متكررة تذكرنا بصرخة طرزان المعروفة، مع أن صرخة طرزان هي حرف الألف مرّة واحدة ممطوطاً ومقطعاً بضغط الحنجرة أو تواتر الزفير: آ…آ….آ.. بينما حمل (دابادا) لهذا الحرف ثلاث مرّات يجعلها مضاعفة لتلك الصرخة. إن هذه الكلمة من النوع الإيقاعي وتأثيرها ينم عن رغبة في شيء وفيها إمكانيّات صوتية كبيرة واستعداد عال لقبول أي تلحين أو تنغيم إبطاء أو إسراع، رفع أو تخفيض.. أو غيرها. يوخنا مرزا يقسمها إلى حركات حيث يقول بأن "لفظة (دابادا) تتمفصل إلى ثلاث حركات تتكون صوتياً من صوت الدال والباء الانفجاريين وصوت الألف اللين؛ ويولد هذا صرخة تبدأ بقوة (انفجارية) وتنتهي بلين، واللين في الصوت لا يعني الضعف، وإنما يعني الاستمرار، فكما هو معلوم فيزيائياً أن أصوات الانفجارات القوية تكون غير مسموعة وتحتاج إلى صوت لين لتُسمع وتُفهم، وهذا هو حال هذه اللفظة" ويواصل مرزا التأويل انطلاقاً من ذلك بحيث يشبه دابادا بإحدى سمفونيات بتهوفن "من حيث الإيقاع؛ فإيقاع بتهوفن في ارتفاع وانخفاض رهيبين دون أي عبء بالزمان، وهذه الرواية أيضاً ذات إيقاع مرتفع ومنخفض في فراغ لا زمان له، والتي ستنسج بعد ذلك لنفسها زماناً غير هذا الذي نتعامل معه.. تريد الرواية أن تقول أن الزمان لم يعد زماناً ساعاتياً"6. وربما سيكشف لنا شخص مختص بالموسيقى والألحان عن رأي آخر مثلما قد يفعل ذلك باحث بأصوات اللغة.
إن هذا العنوان للرواية (دابادا) يُحيلنا إلى إشكاليّة إذا ما حاولنا قياسه بالمقاييس المتعارف عليها للعناوين، فلو نظرنا إليه من خلال القول الشائع بهذا الخصوص، وهو: "أن الكتاب يُعرف من عنوانه" لوجدنا مغايرته وتمرده على قواعد التطبيق، ذلك لأنه ليس بإمكان أحد أن يعرف أو حتى يتكهّن بما يحتمل أن يحتويه هذا الكتاب لمجرّد أن يقرأ كلمة (دابادا) عنواناً له وإن رافقتها كلمة التجنيس (رواية)، علماً بأن العنوان ينطبق تماماً ويعبّر بدقة عن محتوى الكتاب الرواية. وهنا يكمن ما أشرنا إليه، أي عجزنا عن تخمين ما في الكتاب مع أن عنوانه ينطبق عليه ويصفه تماماً؟‍! وبهذا سيشكل العنوان أول خطوة في مسيرة الاستفزازات.. فحين يقع نظر القارئ للمرّة الأولى على عنوان الرواية (دابادا) فانه سيوضع على الفور في امتحان مفاجئ لمعرفته وثقافته التي يثق بها حتماً، وذلك لأنه لن يفهمه لأنه وببساطة لم يقرأ أو يسمع بهذه الكلمة من قبل، ولا يعرف لها معنى على الإطلاق، وهكذا سيكون أمام خيارين: إما أن يتركها مسلماً بعجز معلوماته أمام معرفة هذا الشيء مقنعاً نفسه بأنه شيء صعب عليه أو لا يخصه، أو أنه واحد من أشياء كثيرة راضٍ هو بعدم معرفته لها وإن تكن ذات شأن. أو قد يختار الأمر الآخر وهو الاستجابة لعملية الاستفزاز والفضول ليبدأ على أثرها رحلة قراءة وبحث شاقة ممتعة توازي منازلته، وهكذا فكأن المؤلف قد قصد هذا الهدف من وراء اختياره لهذا العنوان كي يدلل على عدم قبوله قارئاً عادياً لا يستفزّه التحدي في المعرفة والفن وإرضاء فضوله المعرفي الجمالي الواعي، وهو وفق هذا كأنه يقوم باختبار القرّاء ليرشح، من بعد، الذين يهمه أن يقرؤون روايته، مؤكداً بذلك أيضاً ما كان يردده حول احترامه للقارئ وعدم ممارسته الأستاذيّة أو الوعظية عليه وإنما معاملته على أنه بمستوى الكاتب هذا إذا لم يكن يفوقه بالوعي والثقافة، وحسن مطلك ينتقد بشدّة الكتّاب الذين لا يزالون يمارسون دور الناصح الواعظ أو دور الذي يعرف كل شيء، بينما المتلقي لا يعرف إلا ما يريد له الكاتب معرفته، وكم سمعته يسخر من أولئك الكتاب الذين يتعاملون مع القرّاء بنظرة فوقية وتعالي!.
إذا توقفنا قليلاً عند الإشكالية التي أشرنا إليها والتي يخلقها العنوان لاستطعنا القول: أن (دابادا) عنوان تقليدي وغير تقليدي في الوقت نفسه. إن تذكّراً سريعاً وعاماً لعناوين روايات عالمية معروفة تطابقت مع محتوياتها وعبّرت عن ذروة ما فيها أو لخصت ثيمتها بدقة مثال ذلك: "مائة عام من العزلة" لماركيز فهي فعلاً تسرد قصة قرية معزولة لمائة عام وهكذا سائر رواياته مثل "الحب في زمن الكوليرا"، "قصة موت معلن"، "ليس لدى الكولونيل من يكاتبه"، "أرنديرا الطيبة وجدتها الشيطانة" و"خريف البطريرك" وكذلك روايات همنغواي مثل "الشيخ والبحر" التي تصوّر الصراع بين شيخ صيّاد والبحر. وروايته "وداع للسلاح" ورواية تولستوي "الحرب والسلام" و"الجريمة والعقاب" لديستويفسكي و"البحث عن الزمن المفقود" لبروست ومن الروايات العربية "البحث عن وليد مسعود" لجبرا إبراهيم جبرا و"عرس الزين" للطيب صالح و"النهايات" لعبد الرحمن منيف وغير هذه الروايات الكثير.
فدابادا هي أيضاً تعني "دابادا" بدقة وفعلاً لأن الكاتب يستمد هذه الكلمة من فحوى الرواية.. بل من صميم ذروتها عندما يفقد البطل السيطرة المنطقيّة على اللغة فيشرع بما يشبه الهذيان المتدفق لسيل من الكلمات التي يجمع من بعض حروفها هذه الكلمة ليصرخ بها ويكررها في محاولة منه لقول كل شيء دفقة واحدة. وكأن الصراخ بهذه الكلمة وحدها كفيل بالتعبير عن الصراخ بآلاف الأشياء والكلمات في آن واحد، مع أن الكلمة لا تعني شيئاً وفي هذا وصول إلى تطابق هذا العنوان مع الفكرة الفلسفية للرواية التي تصف الحياة.. ومحاولة للإحاطة بكل شيء مع إحساسها الصادق بأن لا معنى لكل هذه الأشياء.. لا معنى لشيء… فدابادا بالضبط وكما أراد لها المؤلف أن تكون أو كما كان يجيب حين يسأل عنها "أنها تعني كل شيء وأنها لا تعني شيئاً".
أما عن كونه عنواناً غير تقليدياً فذلك لأنه كلمة غريبة ومنحوتة لا وجود لها في معرفة المتلقي، إضافة إلى أنها لا تعبّر عن اسم علم أو شخصية داخل الرواية فتحمله عنواناً لها كما فعلت روايات كثيرة مثل: (زوربا)، (يوليسيس)، (السيدة دالاواي)، (الزيني بركات)، (الأخوة كرومازوف)، (يهوذا الأسخريوطي)، (سد هارتا)، (جلال خالد)، (زينب)، (لوليتا) وغيرها.
أو أنها لم تعبّر عن اسم لمكان تاريخي أو جغرافي موجود كأن يكون مدينة أو قرية أو حارة أو هضبة أو جبل كما هو معروف في روايات عديدة مثل: (بندرشاه)، (حارة الزعفراني)، (خان الخليلي)، (برج بابل)، (مرتفعات وذرنخ)، وغيرها، ولم تكن عنواناً تشويقياً مغرياً يحمل تضاداً ظاهرياً أو انزياحاً يثير الفضول كما في روايات: (ذكريات من بيت الموتى)، (صباح الخير يا منتصف الليل)، (الساعة 25)، (عناقيد الغضب).. وغيرها.
وهكذا تتضح غاية حسن مطلك في اختياره للعنوان، أنه يبحث عن عنوان يتناسب أو يعبر عن خصوصية وشمولية في آن واحد، وأن وضع هذا العنوان الصعب للرواية لا يشكّل امتحاناً واختباراً للقرّاء فحسب وإنما هو ذو حدّين في ذلك لأنه يقوم باختبار القرّاء واختبار المؤلف على حد سواء، فالقرّاء هل سيقرؤون أم لا ؟.. والمؤلف هل سيقرأه أحد أم لا؟… والاختبار الثاني هو الأصعب لأن القرّاء لن يضرهم إذا ما فاتتهم قراءة رواية ما، أو إذا استسلموا لصعوبتها، وتجنبوها ولكن عدم قراءتها يخلق صعوبة على الكاتب، فهو إذاً قد غامر باختياره لهذا العنوان وخاصة أن هذه الرواية هي عمله المطبوع الأول في كتاب، وأنه لا زال شاباً وفقيراً دفع ثمن نشرها من ديون اقترضها بالدراهم، بينما المرجح أن يقوم الكتّاب في بداية حياتهم بتأسيس قاعدة من القرّاء والجمهور لهم، ثم بعد ذلك يستطيعون طرح الأفكار أو الأعمال الأكثر عسراً وصعوبة، ولكن قيام حسن مطلك بهذا التحدي ما هو إلا دليل آخر على إيمانه بالعمل الجاد ومن ثم إيمانه بصدق عمله وثقته العالية به، وتفضيله لطرح عمل بهذا الشكل والمضمون مرفقاً بقلّة المعجبين، على عمل رخيص يفتقر إلى الأصالة وخاضع لوسائل الدعاية التجارية وعناوين الإعلانات، وبالفعل فقد كان لظهور هذه الرواية فعل الصدمة حيث نفر منها البعض بينما استقبلها البعض الآخر باحتفائية فاقت التوقع، ومرور الوقت زاد من المحتفين والمهتمين بها مما يجعل كفة رأي الكاتب ترجح بالتدريج لتؤيد الأعمال الجديّة والحقيقية ولتؤكد بديهة: البقاء للأصلح.. إذاً فهو ـ كعادته ـ لم يساوم على حساب قناعاته بضرورة المواجهة والصبر أمام المغريات فرفض وضع عنواناً طنّاناً أو دعائياً يستثير القارئ العادي. مع أنه قد سبق وأن وضع لها قبل هذا العنوان عناوين أخرى أكثر جاذبية ومعبرة مثلما أنها من داخل الرواية وهي: (توابع الناس قبل القيامة) عنوان شطبه بعد الانتهاء من كتابتها للمرّة الأولى ووضع غيره: (أعراس الكرة الأرضية)، الذي أعاد تحته كتابتها مرّتين، علماً أنه قد أعاد كتابتها خمس مرّات، أي أن حصة العنوان (دابادا) كانت على المسودتين الأخيرتين، وقد ترددت عبارة (..قبل القيامة) على مدى الرواية وفي الصفحات: 52، 64، 134، 150،166، بينما كان ذكر (أعراس الكرة الأرضية) الضعف تقريباً حيث تردد في الصفحات: 24، 29،58، 85، 101، 126، 200 و 219. إن نظرة متأملة لهذين العنوانين (أعراس الكرة الأرضية) و(توابع الناس قبل القيامة) تكشف لنا عن سعي الكاتب لوضع عنوان كوني أو شمولي كبير، فـ(القيامة) هي حدث مهول كما صورته لنا الديانات والميثولوجيا، وما قبلها يعني الحياة كلها بناسها وحتى بتوابعهم التي تعني تفاصيل الحياة الملحقة أو المرفقة بوجود الإنسان تصاحبه في فترة إقامته على الأرض قبل القيامة. و(الأعراس) فهي أيضاً تقصد احتشاد الناس وتجمعاتهم الصاخبة الضاجة المشتركة والتفصيلية، وإضافة (الكرة الأرضية) تضفي عليها الصفة الكونية وتضخيمها وهذا الفعل.. أي البحث عن عنوان كبير إنما يدلنا بوضوح إلى أن الكاتب كان مدركاً تماماً أو راغباً في إعطاء روايته صفة الشمولية والتفصيلية والتشبه بكلية الحياة، ولكي يكون بذلك، أيضاً، أكثر اقتراباً إلى منهج كان يفكّر بالدعوة إليه وهو (الواقعية المطلقة).
وفي الصفحة26 نعثر على عبارة نتحسس فيها مطاردته للكلمة أو اللفظ الذي يعبّر به عن (كل الحياة) ليُتوجه عنواناً وإن كان القصد الأخير منه وصف كلمة (دابادا) التي استقر عليها رأيه في النهاية: "في كل مرّة يحاول الإمساك بلفظة تختصر الحياة، كلمة يقولها فلا يبقى سرّ بعد ذلك ولكنها تقفز إلى مكان آخر كلما حاول جمعها".. فكيف جمعها إذاً؟. هذا ما سنحاول تتبعه عملياً عبر جولة خاصة للبحث عنه في النص، فمع أن الرواية بأكملها ومنذ السطر الأول بل وحتى ما هو مفترض قبل الرواية من أحداث وموروث للشخصيات كان يعد للانفجار بالصرخة (دابادا) إلا أن البداية الفعلية المدونة تبدأ من الصفحة 152 عندما يهيئ المختار بيته لحبس شاهين فيه وذلك بإيصاد كل منافذ النور ليصبح مظلماً تماماً: وهكذا اعتقل شاهين وتم أخذه بالقوة إلى بيت المختار "قال الصوت: هاتوه الآن. فأدخلوه إلى عتمة الممر، ظلت هاجر تحك رأسها بعصبية وتؤجل قرار لبس الحداد مجدداً دون أن تعرف ماذا يتوجب عليها فعله بالضبط" ص152ـ153، وهكذا يكشف لنا قلق هاجر وخوفها على ولدها وترددها في تنفيذ أو تأجيل قرار لبس الحداد الذي سبق وأن خلعته عندما خرج من عزلته، مدى خطورة الوضع الذي سيق إليه شاهين والذي يقترن عندها بذكرى اختفاء زوجها الصياد.
ثم يتواصل السرد شاملاً مشاهد متعددة وانتقالات إلى أحداث وأشخاص آخرين مع حوارات مقتضبة منها ما هو ساخر يدور بين شاهين من طرف وحلاب من طرف آخر. إلى أن نصل إلى ص160 حيث تبدأ أزمة شاهين الداخلية تتفاعل بحدة مع الغلبة الخارجية، أما قبل وصولها وعلى مدى صفحات تتكرر علينا العبارة التالية "ادفعوا عني هذا السواد لأرى" ص157 "وصاح شاهين ادفعوا عني هذا السواد لأرى. فلم يجبه أحد غير احتكاك الخفين بالأرض وسؤال بسيط: 1+1 كم يساوي؟.. ويصرخ لن أجيب حتى أرى.. هه وتنطلق الصرخة الفحيحة الرفيعة تهز أعمدة العتمة، أما الخفان فيثيرانه باحتكاكهما في قاعة أو فضاء لا أدري؟" ص157-158
نلاحظ هنا ما يمارس على شاهين الحساس من استفزازات ساخرة وأصوات ترهبه في الظلمة التي يضيق بها جداً ويتصاعد هذا الضيق عبر تكرر العبارة السابقة بعد عدة مشاهد "ويصيح شاهين: ادفعوا عني هذا السواد لأرى فلم يجبه أحد غير احتكاك الخفين، ثم سؤال بسيط: مريم ابنة عمران.. ما اسم والدها؟ فيقول لن أجيب حتى أرى هه". ويتواصل بعد هذه النقطة التصاعد حاداً أمام شاهين الذي يضيق ذرعاً بالظلمة ويطالب بالرؤية دون أن يستجيب له أحد ونقتطف فيما يلي الاقتباس الذي وإن يكن طويلاً إلا أنه يبرز لنا جوهر السطور التي كانت بمثابة الطلق والمخاض لولادة هذه الكلمة (دابادا) وفيها تبدو الدقة الصعبة والحبك الرصين في تناول هذه المرحلة الحرجة للرواية: "يتوقف الصوت فجأةً. وتتوقف الأسئلة أو تضمحل تقريباً، يمد ذراعيه فلا يصلان، ليس ثمة حائط أو عمود أو خزانة أو جسد أو بقرة، لا شيء تقريباً ظلمة، سواد، هوّة خانقة، لذا فكر أن تجربة اليومين الماضيين…أية تجربة؟ فكر بأنه ميت. أين الباب؟ هل من سقف لهذا السواد؟ أسئلة ضائعة. يسأل من؟ ومن يجيب؟ كان الصوت يضمحل ـ انتهاء الشاي يضمحل ـ جفاف الغدران يضمحل ـ العمر…أين عظام البشر؟".
لاحظ بتأن رموز المعاني "هل من سقف لهذا السواد"، "الوجود"، "أسئلة ضائعة"، وكذلك محاولة اصطياد التواقت بين الأحداث والصور حيث الصوت يضمحل في الظلمة وصوت انتهاء الشاي يضمحل في الخارج والغدارن تضمحل في ذاكرته أيضاً لكنه يقفز إلى السؤال الموحي الكبير وهو: أين عظام البشر؟… راقب اختلاط المعاني والأسئلة، وانثيال اللغة الممتزج بطعم الظلمة.. تداخل المدلولات، شظايا تفجر لغوي، تفكيكها ومن ثم تركيب الكلمة الجامعة: "يقول: هذا الظلام ويرى الظلام، الظلام انطفاء الضحك، وعد بلا إشارة ـ مجرد دعابة جافة تؤدي إلى ثقوب مغلقة حيث مستنقع البرد والسكون. تأتي جميع الصور والذكريات والأحلام والمخاوف والمشاعر والأفكار في لحظة واحدة، واحدة وتذهب اللغة فيعتقد بأنه ميت ولذلك يصرخ هذه الصرخات لكي يسمع نفسه، ويتأكد بأنه ينطق ويسمع. فيقول: هذا الظلام الحق المخيف الجارح الآسر المفردات ـ تجاوزها… الصعوبة كانت القوة مرحلة المرض في المفردة الصغيرة يمكن ذلك، عضو من الأعضاء يمكن الاستغناء عنها كالقلب المكروه كما هو مؤلم جدير بالقذف ـ ستبقى دائماً على السطح دائماً دائماً…دا… إلا إذا كانت الخوارق شئ كثيف هابط ممتزج بوجوه الثعالب والأصدقاء ويبقى السر لحظة أخيرة من النزع حركة سكين الذبح في باب المذبح، باب بابا ـ با… لأجل الألم يقترن بانغراس الأصابع في فروة الشعر لكنها تنشر ولا تخفف لأنها مباحة دائماً دائماً - دا … قلـ … وبـ … عسى … لا…لو…فردا..دا..با..دا تحيات العمق…دافـ ….دابادا…دابادا".(ص160-161).
واكتملت الكلمة إلا أن الحالة المتفردة مازالت مستمرة عبر تداخل الذكريات والتجارب والحكمة والأحاسيس والمخاوف السرية في دخيلة ثنايا هذه الشخصية.. أتى كل شئ دفعة واحدة في لحظة واحدة لينتج ما يعبر عنه بكلمة واحدة (دابادا) ولا ينقطع هذا المناخ والهذيان المحموم فينسكب بأشكال أخرى ليصل إلى النتيجة ذاتها والوليد نفسه؛ حيث تعاود كلمة (دابادا) تشكلها من مفردات ومعاني أخرى فهي ساعية إلى احتواء كل المعاني مهما تباينت: "تأتي صور أخرى. صرخة بلا حبور. وتذهب خيوط اللغة: هذا القيد شكل الرداء حالة البشر ـ الدمعة اكتشاف حديث. وما هو الرداء ضد الرداء.. ادفعوا هذا السواد ضد الجمال نفسه والموت تحول الوجه إلى رداء …رداء…داء…دا…
ليس ثمة بقعة لممارسة العري العري والتجرد من اللغة القيد خير دليل على مجيء الغد هو البراءة قطرة عذرية الرجل قي ذهن رجل آخر صورة جميلة من صور التفاني اليائس ـ احتضن البشر تحت الشجرة… البشر… البشر..البـ..با…سيلان الممكن في الجامد كالحديث الجارح عن الرمل والهواء والنميمة عن الجبل رفض الفكرة لأجل الآخر الآخرين – الآخر.. صرخة هي اسكات من ع حتى أقاصي ك دائرة.. دائرة..داء..دا…دابادا…دابادا".ص161.
وكأن هذه الكلمة تنطوي على مزيج كل المدلولات.. فكل معادلة لغوية نتيجتها هذه الكلمة.. حفلة من كلمات ترقص في جملتين حيث تشترك الكلمة الواحدة مرتان في جملتين لتعطي معنيين وكم مركب؛ مثل كلمات: (العري، اللغة، القيد، الغد، الرجل) فكلمة القيد تأتي في نهاية الجملة التالية: (والتجرد من اللغة القيد) وفي بداية الجملة التالية (القيد خير دليل على مجيء الغد) وكلمة الغد التي أتت في نهاية الجملة السابقة تأتي في بداية الجملة التالية: (الغد هو البراءة) والبراءة تشترك في جملتين لاحقتين إحداهما هي: (البراءة قطرة عذرية الرجل) وهكذا بقية الكلمات التي يبرهن تنوع استخدامها على مقدرة اللغة اللامحدودة عبر ترابط عجيب ومحكم يضع المعاني والموسيقى والحروف والسحر في جملة واحدة يتم تركيبها بمهارة لتلد لنا كائناً جديداً مستقلاً هو كلمة (دابادا).
ولا يتوقف الأمر عند هذا النحت اللغوي وإنما يتصاعد السرد ليطلعنا المؤلف على قفا المحاولة وربما مواقع استخدامها كرد فعل تصفها بشكل آخر: "ولكنه نادراً ما يصل إلى الإغماء. يمد ذراعيه فلا تصلان. إذ ليس ثمة حائط أو خزانة أو عمود أو زفير.. ويصرخ صرخة بلا حبور ولا صوت: دابادا".. وكأن الوصف قد جاء دائرياً ليربط النهاية بالبداية، ثم يطالعنا بعد ذلك رد فعل حلاب الذي يبدو لنا أكثر قرباً إلى تصوير حالة باراسايكولوجية؛ ففي الوقت الذي يصرخ به شاهين صرخته الحزينة التي لاصوت لها وسط ظلام دامس نجد حلاب يتأثر بشدة ويلجأ للاستعانة بأسلافه وما يؤمن به من قواهم الغيبية: "يصرخ شاهين صرخة بلا حبور ولا صوت: دابادا، بينما يضمحل حلاب في موسم الفيضان، أطراف صدى متكسر في أذنيه. يقطع تنفسه لكي ينزلق من خيط رسمته التي فتحت عينيه بسكين البصل المحمى ويقول: جدتي ساعديني حتى أقهر شاهين".. فكم هي قوية هذه الصرخة الخرساء إذاً.. تلك التي تحوّل الاضمحلال من طرف شاهين إلى الطرف المعادي؟.. فأين تكمن قوتها وهي بلا صوت وبلا حبور؟.. كأنها فاعلية السحر وقوة روحية أجادت التسلح باللغة المقدسة.. تلك التي وظفتها الكتب المقدسة والأنبياء والدراويش والسحرة والشعراء.. قوة لها امتدادات متجذرة في تلافيف الذاكرة البشرية وربما تكون مبثوثة في أثير الكون لا نراها نحن البشر العاديين.. وقد تكون لها أرواح أيضاً مادامت تواصل مقدرتها على الفعل… ترى هل سينفعنا التذكير هنا بأن حسن مطلك كان كثير الإطلاع على كتب السحر القديمة وخاصة ما يعتمد منها على ترتيب سري للحروف والآيات القرآنية وأسماء الشياطين..؟.
"ويبقى شاهين وحيداً لا يدري، مستديراً، مخروطياً.. أشكال أخرى يصيرها كالعجين والغرين، ومن بعيد جداً صعدت سيارة عبر التواء الأراضي فقرأ على هدي أضواءها لافتة في الممر: "(أعقد رأس الخيط حتى لا تفوتك غرزة). صرخت الحريم: إلى متى سنظل في الظلمة؟"ص163.
تذكرنا هذه الصور والدوائر والمجسمات التي تبعثها الظلمة في العيون باللعبة التي كنا نمارسها في طفولتنا: نغمض عيوننا ونفركها بقوة لتتراءى لنا في ظلامها أشكال عجيبة من المربعات والدوائر والخطوط والأقنعة والأشباح، ولكنه هنا ينتقل من ظلمة ليربطها بظلمة أخرى أو يشرك الظلمتين الداخلية والخارجية، الذاتية والموضوعية. ظلمة تستغيث منها النساء.. وكأنه يستحث الجميع مبتدءاً بالنساء المظلومات (الحريم) واضعاً أقدامهم على الأولى وهي التساؤل، إلى أن يؤدي ذلك بهم إلى ما أدى به وهو الصراخ بتلك الكلمة الرمز: دابادا.. دابادا.. التي تأخذ معاني متعددة ومنها المطالبة بالنور.. بالحرية، وخاصة إذا أدركنا بأن هذا الصراخ هو صوت زوجات حلاب اللاتي شملتهن الظلمة التي فرضها على شاهين، وهذه إشارة إلى أن نساء حلاب هن أقرب الناس إلى قيوده وأول من يقع عليهن الظلم، وإشارة أيضاً إلى عزلة حلاب وتجرده نفسياً حتى من زوجاته حين لا يفرق بينهن وبين شخص يعتقد بأنه يضمر له الشر والعداوة، ثم ان وصفهن بـ(الحريم) يوحي بعبوديتهن وامتهانهن حيث تطلق هذه اللفظة على المرأة من أجل تحجيمها واعتبارها مُلكاً، بل ملكاً سلبياً فهي عيب وعورة، وتذكرنا اللفظة بالجواري والحريم في قصور الشرق القديم ـ وربما الحالي أيضاً بشكل آخر ـ. وهذه حلقة تقودنا إلى حلقات أخرى مترابطة كما هو الترابط العام والنسيج الدقيق لعموم الرواية.
ولكي لا يجرنا تواصل التأمل والتأويل إلى الابتعاد عن قصدنا في التقصي عن مواضع دابادا وأوكارها في الرواية، نعود إلى النص، حيث تُطالعنا هذه الكلمة بعد ما يقارب العشر صفحات، حين يدون الكاتب شيئاً شبيهاً بالوصف أو التعريف لها:" واتته الفرص كثيرة لاعلان نتائج التجربة غير انه كان يخاف سلامة النطق، فيضيع بعض الحروف، ثم الكلمات جميعاً، ثم الصدى باستثناء صرخة يتقنها، لا تعني شيئاً أو أحداً. صرخة بلا حبور ولا صوت، صادرة عن أسفل القصبة الهوائية، عن أسفل الشعور المرير بغلبة فيضانات الهند من خلال نشرة الأخبار، عن أسفل الأسماء والأفعال والصفات وروائح الآخرين. أسفل أي شئ آخر. ولكنها محض صرخة في الفراغ: دا.. با..دا.."ص170-171.
يتجلى في هذا المقطع نوعاً من الكشف عن جذور هذه الصرخة النابعة من مزيج خرافي، شعبي، اجتماعي، وعي ثقافي، فيسيولوجي (أسفل القصبة الهوائية)، نفسي (خاف سلامة النطق)، لغوي فلسفي (لا تعني شيئاً أو أحداً)، عضوي وشعوري إنساني مدرك وحاد حيث تعاطف البطل الشديد مع إخوانه البشر في بقاع بعيدة كالهند وأفريقيا ومشاكل أخرى تتعلق بنشرات الأخبار. إن الأسفل الذي تصدر منه هذه الكلمة لا يقتصر على (أسفل القصبة الهوائية) وإنما يتعداه إلى العمق والجذور الحقيقية أو قد يعني أسوأ ما في الشيء، ولكنه ينبهنا إلى عدم جدوى هذه الصرخة لأنها لن تؤدي إلى ما يتمنى أن تؤديه للمساهمة في حل المشاكل السالفة الذكر فيقطعها "ولكنها محض صرخة في الفراغ: دا.. با.. دا" ومع هذا فهي صرخة تاريخية أيضاً، صرخة استنجاد، صرخة تشبه صرخة اللبوة الجريحة في منحوتات الآثار "وهو يسمع نجدتها القادمة من أقصى العصور حتى ساعة القيامة، صرخة صادرة عن أسفل القصبة الهوائية. وكان قد ضرب المقود بحركة تنم عن خسارة وظل جالساً لبرهة يحدق بوضع مائل إلى الظلام في الظلام"ص134. فهو يسمع صوتاً عندما ينظر إلى صورة اللبوة الجريحة، صرخة قديمة جداً ومتواصلة حتى قيام الساعة، وتبرق له ذكرى والده وهو يضرب المقود بحركة تنم عن خسارة، وهي حركة من ماض قريب وجزء من تركيبته الشخصية.
يعود الكاتب إلى ذكر هذه الكلمة العنوان (دابادا) بعد ثلاثين صفحة تقريباً حيث يتبدل مكان شاهين دون أن يتبدل مفهوم الكلمة وإنما يتسع قرب النهر والجبل والحقول والحشرات، في الطبيعة الحرة هناك " تمدد فوق الكرة الأرضية شاعراً بزيت الأجنحة، بالغطس حتى أحجار القاع، لجة النهر الفيضان، اللبوة الجريحة، الباذنجان على الجريدة حيث الموضوع المكتوب عن مجاعة السود، الطيور الأصوات الطيور الأصوات الطيور الأصوات بهديل الدائم الداء الدا.. دا.. با..دا"ص200-206. هذا شاهين كما عرفنا همومه بجزئياتها الصغيرة.. هم وجودي، كوني عميق الصلة بالعالم، بالحياة، فحين يتمدد.. يتمدد على الكرة الأرضية، وإن بدا أنه ينشد الراحة إلا أن راحته ضاجة برهافة إحساسه الذي يشعره بحصى قاع النهر ولجة مائه ويضيف إلى همومه الأخرى كفيضانات الهند هم أكبر وألم تاريخي ثقيل ترمز له اللبوة الجريحة التي رسمتها آلام الحضارات في وادي الرافدين، وكذلك فهو لا يستطيع طرد صورة الباذنجان على الجريدة فوق موضوع يتحدث عن مجاعة السود في أفريقيا، سواد على سواد، فيهرع إلى طبيعته النقية، إلى التعبير مثل الطيور الأصوات الطيور الأصوات أو صوت زقزقته فهو تلك الكلمة الكبيرة.. الصرخة وليدة كلمات أخرى ككلمة (دائماً) وكلمة (داء) و(بابا) ولكن صوته يضيع "ويضيع صوته يضيع لأنه لم يجرب لذة أفضل من الماء ذلك أن هاجر ولدته في قيظ جهنمي، الناقص ابن سبعة شهور كحلم قرب الثدي الطبيعي. يتذوق برودة الحليب ويركز في شفتيها اللتين علمتاه اللفظة الجامعة: دابادا "ص201. وهنا تفلت الإشارة الخاطفة التي تصرح بأن مصدر هذه اللفظة الجامعة في الحقيقة هو شفتي هاجر أمه (مصدرها الشعبي) حيث كان يراقب شفتيها منذ كان رضيعاً وبهذا أيضاً يربط الكاتب الكلمة ربطاً بالتراث ليعلن عن توارثه المخلص لهذه الكلمة/الصرخة وكأنها وصية يتوارثها الأبناء عن آبائهم.. يتلقون هذه الوصية الأليمة الخرساء الجامعة لتاريخ وحاضر الأحزان وللأحلام الجامحة نحو الوثوب إلى التحرر والمشاركة أو الاحتجاج.. إنهم يتلقونها من شفاه أمهاتهم مع الحليب الذي يرضعونه، إنها كالأمانة، كالأرض، كالدين، كالهوية، كالحياة.. إنها تحمل كل شيء ولا تحمل شيئاً.. إنها صرخة ضائعة لا تضيع.. إنها.. دابادا.
كلمة فيما وراء اللغة.. كيف؟ لقد أشار حسن مطلك في حوار معه إلى أن كلمة دابادا تشبه لحظة الصمت في السمفونية التاسعة لبيتهوفن، وكان بتهوفن قد ترك برهة أو لحظة صامتة في سمفونيته بعد أن ارتفع بموسيقاه إلى ذروتها.. إلى لحظة قال بأنه قد عجز عن التعبير عنها حتى بالموسيقى فسميت بلحظة وراء الموسيقى. وفي دابادا كان الروائي يتمنى أن يقدم شخصيته أو أن يكتب رواية بلا لغة ولكن هذا غير ممكن فمزج بين حس شاهين واللغة التي دفع بها وارتفع إلى أقصاها (لا بد أن أصنع كلمات) ولكنها أشياء تفوق طاقة البطل، أشياء لم يستطع التعبير عنها بمنطقية اللغة المعهودة فجذب كل الكلمات في لحظة واحدة فأتى منها ما أتى كالمغناطيس ليجمعها في كتلة.. في كلمة واحدة/صرخة "ففي كل مرة يحاول الإمساك بلفظة تختصر الحياة، كلمة يقولها فلا يبقى سر بعد ذلك"ص26. كلمة ذروة تقابل لحظة الصمت في سمفونية بتهوفن الأخيرة وهكذا حقت التسمية على (دابادا) بأنها كلمة فيما وراء اللغة.
إنها عنوان جاف، غريب ومحايد، وجديدة بالنسبة للقراء، تشبه اسماً جديداً مخترعاً لاختراع جديد. فحسن مطلك عندما نحت هذا العمل الروائي وخلقه راح يفكر بما يفعل المخترعون حين يبتكرون أجهزة جديدة فينقبون لها عن اسم خاص وجديد قبل أن يضيفوها إلى موجودات العالم. فهذا الكائن الفني البديع (دابادا) هو أيضاً وليد جديد تماماً ويحتاج إلى اسم خاص به، متفرداً به عن بقية الموجودات الأخرى في عالمنا ويتميز به عن أقرانه القريبين إليه بالشبه والجنس. ولكي تحافظ هذه الرواية على شخصيتها حتى وإن أصبحت قاعدة جديدة لانطلاقة ما، كما كان لغيرها من ملاحم إبداعية إنسانية كبيرة أخرى كالإلياذة والأوديسة وكلكامش، أو أشبه بالروايات التي أضافت درجة في سلم رقي هذا الفن العظيم كروايات بلزات وفلوبير وفرجينيا وولف وبروست وجويس ودستوفسكي وماركيز وساراماغو وغيرهم. وكلنا يدرك مدى الأهمية التي يشكلها ما تضيف هذه الدرجة في سلم نمو الرواية العربية والعراقية منها على وجه الخصوص.
وعن العنوان أيضاً قال الناقد الدكتور عبدالله إبراهيم:" كلمة جديدة لا معنى لها (دابادا) التي تشكل حروفها أوائل الحروف في كلمات كبيرة ذات دلالة خاصة.. إن الوعي يتكون خلل اللغة، وإن العالم يتكون بوساطتها فلا سبيل إلى الخداع. إذاً فأية محاولة للاقتراب إلى العالم خارج اللغة أو بعيداً عنها ما هي إلا مغالطة لا تحيل إلا إلى الوهم الذي أرساه العقل والمنطق ليكون واضحاً في الافتراض على الأشياء المرئية والبرهنة عليها، هذا ما اعتمدته الرواية التقليدية. دابادا لا تنهض على هذه المسلمة المنطقية التي أرستها الفلسفات والمعارف والعلوم بل تعمد إلى تقويضها فهي تجعل من العالم خطاباً لغوياً سائلاً غير متناه"7.
أما وصف حسن مطلك لدابادا بأنها: صرخة في الفراغ، فإن تعريفه هنا لها يحتمل أكثر من تأويل واحد مثل كل ما هو موجود في هذه الرواية التي تتعدد وتتشعب فيها المعاني والمقاصد لأبسط شيء فيها، بغض النظر عن المعنى الموضوعي المتمخض عن التسلسل السردي المتمثل في وضع هذه الصرخة في مرتبة أو مكان تكون فيه صرخة الشخصية الرئيسية (شاهين).. صرخة في الفراغ وصرخة لا معنى لها، فإن تكرار وضع هذا التعريف على غلاف الرواية الأخير منفصلاً ومجتزأً عن موضعه في تطور الأحداث يجعلنا نجهد في إيجاد تفسيرات أخرى ومنها أن الكاتب قد أطلق صرخته، فأما عن كون هذه الصرخة في الفراغ فهذا قد يعني أنه لا ينتظر صداها أو رد فعل بعينه، وإنما اكتفى بإطلاقها ليستريح وتنتهي مهمته عند ذلك.. أما المعنى المحتمل الآخر فإن إطلاق الصرخة (دابادا) في الفراغ ما هو إلا رغبة تحريك هذا الفراغ أو ملئه. ولكن ما هو هذا الفراغ؟ هل هو أمر يتعلق بالميدان الثقافي الأدبي؟ أم هو أمر يتعلق بالمسألة الوجودية عموماً؟. والمعنى الآخر قد يكون في أن إطلاق هذه الصرخة في الفراغ ما هو إلا تحسس لاحتمال وجود أحد فيه، فإذا رد أحد عليها إنما يعلن بذلك عن وجود أحد في هذا الفراغ. أما إذا لم يجب أحد فيعني ألا وجود لأحد.. وإن وجد ولم يرد، ولم ينتبه، ولم تهزه فما هو إلا أصم أو أنه جزء من هذا الفراغ.. أي أنه فارغ أيضاً.. وهكذا يمكن لهذا التعريف الذي وضعه الكاتب أن يقودنا إلى سلسلة لا متناهية من التأويلات والتصورات ذلك لأننا نشعر، إن لم نكن على يقين، من أن هذه الصرخة ليست بسيطة سهلة وليست اعتباطية ولا يمكنها أن تتيه في الفراغ أو تكون فيه دون قصد، وأن ما أراده المؤلف من تعريف لها هو أعمق بكثير مما يبدو عليه. وهو أمر يذكرنا بما قصده أيضاً عبدالرحمن الكواكبي (1848 ـ 1902) حين كتب على غلاف كتابه (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) في أول طبعة له ما يلي:".. وهي كلمات حق، وصيحة في واد… إن ذهبت اليوم مع الريح، فقد تذهب غداً بالأوتاد".

د . محسـن الـرملـي .

عبدالرحيم محمد احمد
14-11-2012, 10:36
ثـقــوب فـي جـــدار الـزمــن

رواية : عواطف أحمد البتانوني .


- تتألف رواية «ثقوب في جدار الزمن» للكاتبـة المصريـة عـواطف أحمـد البتانوني من ثلاثـة أجـزاء:
ـ الجزء الأول بعنوان: «غسيل الذهب»، ص 7
ـ الجزء الثاني بعنوان: «عيون القمر»، ص119
ـ الجزء الثالث بعنوان: «حياة الشوك»، ص253 والرواية من 441 صفحة من الحجم المتوسط، وقد عنيت الكاتبة في ثنايا صفحاتها برصد حقبة من حياة المجتمع المصري في الريف من بداية القرن الماضي إلى سنة 1952 سنة قيام ثورة الضباط الأحرار في مصر، مسجلة أحداثاً واقعية مثل حادثة دنشواي 1906، وأحداثاً أخرى مما كانت تعرفه القرية المصرية التي تعاني الإهمال والتهميش، وأهمها حادث غرق المُعدية بمن فيها من أبناء القرية وشبابها اليافعين العائدين من القاهرة، حيث يتابعون دراستهم الجامعية مثل الأخوين حمادة وفريد. إن الساردة ـ المشاركة رغم أنها لم تعش تلك الحقبة فإنها استقت الأحداث التي ترويها من مخزون جدتها وأمها الحكائي. (انظر الصفحة ما قبل الأخيرة من الروايـة).
وسنعمل على دراسة الرواية انطلاقاً من مكونين أساسين في كل عمل سردي هما: القصة والخطاب.
أ– القصــة:
استطاعت المؤلفة أن ترسم لنا لوحة كبيرة عريضة تشبه لوحة الجيرنيكا لبيكاسو مع الاختلاف في الموضوع وأداة التعبير. لقد رصدت حياة القرية المصرية بجميع تفاصيلها الدقيقة. وعالجت كثيراً من المشاكل التي كانت تعانيها القرية المصرية. ومن أهم هذه المشاكل التي عالجتها:
ـ مشكلة ختان البنات في صغرهن والآثار النفسية البليغة التي تخلفها هذه العملية فيهن.
ـ تزويجهن في سن مبكرة، فـ«مستقبل البنت الجواز وتربية الأولاد».
ـ حرمان الإناث في الأسرة من الميراث الذي يستحققنه شرعاً.
ـ تعرض الفلاحين لمرض البلهارسيا بسبب استحمامهم في الترع وشربهم منها.
ـ اعتماد أهل القرية في علاجهم على الطرائق التقليدية العتيقة التي كانت كثيراً ما تسبب في الإعاقات والعاهات (انظر ص: 216).
ـ للولد في الأسرة الريفية موقع مهم ومميز(1)(ص: 197) تقول الساردة المشاركة: عندما تلد المرأة في الريف بنتاً تغضب الأسرة. «لا تحظى بالطعام الجيد والرعاية الواجبة وكأنها ارتكبت جرماً تستحق عليه العقاب»(ص204).
ـ استغلال الإنجليز عرق جبين الفلاحين الذين يزرعون القطن، فيأتي ممثلو الحكومة لشرائه منهم بأبخس الأثمان.
وإذا كانت الساردة ـ المشاركة العليمة بأسرار القرية وخباياها والجوانب السلبية التي تعم حياة الناس فيها، فإنها لم تكن أقل علماً بالنواحي الإيجابية العديدة في حياة الأسر في الريف المصري، كما أنها أبرزت علاقات الناس التي كانت مبنية على أساس التكافل والتآزر بصفة عامة، وبين الجيران بصفة خاصة. وأشارت كذلك إلى التعاطف الذي كان يبديه بصدق ذوو اليسار تجاه الفقراء من أهل القرية، وغيرها ممن يحل بها.
يمكن أن نؤطر هذه الرواية في إطار رواية الأجيال. وقد تبدى لي أن المؤلفة حاولت أن تكتب ثلاثية من أجزاء ثلاثة مثل ثلاثية نجيب محفوظ(2)، إلا أنها صورت فيها حياة الفلاحين في الريف المصري ـ وليس في المدينة كصنيع محفوظ ـ ومعاناتهم مع الاستعمار الإنجليزي، ابتداءً من حادثة دنشواي، إلى إكراه الشباب والرجال على التجنيد الإجباري.
وهكذا استطاعت الساردة أن ترصد بكل صدق ودقة وتفصيل، الحياة في الأرياف في الحقبة المشار إليها آنفاً، كما أنها تتبعت التحول الذي عرفته الأجيال المتلاحقة في مختلف العائلات التي تحدثت عنها الرواية من خلال عائلة المنيلاوي في قرية تدعى (البراري)، إذ طفقت القيم الأصيلة والتقاليد الإيجابية تتلاشى رويداً رويداً، خاصة بعد أن أخذت مظاهر الحياة العصرية تقتحم على الناس حياتهم.
ولا تخفي الساردة ـ المشاركة انتقاداتها لبعض القوانين التي أتت بها الثورة الاشتراكية (ص: 412). وبموازاة تلك الانتقادات، تمتدح شريحة البرجوازية الوطنية التي كان رجالاتها يوظفون رؤوس أموالهم لمصلحة المشاريع الوطنية الكبرى التي من شأنها أن تنهض بمصر وتجعلها تواكب مظاهر الحداثة والعصرنة الآتية من الغرب الحضاري.
ولعل موقف المؤلفة هذا أن يكون موافقاً لموقف بعض شرائح المجتمع المصري(3)، لا سيما بعد أن أبان الزمن كثيراً من مثالب عهد الثورة وما بعدها في عهد السادات. ومازلنا نسمع ونقرأ في العهد الحالي عن عمال التراحيل الذين كتب عنهم الكاتب الكبير يوسف إدريس روايته الجيدة «الحرام»(4).
الخطاب الروائي:
إن رواية «ثقوب في جدار الزمن»، غنية بالعناصر الفنية التي ترقى بها إلى مستوى العمل الفني الناضج. ومن هذه العناصر: العتبات النصية/ استخدام تقنية الحذف الزمني/ الشخصيات الكثيرة المتنوعة/ توظيف النصوص الشعرية زجلية وفصيحة/ توظيف الأمثال الشعبية المنبثقة من الذاكرة الشعبية المصرية/ تعدد اللغات.
وسنقارب الخطاب الروائي من خلال هذه المكونات:
العتبــات النصيــة
ـ يلج القارئ عالم الرواية من خلال العتبات النصية الآتية:
1 ـ العنوان: لقد بأَّرت الروائية لفظ (ثقوب) في العنوان، لتثير انتباه القارئ المفترض إلى أنه بإزاء مجرد ثقوب، يمكنه أن يطل منها على العالم الروائي من خلال جدار الزمن السميك.. وقد استخدمت لفظ (ثقوب) نكرة حتى لا تحدد، لا عددها، ولا مدى اتساعها. هل تود المؤلفة بهذا الصنيع أن تقول لنا إن الزمن الذي يحياه الإنسان مليء بالأحداث والذكريات، بيد أن الذاكرة الإنسانية عاجزة عن التقاط كل ذلك وإلا لسوّدت آلاف الصفحات؟ ثم إن الخبر الذي أتى في مكونات العنوان شبه جملة (في جدار الزمن)، يوحي إلينا رغم الإضافة (الزمن)، بأننا أمام شبه جملة، وليس أمام جملة كاملة. وفي ذلك دلالة على عدم اكتمال الرؤية والإحاطة بكل ما خلف السور.
يقول جيرار جينيت: «احذروا العتبات»(5) ويورد د.سعيد يقطين بعد مقولة جينيت مثلاً مغربياً مفاده: (أخبار الدار على باب الدار)(6). إن لفظ الزمن في عنوان الرواية رغم هلاميته واستحالة القبض عليه، فإن المؤلفة صنعت له جداراً صلداً لا يمكن نسفه أو تسلقه لرؤية ما خلفه رؤية واضحة بجميع أرجائه وأبعاده، ولكنْ ثمة ثقوب في ذلك الجدار هي التي تتيح وحدها للناظر رؤية ما خلفه من وقائع وأحداث حدثت في الزمن الماضي. فالذاكرة خؤون، والزمن مشحون بالأحداث والذكريات التي يطوي معظمها النسيان، ولذلك نلاحظ أن الساردة ـ المشاركة لطالما لجأت في سردها إلى تقنية الحذف الزمني (Ellipse) في مواطن عديدة من المتن الروائي. نكتفي بذكر بعضها على سبيل التمثل:
«ومضت الأيام بحلوها ومرها..»(ص: 103) ـ «مرت ثلاث سنوات ولم تبد بشائر حمل على الزوجة»(ص: 105) ـ «وتمر الأيام، ويتغير وجه الحياة سريعاً»(ص: 150) ـ «مضت سنوات الدراسة»(ص: 300) ـ «وهكذا مضت السنوات بنا»(ص: 408).
ورغم أن رؤية الزمن الماضي كانت عبر ثقوب في جدار، فإن المؤلفة استطاعت أن تقدم لنا عالماً شاسعاً مشحوناً بالأحداث، ممتلئاً بالشخصيات، متشحاً بوشاح الوصف الدقيق للطبيعة. وذلك من خلال ثلاثة أجزاء في كتاب من 441 صفحة.
إن العنوان هو نواة الحكاية، وبؤرتها التخيلية، وهو أيضاً أول عتبة نلج من خلالها عالم النص(7)، وتحضر بعض ألفاظ العنوان ودلالاته بصيغ مختلفة، وعبارات متنوعة دالة على الزمن، وما يتميز به من ذكريات سريعة المرور في كثير من المقاطع الروائية. نكتفي بالإشارة إلى بعضها على سبيل التمثيل:
1 ـ «أين يكمن هذا الشريط الكامل من الذكريات بألوانه ورائحته وأصواته وشخوصه؟»(ص: 306) ـ «شيعت آخر أيام الدوار الجميل»(ص: 112) ـ «شيع فيها الزمن الجميل»(ص: 112) ـ «كيف يعيش الإنسان عمره كله في ساعات، بل أحياناً يستحضره في لحظات؟»(ص: 306) ـ «تبكي الزمن الجميل»(ص: 247).
2 ـ الإهداء: توجه المؤلفة الإهداء إلى زوجها الحبيب. تذكره باسمه محمد أبو شادي شريك رحلة العمر، وتوقعه باسمها الشخصي (عواطف). وهذا ينم عن مدى الروابط الوثيقة، والعلاقة الحميمة التي كانت تربط بينهما: المودة والعشرة الطيبة والعواطف الصادقة التي سنصادف كثيراً من مظاهرها في حياة الناس ضمن المتن الروائي. وهكذا نلاحظ أن ثمة وشائج تربط دلالياً بين النص الموازي والنص الروائي.
3 ـ العتبة الثالثة: هي عبارة عن مقولة من تأليف الكاتبة، لها ارتباط وثيق بعنوان النص، ولها دلالتها في ثنايا الرواية. وهذه المقولة هي: «يصنع الزمن بيننا وبين ما مضى من أيامنا جداراً يصعب تسلقه، ولكنه جدار ليس أصم»، الأمر الذي يوحي للمتلقي بأنه بصدد الانغمار في أعماق الزمن الماضي الذي تحكي عنه الرواية، رغم صعوبة تذكر أحداثه كلها. بيد أن أهم الأحداث والوقائع تبقى رغم ذلك موشومة في الذاكرة، عصية على النسيان. وهي ما ستقوم بسرده الساردة ـ المشاركة التي ستتولى مهمة السرد في الجزأين الأولين من الرواية: «غسيل الذهب» و«عيون القمر»، بينما سيعهد بمهمة السرد في الجزء الثالث من الرواية «حياة الشوك» للشخصيتين الرئيستين: (هدى) ووالدتها (حياة).
4 ـ المقدمة: تكشف المقدمة للقارئ أن الساردة المشاركة استقت مادة روايتها من جدتها أمينة أو أم حمادة(ص: 9). إن كل هذه العتبات تقحم المتلقي في عالم الرواية الزاخر بالأحداث والفضاءات والشخصيات.
الشخصيات الروائية: تمتلئ الرواية بالشخصيات إلى درجة يعسر حصرها. فالرواية رواية أجيال. فثمة أصول يمثلها الأجداد والآباء والأمهات. وأهمها: الحاج عبدالرزاق المنـيـلاوي، وقد كان رجلاً وطنياً، له غيرة على قريته وأبنائها، يدافع عنها وعنهم(انظر ص: 52)، وهناك الفروع وهي كثيرة.
ولا تخلو الرواية من شخصيات ذوات ثقافة متنوعة، واختصاصات متعددة، وأهمها هدى ابنة الثورة المتحمسة لها. قارئة نهمة للتراث الذي خلفه جدها من كتب صفر، وللروايات الحديثة لإحسان عبدالقدوس ويوسف السباعي ومحمد عبدالحليم عبدالله وطه حسين وغيرهم «لا أهتم بشيء إلا بالكتب»(ص: 297).
وقد رصدت الساردة ـ المشاركة لدى حديثها وتصويرها للشخصيات، التحول الذي عرفته أجيال الأرياف ذكوراً وإناثاً، حيث عمّ الوعي لدى الناس بضرورة تعليم أبنائهم وإرسالهم إلى إتمام دراستهم في الجامعات.
توظيف الموروث الشعبي والنصوص الشعرية الفصيحة:
أ ـ الشعر الزجلي والفصيح: توظف الساردة ـ المشاركة أو الأنا الثانية للمؤلف حسـب (WAYN BOOT) المخزون التراثي الشعبي، فتورد كثيراً من القصائد الزجلــــية(ص: 131 وما بعدها) على سبيل المثال، ومن أهم القصائد الزجلية التي أوردتها قصيدة وطنية جميلة لشاعر النيل حافظ إبراهيم، يقول فيها(ص: 23):
مَزَاِرعُ جَوْفُهَا دَافي
وَطُولُهَا وَعَرْضُهَا وَافي
وَليهْ يِمْشِي ابْنُها حَافي
يَمُدُّ الإيدْ ِويِطْـوِيهَا
بِسَاطُها سُنْدُسِي أخْضَرْ
وَنِيْلهَا بُنْدُقِي أَحْمَرْ
وَطِينْهَا عَنْبَري أَسْمَرْ
وليهِ الذُلُّ كَاسيها
ولكنها لا تكتفي بإيراد القصائد الزجلية، بل توظف القصائد الفصيحة لا تنسبها غالباً إلى مؤلف معروف إلا بعض النصوص زجلية وفصيحة تنسبها إلى إحدى شخصيات الرواية المتخيلة الشاعر ناجي(ص: 211 وما بعدها). أما القصائد الفصيحة فأهمها قصيدة (أو جزء من قصيدة) مكونة من بضعة أبيات للشاعر المصري الكبير عزيز أباظة يقول فيها:
لَمْ نَعْتَنِقْ وَالهَوَى يُغْري جَوارحَنَا
وَكَمْ دَعانا روحَانا وَقَلْبَانـــــــــا
نُغضي حَيَاءً ونُغْضِي عِفَّةً وَتُقًـى
إِنَّ الَحَيَاةَ سٍيَاجُ الحُبِّ مُذ كَانــَا
ثُمَّ انْثنَيْنَـــا وَمَازَالَ الْحَنينُ لَظًـى
وَالْوجْدُ مُحْتَدِماً وَالشَّوْقُ ظَمْآنَا
(انظر ص: 422)
تليها قصيدة الشخصية المتخيلة ناجي، من الشعر المنثور. ويدور موضوعها حول المستقبل القاسي الذي ستسود فيه الآلة، وتنتفي فيه المعاني والقيم. وهي قصيدة مشحونة بالآلام والأحزان والتشاؤم من المستقبل. نجتزئ هنا هذا المقطع منها:
آسِف أقول: سَتَجِدُ في رُكْنٍ مَجْهولْ..
قليلاً من الأحْرارْ..
وكثيراً.. كثيراً مِنَ الأَرقَّاءْ..
يُحَرِّكُونَ العالَمَ بالقُّوة.. بالأزْرارْ.. وَلَكِّـنَّهُمْ أَرقَّاءْ..
مَلايينٌ مِنَ الْمساميرِ وَالتُّرُوسْ..
تَدُورُ في وَحْشِ الآلَة..
تَسْحَقُ عِظامَ الْمَعانِي..
وَتُحِيلُ الْقِيَمَ أشْلاء .. (ص: 243).
وتأتي مقدمة الجزء الثالث من الرواية عبارة عن قصيدة من الشعر المنثور على لسان البطلة (هدى) العاشقة. وهي حوار عاطفي بينها وبين حبيبها المهندس محمود القارئ المثقف الذي كان يهديها روايات إحسان عبدالقدوس. (انظر ص: 255).
ب ـ الأمثال الشعبية:
من اللافت للنظر في هذه الرواية أنها غنية بالنصوص، سواء منها الزجلية أو الفصيحة أو الأناشيد الشعبية الريفية أو الثقافة الشعبية. منها ما يتعلق بالتقاليد الأصيلة في مجال المعاملات والعلاقات الإنسانية، ومنها ما يتعلق بالناسبات، أفراحاً كانت أم أتراحاً، ومنها ما يرتبط بالطرائق والوسائل الزراعية والفلاحية، ومنها ما يتصل بفنون الطبخ والأغذية، وما إلى ذلك مما تزخر به الثقافة الشعبية الغنية في الريف المصري. ومن التراث الشعبي الذي تزخر به الثقافة الشعبية في مصر، سواء في الريف أو في الحواضر: الأمثال الشعبية. والملاحظ أن الرواية زاخرة بهذه الأمثال بشكل مثير لنظر المتلقي، مما يدل على غنى الذاكرة الشعبية المصرية بهذا التراث الأصيل، وما يؤكد ما تتمتع به ذاكرة المؤلفة من مخزون شعبي غني والكثير من صفحات الرواية الطويلة تعكس هذه المعرفة الغزيرة للمؤلفة بتراث بلادها الشعبي. ويمكن القول إن توظيف الأمثال في هذه الرواية يستحق وحده دراسة أكاديمية. وسنكتفي هنا بذكر بعضها على سبيل الاختصار:
ـ «يدي الحلق للي بلا ودان»(ص: 34) ـ «ولكل فول كيال»(ص: 34) ـ «إن ذبلت الوردة رحيقها فيها»(ص: 117) ـ «آخر العنقود سكر معقود»(ص: 125) ـ «السلف تلف، والرد خسارة»( ص: 146) ـ «الجود من الموجود»(ص: 148) ـ «إن فاتك البدري، شيل هدومك واجري»(ص: 153).
تعدد اللغــات
نلاحظ أن الساردة ـ المشاركة توظف في الرواية تعدد اللغات:
ـ اللغة الفصيحة ـ اللهجة المصرية ـ اللغة الشعرية. والملاحظ أن بعض المقاطع السردية تمزج بين اللغة الفصيحة واللهجة المصرية، بيد أن السرد الروائي عموماً تستخدم فيه اللغة الفصيحة، ولكن من الملاحظ أن كثيراً من صفحات الرواية تمتلئ بالأخطاء النحوية. ومن يتصفح الرواية سوف لا يلقى أي عناء في الوقوف عليها. وهذا لن يمس في نظري بفنية هذا العمل الجميل الجبار (441 صفحة)، وربما كان سبب هذه الهنات عدم مراجعة الرواية قبل تقديمها للطبع. أما الحوار فمعظمه باللهجة العامية المصرية، مما يوحي بواقعية الشخصيات وانتماء أغلبها إلى الوسط الشعبي المصري في الأرياف.
أما بخصوص اللغة الشعرية فالملاحظ أن المؤلفة شغوفة بالتصوير الشعري في روايتها، فتوظفه في كثير من المقاطع الوصفية للطبيعة أو الشخوص. نذكر منها على سبيل التمثيل لا الحصر:
– «وتتفتح اللوزة أخيراً. ويسيل القطن الناصع البياض على جوانبها»(ص: 164).
– تقــول هدى: «كنت كفراشة جذبها الضوء.. أو كنحلة سقطت في بحر الرحيق»(ص: 434).
إن الرواية تتسربل بهذا الأسلوب الشاعري، لا سيما وأن الفضاء الروائي الذي تدور فيه الأحداث هو فضاء الريف المصري. ولعل الزمن الجميل (انظر ص: 419) الذي عاشته المؤلفة في هذا الفضاء، وافتقدته في عالم المدينة، ساقها إلى التعبير بكثير من الحنين والشفافية والشاعرية في وصفها لعالم الرواية، رغم أن ما أتيح لها رؤيته من ذلك الزمن، كان من خلال مجرد ثقوب في جدار سميك.
* ثقــوب فـي جـدار الزمـن، عواطـف أحمـد البتانوني، روايـات الهلال، العدد: 704، أغسطس – آب 2007.

الهـوامــش:
1 – طبعاً هذا في سائر الوطن العربي، مشرقاً ومغرباً، في البوادي بل وحتى في الحواضر – ومازالت هذه الظاهرة فارضة وجودها في كثير من الأسر – عربياً ومغربياً إلى يومنا هذا.
2 – تقول الساردة – المشاركة: «أما الحياة الاجتماعية داخل هذا المبنى العتيق فهي عالم كامل، خليط عجيب لا ينقصه إلا مخرج حاذق ليخلق منها رواية أغرب من الخيال.. ربما أعجب من ثلاثية نجيب محفوظ» الرواية، ص: 20.
3 – من المثقفين الذين قرأت عن رأيهم في تلك الأوضاع بعد الثورة الروائي المعروف جمال الغيطاني. يقول: «إنني أنتمي إلى جيل فتح عينيه على الرعب، وانخرط في العمل السري ضد الأوضاع التي رآها كثيرون منا خاطئة» (انظر كتابه: «المجالس المحفوظية»، ط2، دار الشروق، القاهرة، 2007، ص: 8).
4 – آخر شيء قرأته أخيراً عن عمال التراحيل في جريدة القدس العربي، عدد 5801، الثلاثاء 29 يناير 2008– 21 محرم 1429هـ، خبر إلقاء القبض على الإعلامية هويدا طه معدة ومخرجة برامج بقناة «الجزيرة» هي والطاقم التقني الذي معها في أثناء تصويرهم فجراً، برنامجاً عن عمال التراحيل والفلاحين والمهمشين.
5 – ربما يشير هنا إلى أهميتها باعتبارها نصاً موازياً ملتبساً، قد يذهب بالمتلقي إلى تأويلات متعددة، خارقاً أفق انتظاره. ومن المفيد في هذا الصدد مراجعة كتابه «عتبات». 1987 rard،Seuils، Genette Gé
6 – عبدالفتاح الحجمري، عتبات النص: البنية والدلالة، ط1. شركة الرابطة، الدار البيضاء، 1996م. (ظهر عنوان الكتاب).
7 – عبدالفتاح الحجمري، عتبات النص: البنية والدلالة، م. س. ذ، ص: 19.

عبدالرحيم محمد احمد
14-11-2012, 22:49
'ظــلال شــجـــرة الـرمـــان'

روايـة : طــارق علـي .


في روايته 'ظلال شجرة الرمان' يتوقف المفكر البريطاني طارق علي أمام مشهد تاريخي عاصف ترك بصماته على مستقبل العالم في سنوات أعقبت سقوط غرناطة ولكن المؤلف لا يلجأ إلى مقولات جاهزة بل ينسج خيوطا معقدة ومتداخلة لشبكة من العلاقات الاجتماعية والفلسفات والأديان في دراما أشبه بالتراجيديات الكلاسيكية.
وسقوط غرناطة عام 1492 لم يكن تسليما طوعيا لمدينة وإنما إنهاء لمرحلة وفتح أبواب الحجيم على المنتمين إليها من المسلمين واليهود معا والاستيلاء على أملاكهم "وتقسيمها بين الكنيسة الكاثوليكية والعرش" وتحريم ممارسة الشعائر الإسلامية أو التحدث بالعربية وتحويل غرناطة إلى "محرقة خطرة".
وفي الاستعراض الدرامي لهذا الموقف لا يميل طارق علي إلى تصوير الأندلس كفردوس مفقود وإنما يرصد على لسان أبطاله ومن خلال سلوكهم ما يمكن اعتباره حتمية تاريخية جعلت النهاية غير مفاجئة حيث خير المسلمون بين التحول إلى الكاثوليكية والقتل فاختار البعض أن يتحول في حين لجأ آخرون للثورة المسلحة التي لا يكتب لهم فيها النصر.
وقبل المواجهة المسلحة أو بالتزامن معها حدد المنتصر هدفه وهو محو ذاكرة المهزوم.. ففي المشهد الافتتاحي للرواية في نهاية عام 1499 يحرق نحو مليوني مخطوط "السجل العامر لثمانية قرون" وجمعت من مكتبات 12 قصرا و195 مكتبة عامة في غرناطة بأمر من "راهب الشيطان" الأسقف خمينيث دي سيسنيروس الناطق بلسان الكنيسة والتاج معا ولكن بضع مئات نجت من المحرقة بحيلة من جنود كانوا يلقون المخطوطات الأثقل وزنا على عتبات أبواب مغلقة فيتسلل رجل ملثم ويلتقطها ثم عبرت تلك المخطوطات إلى مدينة فاس بالمغرب.
وكان دي سيسنيروس يرى"أنه لا يمكن القضاء على الوثنيين إلا بمحو ثقافتهم محوا تاما... كان يشعر بالسرور. لقد اختاره الرب القدير ليكون أداة لإنجاز هذه المهمة.. (إنه) يدرك قوة الأفكار أكثر من أي شخص آخر" واعتبر ليلة الحريق نصره الحقيقي وفي الوقت نفسه وافق على استثناء 300 مخطوط تتعلق بالطب من الحريق.
وطارق علي ولد في باكستان عام 1943 وتسجل مقدمة الرواية أنه كان رئيس اتحاد طلاب جامعة البنجاب واعتبره أهله "شابا طائشا" وحرصا على سلامته أرسلوه لدراسة الفلسفة والاقتصاد في لندن فأصبح عام 1965 رئيس اتحاد طلاب جامعة أوكسفورد وصار "مقاتلا شرسا على أكثر من جبهة" وتولى رئاسة تحرير عدة صحف ومجلات منها (اليسار الجديد).
وعلي من أبرز مناهضي العولمة ومعارضي النموذج الأمريكي ومن مؤلفاته (باكستان: حكم عسكري أم سلطة شعبية) 1970 و(الثورة من أعلى: الاتحاد السوفيتي إلى أين؟) 1988 و(صدام الأصوليات: الحملات الصليبية والجهاد والحداثة) 2002 إضافة إلى روايات أبرزها (خماسية الإسلام) التي يتناول فيها جوانب من تاريخ الحضارة الإسلامية.
وتقع (ظلال شجرة الرمان) في 320 صفحة متوسطة القطع وترجمها الكاتب المصري محمد عبد النبي وراجعها المترجم المصري طلعت الشايب ونشرت في القاهرة عن (الكتب خان للنشر والتوزيع) التي ستصدر تباعا الأجزاء الأرعة الأخرى وهي (كتاب صلاح الدين) و(امرأة الحجر) و(سلطان في باليرمو) و(ليلة الفراشة الذهبية).
وتدور الأحداث في قرية "هذيل" القريبة من غرناطة والتي أسستها عشيرة الهذيل في القرن العاشر الميلادي وكان المؤسس ابن فريد يجمع بين شجاعة الأسد ومكر الثعلب ولم يبق منه بعد خمسة قرون إلا سيف ورثه حفيده عمر بن عبد الله رب الأسرة التي ستشهد نهاية غرناطة. وتضم الأسرة مربيته ومرضعته العجوز الصارمة "آمه" وزوجته زبيدة وولديه زهير ويزيد وابنتيه كلثوم وهند إضافة إلى أخته زهرة والعم ابن هشام والعم ميجيل الذي تحول ظاهريا وأصبح أسقفا.
ويميل كثير من أبطال الرواية إلى الحكمة حتى لو لم يكن ذلك مبررا فنيا كما في حوارات قاطع الطريق أبي زيد المعري الذي يستلهم فلسفة الشاعر أبي العلاء المعري ويقول لزهير إن البشر ينقسمون إلى فئتين "أوغاد مستنيرون أو حمقى متدينون" في حين يوجد مبرر فني لآخرين منهم "وجيد الزنديق" المعتزل في كهفه مع مخطوطاته في الشعر والفلسفة والذي تتقاطع آراؤه مع فلاسفة منهم ابن رشد وابن حزم والمعري.
و"وجيد الزنديق" هو محمد بن زيدون وكان مطلعا على أعمال علماء الفلسفة والرياضيات والتاريخ واللاهوت والطب وتبادل الحب مع زهرة ابنة فريد فأقسم الأب أن يقتل "ابن الخادمة" الذي جرؤ على النظر إلى بنت سيده فاختفى الشاب وغضبت زهرة وأرادت الانتقام لنفسها من الأسرة فمنحت جسدها لطالبي المتعة العابرة في غرناطة ثم دخلت "المارستان" 40 عاما وهي تدعي الجنون الذي عصمها من التحول الإجباري إلى الكاثوليكية قائلة للرهبان إنها تركت الإسلام بإرادتها ولهذا دفعت بها أسرتها إلى هذا المكان.
وزهرة التي عادت عام 1500 إلى العائلة تنصحهم بجمع مخطوطات ابن حزم وابن خلدون وابن رشد وابن سينا الموجودة في مكتبة المنزل وإرسالها إلى مكان تصان فيه "اشحنوها بحرا إلى الجامعة (الأزهر) في القاهرة أو فاس أما هنا فلن يكتب لها النجاة أبدا."
ولا يميل طارق علي لتصنيف الناس إلى أشرار وأخيار ففي الرواية يتصدى لعنصرية الأسقف خمينيث دي سيسنيروس رجل عاقل هو الكونت دون إنيجيو لوبيز دي مندوثا القائد العام لغرناطة وعمدتها وتبدو أفكاره قريبة من آراء خلفه أورتادو دي مندوثا (1503-1575) الشاعر والمحارب والدبلوماسي الذي سجل شهادته على مواجهات -بين الإسبان والأقلية المسلمة التي كانت تحارب بأسلحة بدائية وتنتظر عونا من الأتراك والمغرب والجزائر- في كتاب (حرب غرناطة) بين عامي 1568 و1570.
وهنا دي مندوثا يوبخ دي سيسنيروس قائلا إن المسلمين لم يحرقوا معابد اليهود أو الكنائس ليقيموا مكانها مساجدهم وإن سفك الدماء سيؤدي إلى مقاومة المسلمين "وسوف يسفك المزيد من الدم. دمهم ودمنا... محكمة التفتيش تجمع ثروة فاحشة من أجل الكنيسة... كان إحراق كتبهم عارا كبيرا. لطخة لوثت شرفنا" مشددا على أن المخطوطات العلمية العربية لا نظير لها.
ودي مندوثا كان صديقا لعمر بن عبد الله رب عائلة هذيل الذي يستقبله في قصره فيذكره عمر بأن ما قام به دي سيسنيروس "أكبر فاحشة في جبين العالم المتحضر" وأكثر همجية مما فعله التتار حين دمروا بغداد ويبدو دي مندوثا عاجزا حين يواجه صديقه بالحقيقية "قررت الكنيسة والعرش محو دينكم من هذه البلاد إلى الأبد."
وكانت الثورة تحت الرماد ويتحمس لها شباب في مقدمتهم زهير بن عمر بعد أن سمع من ابن داود المصري -الذي يدرس في الأزهر وجاء لإجراء أبحاث عن حياة وأعمال ابن خلدون- كلاما عن "ضرورة الثورة المسلحة ضد المحتلين... كان يتحدث بنبرة رقيقة ولكن سرعان ما فتن رفاقه المستحمين بتلك الموسيقى في لهجته القاهرية وبما تضمنته رسالته."
وتوجه الرواية أصابع الاتهام بإدانة المسلمين أنفسهم عما انتهت إليه أحوالهم إذ يقول ابن زيدون "وجيد الزنديق" إنه ظل يحذر وإن "الإيمان وحده غير كاف للوصول إلى غاية... نحن المسلمين ندير أعناقنا على الدوام نحو الماضي بدلا من التطلع للمستقبل... فشلنا في ترسيخ قواعد سياسية قادرة على حماية جميع مواطنينا ضد نزوات الحكام.. لم نستطع أن نتلمس الطريق نحو الاستقرار وحكم ينهض على العقل."
أما ابن داود المصري فيقول إن "مأساة الأندلس" تفسرها فلسفة ابن خلدون حيث "إن أحجار البناء المفككة لا تصلح لبناء سور قوي حماية مدينة" ويرفض الشرفاء التحول عن دينهم وتبدأ ثورة مسلحة يتزعهما زهير بن عمر القائل "أن نموت ونحن نقاتل خير من أن نحيا حياة العبيد" ويقتل أبوه وأخوه وتنجو شقيقته زهرة إذ تغادر إلى فاس مع زوجها ابن داود المصري.

عبدالرحيم محمد احمد
15-11-2012, 22:37
'ســحـــر الـمسـنـجـــر'

مجموعة قصصيـة : زيـد الـشهيـد .


صدرت مجموعة الروائي والقاص العراقي زيد الشهيد التي حملت عنوان (سحر المسنجر )عن دار رند ط1 -2010 وهي عبارة عن قصص قصيرة جداً، يذكر المؤلف في المحتويات (8) أرقام تسبق عناوين هذه المجموعة.
وعلى الأعم الأغلب تبدو هذه المجموعة قصصاً تعتمد النخبة والكاتالوغو السردي المرتبط بالوعي الثقافي للفرد والجماعة، ومن قضايا مشتركة ترى بالعين وتفهم بالوعي الخالص وتحرض على شروط ثقافية محددة، في مقدمتها شرط اعتماد ثقافة الصورة، والرؤية البصرية القائمة على وعي الجسد الإنساني بوصفه موجوداً إنسانياً يمكن وعيه صورياً، لهذا قام زيد الشهيد بالاحتفاء باللوحة على اعتبارها عمود السرد الإنساني، لأنها تعطي إطاراً للجسد، إن وجود الإنسان وجود جسدي (1) ومحاولة جذبه نحو الورق يعتمد على اللغة المشتركة التي هي الصورة الرمزية التي تكثف عالم الجسد بقراءة صورية يتحدث الفيلسوف الفرنسي موريس مرلوبونتي عن أهمية النظر المشترك إلى اللوحات الفنية مع الآخرين حيث تدخل انطباعاته عن اللوحات داخل الشخص الآخر بحيث يكون مع الآخر ومع اللوحة ومع الأشياء في عالم واحد (2) مما استطاع أن ينظر في مشاكل التصوير، وبالتالي هكذا تنجز العين كما أشار مرلوبونتي عملها المعجز الخاص بفتح آفاق كل مادي أمام الروح (3) وفي هذه المجموعة القصصية رؤية تشبه نظر ذلك الفيلسوف الفرنسي، فوجود كاتالوغات يقوم المؤلف زيد الشهيد بدمه ولحمه الذي يتخذ من مدينة (السماوة) منطلقاً نحو تحريك المكان زمانياً باتجاه السهم المارق صوب المجهول في الأبدية، حيث تميل الحياة نحو الجمود والرتابة موطناً له يردده بين حواشي كل الكاتالوغات التي سيقوم بعرضها في المجموعة، كأنما هو يلصق الكاتولوج بمنشأ صناعته المحلية، وفي هذه المجموعة نجد في الكاتالوغ الواحد أربع شخصيات مرسومة على أطراف الكاتالوغ 1-) المؤلف زيد الشهيد وهو عبارة عن نمطين مؤلف حقيقي وضمني يتماهيان كثيراً في كل كاتولوج، حيث يتبادلان التحدث عن الصورة وهي في السكون في كتاب أو في غلاف، زيد الشهيد الحقيقي الذي يصف نفسه علناً، وزيد الشهيد القافز من المكان نحو الزمان، مع أبطال الروايات ومؤلفيها في معادلة الاتجاه من المكان إلى الزمان، والراوي العليم أو المشارك خارج الكاتولوج أو داخله، وهذا الشخص فيه من ملامح المؤلف الكثير لكنه في النهاية لا يتطابق معه على الورق إلا لماماً، والقارئ الذي يتقمصه المؤلف الحقيقي (حينما يذكر السماوة أو يذيل النص بالمكان والتاريخ، باليوم والشهر والسنة) والقارئ السارد الذي يندس في متن الكاتالوغ، أو في عمق اللقطة الساكنة التي يذوب عنها جليد السرد ؛ فتصبح نصاً زمنياً بدلاً من لقطة مكانية، والقارئ البطل الذي يأتي من وراء اللوحة أو الرواية (الذي يرسمها أو يؤلفها) ليكون دليل لسارد الكاتب، والقارئ الكاتب (المؤلف الحقيقي) الذي يتثاقف طوال انتقال النص المكاني ليستقر نصاً في الزمان في جدله غير المنقطع مع المؤلف القارئ (القارئ البطل)، وأخيراً الجمهور الذي يقف وراء اللوحات التشكيلية والروايات وجوقة الأبطال والبطلات الذين اندسوا في هذه المجموعة، وقراء الروايات عبر الأزمنة المجهولين وزوار المعارض الذين رأوا اللوحات وأعجبوا بها، بعضهم من النقاد كتب عنها الخ هذه الفئات الأربع هي التي ساهمت في إنتاج المجموعة على النحو التالي
في (حلم اللحظة اليانعة ص 7) يقف زيد الشهيد صبياً تسقط عن كتفيه الحقيبة المدرسية، وهو ككل تلميذ تتفتح أمام ناظريه معارج المعارف من لحظة تحول المكان (استثار تأمله ورأى في القطرة الهابطة عالماً كريستالياً كروياً سرعان ما خلبه وأثار شهيته للولوج بعدما فجرت شلالات شمس الضحى حساسية الاثنين القطرة النزقة والصبي المستثار) لحركة سردية مستمرة طوال المجموعة على منوال المؤلف | القارئ في (افضاءات نهر الألوان من ص 9 حتى 29 هكذا حيث تبدو شخصية القارئ والمؤلف واحدة، لأن عين السارد هي الحكم هنا، ففي جمود اللوحات التشكيلية والأوراق الصفراء التي تنطوي عليها الروايات تنطلق العين الباصرة للمؤلف لتحويل الصورة المؤطرة إلى حركة مستمرة مع فارق واحد مهم هو إنه زمن مستقبلي مقطوع يتخذ منحى الحاضر الآني في لحظة استباق العين لتكون حركتها حركة كاميرا، وفي القصص القصيرة جداً التي تمثل (افضاءات ---) يقرأ زيد الشهيد ما يشبه النصوص المفسرة لمناخات الحدث الذي أنتج الصورة حيث باريس موطن المدرسة الانطباعية في الفن التشكيلي الأوربي الحديث على يد مونيه ومانيه وروسو وفان كوخ وجوجان وسيزان وديغا هؤلاء هم الذين فجروا ثورة الألوان في عالمنا المعاصر ماذا فعل القاص زيد الشهيد في عالمهم ؟! لقد قرأ لوحاتهم بجعلها تتحول إلى لغة محكية، وكان قارئاً بارعاً لهم تخطى حاجز الحاضر لماضيهم عن طريق قارئ | سارد لاستقصاء إبداعاتهم عبر متخيل السماوة فوهة العالم، وهو الرسام الموازي لتلك الابداعات في علاقة مؤلف | قارئ | موضوع
المؤلف القارئ الموضوع
كلود مونيه زيد الشهيد لوحة انطباع
فان كوخ زيد الشهيد زهرة عباد الشمس
ادجار ديغا زيد الشهيد راقصات الباليه
كاميل بيسارو زيد الشهيد لوحة روين
2- في ( أحزانهن و أفراحنا ) يقرأ القاص زيد الشهيد ( 3) روايات هي :ـ
سيليا أو موت في ريعان الشباب للروائي الفنلندي سيلانبا
بحر ساركاسو الواسع للروائية جين ريز
بيدرو بارامو للكاتب المكسيكي خوان رولفو
وقراءة القاص زيد الشهيد اعتمدت أصلاً على بطلة كل رواية من هذه الروايات من ناحية البؤس الذي حام حول حياتهن، لكن الجديد في هذه القراءة هو جوهر المقارنة غير المتوقعة لبطلات الظل العراقيات اللواتي يحملن العذابات نفسها، والشجون ذاتها ؛ وهي قراءة منحازة لجانب تصوير مشهد الحاضر العراقي البائس الذي يطابق نوعاً ما عالمهن التخيلي مع الفرق في شدة الحزن العراقي النسوي الذي بات فرحاً لبطلات الروايات الاخريات، ففي رواية (سيليا أو موت في ريعان الشباب) للروائي والكاتب الفنلندي سيلانبا الحائز على جائزة نوبل الذي ترجمت روايته هذه إلى العربية عن دار المأمون العراقية 1985 على يد د- سلمان الواسطي يضع القاص زيد الشهيد معادلاً لأحزان (سيليا) في بلاغة لفظية خلابة أحزان (سلوى) التي يرقبها بالعين وهو في السماوة كاتباً وقارئاً وسارداً، فإذا رسم سيلانبا سيليا من جموح خياله كانت مجرد طيف ويوم سكبها على الورق صارت حياة تمور، ولأنها خادمة بائسة تموت وتنهي الحكاية التي قدمت الروائي للعالم الذي أعجب به إيما إعجاب، لكن سلوى العراقية من يقدمها مع طبق الحزن الساخن بعدما أنهكتها أعوام الحصار وضيقت عليها أيام خيبة الأمل في شعب نسي أرضه بعد مقدم النور الخ بمعنى إن القاص زيد الشهيد يبرع في تكديس الضد مقابل السرد، الضد الذي يسرده بالباصرة والعين الساردة، وما حصل لسلوى وسيليا ينطبق على نظيمة صنو انطوانيت بطلة الروائية جين ريز في رواية (بحر ساركاسو الواسع) ترجمة فلاح رحيم جاسم دار المأمون 1987 مع الفارق بين المكانين، بالنسبة لمؤلفي العملين، لنستمع لكلام القاص والسارد والقارئ زيد الشهيد حيث يقول :ـ وكنت أتابعهما على خطو القراءة التي تبتغي مآل وتهدف لأدراك نتائج (أبوها) تلك التي كان اسمها 'جين ريز' ويلزياً من انكلترا وأمها من الكريول سكان جزر الهند الغربية وأمريكا اللاتينية المنحدرين من أصل أوربي أو أسباني وأبي كان بصرياً عربياً وأمي سليمانية كردية جمعتهما خيمة الاقتران رغم تفاوت الطباع وبعد المسافات رسمت تلك التي اسمها جين ريز بطلتها على هوية جديدة سمتها (انطونيت كوسوي) وفضلت أنا لشخصيتي اسم (نظيمة) أطلق علم النفس على شخصيتيهما بالعصابية، ومن اللافت للنظر إن القاص زيد الشهيد يلعب الأدوار كلها بالتساوي في هذا القسم إذ يقرأ الرواية، ثم يؤلف مقابلها ويكون سارداً لكلا العملين ويأتي في الدور الأول أو الصف الأول في رسم ملامح الشخصيتين والأجواء المحيطة بهما عن طريق السرد المكاني أو الورقي.
3- في (ترادفات عابر العين) ثلاثة نماذج يستقرئها القاص زيد الشهيد بالعين الخلاقة عبر الاسترداد الانشائي للماضي (ماضي الشخصيات) والشخصيات نسائية ساهمت في فترة من الفترات التاريخية في الظهور على الملأ بالعين المجردة، وأخذت حيزا ًمن إشغال الناس، يذهب زيد الشهيد لماضيهن، للحقبة الزمنية التي كن فيها ملء العين حركة وتأثيراً، ليكشف الغطاء عن ما أبقته العين من ملامحهن ،عين القارئ وعين المؤلف وعيون الجمهور، لأن استعادتهن تتم عبر حلم اللحظة اليانعة التي مازال الصبي زيد الشهيد متعلقاً بأهدابها، ويرفض مغادرتها، لهذا هو يلتقط بعينه المجردة في حياة هؤلاء النسوة ما رفضت عين التاريخ التقاطه، والنسوة هن جميلة بوحيرد الجزائرية التي قارعت الفرنسيين أبان الاحتلال، كانت ممتلئة بالغيظ بينما صورتها المعلقة قبالتي على الجدار ترجمت لي وجه فتاة كانت بواكير بسمتها توحي بغد مشرق وألق بهي لماذا؟! يقول المؤلف مخاطباً طيفها العابر على العين ـ جميلة بوحيرد: أين أنت الآن بعرف النضال ومقارعة المحتل؟ وهذا كل ما أراد القاص زيد الشهيد قوله، ليخلص لمغزى الجحود الذي قوبلت به جميلة بوحيرد في لحظة سرقة الثورة من صناعها الحقيقيين كما يحدث الآن !! والمرأة الثانية هي عراقية شاعرة من مدينة العمارة، كانت ترسم الرفض على لسانها الشعري وهي تخاطب المؤلف، قالت:ـ من أنت أيها الأسمر الغريب ومن لقنك هذا الشعر، وكيف أدركتني؟ قلت لميعة جئت أبحث عنك في رمضاء الأيام وفي فيافي البحر الذي لا ندري هل تسببت أنت به أم نحن الجناة ؟ أنقل إليك شوق محبيك ونداء لياليك التي تركتها عند ضفاف دجلة بوحك يا بنت عباس عمارة الخ الصورة التي تصف علامة الرفض التي تعلقها الشاعرة على قصة زيد الشهيد تعني الكثير لأعوام الشاعرة السبعين كما تعني بالنسبة لشعرها قيامة الرفض المبني على اللاعودة كانت تقول للعراق لالا لا أعود وتقول للشعر لن أعود، والمرأة الثالثة التي يقتطعها القاص زيد الشهيد من جذور القهر والغربة لنراها حاضراً مهشما بملمح الماضي السيدة المذيعة في الحقبة السبعينية من القرن الماضي العراقية التي تطل على الشاشة الصغيرة السمراء قبل ظهور الألوان الطبيعية المرأة ذات الشعر الأسود الفاحم على ما أظن والعينين الواسعتين بوسع العالم على ما أعتقد وهي تتزعم حلم العراقيين في رؤية سينما اشتراكية أو رأسمالية لا يهم تحكي وتتحاكى عن مزاعم السينما والناس المرأة هي اعتقال الطائي التي غادرت شيوعية العراقيين قبل أن تزيح عن كاهلها غبار الوطن يستعيدها القاص زيد الشهيد هكذا من الماضي الذي غادرته هي وغادره العراقيون في برنامج (السينما والناس) على إن اللقاء بعد عقدين ونيف سيكون على المنوال نفسه، أي ستكون اعتقال الطائي فتاة الأمس تستعرض ضيوفها في بودابست وبغداد دون انقطاع زمني، لكن المفاجأة التي صدمت المؤلف القارئ وهو من الجمهور إن اعتقال الطائي كانت تنتظره في مقهى (البلاتو) او في محطة (الكلتي) أو في منتجع (شيوفوك) مع كمية هائلة من الضياع سينتقل إلى شخصيات (معهم أنا) الذي سيليه، كانت السيدة المغتربة العراقية الأصل يصفها القاص تباطأت الخطى وأحسست ان ساقيها لا تسعفانها على السير بوثوق، وقبل أن أفوه بسؤال عما اعتراها اكتشفت إنها كانت تنشج وتكلمت بأشياء مثل تحطم زجاج لم يعد له سبك والشاشة لم تعد لي وغربة الروح لن يقدر نداء الوطن على محوها الخ، وهذا الضياع الذي أدركته اعتقال الطائي مبكراً ظل يطارد شارل بودلير وريلكه واخماتوفا وهم في عهدة القاص الشاعر الفرنسي تقتله باريس بسأمها ليبرز للعالم أزهار شره والشاعر ريلكه يحتضر والممرضة تكون آخر من يقرأ رسائل حبيبته (تزفيتاييفا) وتستسلم الشاعرة (اخماتوفا) لعربدة سكرة الموت البلشفية على تخوم الشعر لكن الغريب إن القاص هو الذي علقهم في لحظة ضعف مجانية وهو يرى بلده يتعرض للظروف نفسها من تقطع السبل بالإبداع وفقدان الأصالة، كما فعل بزكي ومها عبر المسنجر الذي يستخدمه القاص في قراءة العين الساردة بحيث صار الحوار هواء واللقاء ذكرى والمسنجر أخرس في خضم حمى الرسم بالسرد من قبل القاص الذي تحول إلى راء يحفر صورة زكي ومها أو هو وهي قبالة السلك الموصل بينهما، ولعل القاص وهو يتعرف على العالم الافتراضي في الكومبيوتر يخلب لبه سحر المسنجر عبر التواصل الاجتماعي الأكثر حميمية والأدنى اغتراباً يفجر في قصصه قلادة كونية وقلادة من بهاء وقلادة موسيقى، يزحف نحو عالم المعلومة ومنظومات الانترنت والشبكة العنكبوتية الظالمة التي يستطيع أي شخص أن يتخيل فيها شكل عالم السرد وخطاب الحجب التي تهتك عرض الخفايا، ولقد أراد القاص زيد الشهيد في 'سحر المسنجر' أن يشوش على لب التخيل لدى القارئ بوضع لغة العين بدلاً من لغة الكتابة، ونجح في ذلك لدرجة حيث يصف ما هو بصدده إلى ---( ساعة كنت أتأرجح بين تدوين القصة ومشاهدة صورك بالتتابع السهر للقراءة عادة لازمتني منذ أعوام طويلة مع إني استيقظ فجراً لقراءة ما لم أتمكن من قراءته من صحف الأمس في القيلولة أنام طويلاً وخصوصاً في الأصياف حيث جهنم تفتح أبوابها على العراق وتقول للعراقيين اشتعلوا أيها الملاعين الذين تنافسون الله على بطشه، مما يعني إن مشروعه القصصي قد تجاوز عنق الزجاجة في التخيل القائم على مباهاة الواقع.
إحالات
1 ـ مدخل في نظرية النقد الثقافي المقارن أـ د حفناوي بعلي منشورات الاختلاف الدار العربية للعلوم ناشرون 2007ط1 ص 270
المصدر نفسه ص 271
المصدر نفسه ص271

عبدالغفار العطـوي .

عبدالرحيم محمد احمد
16-11-2012, 18:38
الـعــمـــيـــــان

روايـة : عبدالعزيز آيت بنصالح .







الكتابة تفكير بالصور، في سنة 1969 اعتدت على الجلوس الصباحي في مقهى روكسي، في الزاوية المواجهة صيدلية الرباط حيث تَفدُ صيدلانية كما لو تخطو على الهواء، شامخة بجمالها الباذخ: هبوب نسمة أو ترجيع ناي آت من الأقاصي.. يتعذر على الأصابع ملامستها: بين المادة والطيف، هذه اليافعة الفردوسية جبَّتْ في ذهني الما قبل صادَّة المابعد، تتأبد من الإقتيات على نسغ المخيلة... كانت منبع شغف لا ينضب يتحدر منه الرونق الباهر والبهاء الآسر تحدر قطرات المطر من الغيم: الإحساس بديل الكلام؛ هذا الشغف ذاته هو ما تولد عن إنهاء قراءة رواية «العميان» للروائي الباحث عبدالعزيز آيت صالح.
القراءة المدججة بعتاد نقدي أكاديمي تُشكل خدشاُ في تكوين هذا النص البهي والإستثنائي. سئل أحدهم عمن يمكن تسميته قاص أو روائي مراكش على غرار محمد شكري بالنسبة لطنجة وزفزاف بالنسبة للدارالبيضاء. بدا المسؤول راغبا عن الجواب، ونفقت الكلمات في كهف فمه، ولأن المناسبة شرط فصدور رواية «العميان» تجعل من كاتبها (روائي مراكش) بامتياز، وبيان ذلك أن الكتاب المغاربة جميعهم يسهمون كل من منظوره وموقعه في بناء «الوطن الرمزي» ولاغضاضة في الإقرار بالسبق أو الأفضلية أو التخصص بالنسبة للبعض، لأن مجال الكتابة الأدبية ليست مجال تزاحم بالمناكب. وللتأكيد على التمثيلية المدينية لهذا النص الجميل يجب التقاط الروح السارية بين ثناياه، وتحديد أمزجة شخصياته، واستبطان العلاقات والأفعال والأقوال، وقد أحكم موزّع برامج السرود والسجلات اللَّمْلَمَةَ والربط والتكوين والتنميط وبلورة الحوافز، وتحديد المؤازرة والمعارضة، وضمان فعالية الأحداث والوقائع. إن القراءة التفاعلية وحدها الكفيلة بتحقيق التلذذ بالنص، وجوس سراديبه، وارتياد شعابه. لقد لجأ بعضُ مسرحيي المغرب إلى استثمار الأشكال ماقبل المسرحية كواحدة من طرق تبيئة المسرح.
وهذا الصنيع ذاته في تأجيج وتوهيج رواية «العميان».
كثير من النصوص الروائية أخفقت في التَّفْضية فيبدو المكانُ أخرس خالٍ من العلاقات المتواظفة لكن هنا المكان يتحدث لُغته البليغة، تتناسج داخله أو حواليه العلائق المتماهية مع كنهه.. الروائي ع.آيت صالح شيّد مدينته/ مدينة مراكش. هذا هو الإمتياز الإستثنائي، أعود ثانية إلى الصيدلانية ذات البهاء؛ مضت على رؤيتي لها 43 سنة... عجَّزت، خرَّفت، ماتت؟ .. كصورةٍ ماثلة في ذهني متألقة بكل تلك النضارة والعنفوان، ذلك ماسيكون بالنسبة للعديد من القراء لأن نص العميان عَصيٌّ على النسيان، ذلك يجد تبريره في (كفايته الذاتية).
فالرواية محكمة من البداية الى النهاية، محددة الحواف كمدينة مسورة، تتنافى وأي استدراك أو إضافة: ذات منطق داخلي صارم، مما يدل على امتلاك الكاتب قدرة مميزة على البناء الروائي، هذا البناء المماثل لفترة صغيرة بين نصين مركزيين، مسترفدين من محكيات صغرى تشكل في تضامها وتعاضدها «المجتمع النصي» هذا المجتمع العديل الرمزي لمدينة مراكش الذي نقرأ حاضره في ماضيه، وماضيه في حاضره.
لاغرو في أن مايشكل مصدر قوة، بالإضافة إلى روائية كاتبه غير المرتاب فيها، الإرساء المرجعي/ التوثيقي الذي كان الأرضية الخصبة التي انبنى عليها النص الروائي، وهذا يطرح تحديا محرجا على الروائيين، هل نستطيع كتابة رواية دون علم ومعرفة، مكتفين بترديد أن لكل نص شجرة أنساب؟
إننا بصرف النظر عن الطابع الألعوبي، والإنسيابية وتأكيدا هذا العنصر هو الضامن لما أعدوه الإنزلاق السلس في القراءة الخطية والإرتدادية مؤشر دال على ما وسمه المرحوم د. نجيب البهيتي ب (اندراج الصنعة تحت الطبع) حيث لانتوء في التقانة يعوق القراءة؛ القراءة هنا أشبه بالسير في طريق معبدة . هذه التقانة، في جوانبها الإجرائية، ، والتي أسلمتنا، ونحن نمارس تجوالا حرا في طوايا النص، والتي يفصح عنها (القائل التخييلي) وهو يبئر السرود على الرواة، تدنينا من أن نكون مشاركين في الكتابة من خلال قراءة تفاعلية
إذا ارتقينا خطوة في بسط هذه الانطباعات باستلال وتصفيف المدّونات سنهتدئ إلى أن ثقافة الكاتب الأكاديمية وفّرت له العدة والعتاد الضروريين لتأمين غنى الرواية وقوة «إيهامها بالواقع»، استطاع أن يؤالف من المدونات: تاريخية، اجتماعية، صوفية، عاطفية، نفسية، جنسية في نوعٍ من الإتساق، فضلاً عن النقلات الزمانية التي تضيء بمراوحة المراحل المختلفة..تبقى اللغة التي صيغت بها الرواية ميزة دالة لتناسبها مع الموضوع والمحكيات : (اللغة الفصيحة، اللهجات، الرطانات) ولا أشك لحظة في أن الكاتب بذل جهداً فريداً لبناءمعجم الرواية الخاص، وسيكون من دواعي الإستغراب ألا يثير نصٌّ تولّد من اجتماع السليقة الروائية بالبحث الدؤوب الجاد نقاشاً يحدّد الراهن الروائي وامكانياته المستقبلية جماليا، لأن وضع الاستراتيجيات من عمل الأنظمة الشمولية.
يجب، ونحن نتلمس طريقنا لالتقاط ماهو جميل في النص، التوقف عند بناء الشخصيات، فالكاتب يقف في صنيعه بين الشخصية المقامية والروائية، وهو خيار غير اعتباطي، لكن من منا حين يفرغ من القراءة، ويستسلم للتذكر يسعفه الحال بأن ترد على باله شخصية من الشخصيات اللائذة بين الرموز والعلامات في رواية «العميان» مثلما وردت على ذهني الصيدلانية ذات الجمال الذي لايضاهى؟ الأكيد أن جميع الشخصيات سترد كسرب من الطيور مرفرفة بأجنحتها حواليه لاكتمال بنائها ودلالة نمطيتها .

أبو يوسف طـــه .

عبدالرحيم محمد احمد
18-11-2012, 00:00
"بــاريــو مــالــقـــا"

روايـة : محمد أنقــار .


-الرواية مزيج من الخيال و الواقع و المعرفة. و هي تجسد شهادة معاشة لولادة حارة تحت سمائها اجتمع زمان و مكان و أناس.من بوتقة الهامش تم نشوؤها، قبل اندماجها بمدينة تطوان المركز، و رتقها بها تحت ضغط الوجود بالقوة،والوجود بالفعل الذي نحته شباب \" الثلة\" كما سماهم الكاتب صاحب الرواية الأديب محمد أنقار.من رماد القهر و التهميش قاموا كالعنقاء ، تعلموا الحلم ، و اعتنقوه، فكان منهم الفتى الرياضي الوسيم \" المديني\" الذي سوف يهاجر ليدرس بالكلية الحربية و يحقق حلمه في أن يكون ضابطا في الجيش ، وهو كما جاء وصفه في الرواية:\" أما المديني فقد عد في الباريو كله نموذجا للفتى الرياضي الكامل،وجه بشوش، وأطراف متناسقة في رجولة فتية، وشعر شديد السواد لكنه منساب\"2 . و منهم \" نور الدين الكبير\" الشاب الأوفر حظا كونه وافدا على الحارة من المدينة المركز: و تقدم الرواية نبذة عن تاريخ أسرته:\" والد نور الدين ليس من أصل أندلسي، بل من قرية بني يدر، ومع ذلك نشأ و ترعرع في حومة البلد حتى عد تطوانيا حقيقيا..........لكن نكبة توزيع الارث اثر وفاة الوالد جعلته يبتعد عن الوكر الأصيل\"3 ،و لعل كلمة أصيل هنا تفيد تضادا لحارة \" باريو مالقا\" المصطنعة. لتكون هذه ثاني شخصية ، بعد \" المديني\"، تنفلت من أتون الهامش، حيث توجه بدوره لدراسة البيطرة بايعاز من عائلته الموسرة. ثم هناك \" سلام\" الفتى العصامي الوديع، المشحون بالمعاناة ألوانا،الذي أخذ قراره منذ يوم التسجيل الأولي بالمدرسة كما تنبئنا الرواية : \"و في رمشة عين قارن سلام أناقة الريشة و هي بين أنامل السكرتير الرقيقة و القلم القصبي حينما يغمسه صبي الكتاب في محبرة الصمغ فتتلطخ أصابعه، حتى اذا ما أنهى الصبي عملية الكتابة في اللوح المصلصل، بادر الى ادخال رأس القلم في فمه و سف ما علق به من صمغ....................كما عاين سلام الأنامل النظيفة تمسك خشبة النشاف الوردي نصف الدائرية و تضغطها فوق الحروف المكتوبة في السجل، كأن السكرتير يعطيها بذلك صفة القرار الذي لا رجعة فيه.............و منذ تلك اللحظة الفاصلة أحس سلام كأنه يقطع صلته الى الأبد بدنياه القديمة..دنيا الانطلاق و التسكع، ليدفع قسرا الى عالم جديد، تمثله كونا من المفاجآت التي لا تنقطع\" 4 فهو شخصية تشي سماتها بولادة أديب ، لن تنقصه \" بلاغة\"، يلمح لنا بذلك الراوي ساردا :\" ..و أجهش الفتيان و هما يمعنان في الانكار.ثم تمكن سلام من الكلام.قال للضابط بصوت مقطوع: \" جئت في الصباح لكي ألتحق بالثانوية و ها هو الدليل\" و مد سلام يده بدفتر البلاغة الأخضر فحار الضابط هنيهة بين أن يتصفحه أو يمعن في التهديد\"5. أما باقي شباب الثلة ، فالبرغم من الأمية، والوقوف عند السنوات الاولى من الثانوي، فقد حنكتهم تجربة العيش في الحارة بكل متناقضاتها البشرية و المدينية \" فالشريف هرب ـ بمعنى هاجر الى اسبانياـ، و الصوردي نضج وعيه الاجتماعي قبل الأوان، وواظب على عمله بهمة....\"6 . و ما بين الأحلام و الواقع، كان المكان و الناس ، يواجهون مصيرا موحدا ، وسط هامش اغتصبه الاستعمار الاسباني ، على هامش اغتصابه الكبير لشمال المغرب ككل.فعرفت فضاءاته وقائع و أحداثا، حملتها لنا الرواية في ثلاثمائة و سبعين صفحة.
الهامـش و المكــــــــان
الرواية ومضة أشرقت لها رؤيا أديب متأن الخطو يجوب أمكنة الحارة. يرصد الأحداث. يصيخ السمع لخفقان أفئدة الشباب، ودردشة نسوة البراريك القصديرية، و ثرثرة الشيوح أمام أبواب دكاكين الحارة، أو على كراسي مقهى \" الرطيرو\" الشعبي البسيط، متأبطا أدواته التعبيرية ذات المنهج الواقعي.
الحارة المتحولة عن أرض بكر، انوجدت بقوة اصرار الاستعمار الاسباني أن يجد مكانا على هامش مدينة تطاون يسع المهمشين من فقراء مهاجري البوادي المحيطة بالمدينة ، و ضحايا \" عام الجوع\" الذي ضرب منطقة الريف من المغرب، بالاضاقة الى المهاجرين الاسبان الفقراء النازحين أغلبيتهم من مدينة مالقا الاسبانية الموجودة جنوب اسبانيا. و لعل تسمية الحارة باسم \" باريو مالقا\" ، تمت نسبة لأولئك المهاجرين الاسبان.و قد قام المستعمر بتجميع فقراء ذلك الشتات بأرض كل من مريبطو ومصطفى، الواقعتين بالضاحية الغربية لمدينة تطوان. تفسر لنا الرواية تلك العملية ،عبر أهم شخصية متعلمة، ووطنية مستنيرة بالحارة ، الفقيه الصنهاجي: \" لم ترض سلطات الحماية أن يظل شارع\" سانشي\" العصري مشوها، اذ به تفتخر و تبرر أعمالها الحضارية، لقد رفضت براريك \" سوق برة\" المقامة للمغاربة و من الغجر و ضعفاء الاسبان في وسط المدينة الجديدة، كما رفضت اقامة براريك اضافية هناك، اثر عام الجوع. حتى الصحافة المحلية نفسها كتبت منددة، و النتيجة نقل الجميع الى أرض \" مصطفى\" باعتباره حلا مؤقتا، لكن السلطات الحامية تناست الدراويش في براريكهم. و مع مرور السنين غدا المؤقت دائما. ذلك شأن الاستعمار باستمرار.\"7
استهل الكاتب الرواية بمشهد اختطاف طفل حي الكنيسة ،ـ وهو جزء من حارة \" باريو مالقا \" ـ من قبل الفتوة بهدف الاغتصاب ، و أنهاها بملمح كتاب البلاغة يحمله \" سلام\" أحد أبطال الرواية الرئيسيين، وهو ملمح يحمل في طياته احتمالية كون شخصية \"سلام\" المحتمي بكتاب البلاغة، هي شخصية الشاهد الحي الذي لن يصمت، كما صمت الجميع عند اغتصاب الأرض البكر، و تحويلها الى هامش يقصى اليه الفقراء و المهمشين الذين تلفظهم المدينة، كما جاء في ذكر شخصية \" السعدية\": \" تذكر طامو أن السعدية تنحدر من أسرة تطوانية..............ثم اضطرتها مواقف الضيق الى الانحدار الى حارة مالقة للبحث عن ملاذ خوفا من التشرد في الشوارع\"8
يقول هوسرل : \" انه فعل التفكير الذي يطفو، ويسيل في تيار الوعي و تدفقه\"9.هكذا وضعني الأسلوب المحايد للسرد داخل الرواية ، في مصب \" فينومينولوجيا\" تستحوذ على مجرى استقرائي للرواية. الأفكار المتغلغلة بين ثنيات الحكي، تنضح بحدس الكاتب المشحون بالامكانات الجوهرية لظاهرة \" الهامش\". حضورها يستديم في التدفق عبر مراحل الحكي. الى أن يتبلور وهو يأخذ دور المركز بفضائه و شخوصه و تاريخه. حيث يمكن أن نرصد ظاهرة \" الهامش\" ، في الرواية كمعطى يمثل شكلين لأنماط الهامش ، هما : الأرض و الناس. الأرض كمكان/ضاحية المدينة المركز تطوان. و الناس منقسمون الى فئتين: مهاجرو بادية شمال المغرب، بكل حمولتهم البدوية، و فئة المستوطنين الاسبان الفقراء ، أصحاب التميز الحضاري ، و الامتياز السياسي :\" خفض الاسكافي صوت لندن ، وتابع الغرز و الرتق ... ثم قال في شيء من الحسرة :\" حلمت دوما بأن يكون دكاني في موضع كشك \" مونطصي\"، هناك مكاني المناسب، بيد أن الحلم لم يتحقق للأسف الشديد الكشك موقع يتيح رواج أية بضاعة.لكن الأسبقية للاسبان في الفوز بالمواقع المناسبة\"10 . لكن اضطراب أحوال الهامش يجليه الكاتب من خلال حكايا شباب \"الثلة\" و أهاليهم.أما ميلاد المكان كحارة فيورده الكاتب على لسان شخصية الفقيه الصنهاجي ، الرجل الوطني المثقف ، الذي يهابه الصغار و يحترمه الكبار، ، و التي أعطاها الكاتب سياقا وظيفيا، يحيل على وجه آخرللواقع الاجتماعي الهامشي للحارة. يقول الفقيه الصنهاجي :\" و في بداية الخمسينات ازدهرت الحارة، ورأى فيها الاسبان جنة العاصمة تطوان، وشرفة تطل على الغوطة، وفضاء مفتوحا للشمس و الريح، فضاء مشبعا بالسمات المتوسطية. بل رأوا كذلك أن لا شيء ينقصها مقارنة بالاشياء التي تفخر بها العاصمة تطوان، التي تعتبر بمنزلة الأم بالنسبة للباريو، ففي الحارة مدارس، و مسارح مدرسية، و متاجر، و مقاه و أسواق، وناد للتزحلق و الملاكمة، و صيدلية و مطبعة \" كريماديس\"، و مستوصفان، و سينما و مخابز عصرية.......بل توجد كنيسة واسعة حملت اسم القديس \" سان أنطونيو\"، و ها هي الحارة تعرف الآن بين الناس باسم الباريو و اسم سيدي طلحة معا ، و بذلك تجاور التاريخان العتيق و الحديث\"11 ، صورة تعكس جزءا من الحقيقة و ليست الحقيقة كلها. فسياق الشهادة مسودة مقالة حملها الفقيه الصنهاجي داخل حقيبته الى احدى مقاهي مدينة تطوان المركز ليعرضها على وجهاء و مثقفي المدينة، من رواد المقهي ، بهدف رد الاعتبار للحارة ، بصفته أحد أبنائها المحسوب عليها اجتماعيا، ووظيفيا كونه يدرس بالمدرسة المغربية الوحيدة بالحارة، خصوصا أن ناس البلد، ـ و هذه تسمية كانت تطلق على سكان المدينة المركز و غالبيتهم من الأندلسيين المهاجرين ـ، كانوا يعتبرون حارة \"باريو مالقا \"حيا هامشيا بكل المقاييس،و أن سكانه من مهاجري البادية بعيدين عن التمدن و اساليب العيش الحضرية. و الحقيقة التي داراها الفقيه الصنهاجي وراء مقالته أن تلك المرافق ، ، وانما هي أعدت للرعايا الاسبان المتمدنين. فباستثناء السينما التي استهوت شباب الحارة، و دورها التنويري في حياتهم.لا شيء من تلك الواجهة الحضارية أفاد مهاجري الريف،و معطوبي الحرب الأهلية الاسبانية و أهلهم. يروي الكاتب عن وضعية الحارة ساردا:\" اشتدت الحركة في الحارة بالتدريج. خادمة تخرج من تلك البراكة، بوجه لا مبال، و صبي يتأبط محفظته يصعد من جامع مزواق، يحلم بفطور شهي. و عامل غادر دويرته بعد غبش الفجر ، وهو يتساءل في أعماقه ان كان هذه اليوم سيكون أفضل من الأمس.\"12
المكان في رواية \" باريو مالقا\"، فضاء يمثل الذات و القضية. حيث تنحصر الحارة في الضاحية الغربية لمدينة تطوان، أي في منطقة توجد على هامش المدينة المركز. و الزمن بثقل همومه، ألقى بظلاله السوداء على المكان، فتحول الى حيز جرده الاستعمار من تاريخه الروحي و الوجداني، و نأى به عن جذوره.يقول عبد الله الاسكافي: \"كم كانت الحارة مفعمة بالبركة العطرة، قبل ان تزكمها روائح الفتوة، و يخنقها بطشهم\"13 ، و \" الفتوة \" في هذا السياق ، ملمح قوي، يؤكد المعنى الذي يوحي به مقطع اغتصاب طفل الكنيسة من قبل أفراد الفتوة \" جلول و بو حاجة و قويدر المسعور\" و ما أرى في تسمية \" بو حاجة \" الا اشارة الى لقب \" بو رقعة \" الذي كان يطلقه أهل الشمال على الاستعمار الاسباني.و الكاتب عندما ألصق فعل الاغتصاب للفتوة ، دعم بذلك مفهوم اغتصاب الاستعمار الاسباني حق تعايش أهل تطاون داخل فضاء موحد، ذلك هو فضاء المدينة المركز. يوثق الكاتب للمكان على لسان الفقيه الصنهاجي :\" تملك جانبا من هذه الأراضي الفسيحة الوجيه الحاج محمد مصطفى.........في البداية كانت للجد قطعة أرضية وحيدة تحادي ضريح سيدي طلحة الدريج. كان محبا لرجال الصوفية. خاصة الموجودين في تطوان. و في ذات ليلة وهو في شبابه وقف عليه الولي الصالح سيدي طلحة في المنام و قال له : أطلب منك أن تتقرب مني. و في الصباح قص على أبيه الحاج عبد السلام رؤيته، وهو خائف معتقدا أن أجله قد قرب. لكن والده أول الرؤيا تأويلا مغايرا و قال له: كلا ليس الأمر كذلك. الولي الصالح يريد منك أن تتخلص من اليهودي.............ووجد في هذا التأويل هوى في نفس الجد فاشترى أرض اليهودي سنة141886. و منذ الثلاثينات لم تتوقف حارة سان أنطونيو عن الاتساع غربا حتى وصلت الى الموضع الذي سيعرف لاحقا بـ \" جامع مزواق\" حيث حدود مدشر \"سمسة\"، مشكلة مدينة جديدة و جميلة و مرحة و آهلة\" 15 . هكذا يطلعنا الكاتب ـ دون أن يخفي عشقه لحارة \" باريو مالقا\" هذا العشق الذي سنلمسه في أكثر من محطة في الرواية، حيث يقول في موضوع آخر :\" جذبت أرض مصطفى المهاجرين المغاربة و الاسبان ، كما يجدب الزهر أسراب النحل\"16 ـ على التحولات التي أضفاها الاستعمار على حارة سيدي طلحة أو أرض مصطفى عبر مراحل وجوده بمدينة تطاون. حتى صارت حارة \" باريو مالقا\".

النــــــــاس و الهامـــــــــش:
تجمع الرواية هوية فئة سكانية، بصمتها الهجرة، و حجمها الاستعمار، ووصمها الفقر بميسم التشظي، والحيرة ، و وعي عليل أعيا شبابها، فتاهوا ، و تاهت خطواتهم. سكان الحارة المفتقرون لمؤهلات التمدن، وفدوا من البادية كهامش، ليلتحقوا بهامش آخر، أكثر هامشية.احتضنت غالبيتهم البيوت القصديرية \" البراريك\" ، و هي فضاءات للهامشي من المنازل. أمام هذه المعطيات، يتمظهر الهامش بكل بداهة ، كعنصر هام يستحق الوقوف عنده .من خلاله رصد الكاتب ديناميكية سوسيولوجية ذات تمفصل مزدوج : رعايا اسبان فقراء لكن متمدنون/ و مغاربة بدويون مهاجرون أفقر .من خلالها دون حركية مجتمع الحارة ، بين واقع موجود، و متخيل ينسج خيوطه بين مسالك البراريك، يلتقط دردشات النسوة على عتباتها،يتابع تصاعد الضنك المعربد تحت أسقفها، وينصت لخفقان العشق في أفئدة الشباب. ملمحا في نفس الوقت أن الانسان في حارة \" باريو مالقة\" أبى أن ينتمي الى غير هامشيته، فيها يولد و فيها يحيا، وفيها ينحت وجوده.هكذا يمكن للهامش أن يصبح فرصة ، و ليس لعنة، فهو حيز ، يستطيع فيه من لا يملكون تكاليف الحياة العادية أن يعيشوا و يزدهروا. ان الوضع الهامشي، يمكن أن يقدم مساحة لمعايير بديلة، و حياة بديلة، مكانا للقوة المضادة، يخلقه المستبعدون17.
لقد غفل الاستعمار عن طموحات الناس في حارة \" باريو مالقا\" كقوة دافعة للحركية الاجتماعية، وهي قوة تستطيع أن تلغي آثار كل فعل تبرمجه السلطة الحاكمة ، لحصار المكان ضمن هامش مختلق. لقد ظلت سلطة المستعمر منشغلة بالانجازات الخاصة بمدينة تطوان المركز، على حساب محيط المدينة و هامشها، على اعتبار أن \" كل ما يساهم في ازدهار المدينة، يساهم كذلك في تعزيز و تقوية الدولة\" 18 .كما قام بالقفز على الأزمة القروية ،خصوصا مأساة سكان منطقة الريف أو ما كان يعرف بـ \" عام الجوع \"، و لم يعرها أي اهتمام. يدور حوار بين احدى شخصيات الحارة المهاجرة من الريف خلال عام الجوع ، و بين سلام:
- \" أتذكر أن جدي رحمه الله تشققت قدماه من الافراط في المشي على الثلج في جنح الظلام، حتى انفجرت دما ، و في الصباح كان يتناول ابرة و خيطا و يخيط بها تشققات رجليه من دون أن يتأوه، ثم يعود الى أرضه مشيا، كأنه يطأ الجمرات، و يشرع في حرثها لعلها تجود.....\"19
فيرد عليها سلام بصوت محمل بالادانة:
\" لكن الأرض لم تجد، فلم تطيقوا صبرا، ثم هاجرتم الى تطوان، و حشركم الاسبان في معسكرات قبل أن تتوزعوا خدما في دور المدينة، و حراثا في المداشر....\" 20
- كانت محاولة الاستعمار لتوطين مهاجري البادية ، محاولة تمدين غير مضبوطة. قصدت بها سلطة الاستعمار ابعاد القرويين المهاجرين الى مدينة تطوان، عن مركز المدينة، لاسباب عديدة : منها الأمن ، و اجراءات التطهير، و تجميل جزء من المدينة، ذي الطابع الأوربي ، كما أراده الاسبان. لقد تناست سلطة الحماية أن للمهاجرين أحلامهم، التي وئدت تحت صهد البراريك \" تعلقوا جميعا بالطموح في حياة أفضل، لا جوع فيها و لا مرض، ففرجوا عن النفوس بعبادة الله و الجنس و التكاثر\"21. أحبط المهاجرون المغاربة، لما وجدوا مرافق العمل البسيطة التي كانوا يطمحون امتهانها،فوتت للرعايا الاسبان، وهكذا سرق منهم الاستعمار أحلامهم البسيطة ، كما سرقت رجالهم عندما دفعت بهم الى خوض حرب ليست لهم، مقابل \" بسيطات\" لا تسمن و لا تغني من جوع ، و بوفاتهم يننتهي ريعها : \"أدرك محمد العربي، مثلما أدرك كل سكان المنطقة الشمالية أن الحرب الأهلية الاسبانية تسببت في ترمل قدر هائل من نساء شمال المغرب. ظهر ذلك جليا بين المهاجرات في أحياء تطوان الشعبية، في العيون و جبل درسة و الباريو .\" 22
رغم مسحة واقعية نجيب محفوظ المرة، التي أضفاها صاحب رواية \" باريو مالقا\" ـ عن عشق للكاتب ـ على فضاء روايته، حيث أدخل عنصر \" الفتوة\" كعنصر محرك لوحدات الحكي، وأدخل شخصية \" خديجة \" الأنثى الضحية وسط الاخوة الذكور، على غرار شخصية نفيسة في رواية \" بداية ونهاية\"، بالاضافة الى نوع من التقارب الذي نلمسه بين شخصية ادريس و شخصية حسن في نفس الرواية،تبقى الرواية مؤطرة بظروف تاريخية/سياسية ، و اقتصادية / اجتماعية خاصة . شخوصها ترسف في أغلال الفقر المضعف. الاستعمار الاسباني المنهك اقتصاديا بفعل الحرب الأهلية التي كانت تعصف باسبانيا آنذاك، تداعيات وجوده أكثر سلبية من أي استعمار. طوق الحارة بحزام الفقر ، عندما تواطأ مع فقرائه الاسبان على منافسة أهلها في قوتهم اليومي. أدت هذه الوضعية الى وجود اللاتوازنات بين الحاجات الجوهرية لدى الطبقات الشعبية الدنيا ـ سكان البراريك ـ من أهالي الحارة و الوسائل المتوفرة من جهة أخرى ، تقول \" فطوش أم أحد شباب \"الثلة\" و هي تحكي لسلام عن عام الجوع :\" الجوع الحقيقي يا سلام هو الذي يعمي عينيك عن كل الأخطار\"23، ليجيبها سلام \"............ و البؤس المحيط بنا و بك، ألا يعمي هو الآخر عينيك؟ عطن الساقية الكريهة، و جهنم الصيف تحت البراريك، و فيضان الشتاء....هذا عذاب من نوع آخر\" 24 . هذا و رغم ضيق آفاق التشغيل ، و ضعف نسبة التمدرس فقد التقت جموع الشباب بين أزقة الحارة و دروبها، حيث أقاموا تجمعاتهم، باحثين عن التسلية و تجزية الوقت. فتولد الاختلاط بين جميع أصناف أبناء الحارة، و تم تبادل المعلومات حول الألعاب و أنواعها ، و اشترك فيها معهم أبناء الاسبان من قاطني الحارة. فتناسى الجميع ما يفرقهم و اكتفوا بما يجمعهم من صبا و مرح، لا يشوبه كدر الا ما كان من عنف الفتوة و قسوتهم. وبما أن هذه الحرية كانت منفلتة من رقابة الآباء لعدة أسباب ،حيث غياب الأب كان حاضرا بقوة بين شباب \" الثلة\" . يقول أحدهم بحسرة : \" \" الغريب أن آباءنا لا هون عن الخوض معنا في هذا الموضوع القذر ، العارفين به يقينا.انهم هائمون في عالمهم الرجولي. في هموم أعمالهم أو في ثرثرات مقاهيهم...\".25
ان الميل الى الشغب كان لا بد أن يتسلل اليهم ، فنجد \" سلام\" رغم جديته ، يلجأ للقمار من أجل الحصول على ثمن تذكرة السينما. و الشريف يعمد الى السرقة، و لا يأنفو،ن وهم مجتمعين من استفزاز مجاذيب الحارة من أجل التسلية و الضحك . انه شغب يمليه ايضا فعل التهميش. شباب الحارة ، وجود انساني يعلن عن كينونته بالقوة، اتجاه التهميش، تلك القوة التي يراها الآخر انحرافا و فوضى. يصرخ محمد العربي بحدة، عندما يستفسر أخاه سلام عما درسه ذلك اليوم في المدرسة، فيطلعه على قطعة القراءة الاسبانية \" عبد الحميد يريد أن يصبح حدادا :\" .... أولو تنتبهوا أنت و أقرانك من الأغبياء الى سمها المدسوس؟ أولم تفطنوا الى غايتها الاستعمارية ..... الاسبان لا يتصورون الولد المغربي الا حدادا أو اسكافيا أو فحاما ، و لا يتخيلونه أبدا طبيبا أو مهندسا أو طيارا....\" 26.
انفـــــــــلات الهامش مـن هامشيتــــــــه
\" كان مالارمي يعتبر الشعر تعويضا عن اللغة أو تكريسا لها، و أنا أعتقد أن الرواية تمثل الآن تعويضا للتاريخ. انها تقول ما يمتنع التاريخ عن قوله...نحن نعيد تركيب تاريخ مزور و صامت.... انني قادر أن أملأ بصوتي فراغ أربعة قرون أو ما يزيد ...\"27
ان كارلوس فوينتس، قائل هذه المقولة، مع مجموعة من كتاب أمريكا اللاتينية، أمثال غابرييل غارسيا ماركيز و بورخيس، أجمعوا أن الرواية تمثل تعويضا عن التاريخ. في هذا السياق نجد رواية \" باريو مالقا\" نصا / وثيقة يؤرخ لميلاد حارة، و نشوئها في ظل ظروف تاريخية و سياسية و اجتماعية ليس على صعيد المغرب فحسب و انما على صعيد العالم . حملت الرواية واقعا كائنا و ممكنا. بلوره مخيل الكاتب ، الموجه برصيد معرفي لا يتأتى الا لمن عايش أحوال الحارة . الرواية تنقل لنا واقع حارة ملتصق بمرحلة تاريخية، بصمها الاستعمار الاسباني ببصمته، دون أن تغـفل متغيراتها.علم الاستعمار الحارة بجراح لم يخفف وقعها المدمي، سوى أحلام شباب ، أطلعتهم السينما على الوجه المضيء للحياة ، فغزا الحب أفئدتهم الندية.و رغم مكابدتهم الفشل الذي طال تجاربهم مع فتيات الحارة من الاسبانيات، فقد تمسك شباب \" الثلة\" بحقهم في الحياة والحب و الفن ،كما آمنوا بحقهم في كسب لقمة عيشهم _ عبد العزيز و محمد العربي _، و القبض على جمرة الشرف سواء في مواجهة عنف الفتوة ، أو تحرشات عسكر الاسبان بفتياتهم.و بهذا نكتشف أن الهامش المفتعل، انفلت من هامشيته المفروضة عليه قسرا.و لعله هو المقصد الرئيس للكاتب من الرواية. لقد بنى الكاتب أدبيا حارة \" باريو مالقا \"، انطلاقا من عشقه لها، يقول في احدى سياقاته السردية :\" أينع صباح الأحد في براريك أرض مصطفى،مثلما تونع الوردة الندلية في البستان الزاهي.\"28، و نمقها بمنمنمات جمالية ، من غناء محلي و شرقي و اسباني ، و أسماء رجالات بصموا تاريخ مدينة تطوان ببصمتهم، و أشعار من التراث . كما أفرد أحدى وحداته السردية للعجائبي ، وهي وحدة \" علي و عويشة \"، و الأهم من كل هذا، أعد لها قنوات معرفية فككت أبجديات المعرفة لشبابها، و حملت شموع التنوير الى أهلها، و سنعمد الى استنباط تلك الأعمدة كالتالي :
1- عبد الله الاسكافي : الشخصية الأقرب لشباب \" الثلة\"، المفعمة بالتجربة و الاحتكاك بأهل المدينة المركز،\" و في الخرازين اكتشف عبد الله أسرار النكتة و مصطلحات المجون الخفيف، و تمرس بأجواء الانفتاح التي تقتضيها الدكاكين الضيقة المتطلعة الى التنفس. و في الخرازين تعلم كذلك أسرار المهنة.....بيد أن أجمل ما خوله دكان الباريو حرية الخيال، و طلاوة الأحاديث، و العمل حسب المزاج. كذلك غدا عبد الله سلطانا عجيبا في قبوه\" 29، وهوالمتمكن من فك الحرف بفضل دراسته بالمسيد، المتعطش للمعرفة يستقطرها من الفقيه الصنهاجي ،المطلع و المتتبع للصحافة المغربية و الاسبانية. وهو أيضا له مراجعه المعرفية،يسوقنا اليها الكاتب ضمن مسار حكيه: \" ....ها هو التقييد الآن بين يديه ، تأمله باعجاب، ثم دسه بين أعداد \" العلم\" و \" النهار \"و \" الأمة\" وmarruecosو diarioو africaو جزءا أصفر من سيرة عنترة و الروض العاطر في نزهة الخاطر، و قرعة الأنبياء، و سحر الكهان في حضور الجان...\"30، وهو بالاضافة الى هذا ، بسبب بساطته و لطفه ، أنزله الشباب بمنزلة الأب الغائب عنهم .مثال ذلك عندما قصده محمد العربي بعدما أنهى دراسته بالمسيد ، حائرا لا يدي ماذا يفعل:\" لقد عاين فيه صورة الأب المفتقد الذي لم يستطع أحد أن يحل محله لا طامو و لا الخضر و لا فقيه الكتاب\"31
2- الفقيه الصنهاجي :و يعرف نفسه داخل الرواية قائلا لجليسه و نديمه الاسكافي \" اذا الفقيه الرهوني هو مؤرخ تطوان، فأنا سأصبح بعون الله مؤرخ الباريو، هذه الحارة المباركة التي عرفت نبتتي، حارة الطبيعة و الهواء الطلق\"32، انه أحد رجالات الحارة المحترمين المعلم و الفقيه و المثقف و الوطني المتتبع لأخبار الوطن عبر الصحافة و المذياع يتقاسم المعلومة مع عبد الله الاسكافي ، وهذا الأخير يمررها بطريقته الى شباب الحارة ، هذا بالاضافة الى التوسع في ادائه التعليمي، بفيض من معلوماته الغزيرة على تلامذته مما أكسبه هيبة ووقارا.
3- اللغـــــــــــــــــــــة: اذا كانت اللغة في الرواية هي حاملة الأصوات كما يقول \" دبلن\" ، فالكاتب التزم بهذه المقولة شكلا و مضمونا، فقد حافظ في نصوصه السردية على الأسماء الاسبانية للأماكن و الأحياء ، و الألعاب ، و بعض الألفاظ الاسبانية المتداولة بين الأ طراف المتعايشة بالحارة من اسبان و مغاربة، سواء كانت شتائم أو أغاني ، كما كان لموضوع الكتاب الغرامي الذي كتبه سلام لمحبوبته بالاسبانية دلالته فيما يخص تعلم شباب الثلة اللغة الاسبانية من أجل التواصل مع الاسبان، و هذا يعتبر عنصرا معرفيا أفاد شباب الحارة ، و مكنهم من قراءة المجلات الا سبانية وفهم كلام أبطال الأفلام التي كانوا يتابعونها عبر شاشة سينما حارتهم.

4- أكشاك بيع المجلات الاسبانية: \" ألف أبناء \"الباريو\" عديدا من البائعات الاسبانيات في الكشك ، كانت آخرهن \" مونطصيراط\". عرضن النوفيلات، و المجلات الاسبانية المصورة للشبان و الشابات و الأطفال، و أتحن للقراء فرص شرائها ، أو تبادلها ، أو استعارتها مقابل قدر زهيد\"33. في هذا السياق يروي الكاتب عن الشريف أب أحد شباب \" الثلة\": وقف الشريف أمام كشك \"مونطصيراط \" يستبدل نوفيلا بوليسية من نوع ف.ب.ا. هو كهل نحيف طويل القامة.........اشتغل طوال عمره بالبناء ، الى أن تضعضع بدنه.احتك بالاسبان، و تشرب منهم حب الثقافة، و ان لم يملك سبيلا الى ممارستها و اتاحتها لأولاده...\"34
5 -السينمـــــــــــــــــــــــا: كانت السينما دليل شباب \"الثلة\" نحو الحياة بلون آخر، فأدمنوا سحرها، ساقت اليهم الحضارة الأوربية، تمشي على أقدام ممثلين تعلقوا بهم و صاروا قدوتهم: \" لم يكتف المديني بالتعلق بنجوم السينما، و انما آمن في قرارة نفسه ، بأنه نسخة طبق الأصل من روك هودسن.....\"35 .و \" لكم تماها سلام في سنة الباكلوريا مع الشاب الفيس بريسلي بطل رواية \" المتحرر\"، في صراعه من أجل أن يصبح قاصا\"36.، و مع وصول فيلم \" سيف دمشق\"، يصل المد العروبي الى شباب \" الثلة\" : \" ان لايحاءات \" سيف دمشق\" سحرا خاصا نقلهم الى أجواء الشرق العربي، و الليالي الألفية. فبعد \" لص بغداد \" ها هي الفرصة الذهبية الثانية ستتاح لهم لمتابعة رواية أجنبية لها صلات وطيدة بأشياء عربية تخصهم: الملابس، الأماكن ، و الأسماء، و الحكايات الخيالية\" 37 .
6- رحيـل الاستعمـــــــــار :\"...........غب حفلات الاستقلال تغيرت الأجواء، و بدا كأن اسبانيي الحارة قد أفاقوا من حلم طويل الأمد ، و أرغموا على مواجهة الأسئلة المصيرية....\" 38
رحل الاسبان عن شمال المغرب ، و فتح باب التواصل الاجتماعي بين حارة \" باريو مالقا\" و مركز مدينة تطاون: \" ذات يوم تلقى المديني عرضا لاجراء مباراة في كرة القدم ضد فريق من المدينة\" 39
\" وولج سلام عالم الأضواء و السحر، و في البهو، انساب صوت أنطونيو مولينو قبل بداية العرض 40:
و كأن المطرب يغني بلسان حال الفتى الحالم سلام و هو يرى حارته تنخرط في العقد الاجتماعي للحمامة البيضاء تطاون
بالرغم من كون متخيل الكاتب، يستمد موضوعه من الهامش بكل مكوناته البشرية و الاجتماعية والحضرية ، فان الكاتب الصب بعشق حارته، يفضحه ما تخطه يمينه من تعابير منفلتة بين ثنايا الحكي، تشدنا الى المفهوم الدافئ للمكان عند باشلار، و أحباله السرية المندسة في كنه البناء السردي للرواية. يقول الفيلسوف الألماني نيتشة :\" ان الأسباب التي تجعل من جمهور الناس صغارا حقراء، لهي عينها التي تدفع بالقادرين الأقوياء الى العظمة و الارتقاء\". و كأني بالكاتب ير دد بيت صلاح جاهين في حب بلده:
بحبها بعنف... و برقة ... و على استحياء

الزهرة حمودان .

عبدالرحيم محمد احمد
20-11-2012, 20:10
'الأمــنــيـــة الأخــيـــرة'

مجموعة قصصيـة : هـدى تـوفيـق .


تؤكد كتابة هدى توفيق القصصية أصالة العالم الداخلي للمرأة، وإعادة تشكيل الذاكرة في مشهد الكتابة، وتداعياتها، والبحث المستمر عن تجدد الهوية الإبداعية من خلال الجدل الممتد بين الذات، والصور، والأخيلة المختلطة بالسياق الواقعي النسبي في لحظة الحضور.
وتبدو هذه الدلالات بوضوح في مجموعة هدى توفيق القصصية 'الأمنية الأخيرة' الصادرة عن ورشة الزيتون بالقاهرة سنة 2012؛ فالساردة تعيد تشكيل الانفعالات الإنسانية الأنثوية في سياق متجدد للخصوصية، وتجلياتها الفريدة التي تقع في المسافة بين أصالة الصوت الداخلي، والنغمات الواقعية المتنوعة في لحظة الحضور؛ إذ تتجدد بكارة البدايات دائما في سياق بحث الشخصية عن هوية متعالية، ومختلفة.
وتتميز كتابة هدى توفيق في هذه المجموعة بالتجريب في الكتابة السردية؛ فالقص وسائطي بدرجة كبيرة؛ لأنه يتعلق بعالم الشخصية الداخلي، بينما تذوب المسافات بين الوعي، والواقع، ويختلط الحكي بتداعيات الأخيلة، والصور؛ فالسرد هنا تصويري، وكثيف، ويقوم على الجمع بين التداعيات الشعرية، والفجوات التي تعزز من الفاعلية التأويلية للقارئ، وأرى أن قدرة الكاتبة على تحويل العلامات، والوحدات السردية إلى نغمات، وإيحاءات تشكل معزوفة فنية فريدة للاتصال الروحي بين النص، والقارئ المحتمل؛ فالإيماءات الجمالية المتولدة عن التداعي الكثيف للسرد تتولد من حالات داخلية متنوعة، وتكوينات مجازية ذات دلالات قابلة للتجدد في الآخر المحتمل؛ ومن ثم تعكس الكتابة تفاعلية الصوت الأنثوي، وأصالته فيما وراء السياق العلاماتي.
ومن أهم التيمات الفنية في المجموعة:
أولا: العلامات المجازية للأنوثة.
ثانيا: بين صور التلاشي، واستشراف البدايات.
ثالثا: نغمات جمالية.

أولا: العلامات المجازية للأنوثة:
تتراوح إشكاليات النوع، ودلالاتها الفنية، والفكرية في قصص هدى توفيق بين البحث عن الهوية، ومسارها الإبداعي، والتجلي الجمالي لمدلول الأنوثة في بعض العلامات المجازية، ومدى تطور دلالاتها في تداعيات الكتابة، ووعي البطلة، وقدرتها على تأويل لحظة الحضور النسبية في العالم؛ مثل الماء، والغرف المغلقة، وصورة الطفلة الافتراضية، والمرآة، والرحم، والصحراء، وغيرها.
إن هذه العلامات تعيد تشكيل الهوية الداخلية للأنثى في بدائل جمالية اختلافية؛ إذ تعكس تفرد البطلة، وعزلتها، وتحققها الإبداعي الآخر في فعل الكتابة الذي يتجاوز البنية الداخلية للمرأة من داخلها؛ فالعلامات المجازية تعكس الخصوصية، وتجددها في الاحتمالات التأويلية للنص في الوقت نفسه.
وتتشكل علامات الأنوثة من الاتصالية الجمالية بين الإحساس بالتفرد في وعي، ولا وعي البطلة، والعلامات المجازية المتجاوزة لسطوة الفقدان، والغربة في السياق الواقعي للبطلة، وتبدو هذه الرؤية بوضوح في قصة (الحزن لا يجيء دفعة واحدة)؛ إذ ترصد البطلة الشقاق بين الشعور بالهوية الروحية، ولحظة التحول إلى السكون السلبي، والصمت العبثي.
تقول: 'في البدء كنت أنثوية، وبعد أن جاء الظلم، والصمت جلدني صوت الحقيقة، فصرت باردة كالليل، جافة كالصحراء، كأني كنت مسافرة بلا طريق'.
إن لحظة التحول هي لحظة فقدان جذور الهوية الممثلة في علامة (الطريق)؛ وكأن التفرد هو الأصل الذي يعتريه التلاشي المؤقت، ويلاحظ المتتبع لعلامات الكتابة في نصوص هدى توفيق أن بدائل نقص الخصوصية، أو فقدانها؛ مثل الليل، والصحراء، والصمت، وغيرها تشكل بصورة خفية نسقا جديدا للصوت الأنثوي يتجاوز حالة التحول السلبي من داخلها؛ إذ إن الكتابة الشعرية توحي ببدايات جديدة محتملة للصوت، وتستمد طاقتها من جذوره الطبيعية في اللاوعي.
وتتواتر وحدات النص بين فقدان الرجل، وصور البطلة وحيدة بين الموتى، والغجر، والبربر، واللون الأسود حتى يصدمها قطار شارد، ويلاحقها الطوفان، وتغيب دلالة الرحم عن جدران الغرفة، بينما تتأمل أشكال التحول في موجات البحر، وتتذكر لحظات الرسوب، والانتظار العبثي، ثم تتمنى طفلة صغيرة.
إن مسار فقدان الأصالة في النص يتجه في تداعيات الكتابة إلى بعث استعاري للهوية الداخلية في علامات البنت الافتراضية التي تمثل ولادة جديدة للصوت، والرحم التي تتهيأ لاستبدال الجدران الغريبة الصامتة، بينما تجسد تشكلات الأمواج عودة حلمية إلى سكون الأنوثة، واتساعها في لاوعي المتكلمة، ويستعيد فعل الحكي بحد ذاته الروح الفنية المتعالية للبطلة، والتي تناهض هيمنة الفقدان، والوحدة، والحزن.
ويتعارض الضمير الأنثوي مع الضجيج، والعبث في الواقع في قصة (الأمنية الأخيرة)؛ فالبطلة تواجه العالم من جحر؛ لأنها تشعر بالاغتراب عن هيمنة السطحية، والخواء، والعنف، والتكرار، ولكنها تواجه تلاميذها بجملة المستقبل لكم، وتتوضأ بالأمنية الأخيرة، وكأن علامة (الطهارة) هنا تمثل محو ندب العنف الواقعي، وأمنية لوجود آخر استعاري يبعث في داخلها الوهج الأول للحياة.
وتجسد الساردة تناقضات الوحدة بين تأكيد الصوت الأنثوي، وأصدائه التي تملأ فراغ الشقة، والمخاوف الداخلية المتولدة عن الأصوات الغريبة في قصة (الوجه الآخر من الوحدة)؛ فالبطلة تتوهم التهديد عند طرق عامل النظافة على الباب، ثم ينبعث صوت بكاء طفولي داخلي يجلجل المكان.
لقد تصاعدت نغمات الهوية في الاتحاد بالمكان كبديل عن خصوصية الروح، وتصاعدت معها نغمات الغربة الداخلية الممثلة في الصوت الآخر الداخلي؛ وكأن الحضور الآخر يتسم بتناقض ذاتي متجدد لا يمكن محوه، أو هيمنته على الصوت الأول في الوقت نفسه.
وتتصاعد سطوة العنف ضد البطلة في قصة (امرأة حزينة)؛ إذ تعاني من التهميش، والطرد بسبب مسألة الإنجاب، ولكن صوتها الداخلي يتفاعل مع الأشجار، والبحر وتحاول الانتصار على النبذ، والإهمال بإعادة تشكيل الذات في أخيلة الماء، وسكونه الداخلي، والتحقق الافتراضي للخصوبة القديمة.
و تظل معلقة بين الموت العبثي، والاندماج الحلمي بالأخيلة، والحركة المجازية للعناصر الكونية.
وتستعيد البطلة سؤال الهوية (من؟) في نص (نظرة في المرآة)؛ إذ تغترب عن تلك الصورة في المرآة، وتربي أبناءها، ثم تنقل المتلقي إلى رتابة اللعب في دريم بارك، وكأن تلك التأملات محاولة جديدة للبدء، والتخلص من الرتابة، وانتظار الموت.
إن البطلة تحاول استرداد الحضور الأول للمرآة، أو بعث طفولتها الاستعارية خارج منطق التكرار، والمباشرة؛ فالمرآة الأخرى هنا معلقة بقدر تأجيل سؤال الهوية نفسه.
وتتأمل الساردة مشاعر الوفاء بين الرجل، والمرأة من منظور يرتكز على النوع؛ ليتجاوزه في قصة (الجوهر)؛ فقد حزنت المرأة عقب وفاة الزوج، ثم خفت الحزن تدريجيا، وتناقش الساردة هذه الإشكالية انطلاقا من النوع، ثم تتأمل أفكار الجوهر، والخلود، والبقاء، وتعود إلى فكرة النفس، ومدى نقائها، وتعاليها عن مقولات خصوصية النوع.
ثانيا: بين صور التلاشي، واستشراف البدايات:
ترصد الساردة لحظات الانكسار، والتلاشي داخل الشخصية، وخارجها؛ كي تبرز العلاقة المعقدة بين أصالة الصوت الإنساني، ومعاناته، وقدرته على استشراف البدايات الجديدة خارج مركزية الحتميات، والتهميش، وصراع المصالح، والقوى المتعارضة في العالم، وتنحاز الساردة إلى الوجود المجرد لذلك الصوت في حزنه، وانزوائه، وولاداته الجديدة، والمتكررة.
تختلط صورة الجدة بالعالم الداخلي للبطلة في قصة (ليلة رمضانية)؛ فالبطلة تعاني من تجدد الحزن المتمثل في انكسار النظارة، ثم تقاومه باستعادة بهجة ليالي رمضان، وترسم صورة للجدة تنبع من داخل أحاسيس التهميش، والقهر، والتمرد الذاتية؛ فهي تبكي عندما تتذكر وفاة زوجها، ومعاناة المرض، ولكنها تبدو كالهرم، وتطيل الذكر، والسجود، وعقب وفاتها تشعر البطلة بالخوف، وتهديد اللصوص.
ثمة تشكيل جمالي للتلاشي، والغياب في النص؛ فالجدة تولد من أحزان البطلة، والأخيرة تتصل بأخيلة الجدة عقب وفاتها، وكأن الولادة الجديدة تلازم الغياب؛ ومن ثم تفكك مركزيته؛ فالاتصال الروحي يحتمل وهجا متجددا للبدايات، وتؤكد تداعيات الكتابة هذا التصور؛ فحجرة البطلة تشبه الزنزانة كحجرة الجدة.
إن التجدد بحد ذاته يناهض النهايات، وكأن الغياب يوحي بحياة جديدة مجازية، ومجهولة، ومعلقة في امتداد القيم الجمالية المتجاوزة للموت العبثي السريع، والغريب عن أصالة الصوت الإنساني.
وقد يعاني الصوت من التهميش، والانسحاق أمام صيرورة المصالح، والقوى في قصة (أوهام عبد الباقي)؛ فالبطل الذي توقع تهنئة بالشفاء بعد مرضه، وإحساسه بالفقدان، والمعاناة في المستشفى، يقصى إلى الأرشيف، ويبكي لرفض الوظيفة له.
إن الإحساس بالفراغ يغيب الهوية، ويبعثها من جديد في صرخة التمرد التي تجسد التطلع إلى ماوراء حتميات الواقع التي تستبق النهايات؛ فينفك حضورها المركزي من داخل قهرها للشخصية، بينما يعاين الصوت ولادته في الفراغ، وجمالياته الطيفية.
وتهيمن دلالات الغياب على البطلة من خلال مشهد الانتظار، وتكراره الدائري في قصة (ركلة الزمن)؛ فمشهد وداع الرجل ممثلا في صورة القطار، وأصدائها في الوعي يلح على الذاكرة؛ فتتصاعد نغمات الرحيل، وتتناقض مع استشراف البطلة لبدايات جديدة يتشكل فيها الصوت مستعيدا لحضوره الأول في علامات استعارية جديدة في المستقبل.
تقول: 'تووووت .. الآن أتقيأ كل الذكريات المتراكمة منذ القدم فيعاودني ألم المخاض. فلألد .. فلألد الآن .. الآن، ولتكن لي بنت تجيء من بعدي .. تووت .. قال سلام عليك'.
نغمات الانتظار تولد الغياب، والولادة الجديدة في الوقت نفسه؛ فأصداء القطار التي خلفت شعورا متجددا بالرحيل تحفز تشكل الوجود الآخر للذات ممثلا في تلك الطفلة التي تبعث صوت المرأة مرة أخرى خارج آلام الذاكرة، وحتميات الواقع؛ فالطاقة الإبداعية للغياب هنا تعزز من تكرار الحضور، وتكرار البدايات المقاومة للانتظار في تداعيات الكتابة، وإعادة تشكيلها لعالم البطلة.
ثالثا: نغمات جمالية:
تعيد الساردة تمثيل الوقائع، والانفعالات الداخلية، والرؤى الفكرية، والثقافية عن طريق الإيقاع التأويلي الجمالي الملازم للتكوين الإبداعي للعلامة نفسها؛ فثمة أخيلة، ودلالات فنية، وإيحاءات استعارية تتولد من وجود العلامة الفريد، وصيرورتها السردية في النص.
تبرز علامة النار في المشهد القصصي كنغمة تتجمع حولها دلالات الموت، والغضب، والتهميش، والتكرار، وغياب الصوت الفردي، واحتمالات صعوده في فعل تأمل النار في قصة (النار)؛ فالنص يجسد اختلاط النار بغضب مجموعة من النسوة، ثم احتراق طفل، وتكاثر الأطفال في المشهد، وعودة الكبار مرة أخرى.
النار تجسد غريزة العدوان، وزيادتها التصويرية، وتجاوزها للصوت، وللهوية الذاتية، كما تومئ بصخب الانسحاق، والغضب، والذوبان في الأداء الآلي للمجموع.
و تستعيد الساردة صور الطفولة كنغمات يتشكل منها حضورها الأنثوي المتفرد في قصة (و دقت الساعة)؛ فضحك الطفولة، وصورة الضفائر المنطلقة، وبهجة اللعب، وتناول الشيكولاتة تتعارض مع إيقاع الرحيل الممثل في علامتي القطار، والدائرة التي تفتقد المركز.
إن إيقاعات الصور تعيد تشكيل الهوية الجمالية للبطلة انطلاقا من تعقيد لحظة الحضور التي تجمع بين البهجة، وتفريغ الحلم تحت عجلات القطار.
وتستمر أسئلة الوجود، والهوية، والفقدان في قصة (ترنيمة على وتر قديم)، وأرى أن هدى توفيق قد وفقت في اختيار ذلك العنوان الذي يوحي بأن النص مجموعة إيقاعات، ونغمات جمالية تنتقل بشكل مباشر إلى حدس القارئ.
تستعيد الساردة حدث رحيل الرجل، ثم تتساءل عن هويتها ووجودها، ويتجلى الرجل وسط تبعثر للرمال، بينما يعانقها أخطبوط، وتفتقد الشمس للدفء، وتتجلى النسوة اللاتي يرتدين السواد.
إن الحدث هو ما يتولد عنه من إيقاع تصويري، وتأويلي متجدد؛ فالرجل يعاين غيابه المحتمل في تجلي علامة (الرمال)، والبطلة تحاصرها الأسئلة مثل (الأخطبوط)، وتهددها إيماءات الظلام، بينما تستشرف بداية جديدة في نغمة التعاطف الكوني مع الأشجار.


د . محمد سمير عبدالسـلام

عبدالرحيم محمد احمد
25-11-2012, 22:37
'لــيــلـــى والــثــلـــج ولــودمــيـــلا'

روايـة : كفـى الـزعبـي .


هذه الرواية والصادرة بطبعتها الثانية عن دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر في دمشق عام 2012 والواقعة في 566 صفحة تمثِّل الرواية الأهم في نتاج الروائية الأردنية كفى الزعبي وهي التي لفتت الانتباه إلى روائية متميزة ومتمكنة من أدواتها الثقافية والفكرية واللغوية وإلى مهارتها في خلق الشخصيات ورسم حواراتها وتناقضاتها وصراعاتها بواقعية عالية وعمق ثقافي وفكري مميزين.
سأتحدث عن هذه الرواية الثرية عبر إضاءات لبعض أجواء الرواية ومناخاتها وشخصياتها وتكوينهم الثقافي والفكري والسياسي والإنساني والمرحلة التاريخية القلقة التي شكَّلت الإطار الزمني للرواية ( مرحلة انهيار الإتحاد السوفييتي وتحولاته وتحولات العالم معه إلى هيمنة الرأسمالية الغربية الشرسة والمطلقة على حركة تاريخ العالم ) وكما يلي :
أوَّلاً : كانت مدينة لينينغراد وموسكو وبعض المدن الروسية الصغيرة هي المكان الذي تحرَّكت فيه معظم أحداث وشخصيات الرواية بالإضافة إلى حضور الوطن ( الأردن ) في بعض فصول الرواية، أما زمن الرواية فهو مرحلة بروز غورباتشوف كزعيم للإتحاد السوفييتي وتبنيه البيروسترويكا ( إعادة البناء ) وما تلاها من انهيار وتفكُّك الإتحاد السوفييتي.
ثانياً : ربما كان اسم الرواية ' ليلى والثلج ولودميلا ' والذي يحمل اسم شخصيتين رئيسيتين احتلتا معظم فضاء الرواية : ليلى طالبة الطب العربية والقادمة من الأردن ومن ثقافة شرقية متفتِّحة نسبياً وليست منغلقة ( فوالدها مناضل شيوعي يحلم بالتحرر والعدالة ويناضل في وطنه من أجل مستقبل أفضل لبلاده )، ولودميلا الروسية الفاتنة التي تحلم بالحياة وتمارسها بكل رعونتها وعمقها وبدون أية عُقَدٍ وبدون تكلُّف وبصدقٍ ذاتي وانسجام مع ذاتها، وبينهما برزخٌ عميقٌ من الثلج ( الجغرافيا والبيئة المختلفة عن الصحراء والتي أنجبت حضارة مختلفة ومغايرة لثقافة الصحراء )، لذلك كان من المشاهد ذات الدلالة العميقة أن الذي امتلك ليلى كان الثلج جسديا وذهنياً.
ثالثاً : هذه الرواية تبحث في الزوايا الحادة المعتمة للمرأة تحديداً في ثقافتين مختلفتين في جذورهما وفي رؤيتهما للمرأة وتبحث بوعي عميق ومؤلم وتراجيدي أحيانا في هذا البرزخ العميق الذي يفصل زمنياً بين ثقافتين تتجاوران مكانياً وإنسانياً.
وربما كانت المقولة الأكثر بروزاً كمكوِّن تراجيدي وتاريخي لهذه الرواية وعبر شخصياتها الفاعلة هي المرأة الشرقية واضطهادها وعبوديتها ونقصها وضعفها وتمردها وقمع حاجاتها الانسانية وحقوقها، في مقابل المرأة الغربية بتحررها وانطلاقها وامتلاك ذاتها كيف واجهت فتاة عربية بهذا الإرث الثقيل هذا التناقض التاريخي والثقافي الكبير والقاسي وكيف تعاملت معه ؟
رابعاً : هذه الرواية ذات لغة رشيقة ومشرقة وعالية المستوى ودخلت بكل احتراف ووعي لمكنونات ودوافع الشخصيات الدفينة والعميقة ( الآنيَّة والثقافية والحضارية والتاريخية الجمعية والشخصية ).
خامساً : تم بناء الرواية عبر فصول تحمل أسماء الشخصيات المحورية ومن خلال راوٍ مستقلٍّ ومُطلٍّ وفي كل فصل كان يتم تقصي الشخصيَّة التي تحمل اسم الفصل وقراءة سلوكها ومواقفها وتقاطعاتها وتناقضاتها وصراعاتها مع ذاتها داخلياً ومع الشخصيات المرتبطة بها عبر مونولوجات وحوارات داخلية وخارجية كان من خلالها يتم قراءة فضاءات وتكوين وتناقضات هذه الشخصيات.
سادساً : المحور الأهم في هذه الرواية هو( المرأة الجنس ) وتراجيديا حقها في امتلاك قرارها المتعلِّق بذاتها ومستقبلها وجسدها وعلاقاتها بعيداً عن تابوهات تمَّ تقديسها ( لا تقديساً دينيَّاً بل تقديساً فقهيَّاً توقَّف عند لحظة تاريخيَّةٍ قديمة ولم يتقدَّم بعدها ).
وكانت مقولة الجنس كمُحرَّم هي الحدث الأكثر بروزاً في صراعات وتناقضات شخصيات هذه الرواية ومثَّلها بعمق عالي صراعات ليلى الداخلية بين عالمها المحافظ ووعيها الذي يتفجَّر في صراعه وتناقضه واقترابه وابتعاده عن الحريَّة الغربية والتي تمارسها لودميلا الروسية كنموذج لهذه الحريَّة.
المرأة الشرقيَّة كمكوِّن أساسي في المجتمع العربي وعبوديتها واستعبادها وقمع الروح المتفجِّرة في داخلها ومنعها من ممارسة حياتها واختياراتها ومستقبلها ورعاية جسدها ضمن منظومة حرَّة وليس عبودية كان الهاجس الأكثر إلحاحاً في رصد وفهم سلوك وتناقضات ليلى كشخصية محورية لهذه الرواية.
في مقابل ذلك كان هناك نقدٌ شديد ( شرقي وغربي : مثَّله رفض اندري الروسي للجنس الجماعي والتهتك والإباحية ومثَّله رفض ليلى لهذا الجنس البهيمي والحيواني )، هذا الجنس الذي انتشر بعد انهيار الاتحاد السوفييتي وكانت تقوده المافيات الروسية والروس الجُدد ولصوص الثروة الجُدد ومثَّله في الرواية فكتور وزوجة اندري الصحفية وأصدقاؤها ومثَّلته أيضاً ببهيمية مقزِّزة غالينا زوجة رشيد.
وهذا النقد المشترك لبهيمية الجنس الجماعي والإباحي وان الحق للرجل والمرأة فيه بعيداً عن البهيمية والتوحش والغريزية المنفلتة بل هو دعوة أن يكون سامياً وإنسانياً وراقياً، وربما كان المشهد بين رشيد وليلى وتفسيرها الراقي لذلك الجنس الروحي الممزوج بالحب والشفقة والخوف الانساني على الآخر واحداً من الصيغ التي تؤشِّر إلى الاحترام العالي للممارسة الجنسية عبر الحرية الشخصية المسئولة والواعية والإنسانية وليس عبر البهيمية المتوحشة والتي تُفرِّغ الروح الإنسانية الراقية وتسكب مكانها وحشاً جنسيَّاً أهوج.
سابعاً : سقوط الحلم الاشتراكي ورصد بدايات الانهيار في هذا الحلم الإنساني ورصد انهيار القيم وانتشار الفساد والمافيات واللصوصية والدعارة والثروات الطارئة والملوَّثة في نسيج الحياة الروسية بعد الانهيار الكبير والسريع كان بارزاً بحزنٍ شديدٍ عَكَسَ انهيار حلمٍ إنسانيٍّ كبيرٍ لم يرتبط بروسيا والاتحاد السوفييتي فقط بل ارتبطت به أحلام شعوبٍ كثيرةٍ مقهورةٍ، وارتبطت به أحلامٌ فرديَّةٌ لأشخاص كان هذا الانهيار انهيارا لأحلامهم الشخصية الصغيرة، فرشيد مثلاً وعبر تحوُّلاته من مناضل شيوعي ومسئول للطلبة في لينينغراد والمثقف الثوري انساق مع تحوُّلات المجتمع الروسي الكارثية وعمل بالتجارة الصاعدة وأصبح ثريَّاً ولكنه لم يستطع احتمال انكسار أحلامه الكبيرة والصغيرة مما أدى إلى انتحاره التراجيدي كنموذج لموت وسقوط جيل في اليأس والضياع.
ثامناً : الشخصيات الروسية التي بكت أحلامها ووعت حجم الدمار والخراب في المجتمع الروسي نتيجة للبروسترويكا كان حضورها تراجيدياً وقاسياً ( كأنَّك تقرأ شخصيات من التراجيديات اليونانية الكبرى ) : فمكسيم نيكولايفيتش الاستاذ الجامعي وتحوَّلات زوجته المتصابية لاريسا، وأندرية باراسيفيتش الطبيب الناجح والأخصائي ومعلم أندري الذي طُرد من عمله ليتشرَّد ويتسوَّل ، وكبيرة الأطباء وصديقة أندري وموتها المفاجيء لعدم توفر الدواء والمال ووسيلة نقلها للمستشفى وهي الشيوعية المخلصة والمتفانية في عملها وحبها لوطنها، والدة الكسي صديق أندري والذي قتلته المافيا والتي أصبحت متسوِّلة في محطات القطارات هذه بعضٌ من نماذج الانهيارات التي شكَّلت مكوِّناً من أبرز مكوِّنات هذه الرواية ومقولاتها.
تاسعاً : في المقابل انكسرت أحلام رشيد وليلى ووالدها وكل الحالمين والثوريين العرب الذين آمنوا بالحُلم الكبير، فرشيد لم يستطع التأقلم والاحتمال فانتحر، ووالد ليلى الذي شكَّل حضوره الرمزي محوراً هاماً من محاور صراعات ليلى الداخلية بين التقاليد واحترام هذا الأب المناضل الشيوعي الذي سُجن وثبت على مبادئه والذي أصبح يصلي ويقود صلوات الاستسقاء الشعبية والذي يبكي سِرَّاً وتبكي ليلى عليه ومعه وتشفق عليه وعلى حالها كأنها واحدة من نساء سوفوكليس في تراجيدياته الكبرى.
في إحدى حواراتها الداخلية تسأل ليلى سؤالها القاسي والعميق : لا أعلم أيُّنا الضحية أنا أم أبي ؟ هذا السؤال الهام والمحوري والذي يدلُّ على عمق استيعابها للإشكالية التي تناقشها في حوارها مع ذاتها وتقاليدها وثقافتها وثقافة وتقاليد المجتمع الروسي الذي ينتمي اليه الرجل الذي أحبته : أندري .
عاشراً : ليلى في هذه الرواية تمثِّل البنت والفتاة والمرأة الشرقية المثقفة والواعية والمتعلِّمة والتي أصبحت طبيبة وعاشت في مجتمع روسي غربيِّ الثقافة وتحاورت معه وتصارعت معه وقاومته وأخذت منه وأعطته وعشقت طبيباً روسيَّاً بكل كيانها الإنساني ' أندري ' ورفضته سنوات طويلة أقامت خلالها بعض العلاقات الإنسانية العابرة مع ايجور وجينيا الرسام ثم مع رشيد في لحظةٍ إنسانيَّةٍ صاعقةٍ استطاعت الرواية وصفها بأدقِّ تفاصيلِ عذاب وتناقضاتِ المشاعر الإنسانيَّة والوطنية والقومية بدقةٍ وصفاءٍ عاليين.
حادي عشر : هذه الرواية والتي صوَّرت انهيارات الشخصية الروسية بنفس القدر الذي صوَّرت ورصدت انهيارات الطلاب والمثقفين والثوريين العرب وربما صوَّرت بطريقة غير مباشرة هشاشة هؤلاء الثوريين العرب الذين وضعوا حلمهم في سلَّة الحلم الروسي ولم يعملوا على تطوير قواهم الذاتية وربما كانت تشير إلى أن الشيوعية والتقدمية العربية كانت قشرة فارغة ونسخ لنموذج لم يتجذَّر في ثقافة من حملوه وكانوا في تكوينهم يحملون جينات فكر تقليدي غير قادر على بناء مشروع نهضوي مستقل.
ثاني عشر : حملت الرواية كثيراً من المقاطع الشعرية لشعراء روس كبوشكين ومايكوفسكي وحملت بعض الأغاني الشعبية الروسية بنوعٍ من الحنين والتذكار لذلك العالم النقيِّ الذي قاد الثقافة الروسية التي تنهار أمام الجميع بسرعةٍ خرافيَّةٍ وبدون قدرة على إيقاف هذا الانهيار أو استيعاب محرِّكاته الشيطانية ومن المشاهد القاسية ذات الدلالة وقوف تمثال بوشكين الذي كان يحتل قلب مقهى ومطعم الأدباء والمثقفين على باب المطعم السياحي الذي حلَّ محله كنادل وجرسون وسلعة للترويج.
هذه الرواية تستحق أن تُقرأ وتُناقش وتُحلَّل لولوجها تابوهات شرقيَّة مقدَّسة برؤية إنسانية عميقة وجريئة ولتصويرها ذلك اللقاء القاسي والتراجيدي بين حضارتين وثقافتين مختلفتين في جذورهما وبحثها عن الخطاب الإنساني العميق والذي يشكِّل نقطة لقاء حقيقية بين كل ثقافات الشُّعوب بشرقها وغربها.
كفى الزعبي في روايتها هذه كانت تُصوِّر بصدق ووعي عميق تناقضات هذا التخلُّف الذي تعيشه مجتمعاتنا العربية وعدم قدرتها على مواكبة الحضارة الإنسانية وعدم قدرتها على ولوج العصر سياسيَّاً واقتصاديَّاً وإنسانيَّاً وأشَّرت إلى مُحرِّكات ومُغذِّيات هذا التخلّف وبيَّنت أن تحرُّر المرأة العربية روحاً وجسداً ووقوفها ككائن إنساني كامل الأهلية هو المفتاح الأهم في التحرُّر الوطني والقومي والمدخل الحقيقي للمشاركة في بناء حضارة شرقيَّة إنسانيَّة متميَّزة عن الحضارة الغربية وغير تابعة لها وهي أيضاً المدخل لنقل الإنسان العربي الذي ما زال يرزح نحت نير تاريخٍ هائلٍ من التخلُّف والعبودية والجهل والذكورية الهوجاء والناقصة والهشَّة والتي تقضم زمانه وجغرافيته وتعمل على إخراجه كليَّاً من التاريخ والجغرافيا البشريّة برمَّتها.



مهدي نصيـر .

عبدالرحيم محمد احمد
30-11-2012, 19:12
ســـــرمــــــدة


روايـة : فادي عـزام



في روايته سرمدة سيغرقنا الروائي السوري فادي عزام منذ البداية بلذة الانتهاك، بما هو نص أيروتيكي مشبع بإشراق الرغبة وتجلياتها المنبثة في شتات وفوضى معنوية، ولأنه كذلك فهو وحده القادر على رفع الحجب التطهرية عن تداخل مجنون للأشياء والعوالم والنزوات. وبما أننا سنتبع السرد بمراحله ولبناته الأساسية نحو اكتمال وشيك لعالم مواز، فسيبدو النص كاشفا بحق بقدر ما للغة من قدرة على التعرية.
لا يكتمل المعنى ولا يأخذ التأويل مداه إلا في سياق ايكولوجي، حيث المكان يتداخل مع الزمان لينتج 'سرمدة'.. والعلامة هي الصخور: سكونية وثبات متحجر، كما أن كل لحظة في الامتداد الزمني هي ديمومة مكثفة، نفي للزمن، كل شيء فيه كل شيء وكل لحظة هي الدهر، الأشياء إذن صور، فالحركة داما ما تؤول إلى سكون، والصوت إلى كلمة أو تعليق لغوي، والحياة إلى حجر، والتاريخ إلى لا تاريخ. نلمس هنا اتصالا ووحدة معنوية لوقائع منفصلة، وقائع تشترك في غاية استشكالية للوجود برمته، فهي متولدة عن القلق ومنتجه له في آن معا، وإن كان من المحال الإفصاح عن قصدية محددة ونهائية للمقول في ما وراء السرد، فإن لفادي عزام هنا حاسة نقدية متأججة، حيث نراه يفرغ ما في جعبته من سهام نقدية ضد الصورة/ التصور/ الواقع بوصفها إمعانا في تزييف، وسقوط متكرر في أدلجة، فالعقل ذاته لا زال موضع تساؤل.
فادي عزام يستبطن الحقيقة في روايته على صورة امرأة خارجة على الشرف، في انتقال نجده متكررا في النص من الجسد إلى الروح، من المحسوس إلى المجرد، فهو يقودنا دائما من انكسارات الواقع الاجتماعي نحو تجريدات تمارس اشتغالها في ميدان ميتافيزيقي، الحقيقة/ المرأة التي هي كائن لا أخلاقي وذات طبيعة متمردة عصية على القانون وضد الخضوع لوصاية متعالية تمثل في سيرورتها نقيضا للسلطة، إنها ممارسة دائمة في الانتهاك، الخروج على الشرعية، على الشرف، التقوى، المثال/ النموذج، وهي بالتالي عبور، وتحقيق دائم للحياة وقد تخففت من كل أشكال العبودية واليقين. وكما أن المرأة مزاجية بالطبع إذ لا تثبت على حال فإن الحقيقة هي كذلك متلوته 'تغير أثوابها دائما مثل كل سيدة' كما يقول فيلسوف معاصر، هذا التبدل الهرقليطي لا يبدو منسجما مع البيئة الصخرية للمكان، وهي المفارقة التي يضج بها جسد النص، فالمكان والمجتمع الذي يمثل مسرحا للرواية تفوح منه رائحة الموت، ولكن وراء ذلك تبدو الأشياء كما لو كانت هيولى لا تميز بين الجسد ونزواته وفسقه وبين الروح وسكونها وطمأنينتها، الذوات والأدوار والوظائف تتداخل و'تتعانق' في حركة صاخبة، فالمومس قديسة تعالج سقم الروح قبل أن تروي عطش الجسد، و'بلخير' تلك الشخصية الغامضة والذي أسلم ذاته لغواية الكلمة ومجون اللغة كشف الواقع بسحره الفتان مثل فيزيائي حائر بين إخلاصه لنيوتن واتباعه لانشتاين، ثم كشف الحقيقة فأزاحها نحو عراء الروح والجسد وطهرها من مجون الكاهن وخزعبلات المذاهب والأيديولوجيات، وبما أن المكان ليس سوى 'زمن يسيل' والتاريخ ليس سوى تعبير عقلاني للفكرة الدرزية عن عقيدة التقمص، أو تناسخ الأرواح، فإن 'سرمدة' التي تعج ببيوت صخرية هي التاريخ حين يترجم ذاته إلى صورة أو مكان...
ولكن إذا ما اتبعنا العادة في التصنيف الأدبي فكيف سيبدو هذا النص؟ هل هو أيروتيكي أم رمزي أم غنوصي أم تاريخي يوثق لتأريخ 'سرمدة' وحاضرها لكي يستشرف مستقبلها؟ ليس هذا ولا ذاك، النص من ناحية المضمون والمحتوى إن لم يكن الشكل حداثي بامتياز، إنه رغم صغر حجمه جدير بأن يتسم بها جميعا، فهو أيروتيكي يثير الشهوة ويتسامى بها نحو قصدية جمالية ومعالجة أدبية، وهو غنوصي بتخمة رمزية عالية وهو أيضا واقعي يعرض لتاريخ 'سرمدة' تلك البلدة الجبلية التي يكتنفها الألم والفرح، الحزن والبهجة، العادة /العقل والجنون. البلدة الحائرة بين عزة البرفسورة في الفيزياء والتي تتحدث عن انشتاين مثل عقلانية باردة وعزة ذاتها التي تؤمن بالتقمص وتناسخ الأرواح مثل مؤمنة ساذجة واثقة بمعتقداتها الدينية.
عزة هذه تقدمها الرواية كامرأة باريسية تقمصت روح امرأة راحت ضحية جريمة شرف، وكما أن الزمن في سرمدة يتخذ شكلا دائريا أو لولبيا فإن المكان أو الواقع الاجتماعي يمثل صورة مصغرة لواقع معقد ومتشابك ولكنه أيضا يمثل حنينا رومانسيا لتعددية مرجوة هادئة ووادعة، فماضي البلدة يستعيد ذاته كجنة مفقودة في ظل الاحتراب وضجيج القنابل في الحاضر السوري، ذلك الحاضر الملوث بصراعات طائفية بغيضة والذي يمثل صورة نقيضة لسرمدة، البلدة التي جمعت في سديمها الثقافي بين الدرزي والمسيحي والمسلم، بين الشيخ والخوري وفريدة المنكوبة والمتهتكة والساخطة على التاريخ والعادة، سرمدة التي استحضرت روح ذلك الهارب دائما، المتفجر بالنور، آرثر رامبو، الشاعر الفرنسي الذي تمرد على اللغة وسافح الكلمات، في عودة واستعانة واضحة بالشرق، إنه التناسخ والعود الأبدي للتاريخ.
ثلاثة فصول في الرواية: عزة، فريدة، بثينة، ثلاثة عوالم أو وجوه لعالم واحد تكشفه المرأة وتصنع أحداثه، إنه نفسه الثالوث المؤرق 'السياسة- الدين الجنس'، ثالوث تفضحه المرأة التي هي أيضا مرآة تكشف الإتصال وتزيل وهم التغاير، عزة، فريدة، بثينة، تجليات لوجود متمازج ومتداخل حد الجنون، ومع أن الراوي/السلطة رجل يستحضر عنفوان الذكورة، أو هكذا يبدو كانتقام للدور الذي كان يلعبه شهريار، إلا أن ثمة أنثى تتجلى هنا كخالق مبدع يقود الرواية وينسج خيوط حبكتها، هي شهرزاد وهي ألف ليلة وليلة، الحاكي والحكاية معا، هي فريدة أو عزة وهي سرمدة ذاتها، المدينة التي فقدت عذريتها وتلطخت بعار انتهاك الشرف، لأن سرمدة ذلك المكان القابع تحت وطأة الزمن اللامتناهي هي عزة الفيزيائية التي تقمصت روح فتاة سرمدية.
تسرد الرواية إذن رؤيتها الكونية من خلال الجسد، فالعالم هو المبدع وهو المرأة، والمتعالي ليس سوى متطفل يتلصص على تضاريس جسدها المتفجر رغبة ونزوة، إذ ينظر عبر ثقب أحدثه من وراء التاريخ، وبكل اشتهاء يحدق، تماما مثلما فعل 'بلخير' حين أراد التمرغ فوق غابة الجسد المكتنز لـ'بثينة' والسوح في متاهات أقصى متعة تتيحها لذة محرمة 'فالجسد كنز للتبذير' كما يقول رامبو المرجع الروحي لبلخير. وما دمنا نتموضع في إطار هرمونطيقي بوسعه أن يتحلل من نسقية القراءة المنهجية، فإن لنا أن نقيم تمايزا بين نموذجين تتراوح بينهما الدلالة، فليست 'عزة' المتعلمة وأستاذة الفيزياء في جامعة السوربون القابعة بعيدا في باريس، بل نقيضها التاريخي وقرينتها في الروح، 'هيلا منصور' المقتولة بجريمة الحب والقبلة الآثمة هي وحدها القادرة على تمثل اللغة الغنوصية الممتزجة في تنافر ظاهري صارخ بأيروتيكية متمردة، إن 'هيلا منصور' السرمدية لا 'عزة الباريسية' هي النبية التي تبشر في هذا السفر الجليل بعودة متجاوزة للشرق، حيث تأخذ عقيدة التقمص طاقتها الكشفية بأجلى وأجمل صورة لسبر العالم ومعرفة أسرار التاريخ، يقول فادي عزام في لحظة اشراق متهتك: وما فكرة المستقبل إلا تاريخ تم إنجازه!


نذيـر الماجـد

عبدالرحيم محمد احمد
01-12-2012, 10:05
'ســـنـــوات الـــنـــار'

رواية : احمـد الزبيـدي .


يواصل الروائي أحمد الزبيدي في روايته الثانية الصادرة حديثا عن دار الفارابي، النبش في الماضي وكشف أسراره وفضح تلك المرحلة بما حملته من شخوص وأحداث، فبين الواقعة والأخرى يكشف الزبيدي المسكوت عنه ويحطم جدران المحظورات ويقول ما لا يُسمح بتداوله في العلن، وكأنه يغوص في سرائر الناس الذين فضلوا السكوت والتغاضي عما حدث، يقول أحمد الزبيدي ما لا يمكن أن يقوله الآخرون، لا لأنه يتمنى ذلك، ولكن لأنه لم يجد أحدا من رفاقه يكتب عن تجربة النضال الشعبي الذي خاضه الشعب العُماني سواء في الداخل أو عبر الهجرة إلى دول النفط.
تنفرد كتابات أحمد الزبيدي بخصائص سردية رائعة ومميزات فنية، قلما نجد لها مثيلا في الرواية الخليجية، وفي 'سنوات النار' يقول الزبيدي كل شيء عن كل شيء عن المجتمع وعن الأنظمة وعن البشر وعن الشجر وحتى الحجر، عن المستعمر وعن مدن الخليج الزجاجية التي فرختها عائدات النفط على ساحل الخليج العربي، مدن لا وجه لها ولا رائحة سوى القطران وألوان السخام، مدنا تغيرت وغيرت معها ساكنيها بعدما تدخل الرجل الإنجليزي، الذي يتمظهر في أشكال التغيير في أكثر من مرة، إما بتغيير الحكام بواسطة الانقلابات البيضاء، أو بتغيير التركيبة السكانية في الخليج عن طريق استقدامه لسكان آخرين من آسيا ومن الجوار الفارسي، وهو ما يقوله الباحث عبد الملك خلف التميمي في كتابه (الاستيطان الأجنبي في الوطن العربي) 'كانت السياسة البريطانية تشجع الهجرة الأجنبية إلى الساحل العربي، خاصة الساحل العُمانـي'.
تتخذ الرواية مدينة الخرابات على شاطئ بحر العرب مسرحا لها، ثم تمر عبر الجبال المحيطة بالمدينة، وبعد ذلك تتسع الأحداث إلى مدن الخليج أو 'البالوعات' النفطية كما يصفها الراوي، وإلى دمشق وبيروت وعدن وإلى جبال عُمان الداخل وضلكوت.
يبدأ الروائي بإفناء أبطاله بطرق وحشية، بين اختفاء في البحر كما فعلت أم السعد، التي 'بدت في غاية الجمال وهي تلقي بجدائلها السوداء خلفها، وكان جسدها العاري يضيء كفانوس ألقى به من طرف المحيط بحار محب نحو اللُّجة الودود حيث تلاشت أم السّعد في اليَمِّ ولم يعد أحدٌ يعلم أين تلاشت' وبين قتل الأب لأبنه حامد ثم قتل الأب نفسه، ولم يكن فائل مبروك الزين أكثر حظا من سابقيه حيث وجد جثمانه يطفو على سطح بحيرة الخور، و'ثمة ابتسامة حزينة ارتسمت حول شفتيه، بيد أن الشرارة التي طالما برقت من عينيه لم ينطفئ وهجها في ذاكرة رفاقه' أما عريف الشرطة فقد قتله سامر انتقاما لرفيقه حامد، وخرّ يعقوب عريف الشرطة صريعاً يتخبط في بركة من دمائه، وقد أُعْدِمَ سامر لاحقا على عجل، ودون أن يراه أحد، أُعدم من دون محاكمة، بينما أُحرِقت سعدية العمياء في مشهد انتقامي بالغ القسوة قرب السوق، على يد لواء الشرطة، الذي قُتل لاحقا في عراك مع مراهقين بحيِّ (مانديلا)، أما المناضلة نصرة كتيبة فقد لفظت أنفاسها على أيدي المخابرات السورية، وهي تضع مولودتها سلامة .
المدن الهجينة والولادة غير الشرعية:
قليلة هي الكتابات التي رصدت التحول الذي طرأ على الحياة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية في الخليج، بعد اكتشاف النفط، وهي ظواهر كان من الممكن رصدها في ميدان علم الاجتماع، لكن بما أن الرواية قد سمحت لنفسها أن تسع كل مجالات الحياة، فإن رواية سنوات النار تكشف أوجه الحياة المعاشة في مدن الخليج قبل وبعد اكتشاف النفط، وبين القبل والبعد تبرز ظواهر الحداثة التي تبرأت من قيم العروبة ومن روح البداوة، ووهبت نفسها لمن يدفع بالدولار ولأناس يستمتعون بها لحظات ثم يدعونها للحرارة الساخنة والرياح الشمالية، وحين حملت القرى الساحلية في الخليج بعد أن واقعها النفط، أنجبت مدنا يشعر ساكنيها بالاغتراب في بيوتها، ولم يكن التطور فألا حسنا على السكان الأصليين الذي شيدوا القرى على ساحل الخليج، وهنا يقول الراوي في سنوات النار ' في سنين قليلة اختفت دبي القرية، وبرزت المدينة، ورحل الماضي بأفراحه وأتراحه، بمظالمه وحكاياته الشيقة، وحكايات البحر والغوص واللؤلؤ، وجاء الحاضر 'المدينة' سيلاً جارفاً، مُدمِّراً ومتعالياً وبلا قلب، وتبدَّى الضابط السياسي الإنجليزي هذه المرة بالنصل والسكين: في الرأسمالية المتوحشة، في السفلس والكاكاو ، والعربات الفاخرة'، ودبي المدينة والإمارة لم تفلت من أيدي الراوي دون أن يوسمها بخاتم الحقيقة، 'ففي طريق البوم إلى دبي قرأ سليمان هموم الدنيا في عيني مبروك فحادثه:
دبي هذه إمارة عُمانية مفتوحة'.
صور المدن المتحولة بفعل الذهب الأسود تتكرر مرة أخرى في الكويت 'ماضي الكويت لم يكن معيباً؛ هذه القرية الصغيرة النائمة على سرير الشمس وعباءة الرمال أمُّها 'البصرة' وحبيبها البحر؛ تأتي إليه لتغتسل من وعثاء الرِّمال. وتستريح من سرير الشمس في إجازة على سرير البحر يداعبها كلما حنَّ إلى أغاني بحارتها وأهازيجهم الحزينة، ولم تعد الكويت تلك 'القرية' الأنيقة، ها هي الآن 'دولة' شأنها شأن 'كيانات' أخرى في قطر والبحرين وساحل عُمان، سال النفط، فتدفق معه البترودولار والذهب الأحمر، وجاءت الجموع من محيط الفقر في آسيا والعراق وإيران، جاءت ومعها صعوباتها وأديانها ومذاهبها وقومياتها تُلهِبُها أحلام الذهب والثراء السهل والغنى الفاحش، ماتت الكويت 'القرية' الغافية في حضن أمها البصرة، ماتت الكويت دون أن يضع عشاقها ريحانة على قبرها، ماتت دون أن يوسدها في لحدها أبناؤها المُحبّون، فالجميع كان في عجلة من أمره، لكأنهم شربوا جميعاً من نهر الجنون، وها هي كويت أُخرى تولد على عجالة أيضاً، كويت لا ماضيَ لها ولا حاضر، كويت محتالة، ومرابية، متكبرة، ومغرورة، ينخر جسدَها المُبتذَلَ الفسادُ، ويسكن حمرةَ خدِّها المصطنعةَ البدوُ، البدوُ الجدد؛ليسوا بدواً؛ إنهم حثالة، أُناس يسكنهم الجشع، وتسيطر عليهم الشهوات وخيلاء الثروة، بدو لم يبق لهم من مروءات البدو وتقاليدهم سوى العباءة والعقال الذي أراده الرجل الإنجليزي رمزاً لسلطة ما، سلطة تذكرهم بالقيود والحدود، وأن مصيرهم وأمرهم ومنتهاهم بيد الرجل الإنجليزي الماسك برسن فرسهم الجامح النَّزق.
الرجل الإنجليزي في الكويت قال لصاحبه في الخرابات:
هنا في الكويت يتعلم البدو يوماً بعد يوم أن كل شيء قابل للشراء والبيع، العلم الوطن، النشيد، التاريخ، الجيوش، الملوك، الرؤساء، النساء، كل شيء، كل شيء.
يجد القارئ في رواية (سنوات النار) عوالم وبيئات متداخلة وشعارات مرفوعة براقة ثم اختفت وأحرقتها الحقيقة، ولم تكن تلك الشعارات إلا سلالم للصعود إلى كراسي السلطة التي تقاتل حولها الكثيرين وماتوا من أجلها، فيقول سليمان المعمري لصديقه فائل مبروك 'كنت في الناصرية فخرجت منها للبعث... والآن أود لو ألقيت بالاثنين معاً خلفي' وهي الشعارات التي رفعت أيضا في دمشق وعُلّقت في كل زاوية واحتلت الساحات والمباني:
'إلى الأبد... إلى الأبد...
يا حارس البلد...'.
و:
'الأسد رئيسنا
إلى الأبد...'.
نفط الخليج وآثاره على فقراء عُمان واليمن وفلسطين:
نجد في سنوات النار حديثا عن ذكريات الهجرة إلى الكويت، وإذا كان الروائي الفلسطيني غسان كنفاني قد ذكر في روايته (رجال في الشمس)، بعضا من فصول المعاناة ودروب الخطر التي يتعرض لها بعض الحالمين بالثروة والمال في الكويت، حيث توفي ثلاثة من المهاجرين الفلسطينيين في خزان صهريج الذي يقوده (أبو الخيزران) على الحدود العراقية الكويتية، فإن مبروك الزين يهاجر متخفيا في مركب البوم في طريقه إلى الكويت، ويشبه مبروك الزين، محمد علي أكبر بطل قصة (موت السرير رقم 12) للروائي غسان كنفاني أيضا، وبالمناسبة يعد محمد علي أكبر القادم من مدينة دباء العمانية، الشخصية الوحيدة غير الفلسطينية في كتابات غسان كنفاني، الذي يقول في إهدائه للقصة (موت السرير 12)' ولا بد أيضا، ولو بدا ذلك غريبا بعض الشيء، أرسل عزائي إلى العائلة المجهولة التي فجعت بموت ابنها 'محمد علي أكبر' الذي مات بعيدا وحيدا، غريبا على السرير رقم 12، وهو ينزف عرقا نبيلا في سبيل لقمة شريفة'.
في سنوات النار نجد بعضا من تلك المعاناة التي عاشها العمانيون واليمنيون والفلسطينيون 'أشرفت الرحلة على الانتهاء، ولاح ميناء الكويت العتيد، رست السفينة، وجاء رجال الشرطة الكويتيون، داسوا على المرضى، شتموا العُمانيين واليمنيين والفلسطينيين، ... دخل بعض الركاب العمانيين واليمنيين الفردوس النفطي، وأُعيد أغلبهم جثثاً يلقى بها على قارعة بحر الخليج الكبير'.
زج بمبروك الزين في 'الكرنتينا'، وهناك شاهد كم هو الإنسان رخيص وأمام عينيه مرت جثامين الموتى خيطاً من الدم ينسل من شعارات القوى الإمبريالية العظمى، حيث تُلقى هذه الجثامين في أخدود، وتأتي الجرَّافات في الظلام لتسوِّي معالم الجريمة، حتى إذا ما أشرقت الشمس اصطفَّت الناقلات الضخمة تَعُبُّ النفط، وجاء الشعراء والصحافيون والرؤساء والوزراء العرب والنصابون والمغامرون والقوَّادون يقبضون 'عطاياهم'، ثم ينطلقون كلٌّ وفق مهنته وقدرته يعربون عن ولائهم، ويكيلون المديح العاطر لـ'دار العزِّ والشَّهامة'، دار سيِّدنا 'الأمير'.
تأتي رواية سنوات النار التي انتهى مؤلفها من كتابتها في مايو 2009، حاملة معها بشرى بمستقبل أفضل ، مستقبل تقوم الشعوب بمسك زمام المبادرة لتحرر من القمع والاستبداد والقهر والظلم، ولكن دروب التحرير ليست مفروشة بالورد وبالياسمين، بل بالدماء والنار والموت.

عبدالرحيم محمد احمد
12-12-2012, 20:33
البـــوح الـعــــاري

روايـة : ابراهيم الحجـري .


يحاور الكاتب إبراهيم الحجري العالم من حوله حواراً شاقاً في روايته "البوح العاري"، حيث يمعن في النفاذ إلى باطن الذات والتغلغل إلى أعمق أعماق النفس في مجتمعات لم تتعود الإفصاح عن مشاعرها، للكشف عن تناقضات الواقع وتحولات القيم وعن العديد من الظواهر الاجتماعية التي لا تفقد دلالاتها وقابليتها للتأويل سياسياً، لكنه بالتأكيد يذهب إلى ما هو أبعد فينزع إلى المتنوع والمتبدل مصرحاً بمعاني الحياة ووجوهها، فتجعلنا الرواية أشد استعداداً لتقبل الأشياء غير القاطعة ولرفض المنظور الذي يعتمد على اختزال الحياة في اللونين الأبيض والأسود.
أقام الكاتب روايته على أربع رواة – إضافة إلى الكاتب الفعلي للرواية – يتناوبون السرد فيما بينهم دون اقتطاع مبتسر أو توقف متعسف نظراً لعناية الكاتب بدرجة تجانس النص وتماسكه، ما أعطى الرواية صياغات متقاطعة ومتوازية من دون أن تخل تعددية الأصوات بوحدة الرواية أو بمرحلية المواقف المكونة للنص، وإنما أضافت إلى البنية الكتابية المتسقة معنى متعدد المستويات حيث تتمتع كل شخصية باستقلاليتها ونفوذها المعنوي من خلال المكاشفة والاعتراف بالأفكار التي تتخلق بأعماقها.
تبدأ الرواية مبكراً ومباشرة بالتعريف بشخوصها وبفضائها الضيق، فيلتقط القارئ خيوط السرد منذ اللحظة الأولى حيث نقرأ في أولى فقراتها:
" أربعة كانوا، لاقتهم الصدفة على متن حافلة مجنونة تتمرد على كل الطرقات، حتى أن السفر على متنها تحول إلى همٍّ مقيم مثلما يقف شبح الداء عائقاً في حلق الإنسان.. جاؤوا من بقاع متباعدة، تدفعهم رؤاهم وتميز بينهم سحنتاهم.. لكلٍّ لهجته وإن توحدت همومهـــم ومطامحهم.. جمعت بينهم راحات الطريق الوعرة بين الأدغال والقفــار، ويسَّر الوعثاء توتر أفكارهم واضطرابها.. كانوا يعرفون أنهم ربما لن يروا بعضهم البعض كما لم يكونوا يحلمون بالتقاء أنفاسهم وسط هذا الفضاء الصغير بين خمس وعشرين راكبا. طبعا لم يكونوا أطفالا.. ولم يكونوا لوحدهم في الحافلة.. لكن سلوكاتهم مميزة، تجعلهم نماذج تصنع الحدث تلو الحدث، كأنما هم الذين يؤججون الحركة ويزيدون اشتعالها.. لم يكن سفرهم هذا الأول من نوعه، لكنه كان سفرا متفردا أنساهم كل الرحلات، أنساهم أنفسهم جعلهم يحسون بلذة ولادة جديدة بعد الإفلات من مماتات عدة.. ثلاثة رجال وامرأة، المحجوب الصويري، صالح الوهراني، حيدة الطرابلسي ومنانة التي أرادت أن ينادوها هكذا حافية دون لقب عكس الآخرين الذين يكنون بأسماء مدنهم وبلداتهم.. كل منهم يحمل ملامح غضب دفين تجعل وجوههم تطفح بأشياء غريبة تُنَبِّه في مخاطبهم أحاسيس غامضة ".
هكذا نشعر بأن هناك ثمة تراجيديا صامتة ونعرف أن تلك الشخصيات التي لا تزال مجهولة بالنسبة إلينا لها آلامها وأن صمتها يخفي الكثير. في تلك الرحلة الواضحة/الغامضة التي يعرف القارئ موقع انطلاقها ولا يعرف شيئاً عما ستصل إليه وإلام ستنتهي أقلت حافلة "الحجري" مسافرين لم يلتق أحدهم بالآخر من قبل فإذا بهم يشكلون عالماً جديداً من العلاقات فتنفتح رحلة كل منهم على رحلة أخرى .... وما هي إلا صفحات قليلة حتى يتدفق البوح دون كبح فنكتشف كدر العالم وعكر النفوس وتتجلى مأساة الفرد المنهزم في وجوده القلق المأزوم. فنحن نقرأ في هذه الرواية عن رحلة شائكة عسيرة على متن حافلة بائسة، عن أناس ليس فيهم بقية من رمق، عن شخصيات مأزومة روحياً ونفسياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، عن بلدان هي بلدان المغرب العربي كموضوع للتأمل والمراجعة والنقد، وعن أحزان الحرمان والخيانة وأحاسيس الفقد الشامل والجزع المقيم.
ومن خلال هذا البوح المتدفق تظهر قدرة الكاتب على أن يقدم إلى القارئ فناً لغوياً مثقلاً بقضايا الإنسان وبالدلالات الإنسانية التي تثري اللغة، حيث توهج الإحساس وبلاغة التعبير وبديع تصويره لما في تلك النفوس من مرارة وضعف وحسرة وانكسار للروح وموت مجزوء، وقد برع الكاتب في التعبير عن أحاسيس الأنثى الوحيدة في الرحلة وتحليل المشاعر الخاصة بها، فضلاً عن براعته في التعبير عن مشاعر الشخصيات الأخرى في الرواية، "منانة" – العائدة إلى وطنها الذي لا يتذكر أحدا – التي تبدأ حكايتها من الحب وتنتهي إلى الكارثة، فهي فتاة قادها حب عاثر إلى ذاك الضياع الذي لا يعدله رزء، حيث الافتراس وامتصاص النخاع إلى أن تشوهت الروح كلياً حيث لا مكان للبراءة في حياة عفنة.
ترى رواية "الحجري" في مستوياتها المتعددة إلى أحوال المغرب العربي متوسلة جملة من الإشارات التي تتوزع على فصول الرواية، فنرى تعدداً معرفياً عن بلدان ومجتمعات تنزع إلى التجانس والتكامل حيث العجز يوحد الجميع في ظل انكسار حلم الوحدة والإخفاق الجماعي وسيرورة التدهور، ونحن حين نتأمل وصف الكاتب لتلك الرحلة التي تمر بكل من تونس والجزائر انطلاقاً من ليبيا وصولاً إلى المغرب أو إلى الحدود الجزائرية المغربية حيث لم يتمكن السائق من إكمال رحلته وحين نتأمل حديثه عن كل هذا العثار وعن وعورة الطريق وكثرة مطاويها وعن حال المسافر التعب المعذب المتعطش إلى الراحة، نشعر وكأنها رحلة في غياهب الزمن العربي تمر بتاريخ طويل من الحنين والأحلام والأشواق إلى وحدة تعبر عن ضرورة تاريخية في حياة تلك المجتمعات، وحين نقرأ عن مشاعر "الصويري" تجاه الشرطي الرافض لهذا الواقع الغريب المفروض فرضاً:
" وأذكر أنني ضحكت لحظتـها حتى أنني نسيت كل ألـم السـفر، ونسيت فـواجع الانتظار.. أحببت ذلك الشرطي لأنني لاحظت في عينيه الصدق المفتقد في أصدقائه.. قال لنا وقد مل هو الآخر من سلسلة المراقبات المتتالية:- تصوروا اليوم بكامله وأنا ادس أنفي في حقائب عباد الله منذ الفجر راقبت سبعين حافلة.. ثم أضاف وهو يتأمل وجوهنا المتعبة وأجسادنا الناحلة:
-دمنا واحد.. نفس الملامح.. نفس النبض.. والنظرات الحادة نحن إخوة (قالها بحرارة واغرورقت عيناه).. أعيدوا حقائبكم اللعنة على السياسة!.."
نجد أن حلم الوحدة لا يزال رغبة تخامر الكاتب وتؤرقه، وهذه معضلة معقدة وشائكة ومضنية دون ريب، وإذا ما نحينا حلم الوحدة جانباً فإن الرواية بأكملها لا تخلو من هواجس سياسية واضحة، ربما لم يكن الحديث السياسي عالي النبرة بحيث يطغى على كل حديث سواه، إلا أنه كان يتجلى بوضوح من خلال شذرات تلمع هنا وهنالك، وكان من الطبيعي أن يشعر القارئ بأن السياسة هي السبب الأعظم في الأزمة المتفاقمة التي يرزح الجميع تحت وطأتها بعد أن انحرف الساسة بوجوههم وضمائرهم عن الناس. ويبدو هذا واضحاً على سبيل المثال في كلمات "حيدة الطرابلسي" الذي هو نتاج علاقة محرمة بين امرأة ليبية ورجل مصري حمل بلا ذنب خطيئة لم يرتكبها، ووسط مجتمع لا يعرف الرحمة قرر الانتقام لنفسه هو الذي يحمل لقب "اللقيط" من خلال أفعال منحرفة لا يتوقف عنها فلا ترحمه الحياة ولا هو يرحم من فيها:
" لن أعيش على قيم هذا المجتمع ما دمت مطروداً من رحمته، سأهيم على وجهي في أرض الله الواسعة، أقتطف ما حل وحرم من ملذات ومشتهيات، سكر دائم، أنثى بالليل وأنثى بالنهار .. عبث ومجون، قلب الله الديا وما فيها .. اللعنة على السياسة والسياسيين، لن أهادن الحياة لأنها قست علي".
أما "صالح الوهراني" الذي هو حطام إنسان خرج من سجن ملعون في صحراء حاسي مسعود، بعد أن كان طالباً بالجامعة وأحد عناصر الحركة الطلابية بالجزائر فكان من الطبيعي أن يكون سرده محملاً بالكثير من الآلام الرهيبة: "الزنزانة كوة، من خلالها تطل على الجحيم الآخر، كثيرون يفضلون السجن على أنه ظل يمكن أن يستجار به من قيلولة الرذيلة والخطيئة وحمم الجريمة التي يمكن أن يتورط فيها المرء .. يفضله البعض على أنه مخلص من قيلولة واقع لا يرحم ولا تستطيع أن تضمن فيه لقمة عيش وكوب ماء. ولكن قل لي يا سعيد: هل خلقنا نحن لمثل هذه الكهوف المعتمة؟ ها أنت ترى أننا لم نرتكب جرماً ولم نغتصب حق أحد".
ويتساءل هو المناضل الشريف ببلاغة مؤلمة: "اللعنة! لماذا تبنى الصروح والأمم بدماء الشرفاء ليتمتع فيها الرعاع من دون عناء؟؟".
"صالح الوهراني" الذي لاقى من تعذيب وامتهان لإنسانيته واعتداء على آدميته، يتأمل حال بلاده وتاريخها العظيم: "أطل صالح بوجهه العربي العريض الجبين من نافذة غرفته الفوقية، فتراءت إليه الوجوه المكدودة تعبر الشارع الذي عرف سقوط دماء العديد من الشهداء وكانت أجسادهم المتعبة تترنح كأنما تتأمل الإسفلت لتقرأ قطرة دم أو أثر وشم لاصق".
"الوهراني" الذي خسر كل شيء في السجن سيبقى يخسر أبداً حتى بضائعه القليلة قد خسرها في تلك الرحلة البائسة، يعيش هكذا بلا أي علاقة بالحياة "وإن كنت الآن في عداد الأموات .. فإن لم يكن فأنا في عداد المفقودين .. وإن لم يكن فأنا في عداد المجانين والحمقى".
وبشكل عام تنطوي الأصوات الأربعة في إحالاتها المتبادلة على الإحساس العميق بالفجيعة والمرارة والحسرة حيث أرهق الواقع الذي يبدو جاثماً جثوماً أبدياً عقولهم وكدر صفو حياتهم، فترك فيهم ندوباً موجعة تلازمهم إلى الأبد، فهذه الأصوات في مجملها تمثل الإنسان المنهزم بالمعنى العميق الذي يلاحقه سؤال الهزيمة بينما هو يناغي أقل ممكنات الحياة.





د . مروة متولي .

عبدالرحيم محمد احمد
13-12-2012, 20:49
'أول الـنــهـــــار'

رواية : سـعـد القـرش .


هذه الرواية لكاتبها المصري الجنسية سعد القرش تعود بنا إلى حقبة هامة من تاريخ مصر الحديث، ألا وهي حقبة المماليك وهي فترة اتسمت بالعنف والقمع، وقد أوردت مدونات التاريخ وكتبه وصفا مسهبا لا يخلو من الإثارة لهذه الفترة. ومن أهم الكتابات في هذا الصدد بلا شك هي كتابات الجبرتي. على كل يمكن القول إن الروائي سعد القرش يشتغل على التاريخ، أي أنه يعيد إنتاج التاريخ روائيا، وهذه مهمة ليست بالسهلة لأن الأمر يحتاج إلى عدة وعتاد من فنون السرد وآلياته وإلا استحال النص إلى قراءة مشوهة للتاريخ أو مجرد تكرار لما ذكره المؤلفون.
ولكن الكاتب جاء إلى مادته بخبرة سردية ثرة استطاع بها قراءة التاريخ وكتابته بأسلوب له مذاقه وخصوصيته. ويمكن القول إن الكاتب نجح في خلق أسطورته الخاصة التي تتكئ على تاريخ المماليك، وما كان للكاتب أن ينجح كل هذا النجاح لولا قراءته المتعمقة وفهمه الثاقب لتاريخ ومجتمع المماليك، فقد عرف جيدا الكثير من تفاصيل هذا التاريخ وهذا المجتمع، ليس الصراع والحروب التي لا تنتهي بل العادات والتقاليد والغناء والزي والطعام وطقوس الزواج والمعتقد والعمارة إلخ.. فالرواية تبدأ في شهر توت والشخصية المحورية (الحاج عمران) يتذكر الطاعون الذي أهلك فلذات كبده. لكن الحاج عمران يطمئن في (يوم النقطة) في شهر بؤونة حين أرسل الله رئيس الملائكة لإسقاط نقطة من ماء النيل خميرة للفيضان لإيقاف الطاعون. وهكذا نمضي مع أسرة الحاج عمران الذي يعيد بناء قريته التي دمرها الفيضان، وتنهض القرية وأجيال من البشر تعيش وأخرى تموت، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الكاتب يوظف تاريخ المماليك للحديث عن الحاضر، أي أنه لا يقصد التاريخ لذاته بقدر ما يوظفه كقناع للحديث عن الحاضر، وهذه حيلة لجأ إليها الكاتب واستخدمها ببراعة.
وهكذا ينسج الكاتب نصه بلغة على درجة عالية من الشاعرية والعذوبة، لكن هذه اللغة ليست خصما على النص وإنما أضافت إلى النص، فقد نجح الكاتب في الإمساك بالخيط الرئيس وحافظ على الحدوتة وذلك باستخدام العديد من الوسائل السردية مثل السرد الدائري وتعدد الرواة، وغير خاف تتلمذ الكاتب على عمالقة الواقعية السحرية خاصة جارسيا ماركيث، لكن الكاتب سعد القرش نجح إلى حد بعيد في أن يشق طريقه ويبرز بصمته، لكل هذا نال نص 'أول النهار' الجائزة الأولى في مسابقة زين للإبداع الكتابي في دورتها الأولى (جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي 2011)، وذلك عن جدارة واستحقاق.

عبدالرحيم محمد احمد
14-12-2012, 15:33
مـطــبـــخ الــحـــب

روايـة : عبدالعزيـز الراشـدي .


لم يوقف الروائي المغربي عبد العزيز الراشدي منظاره السردي عند حدود الصحراء كما في روايته' بدو على الحافة'، بل فتحه نحو آفاق شاسعة هي أفاق المدينة بكل ما تحمله من صراعات وأزمات، حيث يعود في روايته الجديدة 'مطبخ الحب' الصادرة عن دار ثقافة ببيروت ودار الأمان بالرباط، إلى المدينة ليكيف أسئلته القديمة وفق مناخ مغاير ورؤية مختلفة مما يعني أن المبدع طور تجربته في السرد وفي الحياة.
رواية عبد العزيز الراشدي هي رواية المدينة المغربية، والتحولات التي لحقتها جراء انبلاج أسئلة جديدة جاءت مع ما يسمى بمغرب التحولات، وهو المغرب الذي منح الفرصة لعبد الحق بطل الرواية ليطالب بالعمل باعتباره حاصلا على شهادة عليا، وهذا المطلب نفسه دفعه لكي يختبر أسرار الحياة، وأن يستنطق الظروف الاجتماعية القاهرة التي جعلته ضيفا عليها، حيث يمكن القول إن السارد عاش متاهات متعددة في كل مدينة يلتقيها في طريقه، وفي هذه المدن بنى معان جزئية سرعان ما تعاضدت فيما بينها لتترابط مع مدلولات أخرى ليتشكل لنا معمار الرواية، فمدينة سلا شكلت للسارد مكانا للإيواء، والنقاشات الساخنة بين طلبة يفرقهم الانتماء السياسي ويجمعهم حق العمل، أما الرباط فشكلت للسارد مجالا للاحتجاج والمطالبة بالعمل، وأحيانا مكانا للهروب من هراوات المخزن، أما الدار البيضاء فهي ملاذ الهاربين، فر إليها السارد ليمتهن مهنا وضيعة توجته ليكون أحد مسحوقيها، لكن القدر الروائي سرعان ما رماه في أحضان امرأة قوية اسمها 'الشعيبية' التي ستعطف عليه، وتمنحه جسدها ليبحرا معا إلى أقاصي اللذة وهناك سيصبح عبد الحق ضيفا عزيزا على جسد الشعيبية وممتلكا لمفاتيح لذتها، هي الأخرى ستحاول أن تفكر في تحسين وضعية مالكها الاقتصادية حيث انتهت إلى أن رغبته لن تتحقق إلا بالهجرة نحو الخارج، وفي هذا المرقى الدلالي سوف تتوسط الشعيبية للسارد كي يسافر إلى الخارج عبر قوارب الموت إلا أن تجربة السفر ستنتهي بالطرد من المدينة الغربية نحو مدن المغرب ليستعيد السارد عذاباته وصراعاته من أجل الكرامة والعمل والحرية.
يعود السارد إلى وطنه وهو مثخن بالجراح، جرح الوطن الذي صدّره كسلعة فاسدة إلى الغرب، وجرح الحب الذي جعل قلبه ينفطر، فالوطن لم يقدم للسارد فرصة لكي يعيش الاستقرار، ويحلم بمستقبل هادئ، والتحولات التي لحقت هذا الوطن لم تستجب لطموحاته وآمانيه، لنقل إنها أتاحت له الفرصة أن يصرخ عاليا دون أن تستجيب لصرخاته. أما جرح الحب فوزع قلبه إلى جزيرتين متنافرتين، جزيرة الرغبة الجامحة التي كان يطفؤها في جسد الشعيبية وأجساد أخرى مشابهة، وجزيرة سهام المرأة التي توجها ملكة على عرش قلبه لكنها هي الأخرى ترفض هذا العرش؛ لأنها تعيش جزرا مغايرة، حيث فرضت عليها سبل الحياة أن تنهي حسابها مع السارد لأن علاقتهما لا يباركها الواقع، حيث ستسحب معطفها وتتذرع الطرقات والمدن بحثا عن الآمان والاستقرار، هكذا ستشهد الدار البيضاء على لحظة الوداع الباردة وكيف أن سهم سهام سينغرز في قلب السارد، ويفتح جرحا عميقا لن يندمل. هكذا تتجلى البيضاء باعتبارها رمزا للفراق والتطويح بالذات نحو المجهول.
يعود عبد الحق من غربته مشتت الذهن مبعثر الأفكار، يحمل دفتره الذي يدون فيه حكايته مع الزمن المغربي وتفاصيله، لينتشله صديق الدراسة المهدي الذي يعرض عليه العمل كصحفي بجريدته، وفي هذه اللحظة السردية ستنمو الحكاية لتورق من جديد أحداثا مفصلية ستشكل عمق الرواية وأساسها الفكري، حيث سيستعيد السارد توازنه النفسي والعاطفي والاجتماعي؛ فالعمل شكل للسارد نقطة تحول جعلته يحس بقيمته كفرد داخل دوامة المجتمع، ووفرت له دخلا قارا يؤمن له الاستقرار، ومكنته من أن يستعيد تجربته مع سهام ليعيشا من جديد فصولا ربيعية لن تنتهي بموسم قطف الورود ولكنها ستنتهي نهاية سحرية. ففي مدينة البحر التي لا نظفر لها باسم سيسعى السارد نحو حكايا الجسد بإشكالاته العويصة فيقيم نوعا من الحميمية معه بهدف فهمه واستيعابه ومحاولة الإجابة عن أسئلته، هكذا سيكلف بصفحة الإبداع والمشاكل العاطفية، والسارد لن يوقف منظاره في مكتبه بل سيسعى إلى موضوعه السردي في تمثلات مختلفة في الشوارع، والحانات، والدروب الشعبية، ودور الدعارة، ومطبخه، وعبر متخيله الثقافي، ليدون موادا كثيرة سيؤطرها ضمن بحث أكاديمي، والبحث عن الجسد واللذة سرعان ما سيصطدم بإكراهات الواقع وتحولاته ليكتشف الخدعة التي وقع فيها؛ وهي خدعة مغرب التحولات التي اختزلها عمله، حيث سيظل السارد منخدعا في جريدته التي يعمل بها وفي شخص صديقه الحميم صاحب الجريدة ليكتشف أن الحرية التي منحها مغرب التحولات هي حرية رمزية، حيث منع من نشر مواد ذات رائحة سياسية، كما لم توضح الصورة بشكل دقيق حول خط الجريدة ولمصلحة من تعمل وحول مواردها، هكذا يكتشف السارد حقيقته المؤلمة وكيف أنه كان يؤثث مشهدا ملغوما فرضته عليه مطبات الحياة، بل الأنكى من ذلك، أن موضوعه الذي لطالما تحاور فيه مع المهدي وصديقه عثمان الذي يشتغل معه في الجريدة نفسها سيفجأ أنه قُدِّم كموضوع أكاديمي لتتشكل الصورة الكلية، وتدشن بذلك بداية انهيار السارد، لنقل إن انهيار السارد في نهاية الرواية جاء كتتويج لجملة من المعطيات التي تآزرت فيما بينها لتشكل نهاية عبد الحق المواطن المخدوع في الوطن، فسهام هي الأخرى ستفر بالكيفية نفسها لتترك قلب السارد معلقا بين أسئلة حائرة محرقة، لكنها تعود في النهاية لتبرر هروبها بحكاية قد تبدو سحرية، لأنها اكتشفت عن طريق أحلامها ومناماتها أن طريقهما مختلف، وأنهما إذا اصرا على المضي معا فإن عبد الحق لن يعيش طويلا.
سارد الرواية يعيش حالة من الصراع الخارجي والداخلي؛ فالصراع الخارجي الذي قد يبدو واضحا يتجلى في أعلى تمثلاته في الصراع من أجل البقاء ومن أجل الحياة، الحياة التي وضعت في طريقه فخخا متنوعة، فخ الحب الذي لا يكتمل، فخ العمل المزيف، وفخ العلاقات المتصدعة، إنها رواية النقص، واكتمالها يعوضه الغياب، بينما الصراع الداخلي تمثل في التحولات النفسية التي عاشها السارد وهو في طريقه للبحث عن قيم إنسانية متعالية، قيمة الحب والصدق والحق، وهي القيم التي ظلت معلقة ومؤجلة، لنقل إن هذه القيم تجسدت وهي لابسة لأقنعة هشة صورة الواقع صورة وردية لكن هذه الصورة سرعان ما انهارت وتشقق قناعها، لتنبري صورة الواقع الصارخ الذي لا يؤمن بأي قيمة ثابتة، وإنما التحولات جعلت الواقع يغير من قيمه، ويؤسس لقيم جديدة، قيم الزيف والكذب والنفاق والكراهية، وهي كلها قيم جعلت نفسية السارد متدبدة لينتهي به المطاف طريحا في باب منزله يبتلع مرارته، ويحلم بيد حنونة تنتشله من مستنقع الظلام لترمم خسارته. ظلت اليد مؤجلة، وظلت الحقيقة غائبة، ليكتشف السارد عمق الخدعة التي حيكت حوله، وكيف أن المحيطين حوله أتقنوا أدواره وأجلوا معرفته بالحكاية.
إن مطبخ الحب الذي تتأسس عليه الرواية هو مطبخ الاحتراق، ففيه تدون حكايات السارد مع الحياة والحب والجسد، هو كنيسة السارد الذي يعترف داخلها بما مر معه من انعطافات ومطبات، هو المطبخ نفسه الذي شهد لحظات التماهي بينه وبين سهام، لكن هذا المطبخ الذي ظل بؤرة الحكي، هو الآخر مطبخ الاحتراق، لأن كل ما دونه هو في كرسيه الوثير سوف ينضج ليصل إلى مرحلة احتراق الحكاية، حكاية عبد الحق القاضي الذي يقيم تجربة جيل بأكمله، والمتهم الذي يحاكم بتهمة انتمائه للحياة وبحثه عن الحقيقة الماثلة أمام أعينه، والتي لن تحتاج إلا إلى إبرة دقيقة لتنفجر أمامه كما انفجرت دودته الزائدة، وهو المطبخ نفسه الذي أحرقه، وجعله مضطرا أن يتركه إلى الأبد بعدما انتشرت رائحة الحريق قبل أن تشب في الحي بأكمله.
إن الرواية هي دعوة صريحة لتأمل تجربة مغرب التحولات، والتفكير مليا في أثر هذه التجربة على حياة الفرد والمجتمع، قد يبدو الروائي وكأنه عالم اجتماع؛ لأنه وجّه عدسته لنقد المجتمع وعلاقاته، وقد يبدو كمحلل للاختلالات النفسية دون أن يصلح إلى الحقيقة، لكن عبد العزيز الراشدي تعالى عن هاتين الوظيفتين ليُكيِّف نقده وتحليله ضمن امتداد تخيليي يوهم بالحقيقة. ومن ثمة يكون قد نجح في توزيع روايته على الثنائية الصعبة القائمة على ربط الواقعي بالخيالي.


محمد العناز .

عبدالرحيم محمد احمد
18-12-2012, 14:21
'لهـــا ســـرّ النــحــلــــة'

رواية : أمين الزاوي .


1ـ بات محسوما في تاريخ الأدب العربي الحديث الموقع الذي تشغله الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية في مُجمل المتن الروائي العربي، سواء من حيث العوالمُ والدلالاتُ التي يعمل في حقلها الجنس السرديُّ التخييليّ، أو ألوانُ التعبير والصنعة التي ينضوي فيها، وبأدواتها يشكل انتماءهَ إلى هذا الفن، ويحُوز اعتبارَه الأدبي، خاصة. أمكَنه تحقيقُ هذا رغم عوائق التاريخ السياسية والثقافية المعلومة، وكذلك مع فُتُوّة التجربة الأدبية في هيئتها وبمراميها التحديثية، التي عبَرت في بيئات أخرى، عربية وأجنبية، مراحل معتبرة من تكوين ونضوج وتبلور منتظمة، واحتاجت إلى زمن غير يسير لتستقر في صورة تقاليد وأنماط قول ومستويات ومحتويات خطاب منتج اجتماعيا وثقافيا، وأدبيا، بالطبع.
2ـ والحقيقة آن الأوان، للقطع مع التصنيفات والأحكام النمطية والمستنسخة، كثيرا ما نظرت إلى محيط الثقافة العربية وآدابها في الجزائر بإشفاق وابتآس؛ النظرة إلى قاصرين ابتُلوا بالاستعمار، اغتصبَ هويتهم وأباد لغتهم العربية، لغتنا، ونحتاج أن نُعاملهم بحدب وقد استعادوا قُدراتهم، وأصبح التعبيرُ الأدبيّ، من بين تعبيراتٍ أخرى، ملءَ القلم واللسان، في مواجهة وأسوة ًبالتعبير الفرنسي الذي ساد بلُغة المستعمر، ومهاراتِ تكوينه وهيمنته أزيدَ من قرن، ويظل، مما يجعل لكل قول عربي حظوة وذا اعتبار في حد ذاته. تقويمٌ بمرتبة التبخيس هو زيادة على خَطَله، وتناقضه مع واقع صمود الثقافة العربية وآدابها في الجزائر والمهاجر العربية، وبتاريخها وتقاليدها المشتركة والمتداخلة مع محيطها المغاربي العربي الكبير، لا يمكن أن يقبل به أدباء هذا البلد، الذين ننسى موهبتهم الأصلية، على أي لسان جاءت وتدفقت، هي اليوم منسجمة مع اللغة العربية، ممتدة في نسيجها الأدبي الحديث بفنونه كلها، مجددة قولا ومعنى، فهي إذن عضو تام في الجسد العربي، فوجب التنويه، درْءا للّبس، ودفعا للبؤس.
3ـ أحسَبُ الروايةَ بالذات، وقبلها القصة القصيرة إلى حدما، هي المضمار القولي الذي تجلت فيه المؤهلاتُ الإبداعية للكاتب الجزائري معبَّأة ًلتصوير واقعه الاجتماعي والسياسي، وقبل ذلك إعادة رسم الصورة التاريخية للوطن ، في نوع من إعادة تأسيس الهوية وتجذير واستنبات الذات، بين فترتي الاستعمار ومسلسل الاستقلال. رواية تحركت وما تزال في أفق واقعية اجتماعية تاريخية ، مرآوية ونقدية، وعَمَد كُتابُها، في جانب مهم منها ، إلى استثمار المادة التاريخية وحلقاتها كمضمون تارةً، وكوعاءٍ تارةً أخرى، وطوراً كسياق رمزي وخلفية لنقد الواقع وتجديده. وبين هذه المقاربات، وضمنَها، كانت أساليبٌ وبنياتٌ فنية وسجلاتٌ لغوية، وأمزجةٌ وذهنياتٌ تتفاعلُ وتتضافرُ بحثا عن المثال أو النموذج، متقلبة بين التقليد لتراث روائي عربي، حديث، لاستدراك الزمن الضائع، ومساوقة لواقعها يُملي عليها تعبيرا بعينه وهي بذا تتطلع إلى كتابة الرواية ذات الخصوصية الجزائرية، وثالثا، وهو الأفق المفتوح الذي تمضي فيه التجارب بدرجات متفاوتة، ووفق مواهب متباينة وعديدة المطامح، تنزع إلى بلوغ تفرّد في الكتابة الروائية لا يبرح الواقع، ويحلق بخيال كاتبه بعيدا عن حدود وقيود حرب التحرير.
4ـ إن لتوصيفنا هذا، وحتى لا نوصم بأيّ ابتسار، تمظهرات شتى، ليس هنا مقام رسمها بتفصيل، إنما لا بأس من التذكير أن الطاهر وطار أنشأ وحده متنا متسقا ومطورا على امتداد عقود ثلاثة على الأقل( بدءا من رواية اللاز1974 وانتهاء برواية قصيدة في التذلل 2010) بعد أن استشفّ وطوّر ريادة عبد الحميد بن هدوقة( ريح الجنوب 1971)، واستطاع بصفة خاصة أن يستوعب الواقع الاجتماعي التاريخي المتواشج مع الثورة الجزائرية عبر شخصيات رمزية ونموذجية، وفي صيرورة التحول العام لهذا الواقع، بحس روائي لا يتنازل للعابر وإن تماسّ معه، ويترك دائما أفقا للذات تتنفس منه، وهي تكتوي بلواعجها، فجاءت أعماله ممثلة لزمنها، وسجلا سرديا منظم المعمار، محكوك الأدوات، مصقول اللغة، نافذ الرؤية ومُعتملا بإنسانيته، وجله مقابل لفيف من كتاب اصطفقت في أعمالهم أمواج حرب التحرير العاتية، العامرة بتاريخ المجاهدين، في مرحلة أولى، ثم ما ارتكن إلى التاريخ سردا وتمثيلا وتأويلا وتقويلا، فتراوح بينهما وهذا ضرب من الرواية، ومنها ما راح ينحى باللائمة ويسجل الخيبة من حصاد الثورة وتحولها إلى غنيمة، أضاعت حق الفرد والشعب معا، وبلعتها أوليغارشية وطغمة ومن والاهما، فمن جعل الرواية تغرف من الحرب الدموية(الأهلية)حيث هيمن الشبح الأصولي، في مواجهة العسكرتارية، وفي القلب حقوق الحرية والتفتح وقيم التجديد والحداثة والتمدن، وتعتبر هذه التيمة مع التسلط العسكري هي الجامع المشترك لأغلب نصوص الرواية الجزائرية في العقد الأخير، وفي الحاضر، أيضا، مكتوبة بالفرنسية والعربية، سواء بسواء.
5ـ هذه ، إن شئنا، هي البانوراما، ومن الطبيعي أن تنتأ أو تنزاح خطوط وبؤر، ساعية لتوليد أو تخصيب مشروع تجربة فردية في كتابة الرواية، علما بأن مجموع الأعمال، السائد منها والوافد المتكون، هي جزء من مشروع أدبي قيد التكوين دائما في أدب فَتيٍّ، ضمن الأدب الوطني، ومقلد ومجدد ما أمكن في آن ضمن الأدب العربي ككل، ونحن هنا نحتكم إلى النصوص، لا تعنينا الاعتبارات الذاتية وتورّماتها، ولا حتى بعض أسهم بورصة لا يحفل بها الأدب في 'بورصته' الاستثنائية. إن من المهم الانتباه إلى التكوينات الخصوصية، وتحديدا فرز الخاص من العام، والذي يقتدر على تطوير الجنس الأدبي، وإبراز موهبة كاتب ما في حقله، ترفد في الوقت نفسه التجربة الكلية وتمدد سياقها. هذا بعض ما يستوقف في النصوص الروائية للأديب أمين الزاوي، تتوفر كتابته عدّا وصوغا على ما يؤهلها للانفراد بعوالم ومواضيع وتمثيلات وطرائق تصوير وتكوين روائية، تجعلها في قلب التجربة الجماعية للسرد العربي الجديد في الأدب العربي بالجزائر، من جهة، ولامتلاكها ما هو حصر عليها وسمة تُعلم بها وتتميز، نعني أساسا : حكائيتها، أي اقترانها بالحكاية كجنس مخصوص، ثم شعريتها.
6ـ لأمين الزاوي قصص وروايات صدرت من مطلع الثمانينات وصُعُدا، من الأخيرة:' صهيل الجسد' 1985؛ 'سماء ثامنة' 1994؛'الرعشة' 2005) وأخيرا 'لها سر النحلة' ( الجزائر، منشورات ضفاف/ الاختلاف،2102) التي سنخصها بالقراءة والتحليل، جزء من منظومة عمل الكاتب، وآخر رسم في الخط البياني لكتابته السردية. وقد كنا وقفنا في كتابنا: 'تحولات النوع في الرواية العربية، بين مغرب ومشرق'(الرباط، دار الأمان، 2011) على ترسيمتها إلى جانب نصوص أخرى لكتاب صاعدين، وركزنا على' سماء ثامنة'، تبين لنا فيها ما يمكن التماس وجوهه وعناصره في العمل الجديد على نحو من زيادة في التبلور وتوكيد نهج الرؤية وخصائص التمثيل السردية والتخييلية، وتحديدا في ما يتصل بالمقترب الحكائي والمنظور الغرائبي، هما وجهان لعملة واحدة اسمها تغريب الواقع وتصعيد الواقعية أبعد من الاحتمال، وجعل التغريب بديلا لها ومن باب المفارقة، أقوى واقعية منها لو جاز ذلك. وبالطبع، فإنه نَسَقٌ متخلل في المواد والعناصر المؤلفة لمتن الحكي مجتمعا، تتضامن وتنفصل، وتتوازى كما تتصل، ويمكن أن تستقل وتنعزل، وهكذا، لكن تبقى سردية تنزع دائما إلى الإنشداد إلى جاذبية الواقع بالدرجة الأولى كلما تباعدت عنه، والعكس صحيح، أيضا، ومراوحتُها هذه هي خاصيتُها الأمّ، تُعد الطابعَ الغالبَ على كل أدب وطني نَزّاع إلى التجديد، ولكن حريصٍ على الإبلاغ والانتماء، بأيسر السبل وأقصرها، أي بالواقعية التقليدية، فأي توفيقية ومفارقة هذه؟!
7ـ في 'لها سرُّ النحلة' يسرد الزاوي قصة من المحيط الخبير به، في غرب الجزائر، عارف بتاريخه وتقاليده وبمخياله، خاصة. وهذا يمنح لرواياته طابعا محليا مفيدا، مثلما نلحظ عند سلفه الرائد الطاهر وطار في تصويره الناضج والحفيّ لبيئة مدينة قسنطينة، فالرواية تحتاج إلى مهاد صلب تنهض على أرضيته عالمها المؤسس من خارج مرئي وداخل منبثق بين هذا واحتمال الوجود المتخيل. حي اللاكدوك بمدينة وهران هو المكان والفضاء اللذان توجد فيهما القصة وتتشيّد ويتحرك أبطالها وتُنسج العلائقُ المختلفة وتُفصح وتُبطن الخطاباتُ المعبرة عن رؤية هذه الرواية. وهو حيٌّ هامشيٌّ، سيِّءُ السمعة باعتباره كان يؤوي ماخورا ويضم خمارات، نقيض الطهرانية والحشمة الدينيين، والمروَّجة إيديولوجيا على يد الأصوليين. أبطاله: محند(محمد) الملقب مومو، هو في الأصل طالب في قسم التاريخ، وعازف عود، يلتقي بطالبة مثله هي فاطي أو مريولا، قد أغراها' أملا في جمع بعض المال لمغادرة جهنم هذه البلاد[حلم جميع الشباب العربي] إلى جهنم جديدة في بلاد قد تكون أرحم بنا'(13). هما معا ينتقلان من الدراسة الجامعية إلى العمل في مطعم وحان بسيط بحي اللاكدوك المطل على البحر، يحمل إسم أرتور رامبو، بسبب إعجاب مالكه الأول بهذا الشاعر، حسب رواية خوسي المالك الحالي، اليهودي الأصل والمخنث، ويتميز المكان بزبائنه الذين هم 'من فئة الحالمين بتغيير العالم: شعراء دون كتب، أنبياء سلام بدون وحي..عشاق بخيبات وأحلام.. نقابيون..عمال.. وبعض المثقفين الذين ضاقت بهم المدينة..'(19) وبدل أن يرحل العشيقان عن وهران قررا: 'لا نغادر المكان يا مريولا، دون وهران سنصبح يتامى..'(20). ليعيشا قصتهما الواقعية والعجيبة معا، يؤثثها فضاء وخلفيات سوسيو ثقافية .
8ـ سيعيش العشيقان زمنا ويعملان في المطعم الحانة، هو يغني وهي نادل ومغنية وراقصة، وفجأة يقطع مومو الصلة بفضاء المخمورين والهامشيين، من وحي تعلق غامض ومسعى صوفي، بأحد أجداده الموريسكيين الفقيه أبو جمعة المغراوي الوهراني، فينقل عذوبة صوته ورقّة تكوينه حد التَّخنُّث إلى الالتحاق بمسجد قريب من الحان، سيصبح فيه مؤذنا وورعا، نقلة بلا مقدمات،(!) تبعده عن مريولا، ستحس بوحشة عظيمة إثر غيابه رغم أن علاقتهما عذرية تماما، وتدريجيا تبحث عن تعويض، تحويل عاطفي، في شخص رجل أنيق وغامض، ذي أبهة، من زبناء المحل، تصبح أخيرا خليلة له، وفي منزله الغامض، المشحون بالذكريات والحكايات، الحقيقية والكاذبة، الواقعية والأسطورية، ستعيش وتتعرف على دنيا أخرى بعضها موصولة بصاحبه، وأخرى بشخصيات من نسله وجوه يختلط فيها الواقعي بالعجائبي، والإنسي بالحيواني، وتتعدد فيها السجلات اللغوية والصوتية والخطابات الشعبية الشعبوية بالثقافة العالمة، ضمن مناخ عام تسبح فيه الظلال العجائبية، وتخترقه الدعاوى الإسلاموية الرائجة.
9ـ إلى حد الآن، تبدو الشخصيات نمطية، وأيقونية في رمزيتها الجلية، دالة على مدلولات ثاوية، مقتنصةَ المعنى بيُسر، ومبذولةً في الواقع، كما في نصوص جيل من كتاب العقدين، العقد الأخير خاصة في الجزائر، في بلاد شهدت حربها الثانية الدموية ذهب ضحيتها عشرات الآلاف، هذه المرة، في مواجهة بين 'الإسلامويين' والسلطة العسكرية الحاكمة، ونتيجة إجهاض مسلسل انتخابي معلوم (1982)، وعَدَا مسلسل العنف فقد أنجبت المواجهة تصادم تيارين أو أكثر، أبرزه الأصولي الذي يطرح ثقافة دينية وسلوكية وحُكمية بديلا عن الأوضاع القائمة، تعددت تسمياتُها وصفاتُها، واعتبرها جزء من الوعي الوطني والمفهوم الثقافي 'ظلامية' و'سلفية رجعية'، واتخذت ، أيضا، شكل تصفيات طالت مثقفين وأدباء، ومسًّاً خطيرا بالحريات الفردية، دون أن يعني هذا أن السلطة المواجهة كانت تحميها أو تضمنها. في هذا الخضم اندرجت روايات كتاب من جيل الوسط والصاعدين، ونحن لا نحصي، جيلالي خلاص، أمين الزاوي، بشير مفتي، حميد عبد القادر، حميدة عياشي، وانشغل الزاوي كثيرا بتسفيه الخطاب 'الأصولي'، ودحض تشكُلاته في ضرب من المناهضة السجالية داخل الرواية يأنف منه هذا الفن، أو عبر تقديم تمثيلات ونماذج/ شخصيات وذهنيات وسلوكات مضادة تعلن مناهضة الخطاب المذكور وتواجه هيمنته المتصاعدة في الحياة اليومية والثقافية، بل والسياسية، متوسلا شعرية الكتابة واستيهاماتها. ونعتبر 'لها سر النحلة' أقوى نصوص الزاوي تفعيلا أدبيا في هذا المنحى، ولو صحّ القول سردا حجاجيا، أيضا، ينبني على متواليات المعارضة والتضاد والبوح والكبح، والتصريح والتضمين، زيادة على القيم الإتيقية والفكرية والمبادئ الإيديولوجية المتصارعة، وفوق هذا وذاك بناء على رؤيتين متباينتين للعالم.
10ـ رؤية العالم الضمنية التي يمتح منها الروائي عادة مادته السردية وموضوعها، وعنها يصدر، ولا مناص من تحكيمها في القراءة المنتجة لعمله، ليست بالضرورة كتلة منسجمة، لا سيما في ثقافة ومسلكية مُتحوليْن، ومن هنا أهمية وقيمة وضع الرواية حول ماض انصرف، أي استقرت رؤية العالم فيه، وتوكيدنا غير مرة بأن الرواية لا تكتب عن الحاضر أو هي ضرب من التعليق أو التحقيق، شأن أدواتها التي تحتاج أن تكون مجربة وحين يعاد تجريبها فهي بصدد الشحذـ الحاصل أن رؤية العالم في '..لها سر النحلة' وهي تبغي الانتصار لإيديولوجية التقدم نراها تستخدم كل ما يحقق الغرض العاجل، وبصرف النظر عن مقدرته على تحقيق الانسجام لهذه الرؤية، وبحكم استنفار بضاعة سجالية (خبرة) متنافرة في أوراقها، جمعت، على غرار متون قديمة، من كل فن طرفا، متعجلة في مراميها، تحريضية في دعواها، رغم أنها مطروحة قولا أدبيا ، تحب أخيرا أن تستدرك، أن تعطي للرؤية إياها رُجحانا ينجيها من الخفة والإسفاف، ويمكنها من أن تنتج نسقا ولا تكون أمشاجا، وتتوفر على روح خلابة، مدهشة، فجنح بها صاحبها، إلى اعتماد النظام الشعري، الذي هو مصدر الحكاية ورحمها الأجناسي الأول، في نظرة الدارسين، جاعلا منها تشغل عربات متعددة في قطار الرواية، والنظام الثاني ينجم عن محتوى الحكاية كما عن روحها وسحرها فيأتي سندا لها، ومنطـــقا ثانيا ممـــثــلا في بنية الغريب والـــعــجيب، وجَماع الإثنين هو الذي يفترض أن ينتج النسق الحكائي ـ الروائي لهذا العمل بالذات.
11ـ لنشرح: يستهل الكتاب بمقطه عنوانه: 'أداء اليمين' يقسم فيه من يؤدي اليمين بأنه سيقول الحقيقة: 'كل الحقيقة حتى ولو كانت في عجبها وغرابتها تشبه الخيال أو الجنون'(9)؛ يقسم أنه سيقول: 'الحكاية دون تزوير أو كذب أو تحريف'(م.س)؛ يقسم أن:' لا أكذب عليكم'؛ وينتهي إلى أن:' اللسان ما فيه عظم [قابل للفلتان] وأن أعذب الشعر أكذبه'(ن). يتماهي التوقيع على اليمين بين ضمير المتكلم(أنا) وبين المؤلف، ولم لا السارد، ليزيد مرتبة في درجة التذبذب بين الحقيقة والخيال، الواقع والتخييل، لكأنما الرواية بمفهومها الثابت، وقواعدها الراسية هي الواقع أو شبهه، وهي الشكل العالِم، الجوهري، لاحتوائه ، مقابل الحكاية كانزياح عنها هي وقواعدها، شكل بسيط. وبالفعل، فنحن إذا احتكمنا إلى أطروحة الألمانيAndr' Jolles في أهم مبحث عن الحكاية بعد عمل بروب، (1972,Formes simples.Seuil نجده يقيم نظاما خاصا لكل من القصة القصيرة والحكاية، (في ضوء معالجة جاكوب غريم صاحب الحكايات الألمانية الشهيرة للأطفال والشعوب ؛ يتخذ بالنسبة للأولى صورة 'الإعداد' وذلك حين نذهب إلى العالم بشكل فني لنعطيه هيئة، ونصنع الانسجام في جزء منه، تكون وحدة عناصره معيّنة بخاصية مشتركة، وهي هيئة صلبة، خصوصية، ومتفردة، مقابل الثانية (الحكاية) التي ندخل العالم إليها في شكل حصرٍ عليه، وحين يتحول هذا العالم وفق هذا الشكل وبعد أن امتصه، فيسمى عندئذ 'إبداعا تلقائياّ'، فإنه يحافظ رغم التحول على حركيته، وطابعه المتجدد، وتعدديته. وعند Jolles، وهو ما يعنينا أساسا كامتداد للنظرية فإن هذا الحكم، النظام، قابل أن يُطبق على أشكال أخرى، بسيطة وعالمة، وبذا فهي تنطبق على الرواية وأيّ منوال حكائي آخر(185). يمكن استجلاء هذه الخطاطة بوضوح في رواية الزاوي، الذي كنّى عمله 'حكاية' وأصبغ عليه صفات الغرابة والكذب والخيال والجنون، انزياحا عن الصدق والواقعية، يؤكد في الآن التزامه تنكب صفات الكذب والزور والتحريف، ثم 'يحنث' في الأخير في قسمه، من باب اللعب بالكلمات والنوايا (الفنية) وآكدها وضعه تجنيس (رواية) على الغلاف، أليس كذلك؟'!.
12ـ تتوافق هذه البرمجة مع إعادة ترتيب للرواية بحيث يكون خطها السردي كالتالي: مومو رفيق لمريولا، يعيشان في حي مُهمّش بوهران، بعد أن انقطعا عن الجامعة، الطريق السّوي، ثم ينفصلان حين يتوب مومو ويتحول إلى مؤذن، وتصمد هي قليلا بحانة رامبو، قبل أن تنقطع زمنا إلى حياة وفراش الرجل الذي استهواها بغموضه، ثم تنفصل عنه لتذهب حيث لا ندري. تتحرك هاتان الشخصيتان في محيط اجتماعي متعارض القيم والرغبات، الخلاصُ فيه هو الإحباط موزعا بين الهجرة إلى الغرب، أو الهجرة إلى الله مع اجتياح المد الإسلاموي، في إطار مكان، مدينة وثقافة في الحاضر زمن الأفول مقابل ما كانت عليه في ماض معين، يفترض أنه يمثل الصعود، تماما كما أن حانة رامبو لمالكها الحالي هي وشمٌ في جسد الزمن الموريسكي وحنين إليه. إن هذا التشخيص السريع يظهر النص بصيغة رواية أطروحة، أو رواية أخلاقية، ويزكي هذا التصنيف إلى حد بعيد الحماس المعلن للمؤلف، والجهر بالمواقف والأحكام، واستخدام العبارات المسكوكة، الخ.. ظاهرة مستفحلة في الرواية العربية بالجزائر لا يكاد ينجو من نفضها نص بإطلاق، وتعبر، هي والغنائية الإنشائية المفرطة، علاوة على فهم مختزل لتوظيف الأدب في معركة تجديد الهوية وبناء الدولة الوطنية، عن تشوّش في طبيعة استخدام الأجناس الأدبية وماهيتها، التي تجعل من القول ضروريا، خصوصيا، متفردا، ودقيقا، كشكل عالِم، مصنوع، في الأصل، وله أن يتفرع ويتفتح بعد ذلك على الشكل البسيط، التلقائي. هذا ما عمد إليه الزاوي، بأن جعل الروائية تنضوي في إهاب الحكاية، تتعالق بها عناصرها. فتجد قصة مومو ومريولا وعالمهما مرجعها الأول في الفقيه ابو جمعة المغراوي الوهراني، الذي به تتميز وهران، والذي كان يؤمن بالباطن وينكر الظاهر، والذي أنقذ الموريسكيين، ومرجعها الثاني في يوغرطة البربري، ثم في رامبو، وهي مرجعيات صوفية ومؤسطرة وشعرية ونوستالجية، دمُها من فصيلة الحكاية (Le conte) التي ستصبح الشكل والمادة المستخدمتين بامتياز، حين تلفظ المادة الواقعية في الرواية أنفاسها، بالأحرى تستنفذ طاقتها. هل نقول لا بديل عنهما لكي ينقذ الكاتب روايته من ورطة الانعكاس والمباشرة، وحتى الخطابية، ويوفر لها البطانة الرمزية، والغموض اللازم القرين ببعض شخصياته، مثل الشيخ المغراوي، والزبون الوقور، وزوجته الراحل، وابنته وأخيها الشقيق، شبه الزوج، في صورة محبة سفاحية سبق للزاوي أن رصدها في 'قراءة ثامنة' باحتفالية جريئة. كيفما كان الحال، فإنه بمجرد ما ينقل ماريولا من حي اللاكدوك إلى بيت الزبون، إلا ويجعلها تلج عالما متحولا تسكنه الأسرار والرموز الخفية، وبالذات حكاية شميسة وما جرى لها بعد أن خطبت واضطرت لهجر أخيها، بانتقالها إلى فضاء الوحشة والصحو الدائم، ثم ما جرى لها مع القط الذي يصبح رفيقها وكليمَها قد تعلمت لغة القطط(!) ترويها مريولا، تارة، وتارة أخرى تندمج فيها، ومعها ننتقل إلى عوالم منبتة الصلة بالمحكي الروائي الأول، مليئة بالهلوسات، والمتناصات، وإلى حكاية ثالثة ترويها مريولا عن خالتها يامنة، تعرفنا عليها في الفصل الأول كطرف عائلي، لتعود شخصية أندروجينية (خنثى) بيولوجيا، ووضعا اجتماعيا وثقافيا: امرأة فقيه ومقرئ ومنافس للرجال، لا بأس فكل شيء غريب، في بلد يزعم فيه سائق تاكسي أنه سمع في الإذاعة الرسمية خبرا مفاده أن السماء تمطر ضفادع، ليعلق الكاتب(السارد) على المزعم: 'أيصدق العقل هذا الكلام؟ لقد أكلتنا الخرافة والدجل، الحكومة تكذب والناس غارقون في الخوف'(185) والكتاب ماذا يفعلون؟ هل يكتبون روايات يقلدون فيها الحكومة، أم يفضحونها، أم هم في المنزلة بين المنزلتين؟
13ـ دائما في المبحث المشار إليه، ينبهنا الدارس الألماني إلى مسألة في النباهة غاية، كجزء من السجال الذي دار بين غريم وأرنيم حول الحكاية واعتبار هذا الأخير بأن غريمه النقدي يقوم بالتحريف لدى روايته لحكايات الشعوب؛ مسألة عملية التحيين التي يمكن للحكاية أن تخضع لها، فيذهب إلى أنه كلما تحيّن شكل بسيط إلا قصد اتجاها قد يقوده إلى الثبات النهائي الذي نلفاه أخيرا في الشكل العالِم، (جولس187)، فيفقد بذا خصائص الوحدة، والدقة، والفرادة، المنوه بها أعلاه، نظرا إلى أن' كل تحيين يحرف عن الهدف الذي يريد الشكل البسيط أن يرسمه'(م.س). ليس التحيين مضمون العواقب دائما، ولنا أن نتساءل، من جانبنا، عن مدى قابليته لأن يمثل وحده نسقا في هذه الرواية، والحال، أنها تتكون من عناصر متنافرة يتعذر تعالقها في بنية واحدة، أم أن علينا أن ننظر إلى قابلية الازدواج بين شكلين كإمكانية تجريببية من قبل الكاتب لإنجاز نسق مفتقد، في الواقع أولا، قبل النص، وتصبح هجنة الشكل عندئذ جزءا من معناه...
14ـ الحقيقة أن الأندروجينية هي الطابع المهيمن على هذه الرواية، ممثلة بنيتها العميقة، وطافحة قبل ذلك في بنيتها السطحية، بالاصطلاح الغولدماني، لكي تكتمل الآلية المنهجية التي اعتمدنا رؤية العالم في مركزها. فكل شخصيات العمل ليست هي، ليست في مكانها، هي نصف نصف: مومو: شاب، رجل، وأصابعه ناعمة، وصوته رقيق، ولا يجرؤ على أي اتصال جنسي بمريولا؛ وهذه أنثى، ومغنية وتتنقل بين الزبائن، ولا أحد يطمع فيها، وهي تعيش تحت سقف شهيرا مالكة المطعم، والمودة وحدها تجمعها مع خوسي المشرف عليه، لأنه ببساطة مخنث ومثلي؛ وشميسة نصف إنسان ونصف حيوان، تتكلم لغة الآدميين والقطط، والقط كذلك، والمجتمع حانة وحي اللاكدوك وسكارى وغناء(ماخور سابق) وهو أيضا مسجد وبشرٌ بلباس الأفغان وأذان، ووهران لا جحيم ولا جنة، أو هما معا، ولا بقيت في ماضيها، وهل يعقل أن يكون ذا حاضرُها، وذروة هذه الطبيعة تصنعها شخصية يامنة المرأة ذات اللحية ومنافسة الرجال في التلاوة والفقه، وقبل ذلك بتبني فحولة عضو مصطنع. لا أحد، ولا شيء في مكانه، بما في ذلك اللغة التي يتبدل دورها من الإباحي إلى القدسي، إلى نزع القداسة ودواليك. من الطبيعي أن يأتي الشكل، بمعنى الجنس الأدبي العام مدموغا بهذا الطابع، أي بين نوعي الرواية والحكاية، مرة متساوقين، ومتعانقين، ومرة ثانية منفصلين، متباعدين، بل إن المؤلف، يبدو كأنه ينسي روايته، في لعبة التقطيع والمناصّات المشوشة، والاستيهامات، وحتى الرطانات اللَّغْوية(Phatique) قد استهوته حكاية يامنة فانصرف إليها كلا ليضيع خيط السرد، أم تراه ظل يبحث عنه من البداية، وما هذه الكتابة جزءا وكلا إلا بحث مسترسل، ذو طابع تجريبي، ولذلك ما تنفك تتمظهر بين الأنواع، وتتمرأى في تعدد الأشكال، يستهوي مؤلفَها شكلٌ ما قبل روائي، فيما هو يصر على اصطناع الرواية، لنقُل باستلهام تراثي، دون أن يستقر على أي منهما، ولن يستقر، إذ هناك فرق بين الهُجنة وبين التهجين الذي هو قصدي لا عاهة، وهو آلية يستخدمها الكاتب في سرده التخييلي ضمن نسق كلي، مثلما يعرف كيف يمتح من التراث فيشتغل السرد عندئذ وينضوي العمل في نظام متصل بالتقاليد وبصناعة الكاتب الشخصية، زواج الصنعة والموهبة، وذا بعض سر نجاح ' الزيني بركات' لجمال الغيطاني ورسوخها.
15ـ هذه قراءة جزء من كل، والكل هو النص المفتوح، المسترسل، لأمين الزاوي، منشغل به شخصيا، إبداعيا وأكاديميا، وهذا هم مشترك بيننا، وهو في الحقيقة شاغل جماعة حية من الكتاب العرب، بقدر ما تتلمذت على الموروث الروائي الكلاسيكي للرواية، بقدر ما تبغي بَصم هذا الجنس الأدبي، الكوني، بميسمها، ينسجم مع ثقافتها وذائقتها، ومعيشها، وتطلعاتها الإنسانية والحلمية، بل وأبعد نزعة وطموحا. وبين الرغبة والطموح يمتد طريق التمرين والتجريب اليقظ وحتى التجريب النزق، في سياق آداب وطنية حديثة، لطالما قلنا ونكرر بأنها في علاقتها بالأجناس الأدبية الحديثة، رغم كثير من المزاعم المشروعة، والمدعاة، ورغم فقاعات السوق والترهات، هي قيد التكوين ومزيد التأسيس والتبلور، بقوة ومثابرة لا تفتر/ متشبعة بالحساسيات الجديدة دون حدود أو قيود، في الحياة والكتابة على السواء، وكما لا يستسلم صُنّاعُها للسائد كذلك لا تستسلم كتابتهم، قد وضعت نصب عينيها إبداعا خلاقا ما ينفك يبحث عن بديل، بديل تجديدي أبدا، هو المعوّل عليه؛ أحسب أمين الزاوي قد نذر نفسه لهذا الدور، وبهذا الفهم، في مجال يجعله ندّا بين أقران قلائل موهوبين حقا(والموهوبون قليل)، ومتفردا فيهم، ولذلك وكما كتب الناشر على ظهر غلاف'..لها سر النحلة': 'ممنوع عدم قراءة هذه الرواية'!'.


احمد المديني .

عبدالرحيم محمد احمد
20-12-2012, 23:17
'نـجـمــة تـرقــص مـعــي'

رواية : الميلودي شغمــوم .


صدرت للميلودي شغموم رواية جديدة بعنوان 'نجمة ترقص معي'.
تقع الرواية في 152 صفحة من القطع المتوسط / مطبعة المتقي برينتر، بالمحمدية، وتوزيع دار الأمان، بالرباط وقد جاء في غلافها الأخير:
'تزعم إحدى الشخصيات أن البشر جميعا يحملون زهرة نور، تشبه نجمة ترقص، تضيء وتعطر!
سعيد الشطي، الموظف الصغير في بنك، أخته نجمة العمياء البكماء الصماء، الزاهية، محترفة العهارة، الحاجة طامو، صاحبة بيت الدعارة، أستاذ الفرنسية محمد العنبري، المهندس المعماري الميلودي تاج الدين، أستاذ الفلسفة أحمد الفوطي، سليمان البستاني، فرانسوا لوبوف...مالذي يجمع بين هؤلاء جميعا: البحث عن زهرة النور أو البحث عن ظلمات العدم، لماذا يلتفون حول الزاهية، أي نور يجدون في أن يكونوا عشاقا للزاهية؟ لماذا يلفون حياتهم في الأسرار والألغاز؟ ولم منهم من يحرقون، أو يحترقون، بهذه الزهرة أو النجمة وقد يغرقون في العدم قبل رؤية أي نور أو يبقون واقفين على الحافة منتظرين يدا رحيمة تدفع بهم إلى الهاوية؟'

عبدالرحيم محمد احمد
26-12-2012, 09:29
'قـيـلــولـــة أحــد خـريـفـــي'

رواية : هشـام بن الشـاوي .


صدرت للكاتب المغربي هشام بن الشاوي روايته الثانية : 'قيلولة أحد خريفي' في 105 صفحة من القطع المتوسط، وهي النوفيللا الفائزة بجائزة الطيب صالح للإبداع العالمي. وقد صدرت للكاتب من قبل : 'بيت لا تفتح نوافذه...'(2007)، 'روتانا سينما.. وهلوسات أخرى' (2008)، 'كائنات من غبار' (2010)، 'احتجاجا على ساعي البريد' (2012). وسيصدر له ،قريبا، عن دار النايا بسوريا الطبعة الثانية من روايته البكر 'كائنات من غبار'، وكتابا حواريا موسوما بــ 'نكاية في الجغرافيا'، ويضم بين دفتيه الحوارات التي أجراها الكاتب المغربي مع نخبة من كبار الكتاب العرب: 'محمد البساطي، أسامة أنور عكاشة، وحيد حامد، يوسف القعيد، إبراهيم عبد المجيد، د. محمد برادة، د. سعيد يقطين و محمد عز الدين التازي'.
ووفقا للناقد والكاتب المغربي إبراهيم الحجري ترتبط رواية هشام بن الشاوي الثانية 'قيلولة أحد خريفي' في كثير من مناحيها بسابقتها، سواء من خلال التماهيات الدلالية للأبطال أو من خلال التقاطعات النفسية المركبة، التي تحبل بها عبر ملفوظات الفواعل النصية، والتي للأسف تعري نمطا من الواقع المرير الذي تعيشه الذات في علاقاتها المشبوهة والمتعفنة مع ذواتها المتعددة (الأقنعة) ومع الآخرين ومع المكان.
إنها رواية الفضح والكشف أو ما يسميه د. محمد برادة بأسلوب التشخيص أو الشخصنة، حيث يعمد الرواة إلى كشف المستور ووضع العلب السوداء للفرد على طاولة القارئ ليقلبها على وجوهها مكتشفا بعضا من ذاته هناك. وقد كان الكاتب قاسيا مع رواته ومع شخوصه معا، وحاصرهم في دوامة العصف ذاتها، لتتشكل نواة الألم الخفي التي تبعثر أوراق المروي لهم، دون مهادنة أو تسامح. تلك القسوة التي تتمظهر على الورق ليست غريبة عن طبيعة الشخصيات ولا عن طبيعة القراء ولا حتى عن طبيعة الكاتب الفعلي نفسه، إنها معضلة 'التداخلات' لدى بن الشاوي على مستوى التشييد الخطابي، فلست تدري هل هو الذي يحكي أم شخوصه أم كائنات غريبة تقفز من الخارج لتقحم فضولها، لذلك يمكن نعتها بالكتابة التي تتعقد تفاصيلها كلما مشت، دون أن يكون هناك أي افتراض لنهايتها. إنها تستمر في ذاكرة القراء وذاكرة الكاتب، وربما تسير نحو صورة تشكل ثلاثية أو رباعية أو من يدري. فما زال هناك متسع للسرد، وما تزال شخوص بن الشاوي حية برغم الوعثاء، تسافر وتحيا وتصمد في حياة لا إنسانية على هامش التاريخ معلنة أمام الملأ سخطها ووعيدها على الورى مهددة بأنها في مستقبل النصوص ستتنامى مثل الفطر لتقوض الدوامة التي أفرزتها'.
من أجواء الرواية نقرأ :
' في المقصورة، وجدتني أدشن الكراسة الجديدة بخربشات كالأطفال. كنت مهمومًا بالرواية بشكل لا يطاق، بشخصياتها التي تنمو وتتعملق بداخلي، وتتصارع لكي تدافع عن حقها في الوجود... أبدو شبه غائب عن الوعي، ألعن ضجة هذا القطار- الخردة، التي تجعلني غير قادر على أن أركز في القراءة والكتابة. أفكر في طقوس الكتابة، وأستغرب كيف يستطيع بعض المبدعين أن يكتبوا في المقهى وسط دخان الرواد وصخبهم.. أرسم أشكالا هندسية هلامية، أدوّن عبارات بلا معنى. أحس أن هناك من يختلس النظر إلي معتقدًا أنني معتوه.. كالفتاة الجالسة قبالتي، بملامح شبه بلهاء، وأمها العجوز تتحدث إلى الشاب المجاور لي.
أسارع بتمزيق الورقة، وعلى صفحة جديدة أخط أسماء شخوص الرواية، وكمن يحل معادلات رياضية.. أرسم خطاطة للأحداث باحثًا عن رابط خفي بين ما حدث وما سيحدث. أحس بأنني أمقت 'ولد سلام'، الذي أفسد علي متعتي بالكتابة مدركًا بأن هذا الفصل قد يكون أسوأ ما في الرواية، وعلي أن أتفادى أي تنميط ساذج. أتذكر من ألهمتني هذه الرواية. لقد اختفت بعد أن أينعت براعم محكياتها.. لعلها على وشك أن تصبح أمًّا، في حين مازلت أكابد مخاض هذه (القيلولة)'.

رشيدة محمد
27-12-2012, 11:56
أنا متابعة لقراءاتك المتميزة أخي عبد الرحيم
شكرا على الإمتاع والإفادة
دمت بهذا الألق

عبدالرحيم محمد احمد
27-12-2012, 18:37
أنا متابعة لقراءاتك المتميزة أخي عبد الرحيم
شكرا على الإمتاع والإفادة
دمت بهذا الألق



العفـو سيــدتـي الكريــمـــة..

لك منّـي أصـــدق التحيـــات.

عبدالرحيم محمد احمد
27-12-2012, 18:57
'يــا مــريـــم'

رواية : سنان أنطون.


أسعد كثيرا حين أقرأ رواية 'مسيحية' في اللغة العربية. وأسارع إلى تصحيح هذا التوصيف. فليس هناك رواية مسيحية وأخرى إسلامية. وإنما هناك فقط رواية عربية. إنما ما أعنيه بقولي 'رواية مسيحية' هو الرواية التي تعبر عن النسيج الحياتي للقطاعات المسيحية من المجتمعات العربية، في مصر مثلا أو سوريا أو لبنان أو العراق، أو غيرها من البلاد العربية التي يوجد فيها سكان مسيحيون وتقاليد مسيحية عريقة. وأعني بالنسيج المسيحي أن تكون الشخصيات الرئيسية أو بعضها مسيحيا، أن نرى النكهة المسيحية للحياة اليومية في أسرة مسيحية، أن نرى شخصيات تذهب إلى الكنيسة لا إلى المسجد، أن نقرأ لغة عربية مطعّمة بالنكهة الدينية المسيحية، باختصار أن يكون المنظور الديني أو الاجتماعي مسيحيا، حتى وإن كان منظورا علمانيا، رافضا للدين أو التدين. والذي أقصده هو أن ثمة نقص في مثل هذا الإنتاج الروائي، الذي لا يضارع الموجود منه الحجم السكاني المسيحي في البلاد العربية عموما. هناك شخصيات مسيحية في روايات يكتبها مسلمون (في بعض روايات نجيب محفوظ مثلا كالثلاثية) ولكن المنظور يأتي من واعية مسلمة والنسيج الاجتماعي المصوّر يكون إسلاميا بينما الشخصيات المسيحية على الهامش وليس في البؤرة. لذلك أرحب دائما بأي عمل روائي جيد يتيح للقارئ العربي نظرة خصوصية من ذلك المنظور المغاير. ففي هذا الزمن الذي نسعى فيه لإدراك التماثل البشري على الرغم من الاختلاف الظاهري، والذي يهم فيه تنمية الوعي التسامحي، والاحتفاء بالاختلاف والتنوع بدلا من الانكفاء على الذات وحدها في هذا الزمن يقع على الفن والأدب واجب التقريب، ليس عن طريق الوعظ، ولكن عن طريق التمثيل والكشف فقط. قراءة رواية من منظور مسيحي على سبيل المثال قد تكفي لأن تُظهر للقارئ المسلم أن كُنه العاطفة الدينية واحد لدى المسلم والمسيحي على الرغم من اختلاف الطقوس والشعائر والتصورات الغيبية للمطلق.
من هذا المثال، وبغض النظر عن دين الكاتب، تأتي روايات الكاتب المصري إدوار الخراط، وبعض أعمال بهاء طاهر وإبراهيم عبد المجيد ومحمد المنسي قنديل من مصر، أما في لبنان فتكثر هذه النماذج في الفترة الكلاسيكية للأدب اللبناني الحديث كما في أعمال جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ويستمر التقليد حتى يومنا هذا كما في أعمال ربيع جابر على سبيل المثال لا الحصر. وللرواية العراقية نصيبها من ذلك المنحى أيضا، كما في رواية 'يا مريم' لسنان أنطون الصادرة في 2012 والتي أُدرجت على قائمة الست عشرة أو القائمة الطويلة 'للجائزة العالمية للرواية العربية' أو 'البوكر العربية' كما يُطلق عليها أحيانا.
رواية 'يا مريم' ذات العنوان المبتهل للسيدة العذراء تندرج ضمن قائمة طويلة من الروايات العراقية التي خرجت إلى الوجود في العشر سنوات الأخيرة والتي انشغلت منذ سقوط صدام حسين بإعادة تقييم التاريخ السياسي والاجتماعي للعراق الحديث ليس فقط في فترة الحكم البعثي وما سبقها من العهود الملكية والجمهورية في القرن العشرين، وإنما أيضا انبرت للتعامل مع الواقع العراقي في القرن الحادي والعشرين منذ الاحتلال الأمريكي البريطاني في 2003 وما تبعه من تفكك بنية المجتمع العراقي وانقسامه الطائفي وانتشار الرعب والموت فيه كظاهرة أساسية في الحياة اليومية. في هذا السياق تأتي رواية سنان أنطون بمثابة مرثية نثرية لما آل إليه حال العراق عموما ومسيحييه خصوصا، وفي غمرة رؤيتها القاتمة للواقع يبدو عنوانها 'يا مريم' ابتهالا بلا أمل في أن تستجيب السماء.
تتنابذ في الرواية رؤية جيلين من نفس الأسرة المسيحية الكلدانية: الجيل القديم الذي عاصر أزمنة لم تخلُ من أهوالها الخاصة إلا أنه لم يكن من بينها الرعب الطائفي، وذلك الموجّه منه ضد مسيحيي العراق خاصة، والجيل الجديد الذي تبلور وعيه في الزمن الجديد فلم يعرف شيئا إلا عراق اليوم والموت العشوائي المتربص بالجميع، والمترصد للمسيحيين وأحيائهم السكنية وكنائسهم على وجه الخصوص. الجيل القديم يمثله العم يوسف العجوز المتقاعد بينما يمثل الجيل الجديد ابنة أخيه، طالبة الطب في جامعة بغداد التي تضطر وأسرتها إلى هجر بيتها ومدينتها أكثر من مرة تحت تهديد شيوخ الفقه 'الإسلامي' الجديد الذي يقدم لمسيحيّ العراق أربعة خيارات لا غير: دفع الجزية أو إشهار الإسلام أو الرحيل أو الموت، والتي يُجهض جنينها الأول حين تنفجر سيارة مفخخة أما بيت عمها يوسف الذي كانت لجأت إليه مع زوجها ظنا منهما أن المسيحيين لا خوف عليهم في ذلك الحي. بعد الهجرة الداخلية المتكررة لا يعود هناك أمل إلا في الهجرة الدائمة إلى الخارج لحاقا بباقي فروع الأسرة الذين سبقوهما. إلا أن الهجرة التي تبقى ملاذا أخيرا للشباب ليست خيارا واردا لدى العم يوسف الذي لا يعرف لنفسه ملاذا غير بلده الذي ولد وعاش فيه ولا نية لديه أن يموت في غيره، والذي تتحقق له نيته على يد 'دولة العراق الإسلامية' حين تهجم على كنيسة 'النجاة' في بغداد في 2010 فيكون من بين القتلى، بينما تنجو ابنة أخيه، وهو الحدث التاريخي الذي يتقاطع مع الحدث الروائي.
وكأن الرواية تراجيديا إغريقية (وهي تراجيديا بلا شك)، نراها تلتزم بالقواعد الأرسطية لوحدة الحدث والزمان والمكان. فهي تتقيد بحدث لا يتجاوز أربعة وعشرين ساعة ولا يخرج المشهد عن البيت والكنيسة القريبة منه، وأما ما تعدّى ذلك فهو لا يتسلل إلينا إلا من طريق الاسترجاع وتداعيات الوعي. تبدأ الرواية بهذه العبارة باللهجة العراقية المحكية التي يلتزم بها الكاتب في الحوار: 'إنت عيّش بالماضي عمّو.' وهي التهمة التي ترمي بها مها عمها حين يصرّ أن البلد بلد الكل. عند مها الأمر غير ذلك: 'يمكن كان بلدنا قبل، عمو... هسّه خَلَص. هسّه صرنا كلنا كفار وذميين.' (ص26)
ولا يفوت الكاتب أن يلفت النظر لفتا غير مقحم لحدث تاريخي سابق وإن كان مشابها، وهو إسقاط الجنسية ومصادرة الملكية والترحيل القسري لليهود العراقيين في أوائل الخمسينات من القرن الماضي. (وهو أمر صار يشغل الروائيين العراقيين في العقد الأخير في ثنايا انشغالهم في إعادة تقييم تاريخهم الحديث، كما على سبيل المثال لا الحصر في رواية علي بدر، 'حارس التبغ'.) فجيل العم يوسف عاصر في شبابه ذلك الحدث، وكما أسف هو وأصدقاؤه المسلمون على ما صار لأصدقائهم من اليهود في ذلك الوقت، ها هو يرى نفس المصير يحيق بعد نصف قرن من الزمان بمسيحيي العراق.
يرمز يوسف لنوع من 'التدين العلماني' إن جاز التعبير، ذلك التدين المتسامح المتسائل القابل للشك وإن لم يصل به الشك إلى رفض الإيمان، ذلك النوع من الإيمان، مسلما كان أو مسيحيا، الذي لم يكن متمركزا على الشعائر والطقوس والتدخل الفقهي في أخص سلوكيات الفرد في حياته اليومية، نوع الإيمان الذي كان السمة الغالبة في مجتمعاتنا قبل المد الديني الأصولي الذي بدأ يهاجمها بضراوة منذ الثمانينات. تدور خواطر يوسف على هذا النحو: 'كنت مؤمنا على طريقتي الخاص(...) لم أكن أتقيد بالواجبات والتعاليم (...) أعرف بأن الله موجود (...) مع ذلك كانت لدي أسئلة كثيرة لم أجد لها أجوبة شافية (...) وسؤال واحد بالذات يلح عليّ. سؤال عن كل هذا الشر الذي يسمح به الله أو لا يعاقب من يفعلوه (...) لم أكن مهتما كثيرا باختلاف الطرق التي يسلكها البشر إلى الله. فالطريق بحد ذاته لم يكن يضمن طهارة أولئك الذين يمشون عليه. هناك أخيار وأشرار يملؤون الطرق كلها وهناك من يظن أن لا طريق إلى الله إلا طريقه هو.' (ص98-99) وهذه العبارة الأخيرة هي أُس البلاء، هي أس الطائفية والتعصب والانقسام ليس فقط في عراق الرواية وفي اضطهاد مسيحييه، بل في غير مكان من عالمنا العربي اليوم، حيث يظن المسلمون إن كانوا من السنة أن الطريق إلى الله لا يمرّ بالشيعة ، وإن كانوا من الشيعة أنه لا يمر بالسنة ، وإن كانوا من أولئك أو هؤلاء أنه لا يمر بالمسيحيين ولا اليهود، ناهيك عن غيرهم من أتباع الملل والنحل 'غير السماوية'. (انظر مثلا مشروع الدستور المصري الحالي المتنازع حوله حيث يضمن في المادة 43 'حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة للأديان السماوية...' ولا يلتفت إلى أن صياغة هذه المادة تحرم من 'حرية الاعتقاد والممارسة..' من لم يكن منتميا للديانات الثلاثة المقصودة 'بالسماوية'.)
قلت في بدء هذه المقالة أني أبتهج حين أقرأ رواية عربية مكتوبة من منظور مسيحي، سواء كان كاتبها مسلما أو مسيحيا، فهي دائما تجربة مثرية، موسّعة للأفق، وكاشفة عن جزء من النسيج الاجتماعي قد لا تتوفر دائما الخبرة المباشرة به، وحتى إن توفرت فهذا شيء والخبرة عن طريق عمل فني شيء آخر. إلا أنه ينبغي أن أؤكد في الختام أن هذا الابتهاج إنما هو في حالة الرواية الراهنة مجرد الابتهاج الفني الناتج عن قراءة عمل أدبي جيد، يتسم بحبكة متينة، ولغة رفيعة، وشخصيات حية، ونبرة هادئة متفكرة. وعند هذا الحد يقف الابتهاج، أما من وراءه فليس هناك إلا القنوط، فالرؤية الكامنة في الرواية قاتمة قتامة شديدة، ويزداد إحساسنا بالكآبة إذ نقرأ من إدراكنا أنها رؤية واقعية، إن لم نقل أن الواقع يسبق الخيال الروائي في البعث على القنوط. وهي رؤية وإن كانت من منظور عراقي مسيحي إلا أن دلالاتها تعمّ على الواقع العربي برمته.


رشيد العناني.

عبدالرحيم محمد احمد
04-01-2013, 22:22
'صـــانـــع الظــــلام'

رواية : تامر ابراهيم .


أصدرت دار بلومزبري مؤسسة قطر للنشر رواية رعب جديدة لتامر إبراهيم أحد أهم كتاب الرعب في العالم العربي. الرواية بعنوان 'صانع الظلام'.
وتدور الرواية حول يوسف الذي يعمل في قسم الحوادث بمجلة 'المجلة'، فذات يوم يكلِّفه مدير التحرير بإجراء حوار صحفي مع أستاذ جامعي حُكِم عليه بالإعدام لقتله ابنه بطريقة بشعة. وبدلاً من أن يحصل يوسف على إجابات على أسئلته، يجد نفسه قد سقط في لعبة جهنمية لا تحمل له إلا الأسرار والمفاجآت والأهوال التي تفوق أسوأ كوابيسه!
لعبة قواعدها لا ترحم... لعبة لا يستطيع الخروج منها. فيحارب بلا أمل وبلا هوادة، لا بحثاً عن الحقيقة، بل نجاةً بحياته.
كان يوسف خليل وحيداً... لكنه سيفتقد وحدته هذه قريباً!
قال عنه كاتب الرعب الأشهر في العالم العربي الدكتور أحمد خالد توفيق: 'يعبر تامر إبراهيم بسلاسة ذلك الحاجز الفاصل بين التشويق والرعب، ليبرهن على أنه لا يوجد حاجز أصلاً، وأن هرولة الوقت ذاتها قد تكون مرعبة أكثر من قبو يعج بالتوابيت. في الوقت ذاته هو قادر تماماً على ارتياد عوالم رعب لا أجرؤ على ارتيادها'.
ولد تامر ابراهيم في الكويت عام 1980، وبدأ في نشر أعماله منذ عام 2000. بعد تخرجه من كلية طب عين شمس عام 2003 تفرغ تماماً للكتابة لتصدر له عدة سلاسل مثل 'أوراق مجهول' و'عالم آخر' و'ميجا' و'فيروس'. كما اشترك مع الدكتور أحمد خالد توفيق في كتابة مجموعة 'قوس قزح'. صدر له أيضا مجموعتان قصصيتان بعنوان 'حكايات القبو' و'حكايات الموتى' وروايتان هما '300 دقيقة' و'الذي لم يمت'.
اشترك تامر إبراهيم كذلك في كتابة حلقات للعديد من المسلسلات التلفزيونية والإذاعية، وله ثلاثة أفلام قيد التنفيذ هي 'على جثتي' بطولة أحمد حلمي وغادة عادل و'سبع ليالي' و'شوكولاتة بيضا'.
ومن الجدير بالذكر أن 'صانع الظلام' وهي الجزء الأول من ثنائية يصدر جزءها الثاني بعنوان 'اليوم الثالث والعشرون' في يناير الجاري 2013 خلال معرض القاهرة الدولي للكتاب.

عبدالرحيم محمد احمد
04-01-2013, 22:23
'صـــانـــع الظــــلام'

رواية : تامر ابراهيم .


أصدرت دار بلومزبري مؤسسة قطر للنشر رواية رعب جديدة لتامر إبراهيم أحد أهم كتاب الرعب في العالم العربي. الرواية بعنوان 'صانع الظلام'.
وتدور الرواية حول يوسف الذي يعمل في قسم الحوادث بمجلة 'المجلة'، فذات يوم يكلِّفه مدير التحرير بإجراء حوار صحفي مع أستاذ جامعي حُكِم عليه بالإعدام لقتله ابنه بطريقة بشعة. وبدلاً من أن يحصل يوسف على إجابات على أسئلته، يجد نفسه قد سقط في لعبة جهنمية لا تحمل له إلا الأسرار والمفاجآت والأهوال التي تفوق أسوأ كوابيسه!
لعبة قواعدها لا ترحم... لعبة لا يستطيع الخروج منها. فيحارب بلا أمل وبلا هوادة، لا بحثاً عن الحقيقة، بل نجاةً بحياته.
كان يوسف خليل وحيداً... لكنه سيفتقد وحدته هذه قريباً!
قال عنه كاتب الرعب الأشهر في العالم العربي الدكتور أحمد خالد توفيق: 'يعبر تامر إبراهيم بسلاسة ذلك الحاجز الفاصل بين التشويق والرعب، ليبرهن على أنه لا يوجد حاجز أصلاً، وأن هرولة الوقت ذاتها قد تكون مرعبة أكثر من قبو يعج بالتوابيت. في الوقت ذاته هو قادر تماماً على ارتياد عوالم رعب لا أجرؤ على ارتيادها'.
ولد تامر ابراهيم في الكويت عام 1980، وبدأ في نشر أعماله منذ عام 2000. بعد تخرجه من كلية طب عين شمس عام 2003 تفرغ تماماً للكتابة لتصدر له عدة سلاسل مثل 'أوراق مجهول' و'عالم آخر' و'ميجا' و'فيروس'. كما اشترك مع الدكتور أحمد خالد توفيق في كتابة مجموعة 'قوس قزح'. صدر له أيضا مجموعتان قصصيتان بعنوان 'حكايات القبو' و'حكايات الموتى' وروايتان هما '300 دقيقة' و'الذي لم يمت'.
اشترك تامر إبراهيم كذلك في كتابة حلقات للعديد من المسلسلات التلفزيونية والإذاعية، وله ثلاثة أفلام قيد التنفيذ هي 'على جثتي' بطولة أحمد حلمي وغادة عادل و'سبع ليالي' و'شوكولاتة بيضا'.
ومن الجدير بالذكر أن 'صانع الظلام' وهي الجزء الأول من ثنائية يصدر جزءها الثاني بعنوان 'اليوم الثالث والعشرون' في يناير الجاري 2013 خلال معرض القاهرة الدولي للكتاب.

عبدالرحيم محمد احمد
11-01-2013, 22:33
'مـــــولانـــــا'

روايـة : إبـــراهيـــم عيـســـى .


حين وقعت عيناي لأول مرة على رواية إبراهيم عيسى، 'مولانا'، الصادرة عن دار بلومزبري بقطر في 2012، والتي شهدت طبعات أربعة في عام واحد، والتي اختارها محكمو الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية) مؤخرا ضمن قائمة الست روايات لعام 2013 .
حين وقعت عيناي على عنوانها وعلى صورة الغلاف التي تتكون من لوحة نصفية لشيخ ملتحٍ ومعمم ومن خلفه تتراقص ألسنة اللهب، وقع في ظني، وخاصة أني أعرف إبراهيم عيسى وميوله الفكرية والسياسية من مقالاته الصحفية وبرامجه التلفزيونية، أن الرواية لابد وأن تكون عملا مكرّسا للسخرية من دعاة الفضائيات وغيرها، الذين اسهموا على مدى عقود في تشويه صورة الدين، وجعله مجالا للتعصب وضيق الأفق ورفض الاختلاف والتفريق بين المذاهب في الدين الواحد، ناهيك عن بث الفرقة بين أبناء الوطن الواحد المختلفين في الإيمان.
ظننت. ولم يكن ظني مخالفا للحقيقة كما تفتّقت عنها قراءتي للرواية، إلا أن الواقع الروائي الذي تكشّف لي لم يكن بالبساطة التي تصورتها. فعلا وجدت الرواية تتناول في شيء كثير من التفصيل فهي تزيد على 550 صفحة شيخا داعية من شيوخ الفضائيات، هو الشيخ حاتم الشناوي، الشخصية الرئيسية في الرواية، وهي من اللحظة الأولى تلقي بنا في عالم الدعاة الفضائيين إن جاز التعبير حيث المشهد يدور في استديو المحطة الفضائية المعنية، استعدادا لتسجيل حلقة جديدة من برنامج الشيخ الشناوي، وبالتحديد لحظة طلاء وجه الشيخ بمساحيق المكياج اللازمة للظهور التلفزيوني. ولعل البدء بهذه اللحظة خاصة لا يخلو من الغرض الروائي سواءً قصد إليه الكاتب عمدا أو عن غير وعي. فالتمَكْيُج تلفزيونيا كان أو في غيره من المناسبات هو فعل تمويه، فعل تدليس، فعل إبراز لجمال غير موجود أو إخفاء لقبح موجود، هو فعل تقديم مظهري لباطن مخالف للمظهر المُقدَّم. وليس هناك ما هو أكثر توفيقا من هذه اللحظة الافتتاحية في الرواية المختارة بعناية من قِبل إبراهيم عيسى. فالدين المُتَلْفَز في الرواية كما في أغلب الأحوال في الواقع المعاش ليس إلا دينا مُمَكْيَجا، دينا معدّا إعدادا خاصا، لجمهور خاص، من قِبل باثٍ خاص، ذي رسالة خاصة، وهي رسالة قلّما يُقصد بها وجه الدين. وكما أن الممثلين والممثلات والمذيعين والمذيعات ورجال السياسة والمعلّقين السياسيين إلى آخر القائمة يحتاجون إلى المكياج أمام عدسات التلفزيون، كل لغرضه، فكذا رجال الدين ودعاة الفضائيات، لا يفرق هؤلاء من أولئك فارق. وهذه هي الحقيقة التي يدركها إبراهيم عيسى جيدا، فينزع عن دعاة الفضائيات مكياجهم ورتوشهم وأقنعتهم ويقدمهم لنا في حال عري فكري تام.
ولست أدري إلى أي حد يقصد إبراهيم عيسى أن يكون الشيخ حاتم الشناوي صورة طبق الأصل للدعاة الفضائيين، خاصة كما يتصورهم أولئك غيرُ المختوم على قلوبهم من المؤمنين العاديين الذين يخلو إيمانهم من البرامج السياسية، والذين لا يرون في الدين مطية للتسلط السياسي، والذين يحذرون أن يكون الدين مدعاة فرقة وتصارع. فذلك النمط من الدعاة وهو الأعمّ ليس محببا إلى النفس، والأغلب أن يكون منظاره للحياة ذا لونين فقط: الأبيض والأسود، إما الجنة أو النار، إما الثواب أو العقاب، لا ظلال عنده ولا تعقيد ولا تشابك، ولا تسامح أو سماحة، ولا هزل أو فكاهة، وإنما جد وصرامة، وتجهم وعبوس. وليس في شيء من هذا كله الشيخ الشناوي، بطل رواية 'مولانا'. فهو شخصية إنسانية محببة، يجمع بين الجد والهزل، وينطوي على شيء كثير من 'الفَهْلَوة' المصرية التقليدية، وهو عالم فقيه في أمور الدين، ولكنه أيضا عملي، يعرف ما يُقال وما لا يُقال، ما يصلح للفضائية الدينية وما لا يصلح. ما يجوز قوله لجمهور شبه مقولب، شبه مغسول المخ، صار يتوقع ما يسمع ولا يريد أن يسمع غيره. ويعرف أيضا ما يريد من يدفعون أجره الباهظ أن يقوله، وما لا يقبلون أن يقوله. يعرف ما يجوز الإفتاء به وما لا يجوز. يعرف ما تريده أجهزة الأمن وولاة الأمر في السلطة السياسية. وأهم من هذا كله أنه يعرف من أمور الدين ما يعينه على تلبية كل هذه التوقعات بدون أن يمسك عليه أحد خطأً ما، فالدعوة الفضائية مثلها مثل حبل مشدود كحبال السيرك من فقد توازنه فوقه سقط بدون أن تتلقاه شبكة أمان.
الشيخ الشناوي نموذج غريب ومعقد لشيوخ الفضائيات. ولا أظن أن بين قارئي الرواية أو مجرد هذا المقال من لم يشاهد حلقة أو عشرة، متابعا أو عابرا، من برامج الدعوة أو الوعظ أو الإفتاء والنصح الديني: صارت هذه البرامج واقعا حياتيا معاشا لا مهرب منه شئنا أو لم نشأ. إلا أن ما تتيحه لنا رواية إبراهيم عيسى هو المشهد من وراء الكواليس. المشهد قبل إشارة 'الكلاكيت'. المشهد في غرفة المكياج. وليس فقط مكياج الفرشة والمساحيق، وإنما أيضا المكياج الفكري. ما تتيحه لنا الرواية هو نفسية الشيخ الواعظ المفتي، واختياراته الدينية الفكرية التي يقدّم بعضها ويؤخر الآخر أو يخفيه تماما. وكذلك حياته الخاصة. مشاكله الأسرية. علاقته مع زوجته التي تخونه ويخونها. علاقته مع ابنه. علاقته مع أساتذته من ناحية ومريديه من ناحية أخرى. علاقاته الأمنية. تداعيات حياته قبل أن يصبح واعظا، وكيف أسهمت في جعله داعية فضائيا. مخاوفه المالية، وخشيته أن يقول شيئا أو يخطو الخطوة الخطأ، فينقطع الرزق المنهمر بعشرات الآلاف أو مئاتها فيعود به إلى نمط من الحياة يخلو من مباهج الحياة الدنيا التي كثيرا ما يعظ الآخرين أن ينبذوها. تحالفاته مع رجال السلطة والمال التي تملي عليه ما يعظ به وما ينهر عنه.
ولكن الشيخ الشناوي عالم بحق، وليس متعالما. وهو مجتهد يعمل الفكر في النصوص وليس تقليديا ناقلا مرددا بغير تأمل ولا تمحيص. بل هو محسوب على المعتزلة، سادة الفكر الحر في التراث العربي. وهو يدافع عن الشيعة، والمسيحيين، واليهود وغيرهم، ولا يشارك في حملات التفكير وفتاوى الكراهية والتحريض. هو كل هذه الأشياء الجيدة. ولكنه أيضا منافق. لأنه لا يعطي علمه إلا بحساب، على المقاس. ولأنه يقول ما لا يؤمن به ويؤمن بغير ما يقول. وفلسفته تستحق أن تُقتطف بوضوح لما فيها من تناقض بيّن يظهر خداعه لذاته قبل الآخرين، فهو يصف فلسفته الدعوية على النحو التالي: 'أنا أكثر معرفة بمصلحتي التي يمكن أن يضربونها بالضربة القاضية لو ظهرت بآراء وأفكار بشكل مختلف عما يريد الجميع أن يسمعه. كل ما أقوله في العلن هو كلام مؤمن به طبعا، لكن على الحواف ومن فوق السطح وفي الوعظ والإرشاد وتذكرة الناس بربنا وقصص تاريخية مهمة، ولكن الأساس فيها الوعظ وليس العظة، الدعاية للدين وليس الاعتبار والتبصرة به، فتاوى للحياة اليومية تلبي حاجة التدين عند الناس، لكنها لا تغير في حياتهم ولا حتى في نفوسهم شيئا (...) ما نقوله هو كلام يأتي من متاحف الفكر، محفوظ ونصي وقديم مكرر. ربما الدعاة من منافسي في السوق لا يملكون غير هذا الكلام، لكن أنا أملك علما درسته وذاكرته واقتنعت به، بل أحببته كذلك، لكنني لا أبذل جهدا في الخروج من النص التلفزيوني للدين (...) لا أظهر كل ما في صدري وفي علمي ولا أقول كذبا، بل أقول قشرا.' (ص 366-367)
كل هذا تكشف عنه هذه الرواية التي يخبرنا إبراهيم عيسى في صفحتها الأخيرة أنه قضى ثلاث سنوات في كتابتها من 2009 إلى 2012، سنة نشرها. ولا أستغرب أنها قد استغرقت هذا الوقت في الكتابة، فهي وإنْ كتابة إبداعية، إلا أن وراءها جهدا بحثيا أكاديميا وليس فقط حياتيا. فمن وراء علم الشيخ الشناوي وطروحاته الفكرية والإفتائية، تكمن جهود الكاتب في الاطلاع على القرآن وتفاسيره، والسنة النبوية والسيرة، والحديث، صادقه ومكذوبه والمشكوك فيه، وفكر المعتزلة وتاريخ الإسلام في عصوره العديدة، وكذلك بعض من تاريخ الكنيسة وعلم اللاهوت المسيحي إلى آخره. كل هذا كان لازما لخلق الصورة الحية المُشْغِفَة التي يرسمها الروائي للشيخ حاتم الشناوي، والتي تبقى في الذهن بعد أن نقلب الصفحة الأخيرة من الكتاب، والتي أظن أنها ستغير من نظرة القارئ لدعاة الفضائيات من الآن فصاعدا. ولكن هل تغير من نظرة الدعاة لذواتهم؟ أم أن هذا إفراط في التفاؤل بالوظيفة التطهيرية للأدب؟ المؤكد أن 'فهلوة' الشيخ الشناوي الفكرية والفقهية لا تنجيه في النهاية، والرواية تنتهي وهو في حال لا يُحسد عليها، ومصر كلها في حال لا تُحسد عليه. والمؤكد أيضا أن 'شطارته' الدينية خذلته في النهاية ولم تقده وبلده إلا على سكة الندامة.
'مولانا' رواية ذات قضية. ذات أطروحة. رواية خرجت إلى الوجود لأن كاتبها أراد أن يوصّل لنا فكرة معينة تؤرقه ويعتقد أنها يجب أن تؤرقنا نحن أيضا القراء. هذه رواية أحب أن أسميها بالرواية الآنية. لأنها مرتبطة بالوقت الذي كتبت فيه، وبالقضية التي تتناولها: دعاة الفضائيات. وبهذا المعنى لا نتوقع لمثل هذه الرواية أن تعيش بعد زمنها. أو بعد زوال قضيتها. ولأنها رواية آنية ذات قضية محددة، فهي معنية بالسرد، وعرض الأفكار، والإطالة بقصد التوضيح، ومعنية كذلك بالتسلية التي تعين القارئ على تحمل الجرعات الفكرية. ولا صبر لها على الكثافة اللغوية، أو الشعرية، أو التفلسف والتعمق في النوازع البشرية وراء ما يؤدي الغرض القريب المطلوب. وكل هذا مرغوب، والروائي عليه مشكور. هي رواية تضيف إلى جهد إبراهيم عيسى الصحافي والإذاعي في النقد السياسي والاجتماعي. هي رواية ربما أنه ليس مقدرا لها أن تصبح من روائع الأدب، إلا أنها من أمسّ ما نحتاج أن نقرأه ونتكلم فيه ونكتب عنه اليوم وفي الغد المنظور.

ـ رواية 'مولانا' لإبراهيم عيسى، دار بلومزبري - مؤسسة قطر للنشر، 2012.


رشيـــد العـنـانـــي .

عبدالرحيم محمد احمد
13-01-2013, 22:18
'كـــفـــر العــبــيـــط'

روايـة : أسـامة الشـاذلي .



تصدر دار 'نهضة مصر' رواية كفر العبيط للصحافي والروائي اسامة الشاذلي خلال فعاليات معرض الكتاب الدولي 2013، وتدور الرواية حول تأثير الحكم العسكري على الحياة المدنية من خلال قرية خيالية تقع على أطراف الدلتا في مصر، يقرر الجيش انتزاع بعض أراضيها لإنشاء وحدة عسكرية بجوارها، ونتيجة لأعمال مقاومة الأهالي ورفضهم الاستغناء عن أراضيهم، يقوم الجيش بعزل القرية وحكمها عسكريا.
ويرصد الكاتب من خلال جو من الفانتازيا التحولات التي تطرأ على القرية من خلال إصابة أهلها بعمى الالوان وكذلك الضعف الجنسي وبعض الاشياء التي تشير إلى التحول الذي يصيب المدنيين جراء الحكم العسكري.
كذلك يرصد الكاتب من خلال خبرته كضابط سابق في القوات المسلحة، الحياة العسكرية وطريقة اختلاطها بالحياة المدنية، وسيرة احد القادة المعروفين.
وتبدأ الرواية بوصف مجتمع القرية في الفصل الأول وفي الفصل الثاني تتعرض لوصف الحياة العسكرية داخل الوحدات، بينما في الفصل الثالث يصدر القرار العسكري بالاستيلاء على أرض القرية لصالح المنشأة العسكرية ويبدأ الجيش التحرك لتأمين الأرض وتعويض الملاك بمساعدة نخبة الملاك في القرية والمنطقة المحيطة.
ويرصد الفصل الرابع في الرواية الاشتباكات بين قوة من الجيش وأهل القرية وبداية تنظيم عمليات المقاومة ومحاولة شيوخ موالين للسلطة التأثير على أهل القرية عبر المنابر.
ويتناول الفصل الخامس والأخير التحولات التي تشهدها القرية وأهلها في طابع فانتازي صريح يضم 'عمى ألوان' يشير لاختفاء البهجة من الحياة وعجز جنسي يشير إلى انتشار الكبت ثم اختفاء القنوات الفضائية وحالة من الخرس تصيب شيخ أزهري هو الوحيد الذي يمثل صوت الدين المعتدل في القرية في مقابل شيخ اخر تابع للسلطة.
وتنتهي الرواية برحيل قوات الجيش عن القرية تاركاً أثار الحكم العسكري التي تتلاشى مع الزمن وتتحول لأسطورة، وتنتمي الرواية لمدرسة الواقعية السحرية.
يذكر أن رواية 'كفر العبيط' قد حصلت على منحة صندوق التنمية العربي 'آفاق'، وهي الراواية الثالثة لأسامة الشاذلي بعد 'سيد الأحلام' 2009، و'قهوة الحرية' 2010.

عبدالرحيم محمد احمد
16-01-2013, 02:56
'ظــلــمـــة يــائــيـــل'

روايـة : محمد الغربي عمران .


'ظلمة يائيل' رواية الكاتب والروائي اليمني محمد الغربي عمران 'السوماني'** والحائزة على جائزة الأديب السوداني الراحل الطيب صالح للعام 2012..خلقت ضجة وتسونامي إبداعيا كبيرا تجاوز حتى حدود اليمن نفسها ..فهي رواية متميزة تتكئ على شرفة التاريخ لتخبرنا بين سطورها عما لا يقال وما ينتظرنا في المستقبل ..تخبرنا عن اليمن في الحقبة الإسلامية وعهد الدوليات المتنازعة والقائمة على الهويات الصغرى minor identity التي تكونت وفقا للحراك التاريخي كما ذكرت د. سيرين حسن الناقدة اليمنية في معرض نقدها للرواية نقتبس منه (يسرد لنا التاريخ السياسي اليمني في القرن الخامس الهجري مركزا على الصراع الديني بين المذاهب ليدور صراع عنيف للسيطرة على المجتمع بين ثلاث مذاهب إسلامية هي المذهب الاسماعيلي وكان امتدادا للدولة الفاطمية في القاهرة والمذهب الزيدي وكذلك المذهب السني وهو امتداد لمذهب العباسيين في بغداد)...
***
قام الكاتب بسرد قصة حب مستحيل بين رجل تمزقه الانتماءات الدينية والمذهبية، بطل الرواية جوذر،وامرأة تنازعها الحروب والصراعات والانفلات الأمني 'شوذب.'. واني أعيد تقديم الرواية هنا عبر محورين فقط هما المحور السياسي والمحور النفسي لتأثير كل منهما على الاخر..تناول الكاتب آيات الأفاق في وصف الطبيعة الجغرافيا الزمانية والمكانية لليمن القديم بجبالها وهضابها وسهولها ومناخها المتقلب ،ويأخذك معه في حل وترحال بطل القصة جوذر في مشوار البحث عن حبه المستحيل في جزيرة العرب آنذاك وقاطنيها من مختلف الملل والسحن والعادات الغريبة أيضا..ولان كل مثقف حقيقي يحمل رسالة أمينة وصداقة بعيد مداها،نجد بين سطور الرواية من أشكال القهر والاحتراب والنزاعات الناجمة عن هذه الهويات الصغرى المذهبية والدينية ومعاناة الناس من سجون رهيبة وتشرد ونزوح، نراه كما وصفه الكاتب بأسلوبه الفوتغرافي اليوم أيضا ينتشر هنا وهناك في فضائيات العالم و يعبر عن المنطقة التي تمر بمخاض عسير وإعادة تشكيل في دورة تاريخية جديدة تعيد إنتاج الماضي بأدواته المدمرة و بمسميات معاصرة جديدة والتاريخ ليس ماضيا فقط بل حركة حلزونية تكرر نفسها دائما ..وتتسلل نفس الأذرع الأخطبوطية للهويات الصغرى المزيفة القادمة من خارج الحدود أيضا لتشكل من جديد مركبا ذا قوة ثلاثية للإبادة،يخل بالسلم الاجتماعي والتعايش الجميل والطبيعي بين المذاهب وفقا للقانون الديناميكي (كل جسم أو مجتمع يبقى على حالته من سكون وحركة ما لم تؤثر عليه قوة خارجية تغير من حالته)..ونحن في القرن الحادي والعشرين علينا أن ننظر إلى ابعد من المركز العربي أو الإسلامي القديم إلى دول تقدمت لأنها جعلت من مصدر التنوع الراسي/الديني والأفقي/السياسي قوة كالهند التي جعلت التعايش بين من يعبد البقرة ومن يذبحها ممكنا والبرازيل التي دخلت نادي الكبار بالتنمية المتوازنة بين المركز والهامش ، بل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها تضرب نموذجا للوحدة في التنوع بنظامها المدني الفدرالي الديمقراطي الفريد الذي تطور في 200 سنة فقط..واليمن الجديد اليوم يواجه هذا التحدي الحضاري في سباق المائة متر حواجز عبر المبادرة الخليجية الدولية، فقد أضحت تلك الدويلات المتناحرة اليوم محافظات وأضحت الهوية الكبرى الجامعة major identity لها هو الجمهورية اليمنية التي يعبر عنها السلام الوطني' سيبقى نبض قلبي يمنيا' وأضحت الهوية المعاصرة للإنسان اليمني هي 'الرقم الوطني 'فقط..هذه الرؤية السياسية التي حملتها الرواية بين سطورها التي تستشرف مستقبل اليمن الجديد الحقيقي في مشوار البحث عن الخصوصية اليمنية في النظام العالمي الجديد مع الداروينية السياسية الدائرة الآن وإيقاع الزمن الدوار الذي ابتلع الزامر والمزمار هنا وهناك كما قال الشاعر المصري الراحل صلاح عبد الصبور..والهوية الحضارية الشاملة للدولة هي التي تحافظ على بقائها على الخارطة.وهذه الهوية الحضاريةtraditional identity تقع مسؤولية إبرازها على المفكرين والمثقفين الحقيقيين وقبيلة المبدعين من روائيين وتشكيليين وشعراء لا يتبعهم الغاوون، الذين يترفعون عن الانتماءات الضيقة والنزعات الفردية والنرجسية التي تقبح وجه المشهد الثقافي و يستلهمون من تاريخهم المجيد وتجارب الآخرين الثرة اضاءات للتقدم والازدهار وتعميق ثقافة المجتمع المدني، تماما كما تفعل النحلة الذكية من التطواف هنا وهناك وتجمع رحيق الأزهار وتعصره عسلا صافيا لذة للشاربين وبين أدعياء الفكر الذين يستنسخون تجارب وايديولوجيات الآخرين حتى بعد فشلها في بلد المنشأ..كما تفعل الذبابة البليدة التي تتنقل في مزابل الآخرين وتعود بما ازدردته وتطرحه روثا يسقم جسد الوطن ويجعله يتحلل وتتساقط أطرافه كمريض الجذام، وما حاق بالعراق و السودان ليس عنكم ببعيد.. والمثقف الملتزم هو من يقوم بدوره في الارتقاء بالهويات الصغرى في الوطن الواحد إلى الهوية الكبرى التي تلائم إنسانية القرن الحادي والعشرين وتجعل من التنوع قوة و الوطن لوحة تشكيلية بديعة متعددة الألوان وليست لوحة سريالية بلون واحد اصفر، فاقع لونها لا تسر الناظرين وهذا ما قصدته رواية 'ظلمة يائيل' الجديرة بالاحتفاء في كل محفل فكري أو ثقافي،عبر كافة ربوع اليمن السعيد وفي الوطن العربي الكبير والعالم الحر..وكما قال المعري:-
سبحان من قسم الحظوظ فلا ملامة
أعمى وأعشى وذو بصر وزرقاء اليمامة
*****
تناول الكاتب أيضا آيات النفوس في حالة التمزق التي اعتورت الكثير من شخوصها ولكني اخذ شخصية البطل جوذر لدراسة الأبعاد النفسية للرواية..الرجل الذي وجد نفسه يبحث عن الله عبر الأديان الابراهمية اليهودية وهي ديانة أمه اليهودية يائيل وطقوسها أحيانا وبين مذهب أبيه الإسلام السني أو مذهب معلمه صعصعة الاسماعيلي في ظلمة السجن وبين جبال ووهاد مكة والبيت الحرام..وهذا التمزق النفسي والاضطراب الوجداني الذي وصفه الكاتب ببراعة قد يساعدنا في التعرف على منشأ التطرف الديني المعاصر.. مع العلم بان الأديان الابراهمية الثلاثة جاءت من لدن خالق واحد هو الله وتنسجم مع الفطرة النقية والإدراك السامي في الإنسان(transcendental perception) وهي عقائد مركزها الفرد وحدودها العالم ولكن عندما يوظفها البعض في ايديولوجيات سياسية وصائية من اجل السلطة والتسلط، ثم تتحول إلى أدوات هدم للمجتمعات وتخلق النزاعات المتناقضة التي تفسد الجغرافيا السياسية للبلاد وتدمر الشخصية السوية للإنسان وتقود إلى اضطرابات وجدانيةsentimental suspension،تصنع ظاهرة الإرهاب المعاصر..وقديما قال أبو العلاء المعري
إنما هذه المذاهب أسباب لجلب الدنيا للرؤساء
كالذي يقوم بجمع الزنج في البصرة والقرمطي بالإحساء
*****
هذه رؤية موجزة للرواية عبر بعدين فقط سياسي ونفسي ولا زال الكثير ينتظر النقاد المحترفين في سبر غور هذه الراوية بكل أبعادها الحضارية والفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية والنفسية..لأنها عبرت عن خصوصية اليمن في إطار العولمة اليوم وهذا ما جعلها تفوز بجائزة الروائي السوداني الطيب صالح الذي فعل الشيء نفسه وعبر عن خصوصية السودان ونال العالمية أيضا عن جدارة..وخاصة أن هناك جانبا طريفا في طباعتها وهو القصة الأخرى المصاحبة لرواية كنص متواز معاصر في الهامش السفلي للصفحات وتدور احداثها في دار الوثائق والمخطوطات وتشير لإهمال المسؤولين للتراث اليمني وتعرضه للسرقة والضياع وهذا أيضا ناجم عن تدني الوعي وضعف الحس الوطني الذي سعت لعلاجه الرواية..هذا أمر يشبه أسلوب الوراقين القدامى في اليمن وقد سبق أن التقيت بأحد الوراقين المعاصرين في مدينة زبيد التاريخية مدينة العلم والعلماء وحاضرة اليمن القديم التي أهملها أهلها المعاصرون..رأيت كتبا بها هامشيون..كتابين في كتاب وقد أذهلتني الفكرة وتذكرت ذلك عند اطلاعي على رواية 'ظلمة يائيل'..فمن أراد أن يعيد هوية اليمن الجديد عليه إعادة زبيد كمركز للفكر الإسلامي المعاصر كما كانت قديما..ويجعلها قبلة لحوار المذاهب والمناظرات الحرة وليس صراعها بالوسائل القديمة القاتلة للنفس والروح الذي أسهبت في وصفه الرواية من سحل بالخيول وتقطيع أوصال..ونقل الأمر إلى ساحات الفكر في مراكز الدراسات والصحف والفضائيات وليس في الشارع وتحييد المواطن تماما وجعله فقط وحدة انتخابية يقوم بالإدلاء بصوته في الانتخابات فقط، والأمر أضحى تنمية واقتصادا وحكما رشيدا وتحقيق إشارات حفيد زرقاء اليمامة الراحل الشاعر محمد عبد الوهاب النعمان' لن تر الدنيا على ارضي وصيا'..


هامش
السومانية**: كلمة مركبة ومقتبسة من السودان واليمن وهي مدرسة إبداعية متميزة تضم كل مبدعين السودان واليمن عبر ضفتي بحر القلزم عبر العصور..أسسها د.نزار محمد عبده غانم والراحل الشاعر السوداني سيد احمد الحردلو ووثقها د. نزار غانم في كتابه القيم 'جسر الوجدان بين اليمن السودان'...والروائي محمد الغربي عمران، كاتب يمني كان يعيش في السودان في مدينة القضارف.. وهو اليوم رئيس نادي القصة اليمني (المقة/اله القمر) والأمين العام لاتحاد البرلمانيين اليمنيين السابقين ورئيس مركز الحوار لثقافة حقوق الإنسان..وله أعمال أدبية وروائية أخرى، مجموعات قصص قصيرة (الشراشف-الظل العاري- حريم أعزكم الله-ختان بلقيس- منارة سوداء-ورواية مصحف احمر)...


عادل الأميـــن .

عبدالرحيم محمد احمد
17-01-2013, 22:36
'حــدائـــق الــرئــيـــس'

رواية : محسن الرملي .


تعد رواية (حدائق الرئيس) ثالث عمل روائي في مسيرة محسن الرملي، الكاتب والمترجم والباحث العراقي المعروف، المقيم في مدريد، فقد نشر سنة 2000 روايته الأولى (الفتيت المُبَعثر)، التي ترجمت إلى الانكليزية تحت عنوان (Scattered Crumbs) ونشر بعدها سنة 2009 روايته الثانية (تمر الأصابع) التي صدرت بالاسبانية أولا ثم بالعربية ثانيا، وهي رواية لقيت الكثير من الاستحسان من القراء والنقاد على حد سواء، كما كانت ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر للرواية العربية 2010.
رواية (حدائق الرئيس) الصادرة مؤخراً عن دار ثقافة في أبو ظبي والدار العربية للعلوم في بيروت رواية لها طابع خاص، فهي تختلف كل الاختلاف عما هو متعارف عليه في التقاليد الروائية العربية. صحيح أن الكثيرين ممن كتبوا عنها صنفوها ضمن الرواية التاريخية أو رواية الديكتاتورية المعروفة بأمريكا الجنوبية، ولا نكاد نشك في ذلك حالما نعلم أن كاتبها دكتور في الأدب والفلسفة وعارف جيد بالأدب العالمي: تاريخه ومذاهبه ومدارسه.
لكن النظر إلى الرواية من هذه الزاوية فحسب من شأنه أن يشنج قراءتنا ويكبل تفكيرنا، مما سيفوت علينا فرصة الاستمتاع بعوالم أدب عظيم، يمتد خارج التاريخ والجغرافيا متجاوزا إياها إلى ما هو إنساني كوني وإلى هم وجودي أعمق.
لعل المتصفح لما كتب، إلى حدود الساعة حول الرواية، سيجد، بدون شك، أن أغلبها يتخذ المقطع الأول من النص منطلقا له. وهي بداية الحكي حيث يقول الراوي: 'في بلد لا موز فيه، استيقظت القرية على تسعة صناديق موز، في كل واحد منها رأس مقطوع لأحد أبنائها،...' وهي الصيغة نفسها التي سنجدها في الفصل 27، ما قبل الأخير، حيث يكرر: 'في هذا البلد الذي لا يزرع فيه الموز، استيقظت القرية على تسعة رؤوس من رؤوس أبنائها في صناديق موز...'.
تشكل هذه العبارة، بداية النص ونهايته في الوقت ذاته. فالقارئ المتأني سيلاحظ كيف أن الكاتب ابتدأ الرواية من نهايتها تقريبا، حيث توقف عند مرحلة أخرى من تاريخ بلده العراق، ألا وهي تاريخ الامبريالية الأمريكية وهم السيطرة على الشرق الأوسط والصراع على الثروة النفطية.. ولعل هذا ما يشير إليه بالموز وصناديق الموز، إذا ما عدنا إلى الوراء قليلا، وتأملنا في سياسة الولايات المتحدة بأمريكا الجنوبية وتاريخ شركاتها الأسود هناك من أمثال يونيتد فروي كنبني.
لست هنا بصدد التحليل التاريخي للرواية، فكل همي هنا هو توضيح كيف أن الديكتاتورية ليست الثيمة الرئيسية في النص، بل هي أداة أو فرض من فروض السياق التاريخي الذي تدور فيه الأحداث. فلا يمكن الحديث عن تاريخ العراق الحديث دون المرور بفترة حكم صدام حسين وما عرفته من مد وجزر.
إذا ما عدنا إلى نقطة البداية/ النهاية، ودققنا قليلا في العبارة : 'في بلد لا موز فيه، استيقظت القرية على تسعة صناديق موز، في كل واحد منها رأس مقطوع لأحد أبنائها،...' فإن الثيمة التي تسترعي انتباهنا بعد مسألة الموز التي تحدثنا عنها، هي الموت، والطريقة البشعة التي انتهت بها حياة تسعة أشخاص من سكان القرية.
لعل هذه الثيمة هي المنفذ السليم إلى عمق رواية محسن الرملي، خاصة عندما نتأمل الكم الهائل من الشخصيات التي لقيت الحتف نفسه، وإذا ما محصنا ودققنا في طباعها وطرق عيشها وتفكيرها ومواقفها، فسنجد حتما أن القاسم المشترك بينها هو: العبث، الرغبة، التحدي، التمرد، الموت، وهي مواصفات تتقاسمها أيضا الشخصيات التي لم تلق حتفها في النص.
هي الكينونة إذن في شموليتها، أو فلسفة العبث المتمثلة في الصراع القائم بين الوجود والعالم المشترك. اللامنطقي يجر الشخصيات ومن ثم القارئ إلى التساؤل عن جدوى الحياة أو فيما إذا كانت الحياة تستحق أن تعاش؟
أسئلة تكرسها الرغبة في الوضوح والصفاء، كما يكرسها السأم والضجر من التكرار والنمطية، غير أن النهاية (الموت) المجهولة، والذهول الذي تخلفه في النفوس، غالبا ما يفضحان عبثية الحياة.
عالم في حالة سؤال مستمر ودائم هو ما يطرحه الروائي العراقي محسن الرملي في روايته حدائق الرئيس، سائرا على نهج عمالقة المذهب الوجودي العبثي من البير كامو وجون بول سارتر وارنيستو ساباتو وغيرهم، منطلقا من عراق مظلم في اتجاه عالم أكثر ظلمة.


عبدالله توتي.

عبدالرحيم محمد احمد
18-01-2013, 22:36
'حــمّـــام زنــوبـيـــا'

رواية : رياض معسـعس .


عندما كانت الملكة زنوبيا تستحم في حمّاماتها الشهيرة في تَدمر قبل أكثر من ألفي عام والخادمات محيطات بها يحملن ثوبها الأرجواني المرصع بالجواهر، عندما كانت تسترخي في الماء الساخن حالمة بمملكة عظيمة شاسعة الأطراف تمتد من مصر إلى أسيا، لم تكن تتخيل أبدا وهي غارقة في لذة عوالم المستقبل الذي كانت تريده لأرضها وشعبها أن هذه الأرض السورية العظيمة العتيقة وما جاورها من بقية أراضي البلاد ستتحول إلى حمّام دم يغرق فيه كلُّ السوريين وتُزهَق فيه أرواحهم وتَضرَب فيه أعناقُهم وتُدكُّ فيه ديارهم ولا يسْلم فيه لا الشجر ولا الحجر.
لا زنوبيا قديما ولا غيرها حديثا تصوَّر إمكانية حدوث هذه المأساة التي نتابع أخبارها اليوم كما نشاهد أفلاما حربية أمريكية على الشاشة...لكن الذين اكتووا بنار النظام السوري خلال العقود الماضية وهَدّمت عظامَهم رطوبةُ زنزاناته التي لا أنيس فيها سوى النمل وأخواته من الحشرات وأُجْبِروا على أكل فئرانها وجرذانها تحت تهديدات الجلادين في غرف التعذيب كانوا يعلمون أن الزلزال قادم طال الزمن أم قصر...
رواية 'حمّام زنوبيا' التي صدرت قبل أسابيع عند 'دار الجنوب' في تونس جولةٌ حزينة وقاتمة في الثنايا المجهولة والأغوار المظلمة لهذه العقود المشؤومة التي سبقت الانفجار والتي كان ظاهرها بردا وسلاما وأحلاما قومية عذبة، فيما كان جوفها مريضا مهترئا تتآكل خلاياه يوميا بسرطان القهر والاستبداد.
رياض معسعس قضى ثلاثة عقود يكتب وقائعها أولاً في فكره الذي كان '..يعصرها، يقلبها ظهرا لبطن، يبحث (لها) عن بداية..عن قالب..دون تهويل ولا تقليل..' ليُفرج عنها في نهاية المطاف وينفخ فيها الحياة بوضعها مجسَّدة على الورق ساخنة ومفعمة بالحياة والموت في آن واحد، مرتعشة بشهوة العيش ومضرجة بالدماء '..هي هي..كما وقعت..من تجربة شخصية بحتة..وتجارب آخرين' تحكي سيرة ذاتية قبل كل شيء، لكنها في الوقت ذاته سيرة وطن مقهور '..تعكس صورة سوريا في فترة من أحلك فترات تاريخها..بدءا بالنكبة في العام 1948 وانتهاء بمجزرة سجن تدمر الرهيبة في العام 1980م' وسطوة أجهزة الأمن الجاثمة على صدور الناس إلى اليوم.
الرواية كانت جاهزة للنشر قبيل انفجار الثورة التونسية ولم تجد مَن الناشرين العرب من يتجرأ على تبنيها لا في لبنان ولا في تونس زين العابدين بن علي ولا في العراق ولا حتى في مصر حسني مبارك، حتى شاءت الصُّدف أن يُفرِج محمد البوعزيزي عن النفوس من أسْر الخوف بإضرام النار في جسده ويُشعل بوفاته في قلوب الناس رغبةً في الحياة بقوة الإعصار وتطلعًا بشدة الزلزال إلى كسر القيود والأغلال ويمنح بالتالي 'حمّام زنوبيا' فرصة الحياة وحق الوجود كعمل أدبي روائي عربي شاهد على مخاض التحوّلات العربية في نهاية القرن 20م وبداية القرن 21م والتي لم تصل بعد إلى شاطئ الأمان.
نحن الآن في ستينيات القرن الماضي... شاب في مقتبل العمر يبحث في أعماق البادية السورية عن وظيفة يقتات منها ليحط به قدره في الفرقلس على متن حافلة مُجهَدَة، مترنحة، تُصُفِّر وتنبح كقطارات القرن 19م، حيث سيُضاف إلى قائمة عمال شركة تمديد خطوط الكهرباء، وسيرتبط مصيره هناك بمصائر أناس عاديين من مختلف شرائح المجتمع السوري. فيهم المتديّن والملحد والسّكير الماجن خرّيج السجون السياسية، والحالم واليائس، دون أن يعلم أن الزمن يخبّيء له مع هؤلاء الرفاق مصائب لم تدُر أبدا في خلده.
الفرقلس التاريخية، تلك التي شهدت قبل أكثر من ألفي عام معركة حاسمة دارت بين الملكة زنوبيا ملكة تدمر والإمبراطور الروماني أورليان، وَجَدَها مالك حصيرة بطل 'حمّام زنوبيا' الشاب لا تزيد عن 'بضعة دور وتنّور وعزرائيل يتربص بالجميع بعد أن وجد فيها مرامه لشدة الفقر والجهل والمرض'، كما وصفها له سائق الحافلة الشاعر الساخر من كل شيء حتى من نفسه، لكن لم يكن أمام مالك حصيرة سوى الاختيار بين الجحيم وجهنم، كما قال، فاختار هذه الأخيرة في غياب البدائل في بلد لا تُفتح فيه آفاق العيش الكريم إلا لرجال النظام وحواشيه.
في هذه البقعة المنسية من أرض الله، شاءت الصدف أن يلتقي مالك حصيرة جاك السائح الفرنسي وشقيقته ماري اللذين جاءا لزيارة آثار تدمر وقصر الملكة زنوبيا. مساعدتُهما على الوصول إلى هذه المعالم التاريخية العتيقة قادته إلى مغامرة عاطفية مع الفتاة التي فضت بكارته و'أكملت رجولته'، على حدّ قوله، وهما يسبحان معا، كما خلقهما الله، في المياه الحارة الكبريتية ذاتها التي كانت تستحم فيها ملكة تدمر مع زوجها آنيبا ومن حولها وصيفاتها الجميلات بملابسهن الشفافة 'يحملن قوارير العطر والعنبر'..قبل أن تقع في قبضة ملك الرومان أورليان ويقودها أسيرة إلى روما.
كان مالِك ينظر مفتونا إلى حركات ماري 'وهي تسبح..بشعرها المبلل الملتصق على كتفيها..وعينيها الزرقاوين الزمرديتين..ونهديها الطليقين..على سطح الماء..'. كان المشهد رومانسيا شاعريا وحالما في منتهى الجمال لم يصمد مالك حصيرة أمامه طويلا...
لكن الحُلم الذي وهبته إياه السائحة الفرنسية كان مسموما، وكاد أن يكلفه ما تبقَّى من عمره...فهي جاءت قبل كل شيء لتبحث عن كنز عتيق، تقول كتب التاريخ إنه مدفون في إحدى زوايا القصر المحاذي لحمام زنوبيا، لحساب أحد جنرالات النظام السوري كان ينهب ويسرق تراث البلد التاريخي ليبيعه خارج البلاد بواسطة 'وكلاء' أجانب على غرار ماري وشقيقها. إلا أن الرياح لم تجرِ في هذه المرة بما تشتهي سفن السائحيْن والجنرال، وتورط في جريمتهم دليلُهما المتطوّع البريء مالك حصيرة لينتهي ثلاثتهما في قبضة الأمن ويُزجَ بمالك حصيرة، الذي جاء إلى الفرقلس بحثا عن لقمة العيش، في غياهب سجن تدمر الرهيب في انتظار الحسم في قضيته والذي يكون عادة الإعدام بعد السياحة في حُجرات التعذيب بكل أنواعه وألوانه.
وجد مالك حصيرة نفسه يتحوّل ببساطة وفي رمشة عين إلى سجين متهم من طرف البوليس السياسي بسرقة كنز اختفى من قصر زنوبيا، ووضعته هذه التهمة في أجواء قاسية ومُحْبطة لم يعهدها من قبل. الأجواء التي فتحت عينيه على الوجه الآخر البشع لسوريا الذي كان ما زال خفيا ولا يعرفه إلا من اكتووا بِشرِّه مثله. ولم يجد هذا الفتى من عزاء يرتاح به من عذاباته وآلامه اليومية في سجن تدمر سوى ذكريات الماضي الجميلة وخيال شامة الفتاة البدوية 'مغصوبة الجسم' كوطنها التي أحبها حبا قويا عذريا واستولت على كل جوارحه من أول نظرة في أعقاب وصوله إلى الفرقلس حينما رآها، وهو يتأمل الأفق البعيد، تتقدم قطيع غنمها بشعرها الأسود المتدلي كشعر الغجريات وصدرها العريض وجسدها الممشوق المتماوج مع نسائم الصحراء...لكن دون أن ينسى أصداء صوت والدته عندما كان طفلا وهي تبكي أمامه متأملة بندقية والده الذي مات في ميدان الشرف وتقول له: 'خرج العرب من التاريخ...الكل خانعون، خائنون، كاذبون، لا يقوون إلا على بعضهم البعض'...وماتت ذات يوم كمدا حزنا على زوجها وابنها البكر الذي التهمته الحرب كوالده.
هكذا كان يمضي استراحاته داخل الزنزانة متجولا في ثنايا الماضي بين حصة تعذيب وأخرى كما هو قدر كل سجين سياسي في بلدان الأنظمة الاستبدادية...
من خلال هذه التجربة المرِّيرة التي فرضها القدر على مالك حصيرة، ينقل رياض معسعس قُرَّاءَه عبْر أروقة سجن تدمر المظلمة وزنزاناته النتنة الباردة والرطبة ويكشف لهم عن خباياه المفجعة، ويتسلل بهم إلى جوف الزنزانات وقلب معاناة مساجينها ويُسمعهم صراخ المعذَّبين وبكاء المقهورين وأنين الجرحى وزفرات المشنوقين وشتائم وتهديدات الجلادين الذين كانوا يمزقون أجساد ضحاياهم أشلاء وينهشونها كما يأكلون اللحوم عند الغذاء والعشاء ويخنقون أنفاسهم ببرودة باسم القومية والمصالح العليا للوطن تارة وحفاظا على الأمن العام والنظام تارة أخرى. ولا يكتفون بذلك بل 'يبتزون آهاليهم حتى العظم' مقابل طمأنتهم على أنهم ما زالوا أحياء يُرزقون...
'ذات ليلة، كان السجناء نياما...تحرك أحدهم، ويقع مكانه تحت فتحة التهوية، نهره الحارس وأمره بألا يتحرك، ثم بال على رأسه. ولم يجرؤ السجين على التحرك والبول يتساقط عليه من الشراقة'. لماذا؟ عقابا له لأنه تحرك خلال نومه يقول مالك حصيرة الذي سيكتشف أن مشاهد كهذه كانت من أخف ألوان التعذيب وأكثرها رفقا بالمساجين في سجن تدمر..السجن الذي كان ذات يوم قبل أكثر من ألفي عام قصر الملكة زنوبيا والذي تُكرَّم أمثاله من القصور في البلدان التي تحترم نفسها وتوضع في مصاف المتاحف المبجَّلة التي يطل منها الناس على أعماق التاريخ والملاحم الإنسانية.
رياض معسعس لم يرو في 'حمّام زنوبيا' من معاناة السوريين من نظامهم سوى صفحات مما جرى خلال العقود السابقة للانتفاضة التي انطلقت قبل نحو عامين، وترك لبطله مالك حصيرة فرصةً لينجو فيها من سجن تدمر في لحظة هجوم قوات حافظ الأسد عليه عام 1980م للإجهاز على كل المساجين على مرأى ومسمع كل العالم وارتكاب مجزرة بشعة ما زالت تفاصيلها وملابساتها غامضة إلى اليوم.
ويعدنا معسعس برواية ثانية خلال الأشهر المقبلة مكمِّلة لـ: 'حمّام زنوبيا' يقودنا عبْر شخصية الشاب مالك حصيرة المُتعب من سنوات القهر في سجن تدمر إلى الغوص في بقع أخرى سوداء حالكة من ممارسات النظام السوري خلال الأعوام الأخيرة، وينقل لنا أجواءها بكل زخمها وآلامها ودموعها التي يقول إن وقائعها شهادات حية في غالبيتها الساحقة أكثر منها خيال روائي، وذلك 'بنسبة لا تقل عن ثمانين بالمائة'.
رياض معسعس كاتب وصحفي سوري من مواليد مدينة دمشق عام 1948م وهو يقيم في باريس التي اختارها منفى له منذ أكثر من 40 عاما عندما استحال البقاء في مسقط رأسه، ولم يتمكن من العودة إليها منذ أن كان على عتبة عشرينياته.
رياض معسعس حاصل على شهادة دكتوراه دولة في العلوم السمعية البصرية من جامعة السوربون. مشواره المهني غني بالإنجازات حيث أسس وأدار العديد من القنوات التلفزيونية والإذاعية العربية في أوروبا والعالم العربي، من بينها إذاعة الشرق وإذاعة مونتِ كارلو الدولية في العاصمة الفرنسية باريس، وإذاعة الأمم المتحدة 'مرايا' في العاصمة السودانية الخرطوم، وإذاعة سبيكتروم وقناة إم بي سي في العاصمة البريطانية لندن، بالإضافة إلى القناة التلفزيونية الفضائية العالم في العاصمة الإيرانية طهران وقناة الجزيرة في قطر، وميدي 1 سات في المغرب ثم قناة يورونيوز في مدينة لِيُون في فرنسا. وهذا فضلا عن إسهاماته بالتدخلات الإعلامية في مختلف القنوات العربية والأجنبية وبالكتابة في العديد من الصحف العربية وحتى التركية...
في العام 2009م، صدر لرياض معسعس كتاب 'تقنيات الصحافة المسموعة والمرئية' عند دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع قبل أن يقرِّر شقَّ طريقه في مجال الرواية عبْر 'حمّام زنوبيا' الذي شاء له أن يكون واقعيا ووجدانيا في الوقت ذاته. ما حذا بالناقد التونسي الكبير، بل أكبر النقاد العرب المعاصرين، وعميد كلية الآداب في جامعة تونس توفيق بكّار إلى اعتبار هذا العمل الأدبي العربي الجديد 'تغريد طير في الفضاء طليق يشدو للبعث بعد 'الموت' وبعد عناء الأسْر بالحرية البِكر' على حدِّ قوله في المقدمة التي وضعها لهذه الرواية..رواية 'حمّام زنوبيا'.


فوزي سعد الله.

عبدالرحيم محمد احمد
22-01-2013, 22:49
'الــعــتـــبـــــات'

رواية : مفلـح العـدوان .


صدرت حديثا رواية 'العتبات'، للكاتب والقاص والمسرحي مفلح العدوان، عن الدار الأهلية للنشر، وبدعم من وزارة الثقافة. وتقع الرواية في 158صفحة، تنساب أحداثها عبر تسعة وثلاثين فصلا، تتداخل فيها فضاءات السرد بين تلمس الواقعي، ومخيال الأسطوري، ليكون المعمار المعبر عن أزمنة الرواية وأمكنتها، ودروب التفاصيل فيها.
وتأتي هذه الرواية بعد سبع سنوات من انشغال مفلح العدوان الميداني والبحثي، في مشروع التأسيس لموسوعة القرية الأردنية، والتي واظب على نشرها أسبوعيا في جريدة الرأي تحت عنوان 'بوح القرى'، حيث صدر الجزء الأول والثاني من الموسوعة خلال الأعوام 2008 و2010م. وقد انعكس هذا التعايش مع المكان الأردني، وتتبع التطور الاجتماعي في تلك القرى، على أجواء الرواية، ومسارات الشخوص، وتحولات الأمكنة، وتيارات التغيير على المستوى النفسي والمكاني ضمن إطار السرد في عتبات مفلح العدوان.
وقد توزع النشر عند مفلح العدوان بين القصة والمسرح والبلدانيات، حيث صدر له في القصة القصيرة، مجموعة 'الرحى' التي صدرت عام 1994م، وفازت بالمركز الأول في جائزة محمود تيمور عام 1995م، ومجموعة 'الدوّاج' التي صدرت عن اتحاد الكتاب العرب في دمشق عام 1997م والطبعة الثانية عن دار ورد في عَمان عام 2011م، ومجموعة 'موت عزرائيل' التي صدرت عام 2000م، عن المؤسسة العربية للنشر في بيروت، بعد مخاض عسير نتيجة تحويلها إلى وزارة الأوقاف، وتأخير نشرها لمدة سنة، بدعوى أن فيها ما يسيء إلى الأديان، ثم مجموعة 'موت لا أعرف شعائره' عام 2004م، التي صدرت عن دار أزمنة في عمان، ودار ميريت في القاهرة، وهي حصاد فوزه بمسابقة اليونسكو للكتابة الإبداعية عام 2001م، وكانت الجائزة تفرغ لمدة أربعة أشهر في فرنسا لإنجاز مشروع كتابي قصصي، والمجموعة القصصية الخامسة هي شجرة فوق رأس، صدرت ضمن منشورات أمانة عمان الكبرى عام 2009م.
أما في المسرح فصدر له مسرحية 'عشيات حلم'، عام 2001م، ضمن منشورات دائرة الثقافه/الشارقه، وظلال القرى و آدم وحيدا(مسرحيتان) عن أمانة عمان الكبرى عام 2006م. وفي البلدانيات، وذاكرة الأمكنة، صدر للعدوان كتاب 'عمان الذاكرة' عام 1999م، ضمن منشورات أمانة عمان، والطبعة الثانية صدرت عام 2007م عن وزارة الثقافة/الأردن ضمن منشورات مكتبة الأسرة/مهرجان القراءة للجميع، وموسوعة القريةالأردنية/بوح القرى/ الجزء الأول 2008م، والجزء الثاني 2010م، عن مركز الرأي للدراسات والأبحاث.
وشغل مفلح العدوان موقع رئيس اتحاد كتاب الانترنت العرب لعدة سنوات، ونائب رئيس الهيئة العربية للثقافة والتواصل الحضاري (بيت الأنباط)، وعضو هيئة ادارية لعدة مرات في رابطةالكتاب الأردنيين. وفاز العدوان بالعديد من الجوائز على المستوى العربي، منها جائزة محمود تيمور للقصة على مستوى مصر والوطن العربي من المجلس الأعلى للثقافة في مصر، عام 1995م، والميدالية الفضية من مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون عن برامج المنوعات / عن برنامج 'نقوش الليل' عام 1997م، وشهادة تقدير من مهرجان الرواد الأول في القاهرة / 1999م / جامعة الدول العربية، وجائزة اليونسكو للكتابة الإبداعية / فرنسا 2001م، وجائزة الشارقة للإبداع في مجال المسرح عام 2001م، وجوائز أخرى وشهادات تقدير في مجالات القصة والمسرح والثقافة.
مقطع من فضاءات الرواية:
كانوا ستة..
الأكبر سنا، والأعمق خبرة، والأكثر حكمة!
كانوا ستة..
أغلقوا الخيمة عليهم، وقال كبيرهم، الشيخ حمدان، لمن في الخارج: لا أحد يكسر خلوتنا، فالحديث جلل، والكلام الذي سننطق به فيه عمر آخر، أو حياة أخرى، وعتبة ثانية 'لأم العرقان'.
وقال أيضا: لا يقاطع حديثنا أحد.. ان اتفقنا ذللنا الصخر، وان اختلفنا بقينا نطرق الصلاة بين صوان الكهوف.
واختفى..
ووقف أقوى الرجال أمام مدخل الخيمة..
كان بعض أهل القرية ينتظر، والبعض الآخر يدعو لهم بالرأي السديد، لكن الوحيدة بينهم التي كانت تتحدث الى روحها هي الحجة نجمة التي كان يلاحظ من حولها كيف كانت تصمت فترة، ثم تنطق ببضع كلمات، قبل أن تعود الى صمتها مرة أخرى.
تقول: هذا ليس عرسا، بل ايذانا بموت أو حياة.
يستمع لها القريبون منها، ولا يناقشونها في ما تقول.
تصمت ثم تتساءل بحيرة: ابنة الوراق، وابن الدواج سيخدمان بيت الله، ويجاورانه.. فهل سنصلي ضيوفا عليهما؟
تحلق حولها بعض الذين كانوا ينتظرون بعيدا عن بوابة الخيمة، وصاروا يترقبون كلامها أكثر من رصدهم للحظة خروج الكبار من خلوتهم، وهي تتحدث مع روحها، وتتمتم كأنها لا ترى أحدا حولها، كأنها وحدها، وما من سميع لها.
ختمت قولها محذرة: انقشوا اسماءكم على كهوفكم قبل أن تفقدوها.

عبدالرحيم محمد احمد
23-01-2013, 23:31
'مــطــبـــخ الــحـــب'

رواية : عبدالعـزيز الراشـد.


لا يمكن الاقتراب من المنجز المغربي في خصوص السرد الروائي والقصصي بمعزل عن إبلاء أهمية خاصة لإسهام الكاتب المغربي عبد العزيز الراشدي. وحقيق بالتنويه التشديد على القيمة الخاصة لتحققات هذه التجربة والتي تتمثل في الاحتفاء الذي أولته للمغرب بما هو جغرافيا وتاريخ وهوامش نائية. يمكننا أن تفترض في هذا السياق ارتباط التحققات النصية لهذه التجربة في القصة والرواية ومحكيات السفر بهاجس رد الاعتبار لمتخيل الجنوب بشكل عام والصحراء بشكل خاص علاوة على تخصيب تجربة الكتابة بمغامرة السفر بما هو كشف وانفتاح على الآخر. ويكفي للتدليل على هذا الافتراض الإشارة إلى روايته 'بدو على الحافة' ومجاميعه القصصية 'زقاق الموتى'، 'غرباء على طاولتي' و 'طفولة ضفدع' و'وجع الرمال' التي استلهمت بطريقة أو بأخرى متخيل الجنوب و فضاء الصحراء بمختلف إيحاءاته المعرفية والجمالية. وقد أثرى الكاتب أدب الرحلة بكتابه الموسوم 'يوميات سندباد الصحراء' الذي يحوي المحكيات التي تخلقت غب رحلاته إلى عواصم عربية وعالمية مختلفة.
يهمني في هذا المعرض أن أقترب نقديا من روايته الأخيرة 'مطبخ الحب' الصادرة في بحر السنة الفارطة عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت والتي اجترح فيها مسارا سرديا مغايرا لما اعتمده في تحققاته السابقة؛ إذ لا يفوت الذات القارئة الإحاطة علما بحرص السارد على الإنصات إلى التحولات السوسيو اقتصادية والثقافية التي عرفتها الذات المغربية في العقود الأخيرة من خلال التشديد على شريحة الشباب. وسوف نعثر في غمرة سيرورة الفعل السردي على جماع الأعطاب التي حفت بكينونة هاته الذات والتي حملتها بعنف الإكراه المادي والرمزي على الركون إلى الهامش.
تتأطر أحداث الرواية في مدينتي الرباط والدار البيضاء، لكنها تتموقع عبر وسيط الاستعادة التخيييلية في أمكنة أخرى مثل سلا وطنجة ومناطق نائية من المغرب السحيق. وسوف أسمح لنفسي بافتراض تعالق هذا الاختيار بالمقصدية التي توجه فعل السرد والتي تتحدد في خلخلة ثنائية المركز والمحيط وتبعاتها الثقيلة. تستعيد الذات الساردة حكاية الحب التي جمعتها بسهام والتي انتهت بالإخفاق بسبب وطأة العطالة والاضطرار إلى خوض مغامرة الهجرة غير الشرعية إلى أوربا بحثا عن الخلاص الوهمي علاوة على سطوة الموروث الرمزي الشعبي. وفي غمرة اطراد السرد تكتشف الذوات المتلقية حالات من البوح الشفيف ومظاهر الشعور بالخيبة ومرارة الفقد والانتهاء وتعاظم الشعور بتفاهة الوجود واستشراء داء الزبونية والعلاقات المشبوهة وانهيار فادح في رؤية الذوات إلى القيم وتداولها في المجتمع وبنياته وفضاءاته المادية والرمزية. تشكل الاستعادة السردية الحميمة التي خوضها الذات لحكاية حبها مع سهام محاكمة للتشوه الذي طال حضور الذات الإنسانية في مجتمع شوهته الأزمة وسطوة المال المشبوه والتشعبات السرطانية لسلطة مستبدة لا تؤمن بغير منطق الإكراه بالعنف المادي وتجذير سطوة التناحر بين المركز الذي يهيمن على كل شيء والهوامش المنذورة للتلف والضياع والاستقالة القسرية من دائرة الفعل الإيجابي. ينبغي لنا أن ننوه بركون الذات الكاتبة إلى استعمال ضمير المتكلم والذي يكشف رغبة في تكثيف الفعل السردي وإسباغ الحميمية على اشتغاله. يقول السارد:
'.. أرصد وأحلل تأثير الجسد في حياة الناس وأحاول إعطاء معنى لكل حكاية وتفسيرها. اتجهت كذلك إلى قراءة ومراجعة الدراسات التي تتأمل كيف يمارس المغاربة اللذة، وكيف تؤثر العلاقات الجنسية على تطور المجتمع، وهل يمارس المغاربة اللذة أكثر من الشعوب الأخرى...' الرواية، ص، 65-66
تؤشر الأغلال التي تقيد الجسد وتحظر الرغبة وتعبيراتها على اختلال يسم الذات في علاقتها بالمكان والوجوه التي تعمره. وتشكل الاستعادة السردية لتفاصيل العلاقة الشهوية التي وصلت بين السارد و سهام في إحدى فترات حياته قرينة دالة على الموت والتشوه اللذان يحيطان بكينونته. يكف الإيروس بما هو تعبير عن غريزة الحياة عن كونه مؤججا للذة ومحرضا على اهتبالها ليشكل والحالة هاته تعبيرا عن الفقد والضياع وسطوة واستبداد السلطة بمختلف تمثيلاتها. وسوف تستشف مع تنامي السرد أن التقابل الذكي بين انحسار الفضاءات المفتوحة لصالح شراسة الاسمنت وما يوحي به من انغلاق وتحنيط للوجود يؤشر بدوره على اضطرار الحب بما هو تعبير عن الحياة إلى اللياذ بالهامش والاكتفاء بكونه رديفا للحرام.
تحتفي الرواية بمعضلة اجتماعية ينوء تحت وطأتها السارد وتكرهه على الركون إلى هامش الوجود الإيجابي في الفضاء. يتعلق الأمر بأزمة العطالة عن العمل والتي عصفت بجيل بكامله من الشباب المغربي وأسفرت عن ظاهرة الهجرة السرية إلى أوربا. ولئن كان التراكم السردي المغربي قد احتفى ولو بطريقة خجولة بهذه المعضلة ونشير تحديدا إلى بنسالم حميش في 'سماسرة السراب'، فإن ما يسم الاقتراب السردي منها في نص 'مطبخ الحب' يتمثل في سعيها إلى القبض على الجذور العميقة لهذه المعضلة وتبعاتها الكارثية على حاضر المجتمع ومستقبله من خلال التركيز على شريحة الشباب. وتتمثل فرادة هذا الاقتراب حسب تصوري في احتفائها السردي بفعل 'الاحتجاج'الذي تقدم عليه الذوات المعطلة ضد هذا الوباء الذي يعزلها عن دائرة الفعل الإيجابي ويرغمها على الإقامة في مناطق الظل والعتمة. تلفى الذات القارئة نفسها مشدودة إلى العنف المادي الذي تفصح عنه السلطة كي تقمع هذا الاحتجاج والذي يوازي العنف الرمزي الاجتماعي الموروث من الماضي:
'.. ورجال الأمن يقفون صفا طويلا أمام البناية لمنعنا من أي تقدم، وحين تجيئهم أوامر الضرب يتجهون صوب الجمع بسرعة وينهالون دون رحمة على الأجساد... نسيت النعيم الذي كنت أعيش فيه خلال سنوات الدراسة، حين كنت مختبئا في شرنقة بدعوى التعلم، وعرفت وضعي جيدا؛ كنت عالقا في ممرات الحياة' الرواية، ص، 37
يهمني أن أشدد على القيمة المعرفية الدالة لهذا الاهتمام السردي بفضاء الجامعة المغربية ليس بوصفه قرينة على العلم والكشف والحرية وإنما باعتباره منتجا لجحافل العاطلين المنذورين بقوة الإكراه إلى مكابدة الحرمان والعجز والتشوه. ولن يعجزنا ان نحيط علما والحالة هاته بالتردي الذي طال هذا الفضاء المنتج للقيم والمعرفة بفعل نزوع السلطة المستبدة نحو الالتفاف على استقلاليته وتضييق الخناق على اشتغال قيمة 'الحرية' داخله:
'... محترفو النضال، الذين عمروا في الجامعة لسنوات، تحسروا على الزمن الماضي أمامنا وتوعدونا بضيق الأفق، إن لم نناضل. كان العالم متخما بالخيبات واللاجدوى في أعينهم. أما نحن، ففتحنا أعيننا على بداية الألفية ولم ننتبه لما يجري؛ كان المعسكر الشرقي قد سقط قبل سنوات وجاء من يبشر بموت السياسة والإيديولوجيا ثم جاءت حرب العراق واتفاقية أوسلو التي وقعها الفـــلســـطينيون بعد أن تعبوا من النضال. أما في البلد، فقد دخل المعارضون القدامى في اتفاق مع الدولة وشاركوا في الحكم...' الرواية. ص، 73.
تؤرخ الرواية على طريقتها لمرحلة رئيسة في تاريخ المغرب المعاصر استشرى فيها الفساد داخل أوصال المجتمع المغربي وأنذر بتحولات مأساوية على راهن ومستقبل الذوات. وقد أفلحت الرواية في التأريخ لانتظارات وأسئلة ومخاوف الشباب المثقف الذي كان الضحية الرئيسة لهذا الاندحار والذي أقصي بطريقة مقصودة وعبر وساطة العنف المادي والرمزي من إسماع صوته ورفضه للسياسة المتبعة والتي عمقت من فداحة الهوة الفاصلة بين طبقة الأغنياء بالصدفة وقطاعات عريضة منذورة للفقر المدقع وأقنعته أوالهجرة غير الشرعية. ولأن سرطان الفساد يمحق أي طموح إلى التقدم والعقلنة، فإن الخرافة سرعان ما تقوى وتشتد وتبسط سيطرتها على جل الأصعدة. وقد عبرت الرواية عن ذلك بموازاتها بين اندحار مستوى البحث العلمي في الجامعة وعودة تيارات الإسلام السياسي.
في غمرة هذا السرد الشفيف الذي يتوسل لغة تنأى من حيث الاشتغال عن الغنائية والاكتفاء بمجرد العرض المحايد والبارد للحالات والمواقف، تنفتح الرواية على تعدد درامي يتعالى عن الأحادية وتعبيراتها يتعلق الأمر بسرد دينامي يعتمد ضمير المتكلم كما سبقت الإشارة إلى ذلك ويتسمت النقد والفضح وخلخلة الجاهز والمألوف. وسوف نعثر في الفصل الذي خصصه لسرد مغامرة الهجرة غير الشرعية إلى إسبانيا على التمثيل الجلي لهذه الدينامية التي تحث القارئ على المشاركة الفاعلة في سيرورة التأويل والخلوص إلى المقصديات المتعددة التي تؤسس لها الرواية.
ثمة في السياق ذاته تلكم الرغبة في إسباغ الطابع المغربي على فعل السرد؛ وهو ما يشي بذلك الوعي المتزايد بضرورة الالتزام بمسافة جمالية ومعرفية عن النموذج المشرقي في الكتابة الروائية. سوف نستشف تمثيلات هذا الوعي بالإضافة إلى نوعية الحدث والتوظيف العميق للفضاء بما هو جغرافيا وتواريخ ومتخيل ونظام رموز في الاستخدام الواعي للدارجة المغربية في نسج الحوارات وتوظيف الغناء الشعبي. ربما في هذا المعرض نستشف هذا الاهتمام بأغنية المطرب الشعبي الستاتي الموسومة 'الفيزا والباسبور' بما هي أيقونة دالة على محنة جيل بكامله اضطرته السياسات الجائرة لسلطة غير وطنية إلى الاحتماء بالرحيل إلى أوربا واعتباره الحل الأول والأخير لكينونة مدموغة بالأعطاب القاتلة وعاجزة عن الفعل الإيجابي في الحاضر واستشراف المستقبل:
'... ثم إني بعد أن أغرمت بموسيقى 'الستاتي'، وبأغنية 'الفيزا والباسبور' التي كادت تشكل شعارا لجيل كامل، أصبحت أحمل مسجلة صغيرة وأتوجه نحو البحر لأسمعها وأحاول من وحيها أن أكتب عن البلد وعلاقات الناس'. الرواية، ص97.
يعود السارد خائب الوفاض من تجربة الهجرة ليستقر ردحا من الزمن بين الرباط وسلا ثم ما يلبث أن ينتقل إلى الدار البيضاء ليشتغل في الصحافة. وسوف يشكل هذا الانتقال السردي إن صح هذا التعبير فاتحة رحلة في العوالم السفلى للمغرب تكشف عن المسكوت عنه بتأثير وطأة الحظر الديني والاجتماعي وتحاكم بطريقة تتوخى التحليل النقدي مظاهر التشوه والاختلال. سوف نكتشف باعتبارنا ذواتا متلقية تكثيف مقصودا للوحات سردية تصور عزلة الجسد بما هو صبوات ونوازع طبيعية داخل مجتمع لا يعترف بغير منطق الحلال والحرام وشرعية الصدفة والمال القذر والعلاقات الملتبسة والمشبوهة. سوف نلمس في غمرة هذه الرحلة الاستكشافية هذا البحث اللحوح عن الهوية المغربية التي تتقلص وتتوارى تحت تأثير المشرق العربي والغرب ونماذجهما المتعالية والجاهزة, يتعلق الأمر بسفر مقصود صوب هذا 'الآخر' المغربي المنكوب أو غير النافع من منظور المركز.
تشكل رواية 'مطبخ الحب' محاكمة إبداعية لزحف الموت على الحياة والانسحاب المأساوي للجسد بما هو حضور إيجابي في المكان والزمان وتحوله من ثم إلى جثة منذورة للعفن علاوة على العودة القوية للتبرير الخرافي للأزمة ضدا على التفسير العقلاني. تهجر سهام شقة السارد عبد الحق ثم ما تلبث أن تزوره صحبة عرافة 'شوافة بالتعبير المغربي' تخبره بالسبب والذي يتمثل في عثورها داخل مطبخ الشقة على جثة وبأنه يعاني من 'التابعة'. وسرعان ما يكتشف السارد بنفسه أنه لن يتأخر في التحول حثيثا إلى جثة بتأثير عطالته المزمنة وإدمانه الجلوس على كرسي المطبخ والتأمل غير المجدى في الأشياء والظواهر:
'... فكرت أنها قد تكون على حق في ما تقول. ربما كانت الجثة فعلا موجودة، وربما كانت جثة الصراحة والصدق المفقودين في حياتنا المشتركة، وربما كانت جثتي بمعنى آخر مختلف. هل يكون الرجل المعطل غير جثة عطنة لا يرغب فيها أحد؟' الرواية. ص،189.
نفترض في ختام هذا الاقتراب النقدي من رواية 'مطبخ الحب' لعبد العزيز الراشدي قطيعتها المقصودة مع جزء كبير من التراكم الروائي 'المغربي' لم يتمكن من أن يتخلص من ارتباطه المرضي بالذات بما هي كتلة من النوازع النرجسية والاعترافات التي تغلب عليها الطهرانية والتعاطي السطحي مع الفضاء. يتعلق الأمر برواية تتوسل بلغة أنيقة وموحية وسرد يتشعب وينمو في تناسق مع المقصديات التي تدافع عنها. ولعل ما يميز هذا النص قدرته على أن يطرح الأسئلة الأساسية والمحرجة وأن يحفر في الطبقات العميقة للمجتمع المغربي أو ما يمكن وصفه بمناطق الظل والعتمة. وإجمالا، فإن الرواية تحتفظ بأواصر قربى بالذات، لكنها تنأى بها عن التوحد بالسرة وتكسبها رحابة ضرورية من خلال وصلها بأسئلة وتحولات وأعطاب المجتمع.


عبدالمنعم الشنتوف.

عبدالرحيم محمد احمد
01-02-2013, 08:22
'كـمــا يـلـيــق بـحـفـيـــد'

رواية : أحمـد القرني .


العائلات تحمل دائماً ميراثاً ضخماً، تسلمه الأجيال بعضها لبعض ومن ثم تكتمل مسيرة العائلة، فيخرج بطل رواية 'كما يليق بحفيد' - للكاتب المصري أحمد قرني الصادرة عن سلسلة أصوات أدبية بالهيئة العامة لقصور الثقافة - عن سكونه ليكتشف عالماً وتاريخاً طويلاً لجده، يأتي ذلك في سياق خروج البطل الحفيد في رحلة للبحث عن أوراق ثبوتية تثبت أن البيت الذي يعيش فيه مع والدته هو ملك لهم، ولم يبنه الجد بمجرد وضع اليد على الأرض. الصراع في الرواية بين الحفيد والحكومة التي تسعى لانتزاع البيت منهم، وبينه وبين التاريخ، وبينه وبين التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها مصر على مدار فترات متعاقبة منذ ثورة 1952 وخلفت ندوبها في حياة البطل وعائلته.
مفردات الرحلة
مثل الأسطورة يحمل الجد ابنته ويخرج لبناء بيته في أرض خلاء، خالية من العمران تسمى 'أرض الكيمان'، تلك الأرض المخيفة، المهجورة، المملوءة بالذئاب.. وحينما يكون الميراث بيت في هذه المساحة، سيكون على الورثة تحمل التاريخ الذي يسكن جدرانه، والذي احتفظ به البيت عبر سنوات تحولت فيها المنطقة من كونها مكاناً مهجوراً إلى منطقة سكنية مأهولة، وحينها تسعى الحكومة لانتزاع البيت وتحويله إلى مصلحة حكومية.
يكتشف الحفيد في رحلته لإحضار أوراق امتلاكهم للبيت أن جده يوسف الواجدي ليس مجرد الرجل الذي عرفه في طفولته وهو يواجه الذئاب التي تهاجم بيتهم عندما يشتد بها الجوع، ولا هو الرجل الحنون الذي يلاعبه، فجده بطل قاوم الانكليز وتعلم من ظلمة المعتقلات مصاحبة الثعابين ومن ثم تحول إلى صياد ماهر يصطاد الثعابين السامة من الجبال.
في سياق هذه الرحلة تتجلى شخصيات سحرية رافقت الجد، منهم حسين عقرب تلميذه، الذي تعلم على يديه صيد الثعابين، وأصبح الآن 'صائدا محترفا يتردد عليه الباحثون من الجامعات وبعضهم يسأله ويدوِّن كل ما يقوله، والبعض يطلب منه اصطياد بعض الأنواع من الثعابين النادرة وهناك بعض مراكز السموم تتصل به لتوفير الأمصال ولتدبير سموم بعض الثعابين والحيات لها، ويقصده هواة تربية الثعابين وكذلك هواة مشاهدتها'.
عالم النساء
بينما يخرج الحفيد لإحضار الورق، يترك خلفه زوجته ولاء وأمه، والمرأة في الرواية تلعب دور الرفيق الحميم، لأن البطل تربي وحيداً مع أمه، فيبدو طوال الرواية أنه يكوِّن عالمه عبر شخصيات نسائية كثيرة تمر به.. يخلفوا أشياءً فيه، ويدور في فلكهم، وأحياناً أخرى يقرر التمرد عليهن ورفض عالمهن. الأم هي أول امرأة في حياته، البيت يمثل بالنسبة لها حياتها كلها ومساحة الانتظار الهامة، وانتزاع الحكومة له سيعني انتزاع كل المساحات الجميلة التي تنتظر تحققها، حيث تعيش الأم منتظرة ربما يعود أبوها (الجد) من الموت، أو يعود زوجها من الأسر بعدما وقع أسيراً في حرب 1967 وتخلت عنه القيادات: 'إنها تريد أن تحتفظ بالبيت كما هو حتى يعود الاثنان من غيابهما. والآن هي تنتظر عودتي وأنا أحمل معي البشرى لها'. المرأة التالية هي سماح - زميلته في الجامعة - الثورية التي تتقرب من البطل لأنه تعتقده عميل للأمن، وتحاول كشفه، وبكل أحلامها الثورية تنهار وتهاجر لفرنسا عند اغتيال حبيبها في مظاهرة أثناء عهد السادات.
ولاء هي زوجة البطل التي يكتشف أنها تدين بالبهائية، فتكون الصدمة الكبرى في حياته، وعلى مدار الرواية ينتقد البهائية، ويفند أحداثها التاريخية، ويكشف عن علاقات خفية بين مؤسسي البهائية والصهيونية.
فرحة هي زوجة سعيد عقرب صائد الثعابين، وعبر شخصيتها الفطرية يكشف البطل عن التواصل الإنساني مع الطبيعة والشخصيات البسيطة التي تحمل رائحة الأرض، ففرحة ' تبدو مثل عود النبات الذي يشق الأرض الآن.... فارعة مثل نخلة وابتسامتها تظلك كشجرة التوت مليئة بالحياة مثل بئر الماء الذي لا ينضب أبداً كلما أخذت منه عاد وامتلأ'.وهذا الجانب الذي يربط البطل بالأرض، ربما هو ما يربطه أيضاً ببيته، الذي يقول عنه: 'تسكن بجوار الأرض، تتسلق أحلامك جدرانه وهو ينمو داخلك يتحرك مثل طفل أمامك تراب يكبر' فتعرف قيمة البيت التي لا يدركها سكان العمارات الشاهقة.
شروق هي الفتاة التي يقابلها في الرحلة، وهي فنانة تشكيلية تعكس أيضاً الرباط الذي يحسه البطل بين الشخصيات والطبيعة: 'إنها فقط تحب الحياة على فطرتها كما خلقها الله'.
ختام الرحلة
عبر أسطر الرواية تظهر هزيمة جيل شهد ثورة 1952 الكبيرة، لأنه جيل دفع ثمن أخطاء الحقبة، فالثورة كما منحت كل شيء أخذت كل شيء في الوقت نفسه، وخلَّفت 'جيل الخيول التي في عنقها طوق حديد'... فهي البلد التي قاوم الجد لأجلها الإنجليز، ووقع الأب في الأسر وهو يحارب لأجلها 'بعد أن تخلت عنهم قياداتهم وتركتهم في صحراء شاسعة بلا امدادات أو خطة انسحاب... وراحت تعلن التنحي على شاشة التليفزيون في مشهد مسرحي ميلودرامي.. هي البلد نفسها التي تسعى لانتزاع البيت' لتضيفه إلى املاكها'
وفي نهاية الرواية تنتصر الحكومة وتنتزع البيت، لكن الرحلة لا تضيع هباءً، لأن البطل قد أتم الهدف من الرحلة، واكتتشف ذاته وميراث العائلىة الأكبر، فقبل تلك الرحلة كاانت تبدو حياته 'كجدار صامت بلا فتحات' ورحلة البحث عن أوراق البيت شقت الفتحات، وتركت التاريخ يتسرب، لتكمل العائلة مسيرتها.
يكتشف البطل نفسه عبر تلك الرحلة ويكتشف معاني كبرى تخص الموت والزمن، فيقول عن الموت:'حين يحوِّل تلك الحياة المشتعلة داخل هذا الجسد إلى فراغ هائل بحجم الكون... هل هو نوع من الحياة لا نستطيع إدراكه بحواسنا المجهدة العاجزة التي لا تستطيع إدراك إلا ما هو محسوس فقط لذا نفارقه؟' ليبدو الموت هو أحد الحقائق الكبرى التي تؤمن بها الرواية، لأننا ننتظر على مدارها عودة الذين ماتوا في أي لحظة فنتوقع رؤية الجد، أو ظهور الأب من جديد، ليبدو الموت عالماً موازياً له حياة تخصه.
بشكل عام يمكن تصنيف تلك الرواية على إنها رواية سياسية تخوض في نقد الأجواء السياسية والتاريخية، ومراجعة مسيرة وطن وعائلة، تعرض لعدد كبير من الشخصيات.. تلك الشخصيات التي ظهرت عبر رحلة البطل وكشفت عن علاقاتها الخاصة بالزمن السياسي الذي ولى، منهم الذين قاموا بمظاهرات في عهد السادات، ومنهم السائق الخاص بالرئيس الأسبق محمد نجيب وغيرهم ممن عرضوا لهزائمهم. في سبيل ذلك اعتمد المؤلق عناوين سياسية طويلة للفصول، مثل: 'هناك جثث كثيرة ملقاة في التاريخ لا يعرف أحد من قتلها'.
يظهر في الرواية المجهود الذي بذله المؤلف أحمد قرني في جمع المعلومات عن البهائية وغيرها من التفاصيل التاريخية والخاصة بالشعر والفلسفة.
يؤخذ على النص تكرار المعلومات والتوصيفات، حتى أن بعض الجمل تكررت بالصيغة نفسها. أيضاً يؤخذ على النص كون رفاق الجد في المعتقل يظهرون كأنهم جميعاً شخص واحد في رأس المؤلف واضطر لتقسيمهم لأكثر من شخصية لإثراء النص، فجميعهم مشتركون في أنهم مدركين تماماً للأحداث والأسرار، ويروون بعلم لتلك الأحداث، كما أن جميعهم يحبوا الشعر، ويروون تفاصيل كثيرة عن شاعرهم المفضل، كما أن البطل نفسه الذي يعترف أنه لم يقرأ كتاباً من قبل، يسرد تفاصيل عن الشاعر بتلر ييتس! يتشابه رفاق الجد أيضاً في خلطهم بين لحظات الوعي واللاوعي، وتماهيهم معها.لكن يمكن التبرير للمؤلف في التفاصيل الشعرية السردية بأنه نفسه يحب الشعر ـ فقد بدأ المؤلف أحمد قرني حياته شاعراً، ثم تبعها بإصدارات للطفل، وأخيراً كتب الرواية.


ياسمين مجـدي.

عبدالرحيم محمد احمد
07-02-2013, 14:59
'الــقــنـــــدس'

محمد حسن علوان



السؤال الذي يقفز بقوة بعد قراءة الرواية: 'ماذا يريد علوان قوله في رواية القندس، وما الرسالة التي يود إيصالها إلى القارئ؟'.
وهذ السؤال، وغيره من الأسئلة، تولدت من رحم سرد لم ينجح في إقناع القارئ. والكاتب لم يتمكن ـ كما أرى- من تبليغ رسالته من كتابة الرواية، إن كان ثمة رسالة. ولم يأت بجديد وهو يتحدث عن التفكك الأسري، وسلبية الشخصية الرئيسة 'غالب'، وبرود العلاقات الاجتماعية، وخاصة في مجتمع ما بعد طفرة النفط، التي طغت بسوادها على صفاء القلوب وطهارتها.
ليس مطلوباً من الكاتب أن يجيب على أسئلة، أو يقدم حلولاً للمشكلات، فهو ليس طبيباً نفسياً أو مصلحاً اجتماعياً، ولكنه في المقابل لا يُقبل منه أن يقدم تصويراً فوتوغرافياً أو نفسياً لبعض الشخصيات، معتمداً على وجهة نظر أحادية لشخصية واحدة هي شخصية 'غالب'؛ الكهل العازب، المضطرب، العاطل عن العمل، الفاشل دراسياً، مقطوع الصلات مع أسرته، الهارب إلى أمريكا؛ ليبحث عن حياة أخرى أضاعها في الرياض، فأضاع العمر بين عالمين دون أن يظفر إلا بالفتات، إرث ضئيل من والده، وعلاقة باهتة فقدت مقوماتها وبريقها مع 'غادة'.
رواية 'القندس' هي الرابعة للروائي السعودي محمد حسن علوان، صدرت عن دار الساقي في طبعتها الأولى 2011، توزعت إلى 40 فصلا، على امتداد 319 صفحة من القطع المتوسط.
'القندس' عنوان ملفت لرواية، خاصة وأن هذا الحيوان لا وجود له في البلاد العربية، وإذا علمنا أنه نهري تمت المفارقة، فلا أنهار في الرياض أو غيرها من المدن السعودية. ومن خلال السرد الجميل الذي لا يخلو من روح شعرية هنا وهناك، ندرك أن الراوي العليم 'غالب' يقارن بين 'القندس' وطباعه، وخاصة بناء السدود، وحفر الأنفاق، وبين أسرته في الرياض، التي بنت حولها وبينها سدوداً كثيرة على غير صعيد. وهي مقارنة قد نتفق أو نختلف معها، ولكنها مقبولة إن أخذنا بوجهة نظر 'غالب' على الأقل.
يتهم 'غالب' أهله الذين يتألفون من والده ووالدته وأخواته وأخوه وعمته وزوجه والده أنهم كالقنادس، يقيمون السدود والدهاليز بينه وبينهم، وفيما بينهم، وبينهم وبين الآخرين. ولكن 'غالب' الذي يمثل دور الضحية نسي أنه 'قندس' شرس كبير، فهو أكثرهم سفراً واطلاعاً، وكان يفترض فيه أن يهدم السدود لا أن يعلي جدرانها، ويغلق الأنفاق، لا أن يوسع مداخلها. بل إنه أتقن بناء جدران عازلة بينه وبين الآخرين، وثقب الجدار أحياناً إن وجد له مصلحة شخصية مؤكدة، ثم يعيد ترميم الجدار من جديد. لقد استمتع بالقندسة، ليستريح من تحمل المسؤولية، والهروب من تبعات دوره كأخ أكبر، بأن يكون نقطة التقاء وتجمع للأسرة، بدلاً من أن يعيش على هامشها، كأي غريب لا صلة له بالأسرة من قريب أو بعيد. لقد حُرم أن يكون ابناً باراً، أو أخاً حنوناً، أو صديقاً مخلصاً، أو حتى حبيباً مضحياً.
لعب 'غالب' دور الضحية بامتياز، ويعلل خيبته وضياعه؛ بأن حُرم من حليب الأم التي تخلت عنه فور ولادته، وتركت البيت لتتزوج آخر، وانشغل عنه والده بزوجته وأولاده وتجارته، وأخواته لم يحترمنه كأخ أكبر. وكأنه استمتع بهذا الدور ليبرر فشله في الحياة من حيث الدراسة والعمل وحتى العلاقات السوية، وانقاد خلف علاقات شاذة، ومن ثم علاقة سرية مع 'غادة' المتزوجة، فاتخذها صديقة لعشرين عاماً، يلتقيان بين حين وآخر في جدة أو الرياض أو مدن أوروبا وأخيراً مدينة بورتلاند في الشمال الأميركي. علاقة بدت غير مقنعة، وغير مهضومة، وكان خاتمتها لقاء طال أكثر من اللازم، فانكشفت العواطف، وبطل السحر، وانطفأت جذوة لم تكن إلا نزوة بتواطئ الطرفين، أما الحب فلم يكن في وارد أي منهما.
رُسم 'غالب' شخصية سلبية جداً، بشكل منفر، فلا موقف جدي له في الحياة، ولا دراسة، ولا عمل أو هدف يسعى إلى تحقيقه، بل كل همه حاجات يشبعها، وأسماها أن ينام مع فتاة من برج مختلف كل شهر. وفضل أن يبقى عازباً، ليستمتع بحريته بعيداً عن قيود الزواج ومشكلاته، وربما تحسب له هذه الإيجابية الوحيدة كي لا يُعقب من نسله من يُعيد سيرته!
وشجعه على هذه الحياة الفارغة الباهتة رصيد مالي وافر في البنك، يكفيه حسب تقديره- فترة طويلة دون أن يعمل. بالإضافة إلى ذلك فإن 'غالب' شخصية انتهازية؛ فقد استغل مشاعر عمته 'فاطمة' ومعاناتها، فلعب على وتر عاطفي حساس، واستثمر طيبة 'ثابت' وحاجته لمن يفضفض له، من أجل استلال مادة منهما لبحث التخرج الذي لم يكتمل.
ولعل سلبية 'غالب' وعيوبه، مردها شخصيته المضطربة غير السوية، وتوفر المال بين يديه، وانشغال والديه عنه، فالأم لا يعنيها 'غالب' بعد أن تزوجت رجلاً آخر، والوالد مشغول بتجارته في السجاد، ومن ثم العقارات. ولكن كل هذه الأسباب قد تُقبل من فتى مراهق، لا من كهل ناهز الأربعين، وما زال يعيش عالة على والده، دون أن يقدم أو ينجز في حياته ما يستحق الإشادة أو التقدير.
نجح 'محمد حسن علوان' في رسم شخصية 'غالب' السلبية الفقيرة معرفياً واجتماعياً وعاطفياً، وما يوازيها من تفكك أسري في ظل طفرة نفطية ومالية أثرت على كثير من القيم. ولكنه لم يترك لنا بصيص أمل، بل زاد الطين بلة بكشف حقيقة العلاقة بين 'غالب' و'غادة'، وإرث متواضع كان صدمة للجميع وعلى الأخص 'سليمان' الأخ غير الشقيق لـ'غالب'. فيتركنا في حيرة واضطراب، نتساءل: وماذا بعد؟!
وظف الكاتب تقنية التناوب بين عالمين؛ ففصل في بورتلاند، وفصل في الرياض، مظهراً تناقض العالمين في جوانب، وتشابههما في جوانب أخرى، وأظنه لم يوفق كثيراً في هذا الجانب، فالتناقض بدا ظاهرياً شكلياً وليس حضارياً، فلم يشتغل إطلاقاً على أي جانب أمريكي في التعليم أو الصحة أو العلاقات الأسرية أو الخدمات، واكتفى بالقندس شاهده الوحيد، وكأن امريكا قندس كبير فحسب.
لم يوفق الكاتب أيضاً في المحافظة على اهتمام القارئ وتشويقه؛ إذ لم تخل الرواية من إملال هنا وهناك، على الرغم من اللغة الجميلة الغنية، فالرواية بدت كسيرة ذاتية وبوح لغالب وما يتعلق به من أحداث، وما ارتبط به من شخصيات، فهي رواية منغلقة تدور ضمن دائرة محدودة، كما القندس يعيش في منطقة محدودة وضع حدودها ولم يتخطاها.
وبعد، فرواية 'القندس'، تحسب في رصيد كاتبها الشاب، وتجربته المتصاعدة، وتبشر بمستقبل حافل لروائي متميز. ولكن عند مقارنتها ببعض الروايات التي استبعدت من القائمة القصيرة لجائزة البوكر، فإنها أقل مستوى وجودة، وأظن أنها احتلت موقعاً أكبر مما تستحق، لاعتبارات أخرى غير إبداعية بالتأكيد .

موسى ابراهيم أبو رياش.

عبدالرحيم محمد احمد
10-02-2013, 22:07
'بـورتــو سـعـيـــد'

روايـة : سامح الجبـاس.


'الإسكافي لا يرتفع فوق الحذاء' غاستون باشلار
تعتمد رواية 'بورتو سعيد' للروائي سامح الجباس والصادرة عن دار شرقيات 2011، على ثيمة المكان طبقا لما أردفته العتبة الأولى للنص وهو العنوان المستمدة رمزيتها من ميناء بورسعيد بمكانيته المتمحورة حول عدة شوارع وحارات منتخبة من دروب المدينة الباسلة صاحبة اليد الطولى في التاريخ الوطني المصري المعاصر في أيقونة ساردة لطبيعة ما حدث وما يحدث في هذا المكان من أمور وأحوال إنسانية وغير إنسانية كاشفة تبدأ منذ العدوان الثلاثي على منطقة القناة كما تعتمد أيضا المادة الوثائقية المختارة بعناية فائقة في بلورة تاريخ المدينة ورفد حالة من الحضور الإنساني للمكان بتفاعله مع أزمنة تراثية قديمة وأزمنة أخرى آنية حاضرة فيه بكل قوة من خلال دينامية الخيال واستعادة تجربة المكان الأليف، وأيضا من خلال أنسنة الأشياء الكاشفة عن طبيعة هذا المكان والمجسدة لروح البيئة الساحلية البورسعيدية في تجليات إرثها وطبيعة تشكلها وتمردها المستمر على واقعها المستهدف بصفة دائمة، كذلك الاحتفاء بالتاريخ الاجتماعي والوطني للمدينة من خلال شخصيات فاعلة انتخبها الكاتب حسب طبيعة المكان وجغرافيته المألوفة وسيرنة البعد الذاتي عنده باعتبار أن هذا المكان هو مسقط رأس الكاتب والعائش فيه حقيقته الاجتماعية والمهنية والذاتية الحاكمة، كما أنه احتفى أيضا بأسطرة بعّدى المكان والزمان في شكل سردي تجريبي يتقاطع مع مقاطع ومتواليات نصية تفضي إلى أخبار محددة منتقاة من الوثائق الصحفية والتراثية القديمة والحديثة استخدمها في ربط الأحداث واختيار أهمية موقعها في تاريخ وترميز روح المكان من خلال التركيز على بعض شوارع المدينة وحاراتها التي أختار منها الكاتب سبعة عشر شارعا وحارة رفد في كل منها ثيمة خاصة بها بدءا من 'شارع كسرى'، وانتهاء 'بشارع الأزهر' مرورا بهذه الأماكن البورسعيدية المألوفة 'حارة العباني'، 'شارع عدلي'، 'شارع مظلوم'، 'شارع شهداء القنال'، 'شارع أبو الحسن'، 'حار الأصمعي'، 'شارع الشهيد محمد عطعوط'، 'شارع الشهيد محمد طرفان خميس'، 'شارع الشهيد طيار رفعت البري'، 'شارع الثلاثيني'، 'شارع محمد صالح حرب'، 'حارة دسوقي'، 'شارع المقدس'،'شارع رمسيس'، 'شارع محمد علي'، حيث يتواصل السرد مع المكان البورسعيدي على إطلاقه في متواليات نصية تحكى وتسرد أحوال المدينة العظيمة الباسلة من خلال هذه الشوارع، وتختار من بعدي الزمان والمكان أحداثه البارزة سواء أكانت تراثية قديمة أم معاصرة في ثوبها القومي والوطني والاجتماعي، ولعل المكان بأبعاده الجغرافية والإنسانية وشخوصه المنتخبة من الواقعي والمتخيل انطلق من هذه الأماكن التي انتخبها الكاتب من أركان المدينة ليجسد وقائع إنسانية عاشتها شخوص وأشياء محددة تفاعل معها تاريخ المكان وأبرز حولياته لتتزامن مع ما يحدث الآن من أحوال تخص المكان والزمان في أحداثه الآنية في ترميز فاعل يسرد ويتحدث عن أماكن بعينها تعيش حتى الآن ولكنها تحكى الماضي القريب، ولعل هذا السرد قد جاء في هذا الوقت بالذات ليعيد صياغة الرمز الباقي من المكان والمتفاعل مع تحولات الأحداث التي مرت بها المدينة في أزمنتها المختلفة. يستخدم الكاتب في صدر كل مكان وشارع مقاطع تراثية لتوصيل المعني وتأويل الدلالة بخيط رفيع يتقابل من قريب أو بعيد مع أحداث النص، والمدينة في تكوينها الأصيل كانت حاضرة بقوة حسبما جاء في المقطع الأول من الشارع الأول من النص وهو 'شارع كسرى' حيث يبدأ الكاتب بهذا المقطع التراثي المستمد من خطط المقريزي'.. بناها قليمون بن أتريب بن قبطيم وسميّت تنيس نسبة إلى تنيس بن حام بن نوح...' (خطط المقريزي)، وتبدأ الأحداث في المتوالية الأولى ببرقية تصل الراوي المتحدث عن نفسه تقول :' البقاء لله. توفى إلى رحمة الله فريد عارف الشهير بفريد شوقي' وتعود الذاكرة إلى الثامن من يوليو عام 1957 سينما ريفولي بالقاهرة حيث يجلس فريد هذا خلف شباك التذاكر، وهو من يرسل إلى الراوي هو وزميله منير فلتاؤوس موظف شباك سينما ديانا عام 1956 برقيات تعرفّه بالأفلام المعروضة في سينمات القاهرة الشهيرة حتى يحضر من بور سعيد خصيصا لمشاهدتها، تعود الذاكرة إلى هذا الزمان الصعب أثناء العدوان الثلاثي على مصر، بينما يتقاطع السرد بأخبار صحف عام 1956 أثناء القتال في بورسعيد نأخذ منها هذا الخبر المنشور في جريدة الجمهورية يوم الخميس الثامن من نوفمبر 1956 :'القتال مستمر في بور سعيد، صّرح السيد عبد القادر حاتم مدير عام مصلحة الاستعلامات في الساعة التاسعة من مساء أمس بأن القتال لا زال مستمرا في مدينة بور سعيد وأن المعتدين قطعوا المياه عن المدينة بعد أن فشلوا في احتلالها'. السارد ينادي على من رحلوا من المدينة أصدقاء الزمن الجميل، وشهداء المدينة الباسلة، وهم شخصيات حقيقة عاشت في هذا المكان واستشهدوا على أرضه 'سيد عسران'، 'حسين عثمان'، 'على زنجير'، 'أحمد هلال'، 'محمود عطعوط'، 'لطيف مرقص'، 'نبيل الوقاد'، 'أم علي'، 'زينب كفراوي'، 'أمينة غريب'، أسماء كثيرة لا حصر لها كانت تعيش المدينة بكل عنفوانها وسطوتها، ولكنها غابت عن المكان بفعل الاعتداء الثلاثي الغاشم على المدينة، ويتخلل السرد مقطع صحفي نشر بجريدة الجمهورية يوم الأثنين 17 ديسمبر1956 يقول: 'اشتباكات عنيفة في بور سعيد، 'ستوكويل' يعلن أن الأهالي صرعوا ضابطا وجرحوا بعض الجنود، الباقوري يخطب الجمعة في بورسعيد، اعتقال 1000 مصري'. وخبر نمطي آخر يقول :'بحثت أمس الخطوات التمهيدية لمشروع صناعة التليفونات بمصر'، يستخدم الكاتب أسطورة جزيرة الفرما القديمة التي تظهر فقط في الليالي القمرية، ويظهر فيها الموتى وهم يعبرون الشوارع متجهين إلى البحر ليشاهدوا هذه الجزيرة الأسطورية التي كانت من معالم المدينة في الزمن القديم ثم اندثرت ضمن ما اندثر من معالم في محاولة لأسطرة المكان وبث روح الميثولوجيا القديمة المستمدة من غرائبية المشهد وروح جزيرة الفرما المتأصلة في ذات المنطقة. وفي متوالية 'حارة العباني' وهو المكان الثاني في سلسلة الأماكن البورسعيدية المحتفى بها في هذا النص، في هذه الحارة يستدعي السارد ثلاث شباب من شباب الحارة ليتحدثوا عن مباراة كرة تقام بين بور سعيد مع الزمالك يتخلل هذا الحديث، مونولوج داخلي لأحد هؤلاء الشباب يقول فيه :' ثلاث سنوات مرت منذ تخرجت يا عمر من كلية الهندسة ببورفؤاد. حاولت أن تعمل في أي من شركات المقاولات الخاصة، إلا أنك لم تجد الواسطة المناسبة، في كل عام تقول لنا الحكومة 'مفيش فلوس.. مفيش تعيينات' ويهاجموننا في برامج التليفزيون 'أنا مش عارف أيه الشباب الخرع اللي قاعد يقول أنا مستني تعيين الحكومة'. ويتخلل النص ما يجري على صعيد التجارة الحرة في المدينة من تهريب للملابس المستوردة والمخدرات في منطقة الجرابعة، حيث تصب الأموال في جيوب تجار معدودين، وانتشار تهريب ذريعة السمك في منطقة المناصرة واستخدام سيارات ربع النقل التي تقل الممنوعات بين الجمرك ودمياط بكثرة، ويتخلل النص وثيقة تتعامل مع زمن هذا الوقت من خلال خبر نشر يوم الخميس 13 مارس 1958 في جريدة الأخبار عن مطبوعات كتابي التي كان يصدرها حلمي سلام في ذلك الوقت مفاده :' مطبوعات كتابي تقدم لك اليوم مع باعة الصحف أول ترجمة عربية للكتاب المشهور الذي قرأه العالم بكل لغة 'ليالي بلزاك' (قصص ماجنة)، أصرح من 'ليالي بوكاشيو' الإيطالية الديكاميرون، وأجرأ من ألف ليلة وليلة العربية، 200 صفحة مزينة بالصور- الثمن 10 قروش فقط'. وتنتقل الأحداث في إيقاعها السريع إلى نص 'شارع محمد علي' حيث يحتفي الكاتب بتقنية الأنسنة في مونولوج داخلي جاء على لسان 'نجمة البحر' المعلقة على باب أحد العمارات ويبدأ النص بهذه الوثيقة النصية المستمدة من العدد الحادي عشر من مجلة الهلال الصادر في شهر يوليو 1893 والذي يقول: 'يسافر جناب اللورد كرومر من القاهرة في 3 يوليو الجاري، وفي غده يغادر الإسكندرية لتبديل الهواء في أوربا'، ثم يبدأ النص بحديث النجمة التي علقها صاحب إحدى العمارات في بور سعيد على باب عمارته وهو العائد توا من التهجير وكله تفاؤل وأحلام بحياة جديدة، تيمنا ببحر بور سعيد وما يخرجه من خير وثراء، تقول النجمة :' جففت السنوات أحشائي حتى صرت أنشف من الخشب. لا زلت أذكر ذلك اليوم الذي فارقت فيه عالمي في البحر إلى عالم الناس. نقلني صياد اسمه منصور إلى طاولت سمك، رآني صاحبي فأعجبه لوني الأحمر'. (ص90) وتشاهد نجمة البحر ما يحدث أمامها من أحداث مأسوية تطال شخصيات البيت المعلقة على بابه، وبعد أن كانت حديث أهل العمارة والتفاؤل المحيط بالمكان أصبحت ترى وجها جديدا للمكان والزمان: 'جاء بشر من كل مكان، أسمعهم يتكلمون عن التهريب من منفذ اللنش ومنفذ دمياط.. ستات بجلابيب سوداء، ورجال ذو سحنات غير مريحة. لا أحد عاد يذكرني أو يراني.. اشتقت إلى الماء كثيرا. ليتني أموت (ص91). وتشاهد النجمة من مكانها مشاهد غير مألوفة لتأزمات الواقع وفساد الذمم والضمائر تركها المستعمر وعلى رأسهم اللورد كرومر الذي كان يوما ما يذهب إلى أوربا ليغير الهواء.
وفي نص 'شارع الشهيد محمد عطعوط' وهو نص شبه سيرّى يعتمد المذكرات الذاتية لأحد المسئولين عن المدينة أثناء العدوان الثلاثي ويبدأ النص بهذه العبارة النصية المستمدة من كتاب خطط المقريزي: 'كانت الفرما على شط بحر تنيس وكانت مدينة حصينة وبها قبر الحكيم جالينوس وبنى بها المتوكل على الله حصنا على البحر..' (ص50) بعد ذلك تبدأ اليوميات التي كتبها السيد محمد رياض محافظ منطقة القنال أيام العدوان الثلاثي على منطقة القنال ابتداء من يوم 30 أكتوبر 1956 حين بدأت الطائرات البريطانية والفرنسية تقوم بغاراتها الجوية العنيفة على المدينة، ومن خلال هذه الحوليات اليومية يذكر السيد المحافظ الروح القتالية العالية التي كانت تتمتع بها بورسعيد ومنطقة القناة بأكملها، والدور المجيد التي قامت به المقاومة الأرضية للمدفعية المصرية ضد طائرات العدو وأثناء ونزول جنود المظلات في بورفؤاد والرسوة ومطار الجميل واشتباك الأهالي والشرطة وجنود الجيش معهم وتتوالى يوميات المدينة خلال هذه الفترة عبر هذا الشارع الذي سقط فيه الشهيد محمد عطعوط ومن ثم سمى باسمه بعد ذلك وتتوقف المذكرات في يوم 22 ديسمبر وهو اليوم الذي انسحبت فيه القوات الغازية وختم فيه السيد المحافظ يومياته بمقتطف مما كتبه في هذا اليوم حيث قال: 'أخطرني الجنرال بحضور الكولونيل 'إنجلهم' قائد القوات الدولية في بورسعيد أن الانسحاب يتم اليوم وطلب أن يبلغه هل لا يزال 'مورهاوس' على قيد الحياة أم أنه قد مات ثم قال الجنرال 'استوكويل' موجها حديثه إلى قائد القوات الدولية: ' أود أن أبلغ القوات الدولية للأمم المتحدة أن محافظ القنال قد واجه الموقف بشجاعة وكفاءة وأن المقاومة السلبية قد نجحت نجاحا كاملا فلم تقدم لنا أية مساعدة من أي جهة'. (ص60) تستكمل هذه المتوالية ما أشار إليه الكاتب من بيانات تحدد مساحة القوة العسكرية الغاشمة التي بدأ بها العدو قتاله على مدن القناة والتي جاءت في متوالية 'حارة العباني' أثناء عدوان 1956، وهي القوات التي كانت إمرة الجنرال سير تشارلز كيتلي ونائبه جنرال سير هيو أستوكويل بعددها وعتادها وأسراب طائراتها وبوارجها ومدمراتها.
وفي متوالية 'شارع الشهيد عريف محمد طرفان خميس' تبدأ المتوالية بهذه الوثيقة السردية التراثية المستمدة من كتاب معجم البلدان لياقوت الحموي: 'قال أهل السيّر: كان الفرما والأسكندر أخوين بني كل واحد منهما مدينة، فقال الأسكندر: بنيت مدينة إلى الله خضرة وعند الناس فقيرة فبقيت بهجتها ونضرتها إلى اليوم. وقال أخوه الفرما: بنيت مدينة إلى الناس فقيرة وغنية عند الله، فلا يمر يوم إلا وفيها شئ ينهدم حتى أنه في زمننا هذا لا يعرف أحد أثر بنائها لأنها خربت وسفت عليها الرمال...' (ص61)، ثم يمتزج هذا المنولوج الداخلي للريس منصور إحد صيادي بورسعيد الشرفاء، عن واقع الحالة التي يعيشها في هذا الزمن ما بين الغلاء وبنته التي بدأت تكبر والرزق الذي أصبح شحيحا، حينما بدأت كلمة التهجير تفرض نفسها على سكان المدينة بعد عدوان 67، يذهب الريس منصور إلى الإسكندريةـ تتخلل هذه الهواجس ما تقوله الصحف في ذلك الوقت: 'قدركم أن تعيشوا في بوابة مصر الشرقية. وطأتها خيول عمرو بن العاص حاملة الإسلام إلى مصر. هي مفتاح القنال. لعاب دول العالم يسيل عليها، من حرب إلى حرب إلى حرب تولدون محاربين، من دفنوا في ترابها منذ عهد ديلسبس أكثر مما يعيشون على أرضها الآن، تضربونها بمدافعكم وصواريخكم، وقنابلكم ولا تموت. تجرح ولا تموت، ترتشف ترياق الانتصار وتنهض من جديد، ترسم عيونها بالكحل، وتحدد شفتيها بالقلم، وتنثر البودرة المعطرة على جوارحها، وتمشط شعرها المصبوغ بلون البحر وتبدأ من جديد'. (ص66)
تتواتر حكايات الشوارع والحارات في المدينة لتؤثث في النهاية هذا النص السردي الحكائي الذي يعتمد المكان والتاريخ الاجتماعي والسياسي له كما يعتمد أسطرة لكثير من أدوات القص والحكي في رفد هذه الرواية التجريبية ذات الخصوصية في التناول والكتابة، وتعود الروح الغائبة مرة أخرى إلى الفرما لتؤسس من جديد بورتو سعيد المدينة التي ولدت لتعيش وعاشت لتولد كل مرة من جديد.


شوقي بدر يوسف

عبدالرحيم محمد احمد
13-02-2013, 09:47
'سـفـــر أورشـلـيـــم'

رواية : د. شيمـــاء الشـريــف .


'سِفر أورشليم' رواية رمزية تتجسد فيها مدينة أورشليم ككيان له صوت أنثوي يقرر مصيره بنفسه بعد أن أعيتها الحيل من كثرة النزاع حولها بين ديانات التوحيد الثلاثة، فتقضي على ماضيها بنفسها وتفتح أبوابها لاستقبال رجل وامرأة لتبدأ بهما تاريخاً جديداً تفرض هي شروطه.
ويبدأ الزوجان قمر وأقمر حياتهما على أرضها وينجبان توأماً يسميانه نجم وشمس ويلتقيان بجيران مجنحين هما نور ونوران الزوجين الطيبين اللذين ينجبان بدورهما ضياء وهلال. ويعيش الجميع في سلام ومحبة في ظل رعاية المدينة الحارسة التي تخلو من مخلوق سواهم، والتي تلزمهم بتجنب الاختلاف الفكري والعقائدي، وما عليهم جميعاً سوى السمع والطاعة، وفي مقابل ذلك توفر لهم أورشليم جميع سبل الراحة والحياة الوديعة الهادئة. لكن هذا الوضع لم يرضي قمر التي تتمرد على هذا الأسلوب وتجهر بتمردها فتعاقبها أورشليم بقتل ابنتها شمس وإخفاء جثتها، فلا يبقى أمام قمر بعد فاجعتها تلك إلا أن تفكر في الهرب من مغادرة أورشليم، لكن المدينة تزلزل أرضها تحت أقدامهم وهم يحاولون فتح جزء أسفل إحدى بواباتها العملاقة فلا تتمكن قمر إلا من تهريب ابنها الوحيد نجم الذي كان بالكاد يبلغ الرابعة من العمر قبل أن تلقى حتفها هي وزوجها في الأرض التي انشقت لتبتلعهما معاً وإلى الأبد.
ويبدأ الطفل الهارب حياة جديدة في كنف الشاب يوسف صانع الحلي وأبيه السيد بحير المقدسي، دون أن تفارقه ذكرى المدينة التي وُلد وتربى فيها لأربع سنوات، وحين يكبر؛ يتبع جيوش المملكة المجاورة التي تهاجم المنطقة بهدف الاستيلاء على أورشليم التي ازداد الصخب الصادر من خلف أسوارها دون أن يعرف أحد لذلك سبباً،، وبعد نجاح الجيش في اقتحام المدينة، لا يجدون أي أثر للمدينة، التي قررت أن تلملم أرجاءها وتدفن مبانيها بأيديها بعد أن تمرد عليها حتى المجنحون الذي كانت تعتمد على استسلامهم بعد تخلصها من قمر وأقمر، فما كان منها إلا أن قررت ألا تسكن أرضاً بعد اليوم وأن تصير روحاً تسكن النفوس لتقضي على الاختلاف والخلاف لأن ذلك من وجهة نظرها هو السبيل الوحيد إلى السلام الذي لم تعرفه أبداً في تاريخها والذي تتوق إليه.
ثم تقفز الأحداث لمائة عام كاملة حيث تدور في المنطقة حرب عقائد شعواء في المنطقة، فيما نجد أستاذة الفلسفة المرموقة دُرَّة تتبنى اتجاهاً سلمياً فكرياً للقضاء على هذه الحرب، إلى أن تهرب بصحبة إحدى تلميذاتها إلى قصر أولاد نجم المقدسي - آخر من سكن أورشليم- ـ وتقرر تحدي خرافة 'لعنة أورشليم'، وتشرع في إنشاء مدينة في نفس مكان أورشليم القديمة تفتح ذراعيها لجميع العقائد للعمل سوياً تحت أغصان الزيتون.
ويعيش الجميع في سلام لعشرين سنة، قبل أن يظهر الاختلاف العقائدي مرة أخرى، وتُراق من جديد أنهار الدماء حول أورشليم وفوق أرضها.
وتتوالى الأحداث، وتتكرر دورة السلام والصراع في أورشليم، دون أن تعرف سبيلاً لخلاصها.
يذكر أن مؤلفة الرواية شيماء الشريف حاصلة على درجة الدكتوراه في الأدب الفرنسي مع مرتبة الشرف الأولى - قسم اللغة الفرنسية، كلية الآداب. جامعة الإسكندرية، عام 2009م.
وحاصلة على درجة الماجستير في الآداب بتقدير ممتاز من قسم اللغة الفرنسية، كلية الآداب. جامعة الإسكندرية، عام 2003م. وتشغل حاليا موقع رئيس وحدة بالمكتبة الفرانكوفونية بمكتبة الإسكندرية. رئيس وحدة منتدى الحوار بمكتبة الإسكندرية، في الفترة بين عامي 2003 - 2011م.
لها العديد من المقالات المنشورة على الإنترنت وفي العديد من الصحف المصرية.
سِفْر أورشليم روايتها الأولى.صدرت عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام، القاهرة 2013م.
رواية 'سِفْر أورشليم' للروائية 'د. شيماء الشريف'، في 192 صفحة من القطع المتوسط.

عبدالرحيم محمد احمد
15-02-2013, 22:41
'رقــــــــــص'

روايـة : معجب الزهـراني .



تتأسس هذه القراءة لرواية 'رقص' للأكاديمي والروائي والشاعر معجب الزهراني على فرضية تستحضر ما وقع وما يقع من تحولات أو تطورات في مجال الكتابة الروائية بالعربية السعودية ( والنقاد السعوديون مختلفون بصددهما.
أشير هنا إلى ما ورد في 'المجلة الثقافية' من اختلافات وتباينات بخصوص إن كانت الرواية في هذا البلد العربي تعيش حالة تحول أم حالة تطور أم تُراوح بينهما( عبد الله الغدامي ،علي القرشي ،سلطان القحطاني ،محمد العباس، حسين المناصرة، عبد الرحمن حبيب) أو ما عبر عنه الدكتور معجب الزهراني نفسه في مقالة له بعنوان 'الطفرة الروائية ومفارقاتها' (بجريدة الرياض، العدد 14941، 21 ماي 2009) أو ما وصفته الروائية الجزائرية احلام مستغانمي بتسونامي الرواية السعودية. وهي تطورات وتحولات عمت الرواية السعودية المعاصرة وقدمت مقترحات جادة على أصعدة السرد والتخييل واللغة. فالفن الروائي السعودي، ومن خلال مؤشرات النقد والنقاد يسير في اتجاه أفضل، بل إنه شرع في الاستجابة لحاجات القارئ المحلي من خلال الاحتفاء بمكنون ذاكرة الأمكنة وما تشي به من مخزونات اجتماعية وثقافية تشكل، على الدوام، أبعاداً معرفية حيث يمكن للكاتب السعودي أن يدمجها في محكياته التخييلية أو التمثيلية لاسيما حينما ترتبط الرواية بأوطوبيوغرافيا الشخصيات والأمكنة مغذية بذلك سرودا تروم الهوية الفردية والجماعية معا، ومحاورة أنساق الرومانيسك الكونية سعيا لصياغة نكهة روائية محلية تفرج عن قدرات تكلمية هائلة . وإذا استعرنا من معجب الزهراني عبارته، سنقول إن الكتابة الروائية، في العربية السعودية ،تمثل ظاهرة أدبية- ثقافية تلفت النظر وتثير التساؤل لأكثر من عامل :
1. من حيث الإنتاج : تكاثر الأعمال - تنوع أعمار الروائيات والروائيين - تنوع التوجهات الجمالية والفكرية.
2. من حيث التلقي : احتلال الكتابة الروائية مركز الجدل في الأوساط الثقافية كثرة الحوارات والندوات...
3. من حيث المستوى الأكاديمي : انصباب الكثير من رسائل الماستر وأطروحات الدكتوراة على هذا الجنس الأدبي لجدته وجاذبيته وغناه التيمي وارتباطه بمشاكل مجتمع ينوس بين البداوة والتحضر.
لهذا أضحى من الممكن الحديث عن ذاكرة خصبة للرواية في هذا البلد العربي، يمكن عرضها من خلال أربع حقب تقريبية :
ـ رواية الخمسينات والستينات أو الرواية الواقعية مع كل من حامد دمنهوري وإبراهيم الناصر .
ـ رواية الثمانينات ويمثلها على وجه الخصوص عبد العزيز مشري عبر ما عرف برواية الريف.
ـ رواية التسعينات أو الرواية التجريبية في عالم غير ودود، وتمثلها البدايات الأولى للروائية الكبيرة رجاء عالم.
ـ رواية ما بعد التسعينات إلى ألآن، ومن أهم خصائص السياق الذي نشأت فيه :
- تصدع مجمل البنى التقليدية للحياة والثقافة، إما بفعل عوامل تاريخية أو تقدم في التقنية.
- بروز الذات الفردية في ارتباط قوي بنشوء المدن والحواضر الجديدة.
- شيوع الرؤية النقدية للذات والآخر والعالم بفضل تطور الوعي وتنوع وسائل التواصل التي أنهت، جزئيا، بعضا من أمجاد الرقابة الرسمية.

2- أهمية رواية 'رقص' لمعجب الزهراني :
في هذا السياق وبمحاذاته تبلورت الكتابات النقدية والأدبية لمعجب الزهراني . فرواية 'رقص' تستمد أهميتها من إندراجها ضمن الحقبة الرابعة مع ارتباط خفي بالمرحلة الأولى . وتعليل ذلك أن هذه الرواية الأولى لصاحبها راكمت من مكونات الرومانيسك ما جعلها امتدادا، في الآن نفسه ،لسرود الخمسينات والستينات، وتعبيرا عن تحولات عميقة مست بنية مجتمع الجزيرة، ثقافته وقيمه وكيانه. ففيها نجد :
ـ إجراءات سردية وأسلوبية متنوعة
ـ انفتاحا على نصوص وخطابات ووسائط كالفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والعمران والشعر كنوع من الإجراءات التناصية التي تخدم استراتيجيات رواية 'رقص' من الناحيتين التلفظية والدلالية . في مثل هذه الحالة، فإن رواية 'رقص' (وعلى الرغم من كونها الرواية الأولى لصاحبها، مع إمكانية اعتبار الكتب النقدية سجلات سردية من نوع آخر لكنها تعتبر سلفا لهذه الرواية) نص أدبي يحث حثاً قوياً على تلقيه لما ينتجه من دلالات ليست أحادية ولا مستقرة، كونها تغطي سياقاتٍ متنوعةٍ ذاتيةٍ واجتماعيةٍ وإيديولوجيةٍ ينهل منها الكاتب جزءا كبيرا من مواد الرومانيسك في رواية 'رقص'.
وهاتان الخاصيتان، من بين خصائص أخرى، تمتلكان منطقهما ومعقوليتهما في الكتابة، عند معجب الزهراني، بحكم ما يتميز به من رصيد ثقافي وفكري وجمالي شديد التنوع، الأمر الذي يمنح نصه السردي شكلا وبناء تصويريا متميزين.ولكون السيرة السردية، عند الزهراني، هي ثمرة روافد متعددة لغوية وفكرية، فإننا نلاحظ أن العملية التخييلية، في رواية 'رقص'، تتحول إلى مَحْضَنٍ للفكر والمعرفة والسؤال في كل الأنساق المغلقة والشمولية.
وإذا علمنا أن الرواية رغم كونها ممارسة تخييلية فإنها ليست معفاة من مسؤولية تقديم عالم كما لو أنه حادث بالفعل، وهي تنجز ذلك من خلال البطل بما أنه يعيش ويفكر ويشعر ويتكلم أي باعتباره ذاتا، أمكننا القول بأن فهم الاقتراحات التي يقدمها السرد المعاصر، خاصة النصوص العميقة الموصولة بالتجربة الإنسانية، يتطلب قراءة تنظر للسرد باعتباره شكلا من المعرفة، وتبوئه المكانة التي يستحقها في تمثيل ما لا تستطيع اللغة التعبير عنه. وهذا الأفق الذي يرسي فَهْماً للسرد على أساس فلسفي وتأويلي هو الذي يؤطر هذه القراءة ويشكل خلفية لفرضيتها العامة.
ولفهم الاشتغال التخييلي الذي ينجزه معجب الزهراني وأثره في شعرية هذا النص واقتراحاته الجمالية وإمكاناته على الحض على التأويل وممارسة التفكير النقدي، تلزم الإشارة إلى أحداث تميز المتن السردي، وهي التي تتصل بعلاقة التناقض بين أحلام الإنسان وطموحاته وقيود المجتمع بكل سلطاته التقليدية والحديثة . فسعيد هو بطل الرواية أو راويها، والمجتمع المشار إليه هو المجتمع السعودي وما يعرفه من صراع، مرة معلنا، ومرات مبطنا بين تيارين متناقضين. سعيد هو مثقف ثوري من ذلك النوع الذي أفرزته ظروف الستينات والسبعينات من القرن الماضي، وقد حملته ثوريته إلى السجن ليقضي فيه سبعة أعوام لا يدري عنه أبوه وأمه وبقية أفراد أسرته شيئاً. وهل هو على قيد الحياة أو ذهب إلى جوار ربه، وعندما خرج من السجن عاد إلى قريته في مفاجأة غير متوقعة فقد تجمع أبناء القرية والقرى المجاورة لتحية الثوري العائد بأعجوبة من حيث لا يعود الراحلون من ذلك المكان 'العنيف المعتم النتن' وقد أعاد الاستقبال الحافل الثقة إلى نفسه وإلى دوره النضالي إلاَّ أن شيئاً ما كان قد تغير في داخله ودفع به إلى أن يتجه إلى عالم التجارة والبحث عن طريق جديد للنضال لا يجعله يظهر في قلب المشهد. وقد بدا بعد تلك التجربة المُرّة أكثر ذكاء ووعياً وإدراكاً لما يدور في محيطه العربي والعالمي.
ثانيا: التشكيل الخطابي للهوية السردية في علاقته بالتاريخ والمكان:
وفي معالجتنا لمفهوم الهوية السردية استندنا إلى أعمال بول ريكور، خاصة مفهوم الهوية السردية.الهوية السردية، لدى بول ريكور، هي نوع من الهوية يكتسبه الناس من خلال وساطة الوظيفة السردية (ص.295). ولذلك ذهب إلى أن 'الشخص حين نفهمه كشخصية في قصة، ليس بكيان مختلف عن تجاربه. على العكس من ذلك فإن الشخص يتمتع بنظام الهوية الدينامي نفسه الخاص بالقصة المحكية. إن الرواية تبني هوية الشخصية التي نستطيع أن نسميها هويتها السردية، وذلك حين تبني هوية القصة المحكية.
وهذا الأمر هو ما تضطلع به الحبكة السردية في رواية 'رقص' حيث تنسج وقائع وأحداثا خاصةً بـ'سعيد' ضمن أفق سردي تكشف عن صورة مغايرة تضيء ما خلفته أحداث مضت على شخصيته، وكيف أنها حولته من شخص كاره للسلطة ساع إلى التشويش عليها، إلى شخص نادم على ما فعل، قرر أن يقطع الصلة بماضيه من خلال الانخراط في مشروع لا يمت بصلة للمشروع الذي قاده إلى غياهب السجن والمعاناة. والسارد، في رقص، أثناء سرده لحياة سعيد وما اكتنفها من حماس واندفاع، في البداية، وما تميزت به من إقبال على الحياة وملذاتها، بعد الخروج من السجن، إنما كان يسعى إلى تمثيل الزمانية الفردية من خلال استدراكات المخيلة. هذا الأمر هو ما يجعلنا نقول إن رواية 'رقص' قد جعلت من الحياة الواقعية لسعيد (في الماضي) إوالية للتخييل.
فالسرد إذاً هو الأرضية التي تعترك عليها مختلف الفروع والاختصاصات، بل إن السرد هو تطوير للعلاقة التلازمية بين خيال السارد وزمانية سعيد. ومن هنا يتم تحبيك الوجود التاريخي، أو التاريخ الثقافي لسعيد والجماعة التي آمن بأفكارها ونفذ أوامرها.
ففي رواية 'رقص' هناك استنطاق للماضي (التاريخ)، وتأكيد على أهميته كمادة يمكن تفكيكها ومحاورتها وهتك أسرارها من منظور وعي ذاتي، كل ذلك من أجل تحبيك ماضي سعيد (المادة التاريخية) في قالب روائي، تستوي داخله هوية جزئية صغيرة قابلة لإثبات وجودها ومنازعة هوية مركزية مهيمنة.
ولعل هذا النوع من التحبيك لا يقتصر على هذا النص، بل يجد صداه في كثير من النصوص الروائية السعودية لكل من تركي الحمد في معظم رواياته (ثلاثية 'أطياف الأزقة المهجورة''، (العدامة، الشميسي، الكراديب)، ومحمود تراوي (ميمونة، يا أخضر يا عود)، عواض العصيمي (قفص)، وأحمد أبو دهمان (الحزام (بالفرنسية)، وعبد الحفيظ الشمري (فيضة الرعد، جرف الخفايا)).
وتبدو أهمية رواية 'رقص' في إعادة الاعتبار للحكي كفعالية إبداعية أولى بعدما تضاءل دوره في الحساسية الروائية الجديدة العربية. فبالقياس إلى البناء الشذري الذي يشكل قاسما مشتركا بين كتاب تلك الحساسية، تأخذ الدينامية السردية خصوصيتها في هذه الرواية من نظام سيميائي محدد الاشتغال، يتميز بالمزج الخلاق بين المكون الروائي الذي ينهض على الحقيقة الافتراضية التخييلية، وتشير إليه الرواية من خلال التعيين التجنيسي الذي يحمله غلافها، والمكون السيرذاتي المؤسس على الرؤية الاستعادية لحقيقة مطابقة للواقع الذي كانته الذات الساردة في الماضي، ومن تجلياته داخل الرواية الوُرودُ القوي للأفعال الدالة على التذكر والاستعادة والإشارة المباشرة للحياة الفردية وتاريخها. وإذا كان لأفعال التذكر من دلالة فهي التأسيس لمقومات الحكي السيرذاتي لأنها 'تقوم دليلا على أن زمن الحكاية هو زمن مستعاد أو مسترجع، حادث في العالم قبل حدوثه في النص، فالذاكرة هي خزان الماضي، الذي تنتقل منه الأحداث إلى الخطاب لتثبت فيه نهائيا بواسطة اللغة'. وبموازاة مع الرؤية الاستعادية التي يضطلع بإنجازها صوت الناظم الداخلي، تنبثق رؤيات تزامنية تخلق الإيهام بالمحايثة، خاصة ما يتعلق بالمشاهد والأمكنة التي تحرك فيها سعيد، وهذا ما يعطي للسارد بضمير المتكلم دورا مركزيا في هذه الرواية. كما أن المسافة بين الحلم والحقيقة، بين الروحي والمادي تفسح المجال لظهور وضعيات يغمرها الحب والسخرية، كعلاقة سعيد بأبيه ومشاركته إياه تحقير الشرطي الذي جاء من أجل القبض على سعيد أو علاقته بمن يحتكرون الحقيقة (أصحاب السلطات الدينية أو الدنيوية أو الكنوزيولوجية) ويفرضون شروط تداولها وينبذون من يعارضها أو يشكك فيها.
ومعلوم أن الانصهار بين هذين الخطابين في النسيج اللغوي والسردي للرواية يحقق لها القدرة التكلمية، بحيث يتراسل فيها اللجوء إلى استدعاء الماضي من أجل تشييد الهوية الذاتية سرديا بالمعضلة الجماعية التي تحيل على علاقات التفاعل بين هذه الذات والعالم. فاللجوء إلى تأصيل الكيان الفردي لسعيد يظل مشروعا غير قابل للتحقق على النحو الأفضل إذا لم يستند إلى تأصيل للكيان الجماعي، إما جماعته الصغيرة أو الكبيرة (القبيلة أو الأمة). وذلك لأن الإنسان، كما أكد على ذلك ميخائيل باختين، لا يمكن أن يعيش إلا في التواصل، وذاته لا تتوضح على النحو الأفضل إلا في العلاقة بالآخرين الذين يحتك بهم ويصادفهم في الواقع الخارجي الذي ينشد فيه آماله ويلاحق فيه حقيقته المؤرقة. بهذا المعنى، فالرواية وهي تلقي بالبطل في مواجهة عالم لغزي وغريب يشكل مسرحا للدسائس والصراعات والعداوات لا تشخص الزمان المروي فيها وحسب، بل تغدو أكثر إفصاحا عن الزمن الراهن وما يبطنه من معاني الصراع والعبث واللاجدوى. وهذا ما يمنحها بعدا فكريا ويجعل الزمان المروي فيها موضوعة أساسية في بنائها العام.
ومن مفارقات رواية 'رقص' على مستوى علاقة هويتها السردية بعنصر المكان، أننا لا نجد الطبخة الوجدانية والأخلاقية التي طالما ميزت التخييل العربي في علاقته بألأمكنة الغريبة، ليس هناك صدمة ولا أحكام مسبقة، ولكن هناك لجوء وإنشداد ورغبة في الإقامة الأبدية، وذلك في مقابل نوستالجية مقلوبة في علاقة الشخصية المحورية بأمكنتها الأولى (القرية مثلا) عندما عبرت مدام ليوتو عن الشاب بطل الرواية بتساؤلها أفلاح هو أم طالب؟ لم تكن لتبتعد عن التوصيف الدقيق كثيراً، فهذا الالتباس لا يأتي عند مدام ليوتو فقط بل عند البطل ذاته فهو لا يرى في نفسه الطالب المبتعث بل المهاجر، ومثل هذه الرؤية سمحت له بأن يستدعي ذاكرة السفر وأن يستعرض سيرة المهاجر الأول من قريته، كما حدت به إلى أن يبجل السفر كما يبجل الرقص. كذلك فإن صفة المهاجر تمنحنا دلالة أكثر عمقاً من صورة الطالب المشغول بالدراسة ونزوات الشباب. المهاجر هنا يأخذ حلمه معه ويسكنه وطنه البديل.. يكون حميماً مع ذلك الوطن، لذا فإنه وجد في 'رويان' قريته البديلة التي تتمتع بمزايا قريته الأصلية على مستوى الطبيعة غير أنها تفوقها بمزايا أخرى كالحرية والطقس الاجتماعي المفتوح. من هنا جاءت محبة المكان طاغية، فهو يقول 'الحقيقة إنني أحببت هذا البيت الحجري الأنيق وتعلّقت بالأشجار كلها'. أيضا هناك أمر آخر لا بد من الإشارة إليه وهو أن أبطال النص لم يتعرضوا لصدمة الحضارة ولا توجسوا من فوارق باريس مقارنة بالقرية، وأعتقد أن وراء تجاوز هذا الأمر هو أن السفر إلى تلك المدينة جاء بدافع الشغف. كذلك يبدو أن أبطال النص لديهم إحساس بجفوة المكان المحلي، وعليه فقد لعبت باريس دور البديل المرهف المناسب. وعلينا أن نرصد حضور المكان الباريسي في ذاكرة أبطال الرواية على مستوى أزمنة مختلفة، لكن الغرام هو الغرام بالمكان . ربما تلك الأمكنة لا تمسها رياح التغيير بسهولة لذا فإنّ شواهدها تظل رفيقة الذاكرة وهذا ما كان لسعيد وصاحبه في الرواية. فليس هناك موسم للهجرة لا إلى الجنوب ولا إلى الشمال، ولكن هناك سفر دائم، حيث الهوية ليست 'علبة شديدة الإحكام'، وليست تحيزا مكانيا، ولكنها تعبئة فضائية نفسية، فحيث توجد الحرية والطقس الاجتماعي المفتوح توجد إقامة سعيد.
- خلاصة وتركيب :
لا شك أن الروائي السعودي معجب الزهراني أنتج في 'رقص' رواية متوترة تدلل على واقع محلي وعربي مرهق، وتشخص ملامحه بقوة في حبكة تفوح بعبق التاريخ والعشق والجمال. وإذا كانت الرواية تستند في إنجاز ذلك التمثيل إلى بطل سارد يبدو كما لو أنه ينوب عن المؤلف في نقد جور الزمان وتسلطه على أهل الرأي والمعرفة، فإنها بذلك تبنين أبعادها الواقعية وفق نسق خاص. فما يُحدِّثُ به البطل الروائي يشي بتميزه في لغة تتمرد على اللغة التقريرية المباشرة، وتقف على مسافة منها. فهي لغة تحتشد كثافة ومجازات وتفيض صورا ومعاني ودلالات كما لو أن الزمان الذي جار بهذه الشخصية وتسلط عليها وسعى إلى إسكاتها لا يمكن الاحتجاج عليه إلا بلغة ليست منه، لأنها تتغذى بالخيال الذي هو كشف وإظهار واتصال بنور إلهي ينفذ إلى الكون فيجعله جليا في وجوده، بينا في مرآته الصقيلة. لذلك كله، تأخذ شخصية سعيد وجودا خاصا تتدخل اللغة في تحديد عناصره ومقوماته.
وبما أن الرواية تنجز حفرا عميقا في الذاكرة الفردية والجماعية لقبائل وجهات وهوامش ومراكز، بالعربية السعودية، وتنفتح على مرجعيات نصية متعددة، كما تستثمر آليات سردية مختلفة تعكس حوارها مع التجارب الروائية الكونية فإن ذلك كله يؤكد أن التعامل معها من منطلق الإمكانات التخييلية والسردية التي تحققت لها بالانفتاح على النص االأوطوبيو-تخييلي لا يعني أنها تتحرك في دائرة ما يقرره ذلك النص. وما قيمة الرواية إذا لم تجرؤ على زحزحة اليقينيات المزعومة ومساءلتها بهدف تجديد المعرفة بها. ومعجب الزهراني لا يمنح الرواية تركيبها الخاص وحسب، بل، ومخلصا دائما للخلق والإبداع، لا يكف عن تطوير لغة سردية خاصة به ولا يضارعه فيها أحد. فمفرداتها مصقولة بعناية فائقة وصورها ثمرة اشتغال يمتزج فيها التشكيل التجريدي والسرد الواقعي والفانتازيا. وهذا ما مكنه من توسيع أفق الرواية لاحتضان وجوه رسمت ملامحها وقسماتها بمهارة فنية، لكأنها أكثر انتماء لزماننا هذا.
بهذا المعنى تفتح رواية 'رقص' إمكانات متعددة لإعادة قراءة وقائع وأحداث وتواريخ وممارسات، كما تنجز استبصارات عميقة في شخصية سعيد عبر استدراكات المخيلة .


د. عثماني الميلـود

عبدالرحيم محمد احمد
19-02-2013, 14:58
'حـلــم حــقــيــقـــي'

رواية : محمـود الريمــاوي .


تعدُّ الرواية خطابا سرديا ووصفيا ينهضُ على أساسِ أحداث مبنية بناءاتٍ متنوعةً حَسَبَ قَصْدِيَّةِ الكَاتِبِ الموضوعي الخارجي مشاركا كانَ أو غير مشارك في تطور السرد ونماء المحكيات.
ويعدُّ تعدد البناءات الخارجية للرواية المِحَكَّ والفَيْصَلَ بين تجربة روائية آنية وتجربة أخرى سابقة عليها أو مجايلة لها، فصيغ الخطاب في الرواية العربية اليوم متنوعة بتنوع وعي الكاتب الموضوعي وثقافته ورؤيته للعمل الروائي، فهناك الخطابات التقليدية المتمسكة بالحبكة التقليدية المُتَحَكِّمِ فيها الخضوع لِمفهوم الزمن الفيزيقي الخارجي الذي يخضع بدوره لمنطق العلة والمعلول، والتواتر، واعتبار الكتابة صورة حقيقية 'منعكسة' عن الواقع الخارجي في عمومه أو خصوصياته الجزئية، كالتجارب الفردية، والسير الذاتية والغيرية التعليمية والوعظية، والخطاب السردي لهذه الأنماط من الكتابة لا يحيد عن كونه خطابا توجيهيا مَالِكًا للمعرفة واليقين، وهو ما ينفي عن الكتابة أهم خصوصياتها المميزة؛ أي أن الكتابة ليست سوى متخيلٍ فردي أو جماعي [مشترك] لظاهرة اجتماعية أو ثقافية أو سياسية أو اقتصادية خاصة أو عامة، محلية أو عالمية.
في رواية 'حلم حقيقي' لمحمود الريماوي تتجلى هذه المسألة، فالرواية ليست بديلا عن الواقع الذي يمور بالأحداث وليست عالما موازيا يسير إزاءه، إنما هي 'كِتَابَةٌ متخيلةٌ' تحدث في ذهن الكاتب ويعيها وعيا خاصا به يشكل معنى العميق لمفهوم القصدية الروائية، أي أن الرواية، وكل إبداع حديث، لا يقف عند حدود نقل الواقع وتجاربه وتصويرها بصورة آلية، إنها هي رؤية خاصة موجَّهة من قبل وعي ذاتي حاد لظاهرة بعينها، لأن الكتابةَ الروائيَّةَ اليومَ ليست مَلْءَ فَرَاغَاتِ الْفَجَوَاتِ التي يُحْدِثُهَا الواقع في ذهن الإنسان المعاصر المأخوذ من ناصيته والمقذوف في حمأة الوهم بالحياة والوهم بالكينونة، فهي رجة الوعي الراكد والمستكين.
رواية محمود الريماوي تبحث في طبيعة الإنسان المعاصر، الإنسان في تنوعه وتعدده؛ الإنسان المستسلم لمجرى الحياة تحمله حيث تشاء كما تحمل المياه الجارية الفضلات إلى الضفاف البعيدة، هذا الإنسان الذي استسلم نهائيا وتخلى عن كل أشكال المقاومة الجماعية والذاتية، إنه الإنسان المعاصر الذي تكالبت عليه الضربات وأصابته في جوهره وباتت كينونته سؤالا مغيبا عن الوعي، أصبح اليوم مجرد 'رقم' سالب في معادل وجود مستحيلة التحقق.
تتجلى صورة هذا النمط من الإنسان الذي بلغ مستوى ما تحت الصفر في الإنسانية لدى أولئك البشر الذين تكشَّفَ عنهم 'تحقيق' الصحافي 'مينو'، تلك الكائنات الفائضة عن الحاجة، وتلك الكائنات التي تبيع ذاتها بالتقسيط مقابل حفنة من المال، وتتاجر في حياتها وتختزل تعاستها في أيام معدودات، وتقبل أن تكون قطع غيار لحيوات أخرى قادرة على الدفع وبسخاء. إنها كائنات فاقدة لأدنى ذرة من الإنسانية أو الاحترام لذاتها وبالتالي فاقدة لمعنى المسؤولية ومبدإ المقاومة، إنها كائنات ممسوحة الهوية بلا ملامح محددة فضلات زائدة في جملة الحياة والوجود، وسنطلق عليها الآن هنا 'الكائن الأدنى'.
هل هو كائنٌ هشٌ وضعيفٌ إلى هذا الحد؟ هل هوَ كائنٌ مجبرٌ، بقوى عليا أو دنيا، على فعل تبديد كينونتهِ الحق والخاصة جملة أو بالتقسيط؟ هذا ما يروج له النمط الثاني من الكائنات، وسنطلق عليه هنا أيضا 'الكائن الأوسط/الوسيط'، وهو الإنسان الانتهازي الذي يبني لنفسه عالما منغلقا على 'يَقِينٍ وَاهِمٍ وَوَاهٍ' يحيا فيه إلى حين ثم ينهارُ السقف عليه ليجد نفسه وحيدا ومنبوذا كحيوان ينفق في الخلاء والخراب.
يقدم الكاتب محمود الريماوي شخصية 'رحيم' نموذجا للكائن الانتهازي في سياق الحياة المعاصرة التي شهدت انحدارا حادا في القيم والمبادئ العليا والكبرى، وانكماشا في دور الإنسان في بناء صروح الاقتصاديات الجديدة، وقد أفرد له الكاتب فضاءً أوسعَ، حتى أن السياق السردي لشخصية 'رحيم' شكل وحده في مرحلة من تطور السرد محكيا تاما، وبدا أنه 'المحكي المطوي' طي الثوب الذي ضم تحته المحكي الإطار الأعم والأكبر لشخصية 'مينو' المحورية.
في بداية محكي رحيم يتساءل القارئ ومعه الناقد عن سبب 'تبئير' شخصية رحيم، وعن سبب تقديم السارد لهذه الشخصية تقديما شاملا، من وضعية اجتماعية ووظيفة في الحياة وسلوك وطبع ورغبات نفسية، والجواب يتجلى في نهاية دورة السرد وانغلاق الخطاب الروائي على عالمه المتخيل.
يرسم السارد شخصية رحيم فيطبعها أولا بالغموض والطموح، ذلك الغموض الذي سيتكشف على كائن من درجة أوسط، درجة متدنية لكنها أعلى قليلا من الكائن الأدنى الذي فقد كل قدرة أو إرادة ذاتية ونفسية وشخصية على مقاومة الاندحار، شخصية الكائن الأوسط 'رحيم' تدفع القارئ إلى السؤال: هل هي شخصية انتهازية أو شخصية ماكرة أم شخصية استوعبت حقيقة المرحلة وأدركت لبها وطبيعة التعامل معها والاندماج في مساراتها ودروبها المتشعبة، أم هي شخصية وصولية 'براغماتية' تتسلق كل الدرجات الممكنة والمتاحة من أجل الوصول إلى هدف منشود، هل هي شخصية على حق أم أنها شخصية مدعية؟؟؟
الفرق بين الكائن الأدنى والكائن الأوسط ليس في الجوهر الإنساني لأنهما معا يفتقدان إلى مبدإ المقاومة الذاتية والجماعية في آن؛ الأول يأكل من حياته وجسده في غياب الوعي بفلسفة الحق والواجب والمسؤولية، والثاني يأكل من مبادئه ومواقفه وقيمه، إنه يستبدلها مقابل الوصول إلى وضعية اجتماعية معينة، الوصول ولو على حساب 'الإخصاء القيمي'. إنهما معا كائنات ممحية وممسوحة الوجود، الأولى فاقدة للقدرة على الفعل والثانية فاقدة لخصوصية النوع، أي أنها كائنات فاقدة للذات الحق والوجود القيمي.
تنتهي الكائنات الأدنى إلى الموت البطيء أو الفوري، وإلى الاندفان في أجسادٍ غريبةٍ قادرة على الدفع وشراء مزيد من الحياة والمتعة والأجساد، أي 'كائنات أرقى'، وتنتهي الكائنات الوسطى إلى الضياع والتيه لأنها مفرغة من الداخل كالفقاعات؛ وهما معا يفتقدان إلى مبدإ المقاومة، لكنهما صورة واحدة للإنسان المعاصر المهزوم من الخارج (المجتمع) ومن الداخل (القيم)، فـ'الكائن الحقيقي' الذي يخذله الواقع الخارجي والحياة لا ينهار عادة إذا كان عالمه الباطني ووعيه متماسكيْنِ، لكن شخصية رحيم في رواية محمود الريماوي انتهى بها الأمر إلى الطلاق وضياع الاستقرار والحياة الأسرية وإلى الفصل عن العمل لأن التحقيقات كشفت عن تورطه في عمليات مشبوهة تم فيها استغلال الفقراء والمعوزين والجاهلين من مواطنيه من الكائنات الأدنى [المنبوذين والمهمشين في المجتمع والحياة].
هناك أربعة أصناف من الإنسان المعاصر في الحياة اليوم وفي العالم المتخيل لمحمود الريماوي وهي على التوالي:
الكائن الأدنى: المنبوذون والمهمشون في الحياة والمجتمع. الكائنات الأشباح.
الكائن الأوسط: الانتهازيون والمتسلقون والوصولون. الكائنات المسوخ.
الكائن الأرقى: المرفهون والمترفون. الكائنات النسخ.
الكائن الحقُّ: أصحاب المبادئ والقيم العليا. الكائنات المقاومة.
تمثل شخصية الصحفي 'مينو' نموذج 'الكائن الحق' في رواية الكاتب محمود الريماوي، وقد بنى السارد محكي الشخصية بناء متدرجا متمهلا كمحكي إطار ممتد على أبعاد الفضاء الروائي المتخيل، عكس محكي رحيم الذي قدمه دفعة واحدة في الفصول المتوالية (7-8-9-10)، فجاء كتضمين، أو كمحكي مطوي، ولم يعد إليه إلا بعدما تمت التحقيقات وتبين أنه متورط في بيع أبناء بلده من المنبوذين والمهمشين الفقراء جراء طموحه الشخصي وتسلقه ووصوليته، يوضح قائلا:' ... قالوا لي إن الأبحاث الطبية قد تحمل قدرا من المجازفة بحياة مريض هنا ومريضة هناك. لكن نتائجها في ما بعد تخدم ملايين البشر. أنا نادم، ولكن هذا ما حدث. قالوا إنه يجب التكتم على عنصر المجازفة. وطلبوا تعاوني وقد فعلت. كنت أخلط في صور الأشعة التي أقدمها لأطبائنا المحليين، أمنحهم صورا ذات نتائج أفضل من الصور الحقيقية. صور لمرضى آخرين.' ص (125)، يضيف مبينا العلة:' سألتني مقابل ماذا؟ مقابل المغامرة. كنت صديقا لأحدهم ولإحداهن. كانت جميلة ومثيرة عالجت كبتي الشرقي...' ص (126).
عبر الصبر والتأني والتقصي استطاع 'مينو' الحصول على ما يريده من المدون خالد مشتاق وأخته الطبيبة بلقيس التي اعترفت له بالخروقات الطبية وتلاعب بعض الأطباء والممرضين بالنتائج وإخفاء الحقيقة المرة، فكتب تحقيقا مفصلا مقنعا مثيرا للظاهرة حصل بموجبها على ترقية في عمله واحترام أكبر من رئيسه وزميلاته وزملائه في العمل.
مرة أخرى، وعبر الخطاب الروائي عند محمود الريماوي، يطرح السؤال حول حقيقة الرواية اليوم: هل هي القصة؟ وهل هي بالضرورة الوصف الدقيق للواقع في كليته أو في جزئياته المتفرقة؟ وهل تحتاج الرواية إلى لغة خاصة وصافية متعالية ومثقلة بالأساليب وبالألفاظ وبالتعبيرات المسكوكة الموروثة؟ وهل لغة السرد في الرواية اليوم هي ذاتها التي كتبت بها الروايات الأولى لدى المقتبسين من مدرسة البيان...؟
الرواية من خلال الخطاب الروائي لدى محمود الريماوي في روايتيه 'من يؤنس السيدة؟' و'حلم حقيقي' سهل ممتنع، قريب وعميق، المحكيات فيه محدودة بلا إفراط، وشخصياته مليئة بالحيوية وكل واحدة منها تمثل عالما خاصا تختزل مظاهر الوجود، ومرتبطة بالحياة اليومية العادية، في الخطاب الروائي عند محمود الريماوي تتراجع القصة كحبكة تتداخل فيها العلاقات بين الشخصيات الروائية وتتراكم وتَتَتَابَعُ الأحداثُ، لِصَالِحِ الظَّاهِرَةِ الاجْتِمَاعِيَّةِ ولصالح الفِكْرَةِ.
كتب محمود الريماوي عن مفهوم 'البطء' و'الفراغ' و'العزلة' في 'من يؤنس السيدة؟'، وكتب عن 'الإنسان' في أبعاده التي أنتجتها المرحلة المعاصرة في 'حلم حقيقي'؛ الإنسان الأدنى الذي فَقَدَ إرادته وتخلى عن كينونته وأصبح وجوده ثقلا ينبغي التخلص منه، والإنسان الأوسط الذي باع روحه ومبادئه وقيمه ليس للشيطان كما في 'فاوست' غوته، لكن لركوب صهوة المرحلة واحتلال الواجهة والانمحاء في غبار وضجيج السرعة والالتباس والسهولة والسطحية.
لقد استطاع محمود الريماوي التقاط أهم تأثيرات المرحلة التاريخية التي يمر بها العالم العربي خاصة والعالم عامة على الإنسان المعاصر، وقد انتقل من درجة التشيُّؤِ في نهاية القرن المنصرم إلى درجة الخواء، حيث صار أجوف من الداخل تعبره الريح، بلا قرار أو روح مقاوِمَةٍ، والأفظع أنه صار كائنا غريبا الأطوار يقتات من ذاته، يأكل من بعضه، يقترض من مستقبله ما يسند حاضره، يبيع أحلامه وطموحه من أجل متعة لحظية. إنه الكائن الخرافي العجيب الذي ولدته المرحلة يأكل من ذاته، يأكل ذاته، ما اسمه هذا الكائن الخرافي؟
إنه الإنسان الأدنى، الإنسان المهزوم المنبوذ والفائض عن الوجود المتخلي عن كرامته وحقوقه، وهو كذلك الكائن الانتهازي الذي يقتات على مبادئه وينسلخ عن مواقفه ويمتهن الادعاء ولا يترك وسيلة إلا واستغلها لإدراك مآربه الخاصة تماما كما استغل رحيم الحزب للوصول إلى والد زينب التاجر، واستغل بساطة وطيبة مينو لإبعاده عن الحقيقة...
إنه الخطاب الروائي الحديث الذي يقترحه علينا محمود الريماوي، خطاب يذهب نحو الجهة الأخرى للواقع، حيث تختفي الحقيقة المرة والأفكار الشيطانية والممارسات البغيضة، تقول الطبيبة بلقيس شقيقة المدون خالد مشتاق:' أتحدث عن أفكار شيطانية، وممارسات بغيضة، تتم في غرف قد تكون جيدة الأثاث حسنة الإضاءة والتهوية، يشغلها أناس مهذبون مهندمون شديدو الاعتداد بأنفسهم.' ص (102-103).


محمد معتصم.

عبدالرحيم محمد احمد
21-02-2013, 20:24
'الإسـكـنــدريّــة في غــيــمـــة'

روايـة : إبراهيم عبدالمجيـد .


يقول سقراط لصاحبيه في 'المأدبة': إنّ من يقدر على وضع الرواية المحزنة، قادر على وضع الرواية المبهجة، لأنّ أصول الصنعتين واحدة'. ص276.
لم يقصد سقراط بمقولته فنّ الرواية بالطبع، فالأخير لم يكن قد وجد بعد، لقد تحدّث هنا عن الملحمة، والفارْس، والتراجيديا، لكنّ مقولته تلك، والتي تجنّبها النقد الروائيّ، ذات علاقة وثيقة بأصول صنعة الرواية، فالرواية الناجحة، هي في واحد من وجوهها، مجموعة من الحالات الدراميّة التي تجمع المحزن إلى المبهج، مع أنّنا نجد الغالبيّة العظمى من الروائيين يشتغلون على الجانب المحزن فحسب، ظنّاً منهم أنّ ذلك أشرف، في حين أنّه يشكّل خللاً في النسيج الروائيّ، فالرواية فنّ مختلف عن فنّ التراجيديا. لعلّ المعلّمين وحدهم أتقنوا عمليّة دمج الصنعتين، إذ تكشّفت لهم أسرار ذلك الفنّ، فوصلوا إلى أنّ أصول الصنعتين واحدة. هذا ما يفعله، دائماً، إبراهيم عبد المجيد في رواياته، وهذا ما فعله في نصّه (الإسكندريّة في غيمة)، والذي صدر مؤخّراً عن دار الشروق. لقد تمكّن من جمع البهجة والشجن في سبك روائيّ واحد، فجاءت (الإسكندريّة في غيمة) مرثيّة للمدينة، واحتفالاً بها في آن معاً، لذا آثرت أن أصفها بـ(سيرينادا)، والتي هي المقطوعة الموسيقية الصغيرة التي تعزف تحيّة لشخص ما، أو على شرفه، وهي هنا تعزف على شرف المدينة، الإسكندريّة، ولاشكّ في أنّه لم يكتب روائيّ عن الإسكندريّة مثلما كتب عبد المجيد عنها، ولا تشبه علاقته بها، ورصده لتحوّلاتها، سوى علاقة أورهان باموك بإسطنبول ورصده لتحوّلات الهويّة فيها، فيبدو الأمر كأنّه قدر المبدعين في المدن المفتوحة على البحر.
يشكّل نصّ (الإسكندريّة في غيمة) ثالثة الأثافي لتجربة الروائيّ في رصد تحوّلات المدينة، فقد بدأ الروائيّ بـ (لا أحد ينام في الإسكندريّة) ببسط حياة مصر والإسكندريّة بخاصّة، وما اعتراها خلال الحرب العالميّة الثانية. ورصد في (طيور العنبر)، التحوّلات إثر العدوان الثلاثيّ، وتجربة التأميم 1956، وما تلاها من خروج الإثنيّات من الإسكندريّة، ليأتي نصّ (الإسكندريّة في غيمة)، فيحكي التحوّلات الثقافيّة الاجتماعيّة إثر استلام السادات الحكم، وسطوع نجم الإسلاميينن، في سبعينيّات القرن العشرين، وما تبعه من تحوّلات لم يقصرها على السياسيّ الاجتماعيّ، بل سار بنصّه إلى رصد التغيير الديموغرافيّ، والأخلاقيّ، والمورفولوجيّ، وما يمكن تسميته بالتغيّر الثقافيّ، وفاقاً لنظريّة الثقافة:
'البيت محاط بسور تفصله عنه مسافة صغيرة خالية من الورود والأشجار التي يبدو أن صاحب البيت القديم بناه على هذا النحو كي يزرعها. بقيت الأرض متربة . والرجل الخمسيني العمر الذي يأتي كل شهر لتحصيل الإيجار، قال عنه أبو الحسن المكوجي، وسمسار الشقق أيضا، أنه اشتراه من صاحبه اليوناني الذي غادر مصر عام 1962. بيوت الشارع كان أصحابها يونانيين أو شوام أو يهود ، أو مصريين موسرين . سكان البيوت كانوا كذلك، والبيوت في معظمها بنيت قبل ثورة 1952، أقلها بنى في الخمسينات. التزم أصحابها بقوانين البناء , فلا يرتفع البيت عن عرض الشارع مره ونصف ، لذلك كلها تقريبا لا ترتفع عن ثلاثة أدوار, أو أربعة إذا كان البيت يقع على ناصيتين. '. ص28
تبدأ أحداث النصّ عام 1975، بزيارة السادات إلى الغرب، ويحمل التفاصيلَ مجموعة من الشباب، وهم طلبة في جامعة الإسكندريّة، في قسم الفلسفة، وذوو انتماءات يساريّة، وماركسيّة بخاصّة، وبالطبع تحضر أصوات أخرى إسلاميّة، وليبراليّة، وأصوات بعيدة عن عالم الفكر، تربطها بأصحابه علاقات إنسانيّة وجسديّة، من مثل بائعتي الهوى (روايح، وغادة). أمّا البنى الاجتماعيّة الرئيسة التي تشكّل فضاء النصّ، فهي البورجوازيّة الصغيرة، فضلاً عن البروليتاريا، والبورجوازيّة الكبيرة، وذلك من خلال حضور عائلات الطلبة، كما تظهر بكثافة الأنساق السلطويّة الأمنيّة، والدينيّة المسيّسة.
لابدّ من الكلام على ثيمات رئيسة شكّلت النصّ وميّزته:
يحضر المخزون الثقافيّ في النصّ بكثافة، ويُوظّف ليصوّر المرحلة معرفيّاً وجماليّاً في آن معاً، فيعمل التوظيف المعرفيّ على صناعة فضاء النصّ، أي فضاء المرحلة، عبر الوثائقيّة المنوطة بصنع تفاصيل الزمان والمكان، وعبر صناعة روائيّة الرواية، مثلما يعمل التوظيف الجماليّ على صياغة شعريّتها، وحيث أنّ أيّ إخفاق معرفيّ هو إخفاق جماليّ، فالتفوّق المعرفيّ هو تفوّق جماليّ أيضاً:
' أما في الجنوب فكانت البيوت تقوم بسرعة أكبر، وترتفع العمارات، بعيداً عن أي نظام.
شوارع تبدأ واسعة ثم تضيق وتتفرع منها أزقة صغيرة ترتفع فيها البيوت بشكل عشوائي ، تماما كما حدث ويحدث في منطقة الجبل بالدخيلة. هنا المكان أكبر، عميق وممتد، كثير من الأرض وخاصة في الجنوب، مستنقعات مائية. وظهر على الكورنيش لأول مرة، في آخر شارع خالد بن الوليد عند إلتقائه بالكورنيش، مقهى علق لافتة ممنوع المشروبات الروحية، وتم بيع ملهى الكيت كات الكبير الواسع ليصبح قاعة أفراح، والتقى الرئيس السادات بالملك فهد عاهل المملكة العربية السعودية، وأعلن السادات مبتسما ابتسامته العريضة التي لا يعادلها على وجهه إلا غضبه العنيف، إنهما متفقان على كل شيء.'. ص47
تحضر الأساطير والتناصات، ويحدث التأصيل للأمكنة، وللأحداث، وللشخصيّات، بدءاً من أوديسيوس، والإسكندر، مروراً بدستويفسكي وماياكوفسكي، وليس انتهاء بسعد زغلول:'هل حقّاً حين قامت الحرب بين روما والإسكندريّة، استطاع الجنود البطالمة، أن يسلّطوا أشعة الشمس، بعد أن تنعكس على مرايا في فنار الإسكندريّة، إلى سفن الرومان فتحرقها؟ يا للإسكندريّة مدينة العالم القديم، التي اشتهر شعبها بمصارعة الديكة، وتناول النبيذ، والتندّر على الحكّام.' ص162
بذلك يحترم النصّ كلاًّ من ثقافة المتلقّي وثقافة الناقد، ويحفّزهما، لذا، يمكن أن نقول كما قال الناقد العربيّ القديم عن بيت أطربه: هذا نصّ له سجدة!
*الثيمة الأخرى التي ستجذب الناقد، في هذا النصّ، فتشغله، هي الاتفاق المبرم تاريخيّا بين الإبداع والنقد، على ضرورة وجود منظومة أخلاقيّة (من علم الأخلاق) كبرى سواء أكان ذلك في البنى الاجتماعيّة، أم في البنى الفنيّة. وتتوافر هذه المنظومة الأخلاقيّة بوضوح في نصّ عبد المجيد، ومنها تنبثق المنظومة الجماليّة التي تتجلّى في صياغة الشخصيّات، وعلاقتها ببنيتها الاجتماعيّة، وإشكاليّاتها، وحالاتها الدراميّة، فتتشكّل الحالة المعرفيّة الجماليّة التي تنتج النصَّ.
*يقودنا حضور المنظومة الأخلاقيّة إلى الكلام على الثيمة الثالثة، والتي تتعلّق بالنمذجة الفنيّة، إذ يتيح حضور منظومة أخلاقيّة كبرى فرصة إنتاج نماذج فنيّة متينة ومؤثّرة، في حين تصنع الفوضى النظريّة نماذج مائعة أو ضعيفة، ويشتغل النصّ على نماذج رئيسة هي: نموذج البطولي (نادر)، والجميل (يارا)، والمعذّب (نوال)، والتراجيدي (كاريمان)، والكوميديّ (خريستو/ غادة/ روايح/ الشيخ زعلان)، ممّا يقدّم روح الشعب الحقيقيّة.
*يحاكي جانب من حياة (نادر) جانباً من حياة ماياكوفسكي، وعلاقته الفكريّة والعاطفيّة بالشخصيّات المثقّفة المحيطة بـه، وتتفاوت بين دراميّة أقلّ أو أكثر، فيأتي انتحار (كاريمان) مثلاً ليشيع جوّ روسيا ذاته، بعد ثورة أكتوبر الاشتراكيّة، هناك انتحر المثقّفون لأنّهم كانوا أكبر من العالم، وهنا ينتحرون لأنّهم أصغر منه. وينسحب ذلك التناص على العنوان، فـ( الإسكندريّة في غيمة) تتناصّ مع عنوان قصيدة ماياكوفسكي الشهيرة (غيمة في بنطلون)، وشعر نادر يحيل المتلقّي إلى القصيدة ذاتها، لكنّه أكثر رومانتيكية، في حين نجد نصّ ماياكوفسكي أقرب إلى روح الوجوديّة. كان العنوان الأول لقصيدة ماياكوفسكي ( الحواري الثالث عشر أو النبيّ الثالث عشر) لكنّ الرقابة أجبرته على تغييره، فصرخ في قصيدته: 'فليسقط حبّكم. فليسقط فنّكم. فليسقط نظامكم. فلتسقط ديانتكم' أربع صرخات لأربعة مقاطع.
لقد حوّل عبد المجيد الصرخة ذاتها إلى رواية، قدّم فيها أولئك الشباب الممتلئين بالحياة والثقافة والفكر، على أنّهم حواريّون أو أنبياء صغار في زمن التجهيل:
'قال لي: لو لم يكن البحر المتوسّط /ما كانت الأوديسا/ قلت له:/عاد أوديسيوس/ وبدأت متاهتنا'. ص439
*لابدّ من الكلام على ثيمة دامغة في النصّ تشير إلى أنّ بناء الفرد وبناء المجتمع يشكّلان حالة جدليّة، فالمجتمع كلّه يتضافر ليصنع فرداً مثقّفاً: الجامعات، والكتب، ودور العبادة، والمقابر، والمنابر السياسيّة، ودور السينما، والآثار، والأغاني، والترجمات، والمقاهي، مثلما يتضافر المجتمع كلّه ليهدم الفرد، في حال غياب تلك العناصر، أو في حال صبغتها بصبغة واحدة. سيرى المتلقّي من خلال هذه الجدليّة تحوّل الإسكندريّة من مدينة كانت تنظر باتجاه البحر، بكلّ ما يحمله من غنى، وتعدّد، وكوزموبوليتانيّة، إلى مدينة تنظر باتجاه الصحراء، صحراء الشيخ زعلان وملّته، بكلّ ما فيها من معاني الخواء، والأحاديّة، والخصوصيّة الضيّقة:
'في النهاية وجد نفسه يمشي إلى حديقة تمثال سعد زغلول. هنا كان يجب أن ينزل من الأوتوبيس ولا يدور هذه الدورة. وقف كطفل حائر ينظر إلى التمثال، يسمع صوت المطر وهو يصطدم بالبالطو الووتربروف الذي يرتديه، وبالقبعة على رأسه. رأى أضواء فندق سيسل ظاهرة من خلف شيش نوافذه العالية، وكذالك أضواء فندق متروبوليتان. لماذا حقا لا يمضي ليلته هذه في أي من الفندقين ؟ في أتينيوس ألفة قديمة، وسأل سعد زغلول بسرعة لماذا لازلت تنظر إلى البحر. بلادنا الآن تنظر إلى الشرق. إلى صحراء الجزيرة العربية! هل يمكن حقا أن تستدير؟. أو تترك مكانك لينسي الناس ثورة 1919؟!'. ص66
لقد قدّم إبراهيم عبد المجيد في (الإسكندريّة في غيمة) سيرينادا للمدن الخالدة كلّها عبر الإسكندريّة، سيرينادا جمع فيها الرثاء والابتهاج في سبك نادر، فأسعد متلقّيه، مثلما أسعد ناقده، الذي يتوق إلى أن يقرأ له، بقدر ما يتوق إلى أن يكتب عنه، وتلك معادلة صعبة في عالم النقد.


د . شهـلا العجيلـي .

عبدالرحيم محمد احمد
25-02-2013, 01:10
'سـبــع سـمـــاوات'

روايـة : سعد القرش .


السفر مدخل للتخييل، منذ انطلق عوليس في تيهه الملحمي في أوديسة هوميروس، بيد أن حكي ما جرى هو حرفة أكثر منه شهادة، من هنا فإن ما بات يستثير القارئ اليوم هو سفر حرفيين استثنائيين في عوالم الأدب، لأن ما يعد به هؤلاء المغامرون في الكتابة، و'جوابو الآفاق' في الحياة، هو أكبر من مجرد مقاسمة القارئ معلومات مدهشة، وصور غريبة، ووقائع لم تخطر على بال.
إن وعدهم أجل من ذلك وأبعد غورا، يتمثل في تلك الغلالة الحريرية العصية على التقليد التي تجعل المألوف والمعروف وما تنقله صور الأفلام والتحقيقات الصحفية، والتسجيلات الوثائقية، وكاتالوغات الصور الطبيعية، شيئا جديرا بالمتابعة وإعادة الاستكشاف. ذلك ما يجعلنا نتلهف لقراءة رحلة 'أندري جيد' إلى شمال إفريقيا، ورحلة 'همينغواي' إلى باريس، ورحلة 'لورانس العرب' إلى شبه الجزيرة العربية؛ دون أن نلتفت كثيرا إلى تلك التمييزات الصنفية التي تجعل نص أندري جيد 'رحلة إلى شمال إقريقيا' 'رحلة خالصة، ونص همنجواي 'باريس سهرة لا تنتهي' سيرة روائية، ونص 'أعمدة الحكمة السبعة' أحد كلاسيكيات الرواية الإنجليزية .
رحلة الروائي هي سيرة بمعنى ما، بقدر ما هي رواية، عن الذات والمكان الغريب والنائي، رصد لدهشة العين والأذن، والأحاسيس المستثارة إزاء المدن وساكنيها، ومفردات كلامهم، وفرحكم وتعاستهم، وبساطتهم وتعقيدهم، تحكي عبر صور ومقاطع وصفية وسردية مفعمة مجازا، وعبر مفردات شفافة، أحوال الوقوع في سحر العوالم الغريبة، والاكتواء بنار الأحاسيس المرزئة التي تستثيرها، من 'وحشة'، وبعد عن الأهل والمحيط الأليف، وما تستدعيه من مقايسة متداعية بين 'الفوق' (أو التحت) الذي قد يمثله الفضاء الجديد المكتشف، و'التحت' (أو الفوق) التي يقبع فيه الوطن أوالفضاء الأصلي.
في هذا السياق تمثل رحلة الروائي المصري 'سعد القرش' الموسومة بـ: 'سبع سماوات' 'إلى بلدان 'الجزائر' و'العراق' و'الهند' و'المغرب' و'هولاندا'، وسياحته في أقاليم بلده الأصلي 'مصر'، عينة من النصوص التي تتجاوز نطاق الشهادة 'التعريفية' بأوطان وشعوب منتقاة، إلى 'ترميز' تلك الفضاءات والانخراط في جدل مع مدارجها العاطفية، وما تنطوي عليه من أسرار وطبقات حسية وذهنية، تجعل من الإصغاء إلى وجيبها مهمة لا تتعلق بصدقية الإخبار، ودقة التعريف، وإنما تنصرف إلى التعلق بعمق التخييل، ونضج الرؤية، وبراعة التعبير الروائي. وبمفردات تجنيسية صرف، هو نص يتجاوز النسق الرحلي، إلى المبنى الروائي المفتوح، على احتمالات السخرية، والمقايسة، والدرامية، والكثافة التصويرية، والمشهدية، والحوارية، وغيرها من الخصائص السردية التي تنأى بنص 'سبع سماوات' عن المثول بما هو مجرد تدوين 'تلقائي' لوقائع سفر صحفي، إلى بلاد بذاتها، لأداء مهام وظيفية.
ولعل سردية 'سعد القرش' بما تمتلكه من مقومات الثراء اللغوي والشفافية الأسلوبية، وسعة الأفق التخييلي، إنما تمثل نوعية من النصوص السردية في الأدب العربي المعاصر، تأبى على التصنيف في خانة الرحلات الخالصة، وتتحول إلى مزيج من 'السيرة' و'الرواية' و'التحليل السياسي' و'النقد الفني'، على غرار ما نجده في نصوص: 'الرحلة: أيام طالبة مصرية إلى أمريكا' لرضوى عاشور، و'الرحلة الأخيرة' لهشام شرابي، و'المدينة الملونة' لحليم بركات، و'شاعر يمر' لعبد اللطيف اللعبي، و'سيرة المدن والمقاهي والرحيل' لأمجد ناصر، وغيرها من النصوص التي كتبها روائيون عرب طليعيون، للتأريخ لوقائع استثنائية، والحكي عن الذات وتحولاتها وتعاساتها الوجودية، بقدر ما تلتقط شظايا العواطف المتناثرة عبر المعابر وفضاءات التيه، حيث لا تنتظم سيرة الذات إلا في جدلها مع المدن والمرافيء التي اقتسمت لحظات الاغتراب.
يروي سعد القرش في 'سبع سماوات' وقائع سفره إلى أربع بلدان عربية، وبلد أوربي وآخر آسيوي، فضلا عن أسفاره في وطنه، يناهز مجموع تلك البلدان الست، أخذت السارد إليها سبع رحلات، رحلة لكل بلد، باستثناء 'هولندا' الذي أخذت السارد إلى ربوعها رحلتين اثنتين. وهو الوازع العددي الذي حدا بالكاتب إلى وسم رحلاته تلك بسبع سماوات، في استدعاء صوري لرحلة الإسراء والمعراج، التي بات فيئها الرمزي ملهما لتخييلات السفر. ومنذ المقدمة يأخذنا السارد إلى 'العراق' زمن الحصار في استطراد تمهيدي يرسم به حدود اللعبة الروائية في المبنى السردي، التي ستنهض على ثلاثة مرتكزات تصويرية، نختزلها في: 'المقايسة الممتدة' بين الوطن (ناسه ومجتمعه) والبلاد الأخرى، و'الهجائية المضمرة' لأحوال الذات، و'السفر السينمائي'.
1- المقايسة الممتدة.
الظاهر أن موازنة حال 'الفوق' الذي تمثله مراتع الأصل بأوهاد 'التحت' التي ترزح فيه المرافئ الجديدة هو ولع الروائيين الرحالة، منذ سرديات 'كونراد' و'فلوبير' و'جورج أورويل' و'هميغواي'... فالسارد لا يرى الفضاء الجديد إلى بعين مثقلة بظلال الذاكرة، عين تستوطنها مدارج اليفاعة ومحيط الأنس، ليس غريبا، إذن، أن تحفل رحلة 'سبع سماوات' بصور المقارنات الدقيقة بين حياة الناس 'هنا' و'هناك'، وأن تمتلئ بالوقفات التأملية في أحوال الأفراد والجماعات، وسجاياهم، وأسباب رفاههم أو شقاوتهم، في كل بلد من بلدان السفر، وما آل إليه الوضع في بلده مصر، وهي وقفات تتخلل معظم مقاطع الرحلات، كلما استثارت السارد خاصية ثقافية أو سلوكية جديدة، إلا واستدعت إلى ذهنه صورة من صور الانحدار التي انتهى إليها عيش المصريين، أو صورة من صور الاعتداد بالذات والوطن. يقول السارد في مقطع من المقدمة:
'في السفر أبحث عن مصر التي أحلم بها. من حق أي إنسان أن يرى بلده الأجمل. ولست مبالغا إذا قلت إن مصر هي الأبهى، دائما أقول لأصدقائي من غير المصريين إن القاهرة، بصرف النظر عن أي اسم تحمله عبر العصور، خلقها الله على مهل، في هذا المكان، ثم خلق مصر بحدودها،...ثم خلق الدنيا. أقسو على مصر لأنني أغار عليها، وقسوة المحب واجبة دائما... لا أشغل نفسي كثيرا بتأمل غرائب الأماكن، ولا تبهرني البنايات الفخمة، إلا بقدر ما تحمل من الملامح النفسية للذين شيدوها...'( ص 15-16).
لا شك أن إحدى مثيرات الرحلة البحث عن الذات، وكشف طاقاتها ووعي إمكاناتها، ففي الخروج من جغرافيا الولادة والانتماء، ينمو الولع بالمراجع والأصول، ويتحول كل لقاء مع الغير إلى مساحة للمقارنة غير الموجبة دائما، تنتهي عادة بانتصار الجذور اللسانية والعرقية والثقافية، ذاك ما نكتشفه في كل الرحلات الكبرى، بدءا بمدونة رحلة 'ماركو بولو'، وانتهاء بسرديات سفر الساسة والعسكريين والصحفيين عبر بؤر الصراع في عالم اليوم، وهو ما يتجلى بصيغة أقل حدة، وأكثر سعيا إلى الحوارية في 'سبع سماوات'، فالسارد المأخوذ بعاطفته الوطنية التي تلامس الشوفينية أحيانا، لا يرى غير 'مصر' فيما يحل به من بلاد، وهي الرؤية التي تنعكس في بنية التخييل عبر المراوحة السردية بين 'الهنا' و'الهناك'، وعبر صيغ المقايسات المتباينة المداخل والأبعاد الجمالية.
هكذا تتحول المدن وتفاصيلها المعمارية، في 'سبع سماوت'، إلى خرائط للروح المستكينة، وإلى جسد بلاغي لماهية سرية هي الطبيعة الإنسانية. لا جرم إذن، أن تنطق الساحات والمقاهي والشوارع ودور العبادة وعوالم القاع، من خلال شخصيات فارقة، وصور بشرية استثنائية، ولربما ذلك ما يمنح الرحلة نفسها الروائي المفعم درامية، فعبر الحوارات المبثوثة بين السارد ومخاطبيه الآخرين، العراقيين، والمغاربة، والجزائريين، والهنود، والهولنديين... والمصريين أيضا، ترتسم المسافات الحسية والفجوات الوجودية بين 'الداخل' و'الخارج'. ومن خلال مشاهد المونولوجات، والوفقات التأملية، والبورتريهات الساخرة لأصدقاء وأقارب وأشخاص عابرين نتغلغل في دهاليز المكان، ونستكنه أسراره الخفية، ذاك ما تصرح به الفقرة المقتبسة هنا التي تكاد تختصر صميم الرؤية التخييلية في النص. بهذه الطريقة نتعرف على عوالم بغداد عبر شخصية 'الشاعر الصعلوك' الذي يترك كل شيء لأجل مرافقة ضيوف مهرجان المربد الشعري، فمن خلال تناقضاته وسقطاته والتباساته السلوكية نكتشف مآسي الأفراد والمجتمع تحت حكم الدولة التسلطية التي مثلنا النظام البعثي. كما نرسم ملامح الهند في مخيلتنا عبر الصور الشديدة الشفافية والنعومة والعمق التي تشكّل لـ: 'الدالاي لاما'، و'نجوم بوليود'، بل ولعمال الفنادق والمرشدين السياحيين، وسائقي الدراجات الثلاثية... ونغوص في تربة الجزائر من خلال صور كتابها وثوارها وجمهور كرتها وحماس شعبها واندفاعه الفطري إلى التخوم القصوى، مثلما نرتاد عوالم البهاء الحسي والمعنوي لهولندة، ونطالع ملامح مجتمع العقلانية وسلطة القانون والمؤسسات، من خلال شخصية المستعرب الأستاذ في جامعة لايدن ثم عبر صور أجهزة جماعية تمتد من الشرطة إلى عاملات الجنس، إلى رجال السياسة. وهي النماذج البشرية التي تغدو منفذا لمقايسات، لا تنتهي، بين البيوت والأرصفة والمقاهي ومؤسسات الدولة، والضفاف المطلة على نهري 'الراين' و'النيل'، وأولا وأخيرا بين الطبائع المتناقضة والسلوكات التي لا تلتقي في شيء.

2- 'الهجائية المضمرة'.
ولعل ما يلفت الانتباه أن مجمل المقايسات الطافحة مرارة وحسرة على أحوال المجتمع والوطن، لا تتخايل إلى النظر إلا مقترنة بسمة 'الهجائية'، والتصوير التهكمي للطبائع البشرية المختلة، وما يتصل بها من تشوه في السلوك والذوق، وقبح في المعمار وترهل في المؤسسات. وهي العنصر الجمالي الذي يكاد يمثل جوهر الأسلوب الروائي في النص، فعبره تتشكل صور الشخصيات المفعمة حيوية، وبالاستناد إلى طاقة السخرية تستقيم المواقف والمشاهد، وتكتسب نسغها الدرامي، وبإضمار التهكم تشكل الفضاءات، ويضخ فيها نبض الحياة.
على هذا النحو تسكن الهجائية اللغة وزوايا النظر، إلى الذات والآخر، وإلى الوطن والبلدان الأخرى، وعليه فبرغم تعاطف السارد الشديد مع جو الحصار الخانق الذي أهلك مجتمع العراق، فإن نبرة التمثيل الأسية لا تتكرس حدتها إلا بانتقالها المفاجئ إلى 'هجاء' السلوك الإنساني الملتبس الذي ينمو داخل هذا مناخ الفاجع، مثلما هو الحال مع سلوك الشاعر العدمي غير المبالي الذي يتحول فجأة إلى أكثر المواطنين جبنا حين يتعلق الأمر بنقد الزعيم البعثي. أو كالهجاء الجوع الجنسي المؤبد في مخيلة المحاصرين... إلى غيرها من المواقف التي تضحى لحمة التخييل وسداه، بل إنه حتى في بعص التفاصيل الجزئية، لا يترك الروائي الفرصة تمر دون هجاء الموقف، من مثل تعليقه على طرق باب غرفته في الفندق الهندي بعنف، بقوله: 'هذه طريقة مصرية صميمة ... فمتى انتقلت إلى الهند'(ص 94)، أو تعجبه من هدوء الهنود وصبرهم ورويتهم قائلا: 'رغم عدم انتمائهم ولا معرفتهم بثقافتنا العنيفة التي تقول إن العجلة من الشيطان'(ص94). لكن الهجائية لا تبلغ ذروتها إلا مقرونة بالمقايسة الحية مع الداخل العميق، حينها تصير السخرية ولعا أصيلا، ومقصدا جماليا يبدي نقيض ما يضمر من قيم الاعتداد بالذات وإدمان مباهجها ومفاجعها على حد سواء.
يقول السارد في مقطع بالغ الدلالة من النص:
'انتشر الميكروباص كالميكروبات أو السرطان في كل الطرق بمصر، وأصبح علامة على العصر الذي يستهان فيه بالبشر، فالسيارة التي تحمل 15 شخصا أو أكثر، هي مشروع جنازة في أي لحظة، ... وما دام الميكروباص نعشا طائرا، فإن سائقيه ورواده من متوسطي الثقافة ...، يبحثون عن يقين، ويستعذبون جلد الذات، في خطب تجعلهم يلعنون الحياة، وتؤهلهم نفسيا للاستعداد للموت الإسفلتي'(ص 101).
تتكرر هذه الصورة (هجاء الميكروباص) في مواضع كثيرة من الرحلة، ووهي بسخريتها اللاذعة، وطاقتها المجازية، ونضحها الخيالي، تمد المبنى التمثيلي بدفقات 'الروائية' المرتكزة في أساسها على المفارقات الذهنية والسلوكية المنطوية على مغزى أنساني عميق. ولا يعزب عن النظر أن تبجيل الذات والاعتداد بها يتوارى في مثل هذه الصور فاسحا المجال لغيرية مهيمنة، حيث تضحى كل السجايا الشخصية والقيم الحياتية وتفاصيل السلوك اليومي، ذات الإيحاء الموجب، شأنا غيريا خالصا، وهي السمة التي تستثير في كل مرة نزوع 'الهجائية' والسخرية من الوطن والمحيط، بحيث لا تكاد تخلو كل رحلة من عشرات الأسطر الموحية بخيبة الأمل والمرارة والخجل من انحطاط يبدو لا فكاك منه.
بيد أن ما يستثير الانتباه أن اقتران الهجائية بالمقايسة الممتدة مع أحوال المجال الجديد المكتشف، لا تتخذ دوما منحى سالبا، يزري بالوطن والأهل، وإنما تتحول في كثير من الصور إلى حافز لتأكيد العشق الطاغي لمصر وللقاهرة، ومن ثم تتحول إلى هجائية ظاهرية مخادعة وغير حقيقية، قصارها تأكيد قولة صلاح جاهين: 'أكرهها وألعن أبوها بعشق زي الداء' (ص 46).
3-السفر السينمائي.
هذا ويشكل 'السفر السينمائي' المرتكز الأخير للرهان التصويري للنص الذي ينطلق من قاعدة الرحلة ليتقاطع وسياقات الرواية والسيرة والنقد الفني، والمقصود به اقتران السفر بالسينما واقعا ومجازا، إذ ياتي سفر الروائي في معظم الأحيان استجابة لدعوات مهرجانات سينمائية، في الآن ذاته الذي تتحول فيه مشاهد الأفلام الأجنبية (الهندية والمغربية والعراقية...) إلى سفر جديد، ورحلة مضاعفة، ترتقي بالحسي، وما يستدعيه من مقارنات، إلى نطاق الجمالي والرمزي؛ وسرعان ما تنصرف المقايسة الحية، بالتدريج، من الصفات والمقامات البشرية إلى تمثيلاتها الفنية، ذلك ما نلاحظه حين يعرض لوصف حصار العراق وتداعياته على الحركة الثقافية والفنية، لينتقل إلى وصف حال النهوض السينمائي الذي شهدته مصر على إثر هزيمة 1967. وهو ما يطالعنا عندما ننتقل مع السارد من مشهد المجتمع العراقي المحاصر تحت ديكتاتورية صدام حسين إلى فيلم 'تحت الأرض' للبوسني 'أمير كوستوريتسا' حيث يعزل الحاكم المواطنين عن العالم الخارجي و'يسيطر على خيالهم، ويوهمهم بشبح الكارثة، التي توجب بقائهم تحت الأرض نصف قرن، مستخدما قدرته، وحده لا شريك له، على الاتصال بالعالم'(ص 34).وهو الانتقال الشبيه بالاستعارة التي تكثف المعنى الرمزي، وتجرده من سياقه المؤقت، وترتقي به إلى صورة ذهنية ماتعة الظلال.
والظاهر أن سير الأفلام وما تخلفه من وقع جمالي، وما تولده من نقاش فكري، يضحى معبرا لمقارنة ذهنية المشاهد 'هنا' و'هناك'؛ وفي هذا السياق بالذات ترصد السينما عمق المغايرة بين المجتمعات والعقائد، أكثر مما تفعل أية أداة تعبيرية أخرى، إنها سفر مجازي إلى الداخل العميق، في مقابل الرحلة الواقعية إلى الخارج الظاهر والحسي. ولعل هذا الانتقال من الواقع إلى السينما ومن اللغة المرجعية إلى الصور الرمزية الذي يرتبط بالمراوحة الجدلية بين الداخل والخارج لهو ما يمنح الرحلة بعدها التخييلي المفتوح، حيث تكاد تتحول في بعض المقاطع والصور إلى سفر ذهني خالص ورهان من رهانات الذاكرة والمخيلة واللغة التصويرية، كما يفتح النص أيضا على بعد نقدي وتحليلي بات من المكونات الرئيسة للسرد المعاصر، خصوصا في جنسي الرواية والسيرة، حيث تطل رؤية القاريء المهووس الذي يسكن وجدان الكاتب، عير ظلال الشخصيات والفضاءات والمشاهد والموقف الإنسانية، التي يستدعيها السياق السردي. وهو ما نلمسه بقوة في فقرة وصفية من رحلة السارد إلى الهند لحضور مهرجان السينما الآسيوية والعربية؛ يقول:
'حظي جمهور المهرجان بما فات معظم أبناء هذا الجيل من العرب، بمشاهدة (باب الحديد) على شاشة كبرى تستوعب نظرات قناوي (شاهين) الجائعة إلى فتاة المحطة، وإلى هنومة (هند رستم)، نظرات بعمق الاشتهاء والجرح والحرمان، والحاجة إلى التحقق الشخصي، وهو ما لا تفلح في إظهاره شاشة التلفزيون المستأنسة... [في الفيلم] يتوارى فريد شوقي، يدخل في مساحة الظل، في حين يتقدم قناوي نصف المجنون، نصف العاشق، المنتقم الكامل في النهاية... عاش الفيلم نصف قرن، ولا يزال قادرا على تجاوز اختبار الزمن واللغة والجغرافيا، استنادا إلى سحر السينما'(ص 96-97).
تطل هذه الفقرة في السياق باعتبارها عنصرا تكوينيا في معمار النص، المستند إلى المزاوجة بين مكونات السيرة والرواية والتحليل الفني، ينطق من خلالها القارئ الناقد الذي لا يستطيع التخلص من سلطة النصوص والصور في مقاربته لوقائع أسفاره، بحيث يتحول كل تفصيل إلى مثير لسلسلة من الصور المتداعية، كما يتحول كل فيلم إلى ذريعة للانتقال من السفر الحسي إلى التطويح في فضاء التخييل، ففي الفقرة المقتبسة لم يعد الجمهور الهندي مهما في حد ذاته، إلا من حيث كونه قد حظي بمشاهدة فيلم 'باب الحديد' على الشاشة الكبرى، أما كيف تفاعل معه؟ أو ما مدى استيعابه لصوره ورسائله الفنية؟ فتلك أسئلة لا تكتسي أولوية في السياق السردي، الأساس أن الفيلم عرض عبر شاشة كبيرة ومكن السارد من تحليل وقع 'هناوي' و'هنومة' مجددا عليه، ونقل ذلك الأثر عبر مقطع تحليلي بات جوهريا في مبنى التخييل.
***
لقد كتب سعد القرش 'رحلته سبع سماوات' بكثير من النعومة في الإحساس، والعذوبة اللغوية، مستقطرا في عوالمها الفسيحة التي امتدت من أسيا إلى أوربا إلى أقصى المحيط، كل مهاراته في وصف الداخل العميق، والسخرية من أحوال الوجود المختل، وتكثيف اللوعات المقيمة، والاستدعاء الدرامي للمواقف والشخوص التي توارت وغابت في تلافيف الذاكرة، حتى أضحت سيرة شفيفة لولعه الأثيل ببلده 'مصر' وبهاء أدبها وروعة فنونها، أضمر فيها غيرته الشديدة، على عوالمها، التي تشارف القسوة، وحسرته على انحدارها لدرجة الكفر بالانتماء. إنها رحلة في مجاهل الذات بقدر ما هي خروج إلى منابذ الغير، وهي مقايسة هجائية ونثر غزلي في آن، لا يمكن أن نخرج من عوالمها دونما أصداء عميقة لا تخلدها إلا صنعة روائي الحاذق.


شرف الدين ماجدولين .

عبدالرحيم محمد احمد
02-03-2013, 22:59
نـاصيـــة بــاتــا .

حسن عبد الموجــود .


(1) يقول توماس مان: 'نحن نعتقد أننا نقوم بأفعال. نحن نعتقد أننا نفكر، ولكنه آخر أو آخرون من يفكرون ويعملون بداخلنا، وهذا يعني أن العادات، الطرز البدائية، التي لكونها أصبحت أساطير عبرت من جيل لآخر، تحمل في طياتها قوة مغوية هائلة تتحكم فينا من هناك، حيث ترقد بئر الماضي'.
تُرجِّع شخوص 'ناصية باتا'، الرواية الأحدث لحسن عبد الموجود (دار ميريت، القاهرة)، أصداء مقولة 'مان' بعمق، فنحن نقارب شخصيات روائية يدفع كل منها على إعادة التساؤل حول قدرة الفرد على الاختيار، لصنع ماهيته، وقدرته الحقيقية على تحديد مصيره. هنا، نكاد نواجه قلباً لليقين الوجودي، إذ يبدو وكأننا أمام أفراد جبلوا على ما سينتهون إليه من قبل أن يولدوا، وكأن مصائرهم تحددت سلفاً.
جميع شخوص 'ناصية باتا'، تدفعهم قوة هائلة، قوة تاريخ قمعي، وسطوة مرجعيات صارت أساطير جاثمة، بما تتوفر عليه الأسطورة من وجه سلطوي ومن جاهزية، حتى أنهم جميعاً يتحركون بين حدي 'المازوخية' و'السادية'، كأن لا وجود في الحياة إلا لثنائية قامع/ مقموع.
ثمة مؤسسة تبسط وجودها على مقدرات العالم الروائي منذ اللحظة الأولى. المؤسسة مبهمة على نحو ما، إبهام يلائم شموليتها وكليتها. إنها مزيج من أنماط سلطوية عديدة تبدو وكأنما انسكبت، بشروطها الجوهرية، فيها وانصهرت لتخرج بتلك الصورة الشمولية والمضببة في الوقت ذاته. المؤسسة تعليمية، بوليسية، هي مدرسة، مكان للمبيت، معسكر، ملجأ، سجن. هي أيضاً كيان متعال طبقياً، فلا ترضى لنفسها أن يكون عنوانها مرتبطاً بـ'ناصية باتا'، الشركة المتقشفة التي تقدم الأحذية الرخيصة لأقدام الفقراء.
يضرب الوجود الرمزي لذلك الكيان واقعية النص المتوهمة في مقتل. هذه السلطة الكابوسية، يمر بها الجميع، على اختلاف أهواءهم ومشاربهم، تُدوِّرهم في آلتها الهائلة، وتقذف بهم نسخاً معدة للحياة وفق قانونها. مؤسسة تظلل وجود 'قاسم' و'بيكاسو' و'تمساح'، حلقة جوهرية في حيواتهم، قبضة تمسك بهم وتدورهم بين ماضيهم البعيد، الذي لا يقل قمعية، وحاضرهم المأزوم.
'1 أغسطس'، (اسم المؤسسة)، تاريخ لا يحيل إلى مرجعية اتفاقية في الوجدان الجمعي، فارغ من الدلالة، ليس له من إحالة يمكن تمليها. إنه حتى لا يكتسب دلالة جديدة في سياق النسق الذي يحمله، ليس تاريخ إنشائه أو تدشينه، لا يحيل لمغزى خاص بملاكه. ذلك التاريخ المفرغ من أي حمولة وجدانية، المبهم والغامض، يلائم مؤسسة يصعب تحديد كنهها بالضبط.
تقدم المؤسسة وجهها السلطوي عبر شخصين، 'طانيوس'، نائب المدير، والمدير غير المسمى (حيث ليس للسلطة المطلقة اسم، وصاحبها لا يعود فرداً، بل طاقة قمعية تنسجم وكل شبيهاتها).
الرئيس ونائبه، أو الإله ونبيه/ مرسله/ رجله الأرضي.. إنه المحدد الأول لعلاقتهما، حيث أعلى مراتب السلطة نفسها مقسومة إلى قامع/ مقموع.
طانيوس هو ذراع المدير التي تبطش في العالم السفلي، هو عينه التي ترى، وأذنه التي تسمع عالم البشر من قاطني المؤسسة.. يراقبهم حتى أثناء قضاء حاجاتهم، يفتش في قمامتهم، يتنصت على حواراتهم داخل غرفهم. دور 'بوليسي' في واقع الأمر، تتكفل قشرة الأخلاق الواهية بتبريره. هو حلقة الاتصال بين 'العاديين' والسلطة المفارقة، لكنه لا ينتمي في الحقيقة تماماً لأي من العالمين، لذا يبقى معلقاً، كمسخ مموه.
طانيوس، قبطي، عاش حياته دون امرأة، وفي الثامنة والأربعين، يبدو هذا الأمل البعيد وقد صار سراباً. إنه 'راهب' صارت وظيفته في خدمة المؤسسة ورئيسها هي وجوده نفسه. طانيوس مقموع من مديره (صديقه القديم)، لكنه قبل كل شئ مقموع من قبل نفسه.
العلاقة بين طانيوس ومديره تتحقق عبر أشد علاقات القمع والازدراء نقاء. عندما لا يعجب كلام طانيوس مديره، يأمره بتوقيع الخصم لنفسه'. في واحد من أشد أشكال المازوخية، يعاقب طانيوس نفسه عوضاً عن رئيسه، يتقمص سادية مديره وهو يوقع الأذى بنفسه.
المدير، الرجل الأول في مفرمة الأفراد، يقرأ الأدب، والتاريخ. إنه تجسيد مفارق للسلطة عندما تتحول لمسخ كاريكاتوري لا تملك حياله إلا أن تقهقه من فرط عبثيته وابتذاله. لكنه أيضاً، في النهاية، مقموع.. ممن؟ من التاريخ.
يقرأ المدير التاريخ مغتاظاً، يود لو تسنى له تحريفه ليلائم مزاجه أو تصوره. سلطة التاريخ وحدها (تلك السلطة التامة) قادرة على هزيمته ودحضه. لا تملك سلطة الحاضر، للأسف، القدرة على لي ذراع سلطة سالفة عليها.
إلى أي مدى يمكن أن نقارب المدير ونائبه كفردين؟، طانيوس يترقى وظيفياً، ليخسر، كلما تقدم في السلم الوظيفي، (كلما اقترب أكثر من سدة السلطة في الحقيقية)، قطعة جديدة من فرديته. إنه يطمح للتوحد بزمن السلطة الأبدي، ناسياً أنه كلما اقترب من ذلك الزمن ابتعد عن زمن الفرد النسبي.
بالمقابل، ينسحب المدير كلما تقدم به الزمن للتاريخ. في بداية الرواية يحضر مشهد لعرابي، وقرب منتصفها نجده أمام مشهد لمحمد علي.
بالتوازي مع المؤسسة وبالتقاطع معها، يبزغ عدد من الشخوص، جميعهم قادمين من جحيم الماضي. هناك 'قاسم'، الهارب من جحيم السلطة الأبوية، المتأرجح بين ثلاثة عوالم تسير في الرواية بالتوازي: قاسم كرقم في قطيع جماعة 'التبليغ والدعوة'، وقاسم كرقم في مؤسسة سوداوية، معتمة (هو الذي يخشى الظلام، يخشاه كطفل)، وقاسم في علاقته برانيا، ابنة المدينة المتحررة، لكنه أيضاً، وعلى عكس ما توهم، رقم في قطيع رجالها، ورقم في المدينة الكبيرة.
'بيكاسو'، نموذج آخر دال. قادم من النقطة نفسها التي أتى منها قاسم، فهو ابن عمه، نحات، عانى من شذوذه عن العرف في بقعة نشأته الضيقة بالصعيد الجواني، مر بدوره بالمؤسسة، ثم انتقم من نفسه عندما واتته الفرصة لينتقم من الآخرين: يعيش علاقة معطلة مع صديقة أمريكية، يضع فيها سجادة الصلاة في الصالة، ويرفض الوصال الحرام. 'بيكاسو'، اسم مستعار يوازيه وجود مستعار في حقيقة العمر، في بعد رمزي عميق.
تمساح، ضائع آخر، يعمل بالسياحة، تبدو علاقاته الكثيرة العابرة مع فتيات لا يتذكر وجوههن، تجسيداً لحيرة الوقوف على فرديته، بجعل كل الوجوه الملتصقة به غائمة. التعامل مع المرأة بالمنطق القطيعي يبدو مع تمساح طوق نجاة أخير للتعرف على ذكورة مغدورة.
على حضوره الهامشي نسبة إلى بقية الأشخاص، يملك 'هيثم' حضوراً رمزياً فادحاً. 'هيثم'، الناقم على اسمه، والذي يخوض نضال حياته، فقط، لكي يحصل على اسم يجعل منه 'رجلاً' في سياق بيئة تسخر منه. يدخل هيثم، في المستوى الأعمق، حرباً ضد العلامة الملصقة به، العلامة التي لم يخترها، ويمكنه بالتالي كـ'مرجع' أن ينفصم عنها كـ'دال'. يجسد هيثم صراع بقية الشخوص في شكله الأكثر بساطة وتجريداً، والأعمق مغزى رغم ذلك.

(2)
لا تستجيب الرواية لإغواء عالمها المقبض بجدية أو تجهم، بل تغذيه في حركة دائبة، بعروق سخرية فادحة متصلة. إنه العالم عندما يُقوِّض ثقل نفسه بالسخرية من شرطه، بالانتقام من نوياته الصلبة، لينحرف إلى حافة العبث واللامعقول في ظل خطاب يوهم بالواقعية. مفارقة كبيرة ترسمها الرواية في المحصلة، يكشف العالم القاتم الذي تطرحه الرواية عن مزحات متوالية.. قمة السوداوية تلد أشد أشكال السخرية فداحة، ويبدو الثقل الجاثم وكأنه يلد الخفة.
المرح، حسب ميلان كونديرا، هو 'وميض يكشف العالم في غموضه الأخلاقي، والإنسان في عجزه العميق عن الحكم على الآخرين، هو النسبية المسكرة للحالات الإنسانية، السعادة الغريبة التي تأتي من يقين أنه ليس هناك ثمة يقين'.
يبدو السارد مصراً على طرح العالم الروائي ككوميديا. 'المفارقة المضحكة' حاضرة دائماً، تقف في انتظار الشخص. طانيوس يعترف لنفسه بعد تفكير عميق في طبيعته: 'أنا ابن وسخة على فكرة!'، لكن المفارقة لن تنتهي عند هذا الحد، سيسمعه تمساح ويعلق.
هذه الخلخلة، وحيث الكابوس الوجودي قادر على كشف أشد وجوهه ابتذالاً وخفة، تبدو فلسفة قائمة في ناصية باتا. في آخر سطور الرواية، يطلب قاسم من بيكاسو أن يضحك، وكأنها حكمة نهائية ظل الجميع يعملون ليتمكنوا من صياغتها، أخيراً، في عبارة بسيطة وصعبة.
بحضور السخرية، يتحلل الحكم الأخلاقي الجاهز، ويغدو الضحك غاية تزج بما يسمى الأخلاق في القمامة.

(3)
نحن أمام لغة سرد شديدة الحيوية، تنحاز بوضوح لدعم سيولة السرد. تبدو اللغة دائماً متواريةً لصالح ضخ المشهدية، للعناية بالمفارقات المتوالية. اللغة السردية تنحو للغة التداول إجمالاً، تحاكي 'ناصية باتا' بنية الشريط السينمائي، مشاهد بصرية متتابعة تدفع الحدث للأمام، حتى الاستعادات التي تستحضر الماضي، لا تتم بشكل 'تلخيصي'. الشخصيات لا تكشف أعماقها عبر سلطة السارد عليها أو نزوعه لتحليلها سيكولوجياً، لكن عبر المفارقات السلوكية.
تصوغ 'ناصية باتا' خلخلة عنيفة في الزمن السردي، حيث لا تتحرك على الإطلاق كمتتالية خطية تتطور أفقياً، لكنها تخط قانوناً مختلفاً، يتحرك بحرية للخلف والأمام، وبحيث يتشكل المشهد النهائي للأحداث كفسيفساء تلتئم تدريجياً من المشاهد المتشظية والمجتزأة لشخوصها. هذا الانتقال الحر بين الأزمنة، يدفع أحياناً على التساؤل: أي المراحل سابقة على الأخرى؟ ما هو سابق وما هو لاحق يشار إليه من بعيد، وبحيث يمكن أن يعيد المتلقي خلق زمن الشخصية. قاسم مثلاً، يمكنه أن يكون ارتد من علاقته لجماعة التبليغ والدعوة للمؤسسة لحاضر مأزوم في القاهرة، ويمكن، بالعكس، أن يرتد من تشوش حياته إلى الجماعة. يعيش قاسم أزمنته الثلاثة في نفس اللحظة على مستوى الخطاب الروائي.
التأرجح الزمني نفسه يسم كافة الشخوص، تعبرها أزمنة قمع، يصبح فيها الحاضر محض وجه للماضي، يتحدان ليلدا مستقبلاً كالمسخ، كأن زمن القمع زمن ممتد، سائل ولا يمكن تفتيته.. يعبر كل الشخوص، يؤرجحهم في سلطته.. ويتركهم مفقودين على ناصيته!


طارق إمام.

عبدالرحيم محمد احمد
04-03-2013, 10:29
'رام اللـــه الـشــقـــراء'

روايـة : عبـاد يحيى .


'رشدي يمتلك قدرة تعبير فريدة في الموضوعات الاشكالية'. هذه الجملة اختتمت الصفحة الحادية والعشرين من نص ' رام الله الشقراء' للصحافي عبّاد يحيى. ما يمتلكه رشدي، أحد أبطال النص، لا يمتلكه للأسف النص المفتوح؛ لم يكن السرد فريدا في طرح الموضوعات الإشكالية المهمة التي التقطها بذكاء. لم يكن ممتعا في استقطاب المتابعة وغاب عنه فن العفوية. ابتعد عن قواعد البناء الروائي، وجاء متعثرا بعيدا عن التعليق القصير الذي سجّله الروائي المرموق محمد الأسعد على الغلاف الأخير:'رواية رائعة من النوع الذي يحتفي بشعرية الاشياء لا بالغنائيات الذاهلة، وإن كانت خلفية الكاتب كباحث في علم الإجتماع أساسية هنا، إلا أن السّر يكمن في فن العفوية'.
لا أعرفُ كيف صَنّف الكاتب الأسعد جنس 'رام الله الشقراء' بأنه عمل روائي، فيما يغيب عن النص معظم عناصر الرواية التي تقع في حدود معرفتي النظرية؛ حبكة البناء، قالب السرد في الهرم المعتدل، التلاعب بأسرار أبطال الرواية لمزيد من الركض خلف كشف نهايات ومصائر أبطال الورق، ليكتمل خط القاعدة الذهبي بخاتمة الهرم المعتدل للسرد الروائي. خطف النص عنوة جنس الرواية، وجاء بطريقة سرد متعثر ومتردد في اعتلاء جدول متدفق يلمس قلب الرواية، ليشتعل الشغف ويتطاير قسرا زمن القراءة في اللهاث خلف السطور.
الرواية عمل خيالي بامتياز، وإن استندت لوقائع يسردها الروائي على لسان أبطاله، وتصويرهم كما يريد متحملا تبعات النقد، بينما يستند الريبورتاج إلى حقائق تتعلق بالأمكنة والأزمنة، والأحداث الفعلية للشخصيات بعيدا عن المتخيّل، ولا يمتلك الصحفي الحق في التلاعب بالحقائق الموضوعية. القاسم المشترك بين الرواية والريبورتاج يكمن في متعة السرد، الذي تعثر للأسف في 'رام الله الشقراء'.
النص الأول المنشور للكاتب عبّاد، جاء في (126) صفحة من القطع صغير الحجم بتوقيع دار الفيل. السرد يقترب من ريبورتاج صحفي خلَط الوقائع بالخيال بالمواقف، عندما طَرَق مجموعة من الموضوعات الإشكالية: فرنجة رام الله، المؤسسات الأجنبية، المؤسسات الأهلية، التمويل الأجنبي، التطبيع، العلاقات بين شبان فلسطين والأجنبيات، الجنس، الايدز، الموساد، الاحتلال، سلطة أوسلو، تمويل اليسار، الرقص المعاصر وأجندات المراكز الثقافية، وزحمة المطاعم والمقاهي، والكثير من العناوين التي تستحق التوقف مطولا بالمراجعة والنقد. قد يحتاج الأمر إلى أكثر من مراجعة للوقوف على الموضوعات الاشكالية للنص، من أجل التمييز بين الخيال والواقع.
أعترفُ أنّ النص سيكون عرضة للنقد اللاذع من المؤسسات الأهلية غير الحكومية في فلسطين المحتلة، لنقد أسلوبها في التمويل وعبادة البروبوزال: 'استمرار عمل المؤسسات القائمة على الدعم الغربي متوقف على قدرتها في استجلاب المشاريع، والكثير من المؤسسات توظف أجانب وأجنبيات ليقوموا بمهمة كتابة البروبوزلات برواتب خيالية..'. أتفقُ على نقد دور المؤسسة الأهلية، إلا أن نص عبّاد عرض طبيعة التمويل وهامش استجابة المؤسسة الأهلية وتكديس الخبراء، بصيغة البيان الصحفي الجاف: 'تُعقد العديد من الدورات والورش التدريبية موضوعها طرائق وآليات كتابة البروبوزال..'، وتخطف عادة 'أدبيات' المؤسسة المحلية مفردات اللغة الخشبية التي صاغ بها عبّاد نقده السردي، وتتمسك بنفس التركيبة الخبرية باعتبارها أسلوباً فذا في التعبير عن مواقفها.
النص يستدرج أيضا نقد المؤسسة الأجنبية التي تنشط دون مراقبة في الوطن المراقب والمحتل، وأتفقُ مع الزميل عبّاد على نقدها، وأختلفُ تماما مع الصديق مهند عبد الحميد الذي كتب مدافعا عن نشاطات المركز الثقافي الفرنسي الألماني باعتباره 'داعما لحرية الشعب الفلسطيني، وينظم فعاليات ضد الاحتلال' ! مَنْ يصدق أن المستعمر الكولونيالي في العواصم الغربية يدافع عن حرية الشعب الفلسطيني، في وقت يحرص على تعزيز المؤسسة الأمنية للاحتلال بالسلاح النووي؟.
حقل المؤسسة الأجنبية، والفرنجة، والجمعيات غير الحكومية الفلسطينية التي رصدها نص عبّاد تحتاج إلى مزيد من المراجعة، بهدف رصد محاور النص المتعددة: الخوف من اللون، طبيعة التضامن الأوروبي، تغيّر المشهد في رام الله وامتداد 'الأورام المسماة مجمّعات تجارية، هذه الأورام تتخيّر دور السينما لتفتك بها' فيما يتطاول 'ورم آخر مكان سينما دنيا ويجهز عليها، رام الله تتنكر لتذاكر السينما وتحتفي بالفيزا كارد'.. وغيرها من الموضوعات المثيرة للنقاش في النص.
وفي تغيّر مشهد رام الله التي أدماها النص نقدا، تناول مسيرة استديو 'فينوس' لصاحبه الأرمني 'أبو عفيف'؛ ظَهر الكاتب حسّاسا تجاه استديو أثري، حَجَز بعدسته البائدة ملامح المواطنين ووثق ابتسامة العرسان وحكاياتهم طوال نصف قرن، وقد تحوّل من متحف للصور العريقة إلى بقالة تسالي ومكسرات. هذه الحسّاسية المشروعة للكاتب لم نجدها في تعاطف الضحية مع مذابح الأرمن وابادة الشعب الأرمني، وقد وردت بطريقة استخفافية بين مزدوجين، وكأن النص لا يصدقها، بل يُغيّب عنها متعمدا أداة الجريمة التركية، التي سطرت ببرود أعصاب منذ قرن، مذبحة دموية بتاريخ المدنيين الأرمن، وأجبرت عائلة 'أبو عفيف' اللجوء قسرا إلى فلسطين، لتكون شاهدة على مذابح جديدة بسلاح 'المهاجرين الجدد'.


بسام الكعبي .

عبدالرحيم محمد احمد
07-03-2013, 22:31
'الـمــوعـــود بـالــجـــنـــة'

رواية : سحـر الأشقـر .


على الرغم مما تثيره كتابات المرأة من جدل حول طبيعتها النصية والموضوعية في التعبير عن عالمها الإنساني الخاص، ورفضها القاطع لأي مصطلح يصنف كتاباتها الإبداعية تصنيفا يضعها على هامش المشهد الإبداعي، أو يدّني من جهدها الموضوعي على أي مستوى مثل مصطلح الأدب النسوي أو الأنثوي أو النسائي إلا أن هناك ثمة جهد ورؤية خاصة لا شك تكمن في نصوص المرأة الكاتبة الإبداعية من حيث اختيار موضوعات الكتابة ونسقها وإيقاعها والتقنيات المستخدمة في طريقة كتابتها وتشكّل ملامحها، بحيث تتفاعل فيها كتابات المرأة مع بعض هذه المصطلحات سواء من قريب أو بعيد، كما تتفاعل معها رؤيتها تجاه الواقع الخاص بجنسها وتجاه قضايا عدة ترتبط بحياتها وما يجري على الساحة من مجريات واقعية ومتخيلة وفاعلة تدخل تحت ما يسمى بصوت الأنثى في التعبير عن ذاتها.
وساحة الرواية من الساحات التي شهدت هذا الجدل الدائر حول إشكالية الأدب الذي تكتبه المرأة، والأسئلة المطروحة حول هذا الموضوع كثيرة ': فهل تكتب المرأة أدبا خاصا بها؟، هل الأدب النسوي هو أدب الوعي المتقدم المقترن بجرأة اقتحامية؟، هل هو الأدب الاحتجاجي؟، هل هو أدب التمرد وحرق المراجل؟، هل هو أدب النحيب على أعتاب خسارات النساء؟ هل هو أدب الميلودرامات الاجتماعية؟. اسئلة كثيرة تثار حول ما تكتبه المرأة من إبداع. والإجابة على ذلك يكمن في الإبداع ذاته هو الذي يتحدث ويجيب من داخله بكل وضوح عن الظاهرة التي ما زالت تراوح المشهد الروائي والسردي الآن، والمرأة الكاتبة عن المرأة هي التي ما زالت تبذل قصاري جهدها لتؤثث لنفسها صفحة إبداعية في المشهد الروائي المعاصر وهي كثيرا ما تحاول أن تدفع صخرة سيزيف إلى أعلى التل مع كل تجربة هي تتعلم من الإخفاقات والنجاحات حتى تصل إلى لحظة التنوير التي يتوق إليها المبدعين في كل زمان ومكان.
وفي روايتها الأخيرة 'الموعود بالجنة' ترفد الكاتبة سحر الأشقر صفحة من حياة أسرة ارتبطت بواقعها الخاص من خلال رؤى عدة لشخصيات انتخبتهم من الواقع الاجتماعي العام لتجسد من خلالهم صورة المرأة في تعاملها مع الواقع الإنساني بكل ما يطرح من علاقات مأزومة وجرأة في التناول والممارسة ونظرة حياتية مستمدة من الواقع الاجتماعي والنفسي وعلاقات المرأة مع الرجل بكافة توجهاتها المألوفة والشاذة، وصورة الرجل الذكورية الراسخة في مجتمعنا، وأبنية القيم بكل توجهاتها التي يعمل عليها الرجل في تعامله مع المرأة في مفارقة ناتجة عن سوسيولوجية اجتماعية خاصة تفرزها الشخصية المريضة والسوية على السواء داخل نسيج النص. وتطرح الرواية رؤية تتشكل من واقع مأزوم في طبيعته وإن كان هناك ثمة أمور أنثوية تحملها شخصيات الرواية بعضها يبدو لأول وهلة وكأنه يمتح الصورة الدائمة للمرأة في عدة شخصيات كاشفة عن كنه ما ترفده طبيعتها في صورها المختلفة الرومانسية والواقعية والمريضة والداعرة والمتسلطة وغير ذلك من طبائع المرأة الكاشفة والمضمرة في نسيج النص.
صورة المرأة
المرأة كما أوضحنا هي المحور الرئيسي للنص وإن كان الرجل يشاركها في شغل مساحة سردية كبيرة على مستوى الأحداث لها فاعلياتها الخاصة من منظور الذكورية المهيمنة والمسيطرة على الواقع الاجتماعي خاصة ما يتصل منه بواقع المرأة جسديا ونفسيا، إلا أن المحرك الرئيسي لهذا الجهد الروائي يكمن اساسا في صورة المرأة المتمحورة بصورها المختلفة في النسيج العام النص والتي تتحرك من خلالها الأحداث لتكّون في النهاية صورة درامية لواقع مأزوم في بعض جوانبه يأخذ من القضايا الاجتماعية والسياسية، وتابوهات السرد من خلال المسكوت عنه الأيديولوجي والجنسي ملامح تشكّله، فثمة رؤى تتخلق داخل نسيج النص تبرزها شخصيات أنثوية تبدأ من شخصية الممرضة وهي شخصية ملتبسة بدأ بها النص في عيادة طبيب أمراض النسا هشام، وهي وإن كانت شخصية ثانوية مهمشة إلى حد كبير في تجسيد صورتها إلا أن الكاتبة استطاعت من خلال هذه الشخصية أن تبرز جانبا مهما من جوانب المرأة اللعوب العارفة ببواطن الأمور بإيحاءاتها ودلالة نظراتها للطبيب والمرضى على حد سواء، وهي وإن كانت أبرزتها كعامل مساعد في مستهل الكتابة النصية إلا أن دورها في تجسيد واقع ما كانت عليه عيادة الطبيب الذي تعمل لديه وهو الدكتور هشام إحدى الشخصيات الرئيسية كان لها دورها المعمق والفاعل في إدارة دفة تعامل طبيب أمراض النسا الشاب خاصة مع النساء المترددين عليه في العيادة والعليمة بممارسته الذاتية الشاذة معهم، بل إنها أيضا كانت تسلمه نفسها في الأوقات العجاف على حد قوله، هو يقول عنها ': تلك الممرضة السمجة التي تعتني بجسدها الذي تعشقه، تبدو فخورة بجنونها الذي هو من نوع خاص، وهو علمها بكل خبايا الأشياء'. (ص22).
كذلك كانت الشخصيات النسائية الأخرى بأدوارها الفاعلة والمهيمنة على نسيج النص تكرس الكاتبة من خلالهن وضعية المرأة في مجتمعها الطبقي، الذي ينتقد هذه الوضعية وينقدها ويعريها كجزء لا يتجزأ من وضع اجتماعي مرفوض عقليا وحسيا وشعوريا، بدءا من الأم (ملك)، وهي شخصية كما هو واضح أيضا من أسمها تملك من جماع المتناقضات الكثير، تزوجت من رجل ريفي ثري يكبرها بعشرين عاما، أنجبت منه ولدين هما هشام وعامر، وشخصية (ملك) حسبما رسمتها الكاتبة شخصية تسلطية بفعل ظروف تجربة عاطفية قاهرة تعرضت لها في مرحلة الشباب، كانت تحب طبيبا شابا يدعى هشام، تركها وتزوج أبنة طبيب كبير لطموحاته وتطلعاته الذاتية، بينما تزوجت هي زواج المصلحة لتنقذ عائلتها الأرستقراطية بعد إفلاس والدها ومرضه، لذا كانت حياتها العاطفية الأولى تطاردها دائما نتيجة لهذه الصدمة وتنسحب على كل ممارساتها بماضيها على واقعها الآنى، ما دعاها أن تعيش الوهم الدائم في كل مناحي حياتها فتسمى أبنها الأول هشام على أسم حبيبها الطبيب هشام، وأن تسير به إلى نفس المصير الذي آل إليه حبيبها فيصبح هشام الصغير طبيبا هو الآخر له عيادته الخاصة': ذلك الأصل الذي حاولت، أن أصنع أبني على صورته؟ أسميته نفس الأسم أدخلته كلية الطب، أغدقت عليه بحنان، ليعوضني عن الحلم الذي اغتالني'. (ص8) كانت تفرّق في المعاملة بينه وبين أبنها الثاني عامر، الرافضة له على طول الخط والذي لم يكن على شاكلة أبنها الأول شكلا ومضمونا: 'لم أجد أدنى استعداد لأن يسلبني عامر جزءا من اهتمام أخيه. هشام ملامحه أرستقراطية.. بشرته بيضاء ناعمة، كأن عين الشمس تخشى عليه، فترفض أن تنظر له، والآخر بملامحه الريفية وبشرته السمراء الخشنة، كأنه يعمل في الحقل ليل نهار، دائما ولداىّ يختلفان، وسرعان ما يتفقان، وقبل أن يتآخيا، أفتح لمليكي (أبني الأكبر) أبواب المملكة'. (ص10)، إن نزعة الإقصاء التي مارستها الأم (ملك) مع أبنها الثاني عامر كان مردها إلى عقدتها النفسية التي نشأت جراء الإقصاء الذي مارسه معها حبيبها هشام في مرحلة الشباب، لذا كان أبنها الأول هشام هو الأثير لديها تدافع عنه بكل ما تملك من قوة وتمنحه حنانها بقسوة بالغة حتى إنها كانت تطرد الفتيات اللاتي كن يحاولن الاختلاط به أثناء الدراسة بدافع الغيرة والاحتفاظ به لنفسها، أما عامر فكان أبن أبيه كما كانت تنعته، كانت هذه النظرة الشاذة من الأم ملك تجاه أبنيها نابعة من أرستقراطيتها الزائفة وفقدها لحبها الأول بطريقة هزت أنوثتها وأفقدتها جزءا مهما من عاطفتها المشبوبة ولكنها عوضتها في أبنها الأول الذي أحبته حبا غير طبيعيا ما جعل أبنها الآخر عامر يحتل مكانة خاصة لدى الأب مصطفى الذي احتضنه وعوضه عن حنان أمه، لذا فإنها كانت رافضة له لأنه يمثل لها الواقع المأزوم الذي تعيشه الآن من وجهة نظرها، على الرغم من ذلك فإن الأخوين كانا يحاولان التمسك كل منهما بالآخر كرد فعل لمعاملة الأم القاهرة لهما، كانت حياة الأم مستحيلة القياس بالنسبة لما كانت تفعله مع أبنيها وزوجها الذي كتب لها كل ممتلكاته إرضاء لفارق السن الكبير بينهما، فقد كان دائما ما يقف عاجزا عن التصرف عند مشاهدته التفرقة في المعاملة بين ولديه في أكثر من موقف، لذا فقد احتضن أبنه الثاني عامر ليعوضه عن حنان الأم بحنان الأب وجعله نديمة في القرية يساعده في الاعتناء بالأرض، لذا نشأ هشام مدينيا وأصبح طبيبا ونشأ عامر نشأة ريفية وانتهى إلى أن أصبح أستاذا في الأزهر الشريف، ولكنهما منذ الصغر كانا لا يفترقان في السمات والأخوة والحب، على الرغم من هذه المفارقة في التربية بين كل من الأخوين إلا أن هناك صلة روحية تبقى جزءا من مشهدية الأسرة داخل كل منهما، هي عند هشام وإن كانت متضخمة ذاتيا بعض الشئ نتيجة لتدليل أمه له والتي أسقطها على النساء المرضى اللائي كن يترددن على عيادته، إلا أن هناك مسحة من الإنسانية لا زالت باقية داخله، وتجذرت في ذاته بعمق وقد بدأت بوادرها تظهر حينما كان يدرس في لندن وتعرف على (لورا) الفتاة الأنجليزية اليهودية التي تزوج بها هناك وأنجب منها يوسف، وحينما حاولت أن تدفعه للسفر معها إلى إسرائيل، يرفض هذا العرض رفضا باتا، فتعاقبه لورا بأن تهرب بأبنهما يوسف إلى إسرائيل وتترك هشام نهبا لهذه المأساة التي ألمت به في غربته خارج الأسرة، وكانت هذه أول مأساة حقيقية يتعرض لها هشام في حياته ': تكشف لورا قناعها المزيف، تفاجئني بجنسيتها الإسرائيلية وحلمها هي وأبوها وباقي الصهاينة بإسرائيل الكبرى، التي تمتد من النيل للفرات، وقبل أن أستوعب الصدمة الأولى.. فجأتني بالصدمة الثانية، وهي عضوية أبيها بالكنيست، وانتماؤه لحزب المفدال الديني القومي'. (ص22)، كانت هذه الصدمة الأخرى مدعاة للتحولات التي ألمت بشخصية هشام وجعلته يحاول الانتقام من جنس المرأة بأكمله.
ثمة نساء آخريات يختزلن الواقع المأزوم في نسيج النص، وهن من المترددات على عيادة الدكتور هشام أبن ملك وطبيب أمراض النسا المعروف للعلاج، بعضهن كن يقعن في براثن وحبائل شخصيته الآسرة، والبعض الآخر يحاول هو الإيقاع بهن لأغراض في أنفسهن مثل (ميرفت) المرأة اللعوب التي تتفنن في منحه نفسها بغرض الحمل، لتوهم زوجها أن الحمل تم عن طريقه، وما أن يتم لها ذلك تفاجأ بأن زوجها غير قادر على الإنجاب فتنتحر، و'حسناء' الفاتنة التي كانت ترمي بشباكها حوله انتقاما من زوجها الذي يخونها من النساء، وكان هو بدوره يتعامل معها لإذلالها من منطلق معرفته بهذه النوعية من النساء المنحرفات: 'تشدني حسناء من يدي، أنهرها بقسوة، أشير لها بالانصراف.. الكشف الآخر حان ميعاده، كنت هكذا معها، انتقم من انوثتها الطاغية'. (ص29) وبعضهن كان هو يحاول الإيقاع بهن ولكنه كان يقابل بالرفض الشديد مثل (فضيلة) زوجة عامل المدرسة الابتدائية التي باعت الطقم النحاسي لتنفقه على الاطمئنان على حملها، الذي كانت تريده ذكرا بعد أن أنجبت أربع بنات لترضي بذلك زوجها، حاول الدكتور هشام الإيقاع بها لأنوثتها الطاغية وجمالها الآسر رغم شدة فقرها. إلا أنها صدته بشدة ': أحاول أن أجردها من ملابسها، تقاومني وهي تبكي، صدق بكائها، صدّقني بكل الصادقين الذين مروا بصحراء حياتي، أبى، جدي، خالي، حبيبتي، (ص43)، لقد كانت شبقية هشام تجاه المرأة نزعة مرضية وملتبسة في ممارساتها مع الجميع هو يتعامل مع النساء جميعا بوجه واحد حتى أمه كان يكره ممارساتها معه ويتهمها بأنها السبب فيما هو فيه، فهو يستطيع بوسامته وطبقته وماله ومركزه الاجتماعي أن يوقع بأي امرأة لذا فقد كان مسيطرا على هذه الناحية خاصة وأنه يعمل في مجال أمراض النسا وهو ما أتاح له أن يشبع هوايته الجنسية مع كل ما تروق له من مرضاه، حتى مع ممرضته التي كانت تساعده على ذلك مقابل ما يعطيه لها من نقود وما يقضيه معها في بعض الأحيان، لقد كانت هذه النزعه ناتجة عن تدليل أمه له، ومحاولتها إبعاده عن جنس النساء كله لتستأثر به لنفسها كعقدة أولية حدثت لها فترة شبابها مع الدكتور هشام الكبير، وعقدة نفسية حدثت له أيام الشباب حينما كان مرتبطا برباط الرومانسية مع الفتاة الريفية (سلمى) ازميلته في الكلية والتي أبعدتها أمه عنه بحيلة رخيصة دبرتها بإحكام فكان تأثيرها فيه عميقا ظل معه حتى النهاية، كما كان أيضا يريد أن ينتقم من المرأة بصفة عامة كما كان يفعل شهريار انتقاما من فعلة الإسرائيلية لورا التي سرقت أبنه وهربت به إلى أبيها عضو الكنيست في إسرائيل، كانت هذه الثيمات النفسية التي حكمت شخصيتي الأم (ملك) والأبن هشام، يمكن اختزالها في عبارة مفترضة قالها جان بيلمان نويل في كتابه 'التحليل النفسي والأدب' وهي عبارة 'الأنا ليست سيدة بيتها'. ومعنى هذا أن هناك أشياء تفكر بداخل الأنا وتوجّه أفعالها مع أفكارها دون حتى أن تحاط علما بحدوث بعض الظواهر. أما الأدب فعن طريقه نعي إنسانيتنا التي تفكر وتتكلم، فيه يمكن للإنسان أن يسائل نفسه وقدره الكوني والتاريخي واشتغاله الذهني والاجتماعي'. (الرواية والتحليل النصي.. قراءة من منظور التحليل النفسي، د. حسن المودن، الدار العربية للعلوم ناشرون/ منشورات الاختلاف، بيروت/ الرباط 2009 ص13)
وضعية الهوية والأيديولوجية
في تحليل النص تبرز رؤية الأيديولوجية المتجذرة من خلال شخصية يوسف وأمه الإسرائيلية لورا التي أنجبته، ثم هربت به إلى إسرائيل بعد أن رفض هشام مرافقتها إلى هناك لتمسكه بهويته وذاتيته العربية :' نشأ يوسف في ظل مجتمع صهيوني، بعدما هربت به أمه (لورا) لإسرائيل، كان يعلم أن جذوره شرقية، دائما يتذكر أبيه الذي حرم من أحضانه، ليصطدم بقسوة جده لأمه، طالما جاهد بشتى الطرق، لينخرط حفيده داخل هذا المجتمع، ويصبح جزءا لا يتجزأ من أحلامه التي تمتد من النيل إلى الفرات'. (ص49)، وقد خصصت الكاتبة بذكاء كبير هذه الثيمة الأيديولوجية للخطاب الأدبي السياسي في مشهدية اعتراضية حول الصراع العربي الصهيوني وإن كان هذا الخطاب يستحق أن يفرد له مساحة أكبر من تلك المعطاه في نسيج النص بل هو يستحق رواية مستقلة عن هذه المشهدية النصية في تيمة تستحق الإفاضة في مجرياتها، إلا أن الكاتبة وظفت مشكلة الإنساني العربي وعلاقته مع الآخر الصهيوني في ظل مسوغات روايتها إشارة إلى وجهين نقيضين هما، الوجه السياسي، والوجه الإنساني المضمر، وهي إضافة مهمة استقلت بنفسها عن مجريات المشاهد الأخرى للنص، وإن كانت مرتبطة بها من ناحية التغلغل في المفارقات العجيبة التي تحيلنا إلى شخوص وأحوال تمر بها الأسر المصرية وتنحصر رؤيتها عبر رؤى اجتماعية وأيديولوجية قد تكون غرائبية في بعض الأحوال مثلما حدث في هذه المفارقة النصية في المشهد الخاص بلورا وأبنها يوسف، ولعل الروايات التي تناولت هذه التيمة المتجذرة بقوة في المشهد الروائي العربي المعاصر وهي ثيمة مهمة في هذا المشهد تبرز الصراع العربي الإسرائيلي في أشكال متعددة حسب رؤية الكاتب نحوها مثل روايات 'رجال في الشمس'، و'العائد إلى حيفا' لغسان كنفاني، و'سداسية الأيام الستة'، ' والوقائع الغريبة لأبي النحس المتشائل' لإميل حبيبي، و'أسطورة ليلة الميلاد' لتوفيق المبيض، و'الحرب في بر مصر' ليوسف القعيد، و'كنت جاسوسا في إسرائيل' لصالح مرسي، و'سلام على الغائبين' لأديب نحوي، و'المرصد' لحنا مينه وغيرها من الأعمال الكثيرة التي تناولت هذا الصراع وأصلت فيه معالم التعامل مع الآخر الصهيوني من خلال رؤية روائية سردية تعاملت مع هذه التيمة بحرّفية أبرزت الجانب الإيجابي في الصراع العربي الإسرائيلي من جوانبه المختلفة. وقد حفلت رواية 'الموعود بالجنة' بهذه التيمة من خلال الأبن يوسف': كان جدي يصطحبني لأماكن العبادة القديمة فوق مرتفعات أورشليم، يمارس الطقوس والشعائر اليهودية، يتمسح بالأماكن المقدسة التي وطأها أجداده القدماء'. (ص49/50)، كان هذا الصراع الخفي الدائرة بين الجد الإسرائيلي والحفيد العربي يظهر ويختفي حسب ما تمليه المواقف والأحداث، وتمثل شخصية الجد هنا شخصية الآخر الصهيوني، بكل سطوتها وطغيان شخصيتها على واقع الأسرة في إسرائيلن كما تمثل شخصية يوسف من وجهة نظر الجد شخصية العربي الذي يمكن أن يوظف لخدمة الكيان الصيهوني أو أن يصفي بحجة عدم خدمة الوطن.: 'نبرات جدي وهو يتهمني، بأنني نبتة شيطانية بلا جذور، تذكرني بذلك المسؤول الذي يعمل بإحدى الجهات الأمنية الإسرائيلية، وهو يصف غير اليهود بالحيوانات الناطقة التي يجب القضاء عليها'. (ص50)
من هنا نجد أن هذا النص الروائي الكاشف لرؤية المرأة والأخر في الحياة الاجتماعية يمثل إضافة جديدة لساعة كتابات المرأة وساحة الرواية على السواء في ثيمة حملت من السيوسيولوجية الاجتماعية والأيديولوجية السياسية أبعاد أزمة الإنسان في هذا العصر من خلال طبقة اجتماعية مستلبة وملتبسة في نفس الوقت.



شوقي بدر يوسف

رشيدة محمد
12-03-2013, 22:05
قراءات جديرة بالمتابعة
شكرا أخي عبد الرحيم

عبدالرحيم محمد احمد
13-03-2013, 17:35
'طــرف من خـبـــر الآخـــرة'


رواية : عبدالحكيم قاسم .


يشكل نص 'طرف من خبر الآخرة' للروائي المصري الراحل عبد الحكيم قاسم استثناء مثيرا وسط التراكم الروائي العربي. ولعل السمة المائزة التي تخصص هذا العمل تكمن في اقترابها من موضوعة 'الموت بما هو معطى موضوعي يختلط فيه الحسي والرمزي ويزاوج بين المقدس والدنيوي. وحقيق بالإشارة في هذا المعرض إلى السياق الخاص الذي تنزل فيه هذا النص الباذخ من حيث طبيعة عوالمه الممكنة وتشكيله الجمالي. كتب عبد الحكيم قاسم هذا النص أثناء اغترابه القسري في مدينة برلين الألمانية وسعى من خلاها إلى التفكير الإبداعي في تجربة الموت بما هو انتقال من الحياة إلى الآخرة واستغراق سردي في فضاء القبر بما هو وحشة وعقاب وتصفية حساب مع الضمير وحالات الاختلال والزيف وهشاشة الوجود ومساءلة جسورة للتفسير الديني لما بعد الموت.
لا يفوتنا في هذا الصدد أن ننوه بارتباط هذا الاهتمام السردي بموضوعة الموت بالالتزام الفكري والسياسي للكاتب والذي قضى بتأثيره أربع سنوات في السجن واضطره بعد ذلك إلى مغادرة مصر والإقامة لسنوات طويلة في ألمانيا. يتقدم الموت في هذا النص الروائي باعتباره نسق رموز تؤشر على انحسار الخصوبة والحياة وسطوة الجدب والجوع والمرض وانحسار مساحة الحرية في مقابل هيمنة الرقيب وأيقوناته. أبدع عبد الحكيم قاسم عددا من الروايات والمجاميع القصصية اهتمت تحديدا بفضاء القرية المصرية ومحنة الإنسان البسيط في مواجهة جبروت واستبداد السلطة. وقد خلف في هذا الخصوص عددا من الأعمال الروائية والقصصية نذكر من بينها 'أيام الإنسان السبعة'، 'محاولة للخروج'و'المهدي'. وسوف نسعى من خلال دراسة هذا النص إلى الاحتجاج لافتراض تأويلي مؤداه إن المقصدية التي تحكمت في هذا النص بشكل خاص وتجربة عبد الحكيم قاسم بشكل عام لا تنفك عن خيار الدفاع عن غريزة الحياة في مواجهة زحف الموت وصوره الكريهة؛ وهو ما يستلزم بالضرورة الاحتفاء التخييلي بالعمق الإنساني للمكان والوجوه التي تؤثثه وتعبر فيه.
تتأطر شخوص وأحداث النص في جغرافيا القرية المصرية بما تستدعيه من سمات تؤشر على القسوة والعنف والفقر وسطوة الصمت واستعاراته. ويكفي في هذا السياق أن نستدعي الوصف الذي استهل به فصل 'الموت':
' والرحلة إلى هنا تمضي في حارة ضيقة يتقارب فيها الصفان المتقابلان من واجهات الدور، يحصران بينهما وهج الشمس، والغبار، وسخونة خانقة، وحياة أمام أبواب البيوت وسخة، كسيحة، متخبطة، توشك أن تكون ذاهلة عن غايتها، ماضية في غير سياق... وفي الدور النساء منذورات للقعود والثياب السود والبكاء، وقهر خانق يدافعنه بحقد أسود وغل مسموم..' الرواية.ص، 4.
تهيمن العلاقة الحميمة بين شخصيتي الجد والحفيد على المسارات السردية للرواية؛ بحيث يكون في مقدورنا القول إنها تشكل أساس الحبكة. بيد أن ما يثيرنا في هذا السياق الصورة التي نسجها الكاتب لشخصية الجد والتي تحيل سماتها ومكوناتها إلى الماضي بما هو عتاقة وحكمة وسطوة تمثيلات يمتزج حطفيها المقدس بالدنيوي والثقافة العالمة والأساطير والمحكيات الشعبية. يتعلق الأمر بصورة أليغورية تسعى إلى الاقتراب من هذا التقابل الضدي بين الماضي بما هو زمن يتسم بتكلسه والحاضر بما هو جدب وعجز عن الفعل وأعطاب مزمنة والمستقبل بوصفه كتلة صماء منقوعة في العماء. تحيل صورة الجد بأكثر من قرينة نصية على متخيل 'السلف' بما هو نسق رموز وتمثيلات متعالية ورؤى إلى العالم تحتفظ بقابليتها للاستمرار في المكان والزمان. سوف نلمس في الوصف الذي قدمه النص شبها قويا بصورة الجبلاوي في رواية 'أولاد حارتنا' لنجيب محفوظ، وخصوصا في المقطع الذي صور فيه العلاقة الملتبسة التي جمعت بين الجد وخادمته:
'... لكن الواحد يستشف يقينا سائدا بأن الجد قديم، تنتهي إليه أنساب الأحفاد المنتشرين في دور البلد جميعها، وهو يقين مقلق، لكنه محتوم، لا بد من الصبر عليه واعتياده...الجد تخدمه امرأة ناشفة، ضئيلة، تبقى دائما في غرفة صغيرة مظلمة داخلية. والحفيد على كثرة ما رآها، لم يتحدث معها أبدا. وهو لا يعرف كيف يدعوها الجد إليه. فهو لا يناديها، إنما يغيم وجهه بسحب من القلق، فإذا هي قادمة' الرواية. ص، 7،8.
لن تعدم الذوات القارئة في هذا الوصف للعلاقة التي تصل الجد بخادمته ظلالا من الغموض الذي يلتبس بنوع من القدسية تحيلنا إلى العالم الآخر. وبصرف النظر عن التماثل الذي يحتفظ به هذا الوصف وصورة الجبلاوي في الفصل الأول من أولاد حارتنا، فإن تلكم الإشارة إلى انحدار كل الأحفاد المنتشرين في البلد من صلب الجد يشكل قرينة دالة على التماهي المفترض بين تمثيل الجد والسلف أو الماضي. تبدو العلاقة التي تصله بشخصية الحفيد ملتبسة وتتوزع من جهة بين الشغف والحب والشعور بالأمان في حضرته وبين الشعور بالرهبة حيال المخبر الصارم والصمت الذي يطبق على البيت وجهامة الباب الخشبي. سوف يتعزز هذا التمثيل القدسي بتلكم الإشارة الدالة إلى أن السبيل إلى التقرب إلى الجد لا تتم بوساطة القرابة وإنما بالحب والقراءة.
يساءل الكاتب منزلة المقدس في السياق الثقافي العربي وتحديدا في الحالة المصرية من خلال تفكيك العلاقة التي تصل الذات بالدين بما هو نسق مفاهيم ومعتقدات ورؤى إلى العالم. ولئن كان الاتباع الأغمى بحكم التقليد والوراثة ـ القرابة- هو السائد في فضاء البلدة، فإن السارد وعلى لسان الحفيد يقترح الحب والقراءة بما هما سبيلان إلى اطراح الاتكال والاستعادة والتراتبية الصارمة للقيم واعتناق رحابة السؤال والكشف. ويكون الدخول والحالة هاته إلى بيت الجد بما هو تمثيل للسلف والدين والماضي منفصلا عن الوحشة والخوف وسطوة العادة، وإنما موصولا بالتوق إلى المعرفة ونفض الغبار عن الكينونة. ربما في هذا الخصوص نلمس الاقتضاء الدلالي لعلاقة الحفيد بكتب وأوراق الجد:
'...يتناول الحفيد الكتب مجلدا بعد مجلد، يقلب في الواحد قليلا ثم يتركه ليأخذ غيره. عدته من الحروف والكلمات والتراكيب والإنشاء لا تعينه على القراءة، لكنه مع ذلك يعاود تقليب الصفحات وتأملها. إنها السطور القادمة من حيث لا يعلم أحد/ وماضية بلا رجوع تحرث في القلب، أتراها تقدر المقادير وتصنع للدنيا الناموس، أم أنها العبرة التي تصنع بعد ذلك الندم. إنها على أي الأحوال حسنة التنسيق' الرواية. ص،10.
تهيمن سمة 'الغرابة' على العلاقة التي تصل الحفيد بالموروث المعرفي للجد وهو ما يشكل النقيض لعلاقة الشغف والوجد التي تجمعه بالجد في بعده الفيزيقي. ثمة في هذا المعرض تشديد سردي على هذا الالتباس العميق الذي يسم الذات بماضيها؛ فهو في آن واحد اتباع وتقليد يحتكمان إلى شعور بالحب والتوحد، وعجز عن الفهم الصحيح والتأويل الذي يرتق الشق الحاصل بين القدامة والمعاصرة. سوف نجد في عودة الحفيد إلى الاسطوانة التي تحوي شجرة السلالة ما يدعم هذا الافتراض السردي؛ إذ يحار في القبض على التشعبات المثيرة للشجرة ويلفي نفسه مضطرا إلى مكابدة الحيرة وحرقة السؤال عن حقيقة العالم المدفون تحت الشجرة في إشارة واضحة إلى الموت والعالم الآخر.
تتوغل الرواية في عالم الموت وتمثيلاته من خلال استدعاء السجل الذي يدون فيه الجد اسم كل شخص يتناهى خبر رحيله إلى الجد. ويشكل مشهد الموت الذي غمر البلدة وعويل النائحات وشوق الحفيد إلى زيارة زوجة الميت التي كانت تجمعه بها ألفة غامضة فاتحة هذا الكون المحفوف بالغموض. يلفي القارئ نفسه وهو في غمرة القراءة حيال تقابل بين عالم الأموات الذي تجسده مقبرة سيدي قطب وعالم الأحياء في الحارة يوحد بينهما الجد. يخيل إلينا أن ثمة تداخلا وتمازجا بين العالمين يسوقنا بداهة إلى افتراض رغبة الذات الكاتبة في الاحتجاج لتمثيل زحف الموت على الحياة؛ بما يستدعيه ذلك من سطوة المقدس وانحسار رقعة الدنيوي:
'.. دارت عينا الحفيد بين سطور القبور على صفحة الأرض. قلب الحفيد البصر بين القرية والمقبرة. هنا دار الذين ماتوا، وهناك دار الذين لم يموتوا بعد. ومن البيوت هناك تصنع القبور هنا. وذلك الصمت الموحش المسيطر، مصنوع من نسيج تلك الوحشة الضاربة أطنابها في عقول الأحياء، من الخواء في أرواحهم، من ذلك الفزع الذي يحجر العيون في المحاجر ويأخذ بخناق القلوب حتى لا تكون قادرة على الفرح..' الرواية. ص، 19.
تتقدم رؤيا الموت في هذا الفصل بوصفها تمثيلا للعجز والخوف وقرينة على استقالة قسرية من الحياة واستبطان الوحشة والكآبة. يمكننا أن نستخلص من ذلك كون الذات العربية مسكونة بغريزة الموت وأن حالة الجدب والكبت والانتشار المريع للفقر يقلصان من مساحة الحياة بما هي فرح ومسرات ونوازع طبيعية وتحول المدن إلى مقابر للأحياء والمقابر إلى بساتين للأموات.
تنفذ عين السارد إلى فضاء القبر لكي تكشف أسراره وتتوحد بتفاصيله. ويثيرنا في هذا الفصل ذلكم الحرص على توظيف لغة حسية تصف تشكيل القبر والعتمة التي تغمره ومزع اللحم العفن العالقة بالعظام البيضاء والكفن الذي اسود بفعل تقادم الزمن. ونلفي من جديد ذلكم التعبير السردي عن تداخل الموت بالحياة علاوة على النظر إلى الميت باعتباره حيا يعاني آلام التحلل الذي يبدأ بانتفاخ وانفجار البطن وتورم الأعضاء:
'... شغلته آلام بدأت في بطنه، وصدره، ورأسه، وساعديه، ورجليه. آلام في كل خلية وعرق من كيانه، استشرى الألم حتى أصبح عذابا يرى بصماته على جثته الممددة. انتفخت الجثة حتى لتكاد تنضو عنها لفائف الكفن. تورم الوجه واسود لونه. طمست العينان واختلطت الملامح. تعفن اللسان والشفتان. نزفت المخارج وعبق القبو برائحة بشعة' الرواية. ص، 26-27.
تتقدم أنسنة الموت بوصفها معادلا لتدنيس أو دنيوة المقدس؛ بما يستدعيه ذلك من اجتراح مناطق الظل والعتمة والمسكوت عنه بفعل وطأة الموروث الجاهز. ربما كانت رغبة الذات الكاتبة في الاحتفاء بغريزة الحياة وتمثيلاتها هي التي دفعته إلى هذا الاختيار التعبيري.سوف يشكل الموت ودخول الميت إلى قبره مناسبة لاستعراض فصول سيرته على الأرض وما رافقها من تحولات وأعطاب وأشكال قهر ومعاناة وخذلان للآخر. وغير خاف في هذا السياق إن هذا الاستعراض لأطوار الحياة وإن لبث مدموغا بالحياد فإنه كان يرتب للفصول الأخرى حيث اللقاء بالملكين ناكر ومنكر والحساب ثم النشور.
تتعالق رؤيا الميت للمحطات الرئيسة في حياته بما يمكن اعتباره مساءلة جذرية لها وكشفا لمظاهر السلب التي اعتورتها. نلفي ذواتنا مشدودين في فصل 'الملكان' إلى يمكن عده مساءلة عميقة أنساق الرموز والتمثيلات التي ينهض عليها تفكير الذات العربية ورؤيتها إلى العالم. ولئن كان الملكان ناكر ومنكر موصولان في المتخيل الديني الشعبي بالمساءلة والزجر والعقاب والترتيب لعذاب القبر، فإنهما يتحولان في هذا النص إلى محاورين يطرحان الأسئلة الوجودية والمعرفية العميقة ويساءلان نجاعة وفاعلية التمثيلات الموروثة والتي دفعت بالميت إلى ارتكاب بعض الأخطاء أو التقدير السيئ لعلاقاته ببعض الذوات من قبيل امرأة أبيه وابنة خاله وزوجته التي اضطر تحت إلحاح أبيه إلى الاقتران بها وتهيبه من أنوثتها الطاغية وابنته:
' الميت: فما هي غاية الحساب إذن؟
ناكر: هذا الإنسان، وإلى أي مدى تحقق، وكيف عجز عن أن يتحقق.
نكير: أي إنه في كل مرة يكون السؤال عن جحود الإنسان لصوت داخله، أو إساءة الإنصات إليه. ذلك الصوت في صورته النقية، وقبل أن تشوبه الشوائب، أو تزيفه الظروف هو ذلك المقدار من الموت ىالذي تحتويه الحياة' الرواية. ص، 51.
يهمنا هذا التبئير السردي على الفعل الإيجابي الذي تعجز عنه الذات بفعل سطوة التقليد والاتباع وتغييب العقل والحكمة. وربما في هذا الخصوص نلمس دلالة ذلكم الوصل الساخر في الحوار الثلاثي بين انتفاء تعبير الشريعة عن الفطرة وتحول النص المقدس إلى مجرد ديوان شعر. يساءل النص ومن خلال هذا الحوار الجسور سلطة الجبر والإكراه التي تهيمن على التفكير العربي والتي تقلص من تأثير العقل وتحد من فاعلية الكشف والسؤال. وتتحدد الغاية من ذلك في استعادة الإنسان لحريته وقدرته على الاختيار. وتعبر الرواية عن ذلك بقولها:
' ناكر: أن يستأثر كل ميت بموته.
نكير: يستخلصه من يد الكهنة، من الطقوس والتلاوات والمواكب، من الشواهد والنصب والأضرحة.
الميت: كيف؟
ناكر: بأن يملك الواحد حياته' الرواية. ص، 63.
يشكل فصل 'النشور' محصلة طبيعية للحوار العميق مع الملكين والحساب الذي لم يكن عقابا وعذابا وإنما خلاصا للذات من 'النقص' الذي كان يسمها والذي جعلها مغلولة إلى الماضي بوصفه جماع قيم وتصورات جاهزة ومرهونة بالموت. وتأسيسا على ذلك، تكون الرحلة إلى الأزهر بعد أن تشبع بالمعرفة والقدرة على السؤال منذورة للفشل ولعل ذلك ما يفسر موت الجد والخادمة واستئثار الحفيد بمهمة تعليم الصبيان والسخط الذي أثارته طريقته في توصيل المعرفة في نفوس الآباء. ونلفي من جديد هذا التصادي الذكي مع رواية 'أولاد حارتنا:'
'... وفي الغد كان صبيان، ثم صاروا ثلاثة، ثم صاروا كثيرين، صبيانا وبنات. والآباء سألوا عن الحساب والإملاء. والآباء سمعوا إجابات عجيبة لم يعرفوا كيف يفهمونها، ولم يكن بوسعهم أن يفهموها. وعليه فقد ارتابوا أن تكون كفرا. قالوا لعيالهم لا تذهبوا إليه والعيال قالوا إن ذلك لا يفيد، إنه منا وهو فينا، وإن انقطعنا عنه فلن ينقطع وصالنا معه..' الرواية، ص، 99.
يتقدم النشور حسب الرواية بوصفه معادلا للخلاص من الموت واعتناق غريزة الحياة. ويكف والحالة هاته عن زواجه الكاثوليكي بما وراء الموت وصوره. يحمل الحفيد كتبه ويكف عن تيهه واستغراقه في فضاء المقبرة ويعود أدراجه إلى القرية. بيد أنه سرعان ما يلفي ذاته في غمرة من الصراخ والعويل بسبب ميت جديد. وما يلبث أن يشاركهم الصراخ، لكنه يكتشف أن نبرة صوته كانت مدموغة بالانفعال الإيجابي والفرح. يتعلق الأمر بما يشبه كشفا مؤداه إن العيش وسط الموت يمكن أن يكون محفزا على الحياة. ربما بتأثير ذلك نلمس دلالة هذا التشديد الذي تنتهي به الرواية:
' قال في نفسه وهو نشوان: 'نحن الذين نحمل في أجسامنا من الموت أكثر مما نحمل فيها من الحياة. نحن فقط العارفون بخبر الآخرة، نحن القادرون على أن نعطي الدنيا الحياة' ثم أسلم الحفيد عينيه للغمض'. الرواية. ص، 109.
تمثل رواية 'طرف من خبر الآخرة' تفكيرا إبداعيا في ضرورة القطيعة مع الموت بما هو انتهاء وغوص في مجاهل القبر بما هو سؤال وتحلل وعفونة وعقاب واعتناق الحياة بما هي أفراح وملذات وجرأة على الصراخ المحموم في وجه الصمت والعجز. يكون في مقدورنا والحالة هاته أن نتمثل الاختيار التعبيري والجمالي لفعل التدنيس باعتباره فعلا ينأى بنفسه عن المنزع التبشيري والتحريضي الضيق ليعانق قيمة السؤال الذي يخلخل سطوة المقدس وتأثيره السلبي على أنماط تفكير الذات العربية وحضورها في العالم.


عبدالمنعم الشنتوف

بنت الرقراق
13-03-2013, 18:16
اتابع بشغف ما تنشره هنا أستاذي الجليل...شكرااا لك

http://img133.imageshack.us/img133/4194/3h025yt1.gif

عبدالرحيم محمد احمد
16-03-2013, 10:33
'غـــزالـــة '


رواية : قاسم مسعد عليوة .


منذ الكلمة الأولى حتى النقطة التالية للفظة الأخيرة برواية 'الغزالة'* ينقش قاسم مسعد عليوة منمنمة لغوية منحوتة بصبر عجيب، لا تتكرر كثيرا في السرد المعاصر، منتقيا حزمة من الرموز المتداخلة في منطقة بين الخفاء العمي وبين الإشراقات الروائية الفاتنة المحيرة، الرواية تتشكل عبر رحلة يرويها تابع لأحد شيوخ الصوفية، يقتطع الكاتب لحظة زمانية ومكانية مغايرة، يدير فيها سرديته مضمخة بقدرات تأويلية منذ البداية:
(!)ـ قلت لمعلمي: أتبعك؟
ـ قال : حاول
(2) لبست المرقعة وحاذيته فنهرني :
: مهٍ. ما هكذا يكون اللباس .. وما هكذا تكون المرقعة .
(3) قدم لي خرقة كما تقدم خلعة أمير أو سلطان أو ملك.
قلت: لكنها كثيرة الخروق مهلهلة.
قال: من الخروق تنفذ وبالهلهلة تفوز.
(4) كنت جائعا، وكنا في الصحراء، ومن غاية الأفق جرّت غزالة شريطا من غار وركضت نحونا. لما دنت أقعت أمام معلمي، فأشهرت حديدة كانت معي، وقلت : أذبحها ونأكلها.
فنظر إلي نظرة فيها من الحزم ما يوازي ألم الجوع، وقال :
ـ إن أكلناها فماذا عساه ان يتبقى لنا، وبأي شيء نمني أنفسنا ؟
ثم داعب رأس الغزالة وقال مخاطبا إياها :
ـ غرير هو ما يزال، فلا تأبهي له. (صـ7)
ـ رحلة الذات في العالم:
في الاستشهاد السابق والذي جاء من الصفحة الأولى من الرواية يؤسس الكاتب لروايته واضعا نقاط البدء الأولى، والاتفاق الضمني مع القارىء على 'آليات الرحلة' التي سيصحبه فيها، إنها الغزالة، الأمل الروحاني النبيل، الوطن الحاضن للجميع، المطمع الدائم للطامعين، هي الحياة بآمالها، ثم هي الرحلة، رحلة الراوي رفيقا لمعلمه الصوفي، والتي يبدو الكاتب شفوقا بقارئه من مجازات الرواية، فيضع مفتاحين في بدايتها للولوج الآمن، يقول (ولكم في المجاز حياة) ويقول (لا تخف من العويص ولا تفر من الرمز) وكأنه على وشك أن يقول لك: الرواية يسيرة، ولكن تأملها لتجد نفسك فيها، نحن أمام رجلين جائعين طائعين لهواهما الصوفي، يتمنيان لقمة، وإذا بالغزالة تظهر، فيستأذن التابع شيخه ليذبحها طعاما لهما، فينهره ثم يتابعان الرحلة، ومعهما الغزالة التي (تصعد بهما كثبان، وتهبط وديان، وتدلهما على السقيا، حتى يظهر لهما قاطع طريق، فيطلب الغزالة، ويفشل في اصطيادها، ثم يفجؤهما الحاكم، ويطلب الغزالة، وكالعادة يفشل بكل قوته وجبروته في اصطياد غزالة، وتعود لهما حتى يودعها الشيخ على بوابة مدينة اللذة والانبساط، وعبر فصول الكتاب الكثيرة (واحد وعشرون فصلا) يعالج الكاتب أفكارا مجردة بعد أن يدثرها أردية حديثة، ولكن تبقى على تجردها من جهة وضوحها، يعالج على سبيل المثال مسائل اللذة، الشجاعة، الصداقة، المرأة، الحب، المديح، الحرب، التلمذة ....
وتأتي هذه المعالجة الرهيفة عبر حدث دائما، باستثناءات قليلة، فإن توقفنا عند فصل بعنوان 'تمام كمال المرأة' نجد الشيخ وتابعه يمرون بجماعة يتحدثون عن النساء، فيرى أحدهم المرأة ' قطة ناعمة الفراء حلوة البراثن، ويراها آخر خنزيرة، ويراها ثالث بقرة ولودا، وآخر يقول عصفورة جميلة، ويحتكمون إلى الغريبين، فيقول الشيخ 'المرأة أقحوانة' ... وفي هذا الفصل الذي يقسمه الكاتب لسبعة مشاهد مقسمة بأرقام تصوير للمرأة بشكل عام، روحا وجسدا، بهاءً واكتمالا، وفيه جرأة تصوير ولع ولوعة الشيخ بالمرأة وشبقه وشوقه للنساء، حين يرى سرابا في الصحراء لنساء يغنين على غدير بسيقان عارية، فيقول : تمام الصفاء تحققه النساء .
بعدها التفت إلىّ وابتسم:
ـ في أول مدينة نذهب إلى ماخور. (صـ38).
ـ في البحث عن الحقيقة:
هذا هو انشغال الرواية الأول، وعملها الأساسي، إنه استجلاء علاقة الحقيقة بالزيف، وتجريد البهرج المنتشر وتخليص الجوهر منه، إنه البحث الدؤوب عن الحقيقة مجردة، بلا دين ولا وطن ولا زمان، ولذلك سيتعجب قارىء الرواية لهذا الصوفي المولع بالخمر والنساء، ولذا يصور حالهما في 'بيت المتعة' تصويرا خارقا للعادة، إن بيت المتعة بما يحمله من عهر وفجور والذي لا يدخله إلا 'من سدد كلفة الدخول' [لاحظ الطاقة اللغوية المحملة بالتأويل في التعبير ] بيت المتعة هذا أقرب للتصور البشري للجنة، بل بدا الانتقاء اللفظي للكاتب في الفقرة مقاربا بين اللغة القرآنية في وصف الجنة، متجها لتناص لغوي مع الوصف القرآني للجنة، في حين أنه يصف بيتا للمتعة، بقوله مثلا (اتكأنا على النمارق المصفوفة، طاف بنا غلمان مرد وغير مرد، يحملون طاسات وأباريق) ثم بعد أن شربنا الخمر (استوقفنا غادتين فإذا بهما طوع بنانينا، فضاجعناهما ... وما أظهرتا ترخصا ولا ابتذالا) صـ 71.
إن الكاتب في بحثه عن الحقيقة المجردة يخلص إلى فكرة تآلف الروح والجسد، تآلف الأزمنة والأماكن، إلى السعي وراء الغاية من الخلق، إلى المتعة الحلوة الريانة للروح والجسد، وبينما يبدو إيمان الشيخ بالمتعة وبالمرأة وبالحب وبالجسد إلى أقصى طاقات وغايات الإعجاب، ترى سخريته المبطنة سخرية الكاتب من الحاكم وبطانته، سخرية يقدمها دامجا الأزمنة، حتى يصبح القهر قهرا عاما، والاستبداد استبدادا عاما، مع إسقاط مباشر لكل ذلك على واقعنا، في البداية حين يجد المعلم الغزالة، ويطمع فيها الطامعون، يأتي الحاكم مشاركا رعيته الطمع مبررا رغبته في الغزالة بقوله: خويت الصحراء من الطرائد .. وعيب أن يراني شعبي عائدا من رحلة صيدى خائب الرجاء ' صـ9 ولذلك، فتصوير الكاتب لمدينة ' اللذة والانبساط ' لا يحيلها لمدينة عهر جسدي، بل عهر عام (جهالة وقهر وفقر وظلم وفساد سياسي) وهانحن معهما في الميدان المكتظ بالناس والجنود، وكان الناس (يجأرون بهتافات تندد بالحاكم وأساليب الحكم .... وتطالب بإقصاء الحاكم ومن يشاركونه (الرواية صادة عام 2010م ومكتوبة قبل صدورها بسنوات) والنتيجة (نهشات الكلاب وضربات الهراوات وفرقعات الرصاص، وأحجار وخراطيم مياه وعربات تحشر بالمجروحين ومهشمي العظام ) ثم نقرأ بعدها فقرة سافرة ساخرة فاجرة في جرأتها :
'مبنى مجلس النواب قصير، مقبب، وبه شيء من ملوسة، وبابه كالشق وهو في مجمله يشبه الحِر، أما مبنى المجلس الحكومي، فخشن طويل منتصب، والحرس أسفل منه كثيف كالشعر فوق الصفن، وهو في مجمله يشبه الإير ' صـ17.
ـ البناء / خروقات البناء:
المرور العابر على الرواية يعطي شعورا بأنها رواية فكر، بلا حدث، ولا بناء، لكننا أمام عمل مهندس بشكل دقيق، يسلم الفصل لتاليه شعوريا وليس حدثيا، لكن البناء يقوم على أساس واضح ألا وهو المفارقة التي يبني الكاتب عليها روايته، المفارقة أو بنية التضاد تتضح من خلال المخالفة البيّنة بين الزيف والحقيقية التي يشتغل عليها الكاتب، والمفارقة هنا ليست لفظية مجردة، إنها مفارقة بنائية أساسية،، فالبنائيون يرون أن القصة لا تنبني إلا على إيهام بالتسلسل الزمني، إذ لها زمنها الخاص كما يقول 'ليفي ستراوس' أن طبيعتها اللازمنية كأم تمتص في جوفها التسلسل الزمني. (راجع البنائية لصلاح فضل) وهم يرون أن القصة الأيديولوجية لا تقيم علاقات سببية مباشرة بين الوحدات التي تتكون منها، لكنها تبدو جميعا كمظهر لقانون عام يحكمها كليا'.
هذا بالضبط ما يمكن تطبيقه على بنائية هذا العمل المغاير، فـ 'الغزالة' تنشع بالخروقات البنائية المقصودة، من خلال الفصول غير المرقمة، لكنها مسماة، وكل فصل يحتوي أجزاءً تتراوح بين الطول والقصر، كما تتراوح في أعدادها من فقرة واحدة في الفصل إلى تسع عشرة فقرة **
مشكلة البناء هنا أنه غير حتمي، الفصول يمكن مبادلتها في بعض الأحيان، كما أن هناك فصول يمكن دمجها في فصول أخرى، كفصلي (جوسق الصداقة، وثمرات المودة) وفصلي (فىالبصر والبصيرة، والرؤية والإدراك) لكن العمل محتوم بسيطرة على المجمل، حتى نصل للفصول الأخيرة من رحلة هذا التابع إلى دمج لكل ما مر بهما في رحلتهما المتعددة المسارب، وفي الفقرة الثانية من فصل 'دهن ذائب في قدر متقد ' يحصي الراوي كافة الكرامات التي مرت بشيخه وينكرها على نفسه، مانحا للرواية لحظة تماسك عريقة في بهائها، بداية من مرافقة الشيخ للغزالة، ثم ارتقاء شعاع الضوء، ثم المسح على رأس الحية، والقبض على الذئب، إلخ ...
لكننا نلمح مفارقة أخرى في الشخصيات الأساسية، بين عمق رؤية المعلم، وسطحية رؤية التابع، وكأننا أمام تنويعة ما على لحن 'سانشو ودون كيخوتا '، ثم نجد المقارنة بين 'المعتاد' و'الحقيقي'، لنصل إلى القلب والخلاصة الملهمة في الرحلة، يقول الراوي مثلا: الجهل غباء، فيرد المعلم : والعلم بلاء.
وحين نجد الراوي والمعلم وآمر بوابة مدينة اللذة والانبساط جميعا في لسجن، يلومهما آمر البوابة لأنهما تسببا في سجنه قائلا 'أهذا جزءا إحساني إليكما ؟ !
فرد المعلم : كم من مبتلي في سمعه وبصره ونطقه، تخلص مما ابتلي به، وهو يئن من ضربات السجان ... السجون مشاف.
دائما هناك غوص إلى العمق، ووصول على الخلاصة، وسير نحو المجاز التام، الذي يشمل العمل كله، فالرحلة رحلة في الحياة، والسجن سجن النفوس، والبحر بحر الحياة ذاتها، والعري انكشاف، والهوى التذاذ شريف بالحياة التي يحق الالتذاذ بها ...
ـ النص وصوفية اللغة:
تعتمد الرواية على شخصية مفردة توجه دفة العمل من خلال قدرة لفظية وفعلية فذة، ولأن الشخصية بتعبير فيليب هامون تركيب يقوم به القارى أكثر مما يقوم به النص، فهي ليست (كائناً) جاهزاً، ولا (ذاتاً) نفسية بل هي ـ حسب التحليل البنيوي ـ بمثابة (دليل) Signلـه وجهان: أحدهما (دال) والآخر (مدلول).
ولذلك فاللغة هنا قائمة على راو يسير في طريق التصوف، ومعلم صاحب تجربة صوفية، ومن هنا صبغ الكاتب روايته بلغة خاصة، عبر تصفية حادة للمنطوق اللغوي، لغة قادرة على خلق مكان وزمان محايدين، لهما سمات توغل في الواقعية لحظة الخروج منها، خالطة الواقعي بالأسطوري.
وهذه الشعرية اللغوية لا تختزل الخطاب الروائي إلى خطاب بلاغي - بتعبير باختين ولكن تحميل اللفظ بأبعاد تأويلية فذة ومنتجة، من خلال التضاد الحاد :
ـ 'عينك يقظي، وقلبك يغط غطيط الساهرين'.
ـ 'اخرج إلى الشمس، وانعم بعماك'.
ـ 'الاكتمال يوهن الهمة، والنقص يثيرها'.
ـ 'بالحب لا نعقل، وبالعقل لا نحب'.
ـ ' النوم خلة أهل الغفلة'.
ومن هنا يصب 'قاسم عليوة' كأس التذاذه باللغة عبر رصيد متكون ومتراكب من 'طواسين الحلاج' وكتابات الغزالي والطوسي وعشرات الصوفيين القدامى.
على هامش السيرة العذبة للرواية وكاتبها، يبدو اهتمام الكاتب بضبط لغته ووضع العلامات اللغوية، ومراجعة النص، والوصول به إلى أبهى حالاته اللغوية طباعيا.
إننا أمام عمل للخاصة، يبدو أن انتظار الكاتب الكبير قاسم مسعد عليوة كل هذه السنوات، بعد تسع مجموعات قصصية، يبدو الانتظار مبررا، لقد كان يبحث عن لؤلؤة، وقد وجدها.


ابراهيم محمد حمزة.

بنت الرقراق
16-03-2013, 11:06
'غـــزالـــة '


رواية : قاسم مسعد عليوة .


منذ الكلمة الأولى حتى النقطة التالية للفظة الأخيرة برواية 'الغزالة'* ينقش قاسم مسعد عليوة منمنمة لغوية منحوتة بصبر عجيب، لا تتكرر كثيرا في السرد المعاصر، منتقيا حزمة من الرموز المتداخلة في منطقة بين الخفاء العمي وبين الإشراقات الروائية الفاتنة المحيرة، الرواية تتشكل عبر رحلة يرويها تابع لأحد شيوخ الصوفية، يقتطع الكاتب لحظة زمانية ومكانية مغايرة، يدير فيها سرديته مضمخة بقدرات تأويلية منذ البداية:
(!)ـ قلت لمعلمي: أتبعك؟
ـ قال : حاول
(2) لبست المرقعة وحاذيته فنهرني :
: مهٍ. ما هكذا يكون اللباس .. وما هكذا تكون المرقعة .
(3) قدم لي خرقة كما تقدم خلعة أمير أو سلطان أو ملك.
قلت: لكنها كثيرة الخروق مهلهلة.
قال: من الخروق تنفذ وبالهلهلة تفوز.
(4) كنت جائعا، وكنا في الصحراء، ومن غاية الأفق جرّت غزالة شريطا من غار وركضت نحونا. لما دنت أقعت أمام معلمي، فأشهرت حديدة كانت معي، وقلت : أذبحها ونأكلها.
فنظر إلي نظرة فيها من الحزم ما يوازي ألم الجوع، وقال :
ـ إن أكلناها فماذا عساه ان يتبقى لنا، وبأي شيء نمني أنفسنا ؟
ثم داعب رأس الغزالة وقال مخاطبا إياها :
ـ غرير هو ما يزال، فلا تأبهي له. (صـ7)
ـ رحلة الذات في العالم:
في الاستشهاد السابق والذي جاء من الصفحة الأولى من الرواية يؤسس الكاتب لروايته واضعا نقاط البدء الأولى، والاتفاق الضمني مع القارىء على 'آليات الرحلة' التي سيصحبه فيها، إنها الغزالة، الأمل الروحاني النبيل، الوطن الحاضن للجميع، المطمع الدائم للطامعين، هي الحياة بآمالها، ثم هي الرحلة، رحلة الراوي رفيقا لمعلمه الصوفي، والتي يبدو الكاتب شفوقا بقارئه من مجازات الرواية، فيضع مفتاحين في بدايتها للولوج الآمن، يقول (ولكم في المجاز حياة) ويقول (لا تخف من العويص ولا تفر من الرمز) وكأنه على وشك أن يقول لك: الرواية يسيرة، ولكن تأملها لتجد نفسك فيها، نحن أمام رجلين جائعين طائعين لهواهما الصوفي، يتمنيان لقمة، وإذا بالغزالة تظهر، فيستأذن التابع شيخه ليذبحها طعاما لهما، فينهره ثم يتابعان الرحلة، ومعهما الغزالة التي (تصعد بهما كثبان، وتهبط وديان، وتدلهما على السقيا، حتى يظهر لهما قاطع طريق، فيطلب الغزالة، ويفشل في اصطيادها، ثم يفجؤهما الحاكم، ويطلب الغزالة، وكالعادة يفشل بكل قوته وجبروته في اصطياد غزالة، وتعود لهما حتى يودعها الشيخ على بوابة مدينة اللذة والانبساط، وعبر فصول الكتاب الكثيرة (واحد وعشرون فصلا) يعالج الكاتب أفكارا مجردة بعد أن يدثرها أردية حديثة، ولكن تبقى على تجردها من جهة وضوحها، يعالج على سبيل المثال مسائل اللذة، الشجاعة، الصداقة، المرأة، الحب، المديح، الحرب، التلمذة ....
وتأتي هذه المعالجة الرهيفة عبر حدث دائما، باستثناءات قليلة، فإن توقفنا عند فصل بعنوان 'تمام كمال المرأة' نجد الشيخ وتابعه يمرون بجماعة يتحدثون عن النساء، فيرى أحدهم المرأة ' قطة ناعمة الفراء حلوة البراثن، ويراها آخر خنزيرة، ويراها ثالث بقرة ولودا، وآخر يقول عصفورة جميلة، ويحتكمون إلى الغريبين، فيقول الشيخ 'المرأة أقحوانة' ... وفي هذا الفصل الذي يقسمه الكاتب لسبعة مشاهد مقسمة بأرقام تصوير للمرأة بشكل عام، روحا وجسدا، بهاءً واكتمالا، وفيه جرأة تصوير ولع ولوعة الشيخ بالمرأة وشبقه وشوقه للنساء، حين يرى سرابا في الصحراء لنساء يغنين على غدير بسيقان عارية، فيقول : تمام الصفاء تحققه النساء .
بعدها التفت إلىّ وابتسم:
ـ في أول مدينة نذهب إلى ماخور. (صـ38).
ـ في البحث عن الحقيقة:
هذا هو انشغال الرواية الأول، وعملها الأساسي، إنه استجلاء علاقة الحقيقة بالزيف، وتجريد البهرج المنتشر وتخليص الجوهر منه، إنه البحث الدؤوب عن الحقيقة مجردة، بلا دين ولا وطن ولا زمان، ولذلك سيتعجب قارىء الرواية لهذا الصوفي المولع بالخمر والنساء، ولذا يصور حالهما في 'بيت المتعة' تصويرا خارقا للعادة، إن بيت المتعة بما يحمله من عهر وفجور والذي لا يدخله إلا 'من سدد كلفة الدخول' [لاحظ الطاقة اللغوية المحملة بالتأويل في التعبير ] بيت المتعة هذا أقرب للتصور البشري للجنة، بل بدا الانتقاء اللفظي للكاتب في الفقرة مقاربا بين اللغة القرآنية في وصف الجنة، متجها لتناص لغوي مع الوصف القرآني للجنة، في حين أنه يصف بيتا للمتعة، بقوله مثلا (اتكأنا على النمارق المصفوفة، طاف بنا غلمان مرد وغير مرد، يحملون طاسات وأباريق) ثم بعد أن شربنا الخمر (استوقفنا غادتين فإذا بهما طوع بنانينا، فضاجعناهما ... وما أظهرتا ترخصا ولا ابتذالا) صـ 71.
إن الكاتب في بحثه عن الحقيقة المجردة يخلص إلى فكرة تآلف الروح والجسد، تآلف الأزمنة والأماكن، إلى السعي وراء الغاية من الخلق، إلى المتعة الحلوة الريانة للروح والجسد، وبينما يبدو إيمان الشيخ بالمتعة وبالمرأة وبالحب وبالجسد إلى أقصى طاقات وغايات الإعجاب، ترى سخريته المبطنة سخرية الكاتب من الحاكم وبطانته، سخرية يقدمها دامجا الأزمنة، حتى يصبح القهر قهرا عاما، والاستبداد استبدادا عاما، مع إسقاط مباشر لكل ذلك على واقعنا، في البداية حين يجد المعلم الغزالة، ويطمع فيها الطامعون، يأتي الحاكم مشاركا رعيته الطمع مبررا رغبته في الغزالة بقوله: خويت الصحراء من الطرائد .. وعيب أن يراني شعبي عائدا من رحلة صيدى خائب الرجاء ' صـ9 ولذلك، فتصوير الكاتب لمدينة ' اللذة والانبساط ' لا يحيلها لمدينة عهر جسدي، بل عهر عام (جهالة وقهر وفقر وظلم وفساد سياسي) وهانحن معهما في الميدان المكتظ بالناس والجنود، وكان الناس (يجأرون بهتافات تندد بالحاكم وأساليب الحكم .... وتطالب بإقصاء الحاكم ومن يشاركونه (الرواية صادة عام 2010م ومكتوبة قبل صدورها بسنوات) والنتيجة (نهشات الكلاب وضربات الهراوات وفرقعات الرصاص، وأحجار وخراطيم مياه وعربات تحشر بالمجروحين ومهشمي العظام ) ثم نقرأ بعدها فقرة سافرة ساخرة فاجرة في جرأتها :
'مبنى مجلس النواب قصير، مقبب، وبه شيء من ملوسة، وبابه كالشق وهو في مجمله يشبه الحِر، أما مبنى المجلس الحكومي، فخشن طويل منتصب، والحرس أسفل منه كثيف كالشعر فوق الصفن، وهو في مجمله يشبه الإير ' صـ17.
ـ البناء / خروقات البناء:
المرور العابر على الرواية يعطي شعورا بأنها رواية فكر، بلا حدث، ولا بناء، لكننا أمام عمل مهندس بشكل دقيق، يسلم الفصل لتاليه شعوريا وليس حدثيا، لكن البناء يقوم على أساس واضح ألا وهو المفارقة التي يبني الكاتب عليها روايته، المفارقة أو بنية التضاد تتضح من خلال المخالفة البيّنة بين الزيف والحقيقية التي يشتغل عليها الكاتب، والمفارقة هنا ليست لفظية مجردة، إنها مفارقة بنائية أساسية،، فالبنائيون يرون أن القصة لا تنبني إلا على إيهام بالتسلسل الزمني، إذ لها زمنها الخاص كما يقول 'ليفي ستراوس' أن طبيعتها اللازمنية كأم تمتص في جوفها التسلسل الزمني. (راجع البنائية لصلاح فضل) وهم يرون أن القصة الأيديولوجية لا تقيم علاقات سببية مباشرة بين الوحدات التي تتكون منها، لكنها تبدو جميعا كمظهر لقانون عام يحكمها كليا'.
هذا بالضبط ما يمكن تطبيقه على بنائية هذا العمل المغاير، فـ 'الغزالة' تنشع بالخروقات البنائية المقصودة، من خلال الفصول غير المرقمة، لكنها مسماة، وكل فصل يحتوي أجزاءً تتراوح بين الطول والقصر، كما تتراوح في أعدادها من فقرة واحدة في الفصل إلى تسع عشرة فقرة **
مشكلة البناء هنا أنه غير حتمي، الفصول يمكن مبادلتها في بعض الأحيان، كما أن هناك فصول يمكن دمجها في فصول أخرى، كفصلي (جوسق الصداقة، وثمرات المودة) وفصلي (فىالبصر والبصيرة، والرؤية والإدراك) لكن العمل محتوم بسيطرة على المجمل، حتى نصل للفصول الأخيرة من رحلة هذا التابع إلى دمج لكل ما مر بهما في رحلتهما المتعددة المسارب، وفي الفقرة الثانية من فصل 'دهن ذائب في قدر متقد ' يحصي الراوي كافة الكرامات التي مرت بشيخه وينكرها على نفسه، مانحا للرواية لحظة تماسك عريقة في بهائها، بداية من مرافقة الشيخ للغزالة، ثم ارتقاء شعاع الضوء، ثم المسح على رأس الحية، والقبض على الذئب، إلخ ...
لكننا نلمح مفارقة أخرى في الشخصيات الأساسية، بين عمق رؤية المعلم، وسطحية رؤية التابع، وكأننا أمام تنويعة ما على لحن 'سانشو ودون كيخوتا '، ثم نجد المقارنة بين 'المعتاد' و'الحقيقي'، لنصل إلى القلب والخلاصة الملهمة في الرحلة، يقول الراوي مثلا: الجهل غباء، فيرد المعلم : والعلم بلاء.
وحين نجد الراوي والمعلم وآمر بوابة مدينة اللذة والانبساط جميعا في لسجن، يلومهما آمر البوابة لأنهما تسببا في سجنه قائلا 'أهذا جزءا إحساني إليكما ؟ !
فرد المعلم : كم من مبتلي في سمعه وبصره ونطقه، تخلص مما ابتلي به، وهو يئن من ضربات السجان ... السجون مشاف.
دائما هناك غوص إلى العمق، ووصول على الخلاصة، وسير نحو المجاز التام، الذي يشمل العمل كله، فالرحلة رحلة في الحياة، والسجن سجن النفوس، والبحر بحر الحياة ذاتها، والعري انكشاف، والهوى التذاذ شريف بالحياة التي يحق الالتذاذ بها ...
ـ النص وصوفية اللغة:
تعتمد الرواية على شخصية مفردة توجه دفة العمل من خلال قدرة لفظية وفعلية فذة، ولأن الشخصية بتعبير فيليب هامون تركيب يقوم به القارى أكثر مما يقوم به النص، فهي ليست (كائناً) جاهزاً، ولا (ذاتاً) نفسية بل هي ـ حسب التحليل البنيوي ـ بمثابة (دليل) Signلـه وجهان: أحدهما (دال) والآخر (مدلول).
ولذلك فاللغة هنا قائمة على راو يسير في طريق التصوف، ومعلم صاحب تجربة صوفية، ومن هنا صبغ الكاتب روايته بلغة خاصة، عبر تصفية حادة للمنطوق اللغوي، لغة قادرة على خلق مكان وزمان محايدين، لهما سمات توغل في الواقعية لحظة الخروج منها، خالطة الواقعي بالأسطوري.
وهذه الشعرية اللغوية لا تختزل الخطاب الروائي إلى خطاب بلاغي - بتعبير باختين ولكن تحميل اللفظ بأبعاد تأويلية فذة ومنتجة، من خلال التضاد الحاد :
ـ 'عينك يقظي، وقلبك يغط غطيط الساهرين'.
ـ 'اخرج إلى الشمس، وانعم بعماك'.
ـ 'الاكتمال يوهن الهمة، والنقص يثيرها'.
ـ 'بالحب لا نعقل، وبالعقل لا نحب'.
ـ ' النوم خلة أهل الغفلة'.
ومن هنا يصب 'قاسم عليوة' كأس التذاذه باللغة عبر رصيد متكون ومتراكب من 'طواسين الحلاج' وكتابات الغزالي والطوسي وعشرات الصوفيين القدامى.
على هامش السيرة العذبة للرواية وكاتبها، يبدو اهتمام الكاتب بضبط لغته ووضع العلامات اللغوية، ومراجعة النص، والوصول به إلى أبهى حالاته اللغوية طباعيا.
إننا أمام عمل للخاصة، يبدو أن انتظار الكاتب الكبير قاسم مسعد عليوة كل هذه السنوات، بعد تسع مجموعات قصصية، يبدو الانتظار مبررا، لقد كان يبحث عن لؤلؤة، وقد وجدها.


ابراهيم محمد حمزة.

استمتعت أخي بالقراءة ...تشكر على هذه المجهودات القيمة...

http://uploads.sedty.com/imagehosting/1228_1238580738.gif

عبدالرحيم محمد احمد
17-03-2013, 22:13
'الــقــنـــــدس'

رواية : محمد حسن علوان .


قليلة هي الأشياء الباعثة على السعادة لديّ بقدر ما يفعل ذلك اكتشاف كاتب جديد، وقراءة عمل له للمرة الأولى. ولعل أن ليس في هذا ما يدهش، فالاكتشاف ولذة التجربة الأولى هما من بين أثرى التجارب البشرية على كل الأصعدة الحياتية، الفردية والاجتماعية والجغرافية والعلمية.
ولعل اكتشاف كاتب جديد لدى القارئ المواظب أو الناقد المحترف هو بمثابة اكتشاف نجم جديد لدى الفلكي أو حقيقة تاريخية مجهولة لدى المؤرخ أو قانون طبيعي لدى الفزيائي الخ. ومن هذا القبيل اكتشافي للروائي السعودي محمد حسن علوان من طريق روايته الجديدة 'القندس' والتي صدرت منها طبعتان عن 'دار الساقي' في 2011 و2012. وعلى الرغم من أن علوان اكتشاف جديد بالنسبة لي، إلا أنه ليس كذلك على الإطلاق، فالثابت أن 'دار الساقي' قد نشرت له ثلاث روايات سابقة على 'القندس'. إلا أن ما لفت نظري لهذه الأخيرة هو صعودها إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية) للعام الحالي والتي سيُعلن عن نتيجتها النهائية في شهر أبريل المقبل. ولعل لفت النظر إلى كُتّاب لم يلتفت إليهم الإعلام الأدبي كما يجب هو مكرمة أخرى تُضاف إلى مكارم هذه الجائزة المرموقة.
أذكر عبارة لإبراهيم المازني من روايته 'إبراهيم الكاتب' تقول: 'الحياة فنّها أقوى فنونها التثبيط'. ظلت هذه العبارة تتاقفز أمامي طوال قراءتي لرواية 'القندس'، وكأن المازني لم يقلها قبل ثلاثة أرباع قرن أو نحوها إلا ليصف رواية كانت وقتها في رحم الغيب. 'القندس' هي رواية مكرّسة بصفحاتها الثلاثمائة ونيف لدرس الظاهرة البشرية المعروفة بالثبوط إن جازت الكلمة أو الإحباط، أو خيبة الأمل، أو فقدان الرجاء إلى آخر أشباه المترادفات هذه. يجعل علوان من بطله ـ وهو بطل ضدّ بامتياز حقل تجارب لاستعراض مشاعر الحبوط وعدم التحقق وتشريحها تشريحا معمليا دقيقا لا تغرب عنه شاردة، ولا يترفّع عن تفصيل مهما قبُح، حتى أنه يذكّر بتقنيات السرد المرتبطة بالمدرسة الطبيعية (الناتوراليّة) وعلمها الأكبر إميل زولا. البطل الذي يُدعى 'غالب' - والذي لا أّشكّ أن اسمه اختير عمدا للمفارقة التي ينطوي عليها، فهو 'مهزوم' ومُحبَط على كل الأصعدة هو أيضا الراوي الذي نرى كل شيء من وجهة نظره في هذه الرواية المكتوبة في صيغة المتكلم أو بأسلوب السيرة الذاتية.
الرواية هي قصة غالب ولكنها أيضا قصة مدينتين: 'الرياض' عاصمة المملكة العربية السعودية وموطن بطلنا، و'بورتلاند' المدينة الواقعة على ضفاف نهر 'ويلامت' في ولاية 'أوريغون' بالولايات المتحدة الأمريكية، والتي يهرب إليها غالب بحثا عن حياة جديدة. إلا أنه يحمل حبوطه معه وليست المدينتان إلا مسرحين تُلعب عليهما فصولٌ مختلفة من إحباطات حياته المتتالية. غالب هو الابن الأكبر لأب ترك حياة الرعي والبداوة في أبها ليصنع لنفسه ثروة من تجارة السجاجيد ثم الأرض والعقار في العاصمة وليس عنده لابنه شيء من عواطف الأبوة المعروفة: فقط الأمر والنهر ومحاولة تشكيله في قسوة وفق مشيئته. أما أمّه فقد هجرته وأباه وهو رضيع لم يُفطم بعد إلى رجل آخر وهي أيضا لم يكن عندها شيء له من حنان الأمومة المعروف. وأما إخوته من زواج أبيه الثاني فقد نشأوا غرباء عنه رغم عيشته بينهم لا يولونه احترام الأخ الأكبر، كما أن أباه يضع ثقته في ابنه الأصغر متجاهلا غالب، الذي يفشل في الدراسة ويُفصل من الجامعة وهو على وشك التخرج لعدم تقديمه بحثا مطلوبا. يرسله أبوه للدراسة في 'بورتلاند' في أمريكا، ولكنه يعود فاشلا بعد شهور. يريد أبوه أن يجنده للعمل معه في مكتبه، ولكنه يرفض بدون أن يكون لديه بديل. يحبّ لكن حبيبته تتزوج آخر دبلوماسيا ناجحا ذا مستقبل، إلا أنها تستبقي غالب عشيقا سريّا لعشرين عاما، دائما على استعداد للسفر للقياها لسويعات أو أيام معدودة في أقصى بقاع الأرض، قانعا من حبها وحياتها بالفتات. وعلى الرغم من أن أقصى أمانيه كان أن تنفصل ذات يوم عن زوجها لكي تصبح خالصة له، إلا أنها حين تختلف يوما مع زوجها اختلافا خطيرا وتلجأ إليه شهرا كاملا في بورتلاند، يجد نفسه يضرع إلى السماء أن تعود المياه إلى مجاريها بينها وبين زوجها لأنه يكتشف أن ما عاش حياته يحلم به لم يعد يعني شيئا بالنسبة إليه وقد تخطّى الأربعين. يختار غالب وطنا جديدا في بورتلاند التي فشل فيها طالبا في العشرين فعاد إليها كهلا في الأربعين لاجئا من مدينة قاحلة لم يعرف فيها إلا الخيبات المتكررة. إلا أن بورتلاند أيضا لا تحمل وعدا خاصا. هي فقط موضع ألطف لاجترار الرجاءات الخائبة والاستسلام إلى الحياة إذ تمارس فنها المفضل في التثبيط حتى نهاية العمر.
على أن هذه ليست رواية حبكة أو حدث، ولعله من الطبيعي ألا يحدث شيء ذو بال في حياة محبطة. إنما هي رواية تأمُّل. يتميز أسلوب علوان بما أحب أن أسمّيه السرد التأملي الذي لا يكتفي بالوصف المحايد أو تسجيل الحوار وإنما يتبعه غالبا بتعليق أو صورة أو مقارنة تضفي عليه عمقا وتدعو القارئ للتفكّر فيما تنطوي عليه اللحظة من معانٍ. ومن مثال ذلك خواطر الراوي بعد أن تغضب أمه منه فتستنزل عليه لعنات السماء: 'وخرجت إلى سيارتي وأنا أفكر كيف يتعامل الله مع الدعوات المتتابعة التي يرفعها أبي وأمي عليّ منذ ست وأربعين سنة حتى الآن؟ هل من المعقول أنه لم يتخذ قراره بشأنها حتى الآن؟ أتراه يمهلني أم يهملهما؟' (ص 37) وهو أيضا يجيد الوصف والتقاط أدق التفاصيل في المواقف الموصوفة حتى تشعر أنك تعاين وتحسّ معه ما يصف: 'جمعتْ كفيها ثم مسحت بهما وجهها فتمدد معهما جلد جفنيها حتى رأيتُ لوهلة حمرة العين الداخلية (...) سادت برهة صمت أخرى راحت أمي خلالها تمسح براحة كفها ثوبها ثم تلتقط أشياء وهمية منه وتلقي بها بعيدا.' (ص 34-35)
قلت إن 'القندس' قصة مدينتين. إحداهما اللعنة والأخرى الخلاص. أما اللعنة فهي 'الرياض' وأما 'الخلاص' فهي 'بورتلاند'. وبين المدينتين يداول السرد قصة غالب، مخصصا بانتظام فصلا للرياض وآخر لبورتلاند، بادئا من نقطة النهاية في بورتلاند حيث ينشد الكهل الأربعيني حياة تفصله عن ماضيه المرفوض، ثم يداول عن طريق الاسترجاع بين الماضي والحاضر. وإذا كان رفض الماضي لا يستتبع بالضرورة رفض المكان، فإن الأمر ليس كذلك في هذه الرواية، فالزمان والمكان يتحدان في كراهية سافرة لمدينة الرياض تتخلل السرد كله: 'الرياض مملة ومتربة وليس لديها ما تمنحني إياه. شيء ما في شوارعها صار منهكا من حكايات أهلها وكدحهم الدؤوب عكس الزمن.' (ص100 ) 'تركت الرياض قبل أن أجف فيها مثل إجاصة بنيّة مهترئة وأتحول إلى جزء من غبارها أيضا بلا تاريخ وبدون سعادة.' (ص 104) 'الرياض كانت (تغتصبني) يوميا (...) كما تفعل بكل من يخرج عن سجل القوانين المقدسة الذي يحكمها.' (ص 275) 'تعرضت بكثافة لتلك الإشعاعات الضارة من الحزن التي يطلقها نهار الرياض وهو يتجشأ راحلا بعدما أكل طويلا من هموم الناس وشرب من أحزانهم. (...) نباتات الزينة التي تمتد (...) مثل محاولة فاشلة لتزوير هوية الرياض الجافة في بيوت القادرين.' (ص 276-277) وحين تنقلب به السيارة في حادث مروري، فإنه يصفه هذا الوصف الكاشف: 'شعرت وأنا أتحرك في الحيز البرزخي داخل السيارة المتقلبة بأنها لا تتقلب بدافع قوى الجذب والطرد والقصور الذاتي، بل لأن الرياض قد تحولت إلى مارد هائل وراحت تركل سيارتي بعنف.' (ص 304) بهذا التركيز المتواتر على رفض المدينة، يصبح المكان جزءً من قدر الفرد الفاعل في معاناته، وليس مجرد خلفية لألاعيب القدر أو اختيارات الإرادة الحرة. ويصبح المكان البديل جزءً من الخلاص، وهو الدور الذي يقع على عاتق المدينة الأخرى: 'بورتلاند' الأمريكية التي تحظى بلطيف الأوصاف في الرواية والتي ترحب بغالب الأجنبي، ركيك الإنكليزية، المرتبك حضاريا وتفسح له مكانا في شوارعها ومحالها ودورها وعلى ضفاف نهرها. لن تمحو بورتلاند ذاكرته ولن يفارقه حبوطه فيها، فقد تأخر وقت ذلك كما نفهم من الرواية. ولكنها سترفع عنه وطأة المكان. وهكذا تنضم هذه الرواية إلى قائمة متزايدة من القصص العربي المعاصر التي تجد في ثقافة الآخر وبلاده ملجأً من ثقافة الذات.
كان من الممكن أن تصبح 'القندس' رواية سطحية عن إحباطات شاب أفسدت حياته ظروف النشأة ونقص الهمة، إلا أن السرد التأملي المستبطن، والحسّ الساخر من الذات ومن كل شيء يحولانها إلى رواية فشل وجودي من الدرجة الأولى، رافعا قصة غالب إلى عمل يتأمل في العلاقة بين الذات والبيئة والمجتمع. يتأمل في طبيعة الأمومة والأبوة والأخوة. في معنى النجاح والفشل. في طبيعة الرغبة والحب. النوال والحرمان. المعنى والعبث.
هذه رواية تُعرّي ولا تتستر كما هو دأب الفن الجيد. تعري الراوي وسائر الشخصيات. تعري الأسرة. تعري المجتمع. تعري المدينة. تعري الثقافة السائدة. وتفعل كل هذا في أسلوب جزل في غير تصنُّع. أسلوب يعتمد الاقتصاد في التعبير ويستمد قوته من نزوعه الدائم إلى السخرية طورا والتأمل طورا آخر والإحالة إلى الصور والتشبيهات طورا ثالثا. ومن كل هذا ينتج أسلوب سردي كثيف في غير تثاقل. أسلوب سردي يساعد الحدث على الحركة ويساهم في كشف دخائل الشخصيات، وفوق هذا وذاك يمتع القارئ ويبقيه مشدودا إلى الرواية صفحة بعد صفحة وفصلا بعد فصل.
تطورت الرواية السعودية تطورا ملموسا في العقدين الأخيرين وتأتي هذه الرواية لمحمد حسن علوان لتؤكد هذه الظاهرة، والتي هي ظاهرة تدعو للتأمل. لأن نضج الرواية السعودية واقتحامها لحساسية العصر الحاضر في موضوعاتها وتقنياتها لا يأتي انعكاسا لنضج المجتمع السعودي الذي لا يزال يعيش في عصر آخر منفصلا انفصالا جذريا عن الحساسية الحديثة. هل نعتبر الرواية السعودية إرهاصا مبكرا بالتحولات الاجتماعية القادمة، ذلك الإرهاص الذي هو ليس غريبا على الفن في سبقه للمجتمع وريادته للتغيير؟ أم نعتبرها انفصالا عن المجتمع وتعبيرا فرديا عن حساسية شخصية ساعدت ظروف خاصة على تشكيلها وصقلها بما يخالف الثقافة السائدة؟ ليس من السهل الجزم بهذه الفرضية أو تلك. ولعل الفرضيتين أن تتقاسما الحقيقة فيما بينهما. إلا أن المقطوع به هو أن الرواية السعودية اليوم آخذة في الانضمام إلى ركب الرواية العربية بخطى حثيثة.


رشيد العناني

عبدالرحيم محمد احمد
09-04-2013, 06:11
' مـفــتـــاح البـــاب المـخــلـــوع '

رواية : راشد عيسى


هذه الرواية هي الرواية الأولى للدكتور راشد عيسى بعد إصداراتٍ عديدةٍ في الشِّعر والنقد والبحث ، والتي صدرت عن دار أزمنة للنشر عام 2010 وتقع في 187 صفحة من الحجم المتوسط .
تتناول الرواية مرحلةً تاريخيةً هامةً وقلقةً من تاريخ الصراع الفلسطيني الصهيوني على أرض فلسطين ، وتمتد أحداث الرواية من فترة ما بعد نكبة عام 1948 وحتى هزيمة حزيران عام 1967 .
تتناول الرواية تلك المرحلة عبر تاريخ وحياة عائلة فلسطينية لجأت بعد نكبة عام 1948 إلى نابلس ، وعبر رواية وطفولة الراوي الرئيسي في هذه العائلة والذي أعطاه الروائي شخصيتين وإسمين هما : نبهون ، جينو .
استطاع الروائي وعبر الراوي ( جينو ) الذي استولى على ناصية الراوي في معظم مفاصل الرواية ، وهذه المساحة التي أعطتها الرواية لجينو ليست بدون دلالة فكأنها انتصارٌ لهذا الطفل الفلسطيني الذي ذاق مرارة النكبة والنكسة هو وعائلته البائسة الفقيرة والتي لا تملك من حطام الدنيا شيئاً .
في رواية جينو لطفولته ومراراته أضاءَ شخصياتٍ كثيرةً حيَّةً ونابضةً وحقيقيةً عاشت النكبة والنكسة الفلسطينية وتجرَّعت كلَّ مراراتها .
الشخصية المحورية الهامة الأخرى في الرواية كانت شخصية ' إيلي ' والد جينو الذي كان شرساً وقاسياً ونبيلاً وفناناً يعزف على الربابة أشجى الألحان ، إيلي الكريم الذي لا يقبلُ أن يشبعَ وجيرانه الفقراء جائعون ، إيلي الذي تنقَّل عبر عشرات المهن ليطعم عائلته البائسة المنكوبة ، فقد عمل مزارعاً وصياداً في البرِّ والنهر ونساجاً للقصب وبنَّاءً ومعالجاً بالطبِّ الشعبي ، وحين أحسَّ أنه في هذه المهنة الأخيرة يخدع الفقراء والمساكين هجرها دون رجعة .
' إيشا ' والدة جينو هذه الشخصية القاسية والبائسة والمُتعَبة والتي تقوم بكلِّ أعمال خدمة أسرتها بشقاءٍ ما بعده شقاء ، والتي ولدت جينو وهي تحطِّب مع زوجها في الجبال ، والتي لم تحضن يوماً جينو بحنان الأم .
هذه القسوة وهذا الإهمال لجينو ساقه للبحث عن أمٍّ وأبٍ غيرهما فما وجدهما إلا في الطبيعة في شجرة التوت ، البئر ، حقل الزيتون ، الماعز ، البقرة ، النساء الطيبات اللواتي التقاهنَّ في بيت لحم ونابلس وأماكن أخرى تنقَّل وعاش بها- ، وهذا ما أعطاه الجانب البريَّ في شخصيته وقرَّبه من فلسفة الأشياء والأماكن وإضفاء الحياة على كائنات الطبيعة الجامدة وإنطاقها وإدخالها في مجاله الثقافي والتخيلي للحياة والعالم وبحيث شكَّلت هذه المنظومة بديلاً عاطفياً للإهمال والقسوة والنكران الذي يواجهه جينو من عائلته وعالمه ، أصبحت النافذة والباب والفانوس والهاون والبريموس والبئر وغيرها كائنات حيَّةً وصديقةً لجينو يحاورها ويقاسمها حزنه وأسراره .
كانت رحلات جينو مع أبيه لنهر الأردن والبحر الميت مصدراً جديداً لوعي هذا الطفل المتمرِّد والذي كانت أمُّه تسميه فرخ الجن وبحيث أضافت هذه الرحلات والمهارات العديدة التي علَّمها ' إيلي ' له مخزوناً لا ينضب من المهارات والخبرات والمعارف والتجارب والتي منحت شخصيته تلك الميزة البريَّة التي جعلته أذكى أترابه في التحصيل العلمي .
في هذه الرواية وظَّف المؤلف ثقافته التراثية والفكرية والشعرية والفلسفية في مقاطع كثيرة من الرواية ، كان ذلكَ واضحاً في حوارات جينو مع نبهون وفي أوراق ' إيلي ' ومقولاته التي أُختتمت بها الرواية .
جينو ونبهون هما لعبة المؤلف في هذه الرواية ، فقد قسم الراوي إلى شخصين وحالتين ووجهين ربما كان في التسمية نوع من الكشف عن هذا الهدف في حوار شخصيتين داخل الشخص نفسه فنبهون من النباهة والثقافة وهي شخصية جينو المثقفة التي تحترم وتراعي التقاليد والمجتمع ، بينما جينو من الجن ويمثِّل الجانب البريّ والمتمرِّد على كل الأعراف والتقاليد ، وفي حوار هاتين الشخصيتين الموجودتين في كلٍّ منا كانت الرواية تتقدَّم في حبكتها وحركتها .
كان صوت جينو هو الصوت البارز على مدار صفحات الرواية وهو يروي ويُذكِّر ويُعيد ' لنبهون ' حياته البريَّة والقاسية وخبراته المتنوعة بما فيها عمله في الصحراء مدرِّساً في قريةٍ سعوديةٍ فقيرةٍ وبائسةٍ وإشاراته لبعض الشخصيات الصحراوية وبؤسها وبساطتها والتي شكَّلت امتداداً لخبراته في نابلس ووادي التفاح ونهر الاردن والبحر الميت والمخيم والهجرات المتتالية : كلُّ ذلك كان من جينو ليذكِّر نبهون أن يبقى مخلصاً للبراءة الأولى والفقر والفقراء ولا ينجرف في ثقافته وينسى هذا الفقر وهذا البؤس الذي شكَّله وأعطاه تميُّزه .
لا بدَّ من عودةٍ لشخصية ' ايلي ' هذا الأب الأسطوري والذي يحلم بقتلِ شيءٍ ما في السماء ، والذي يرى نفسه أقوى من الموتِ وأعلى من هذه الحياة ' البغلة ' ، إيلي الذي تنكسر روجه بعد هزيمة حزيران فيقوم بإخصاء نفسه وينهي رجولته كتعبير عميق عن فداحة الهزيمة التي لا معنى لرجولة حيوانية معها .
كان هناكَ جُرأةٌ في طرح بعض الحكايات المسكوت عنها وبعض التشبيهات الشعرية الخارجة عن المألوف وشكَّلت هذه الحكايات والصور رصيداً أضاف للرواية نبضاً شعريَّاً عالياً وجميلاً ، باستثناء تشبيهٍ واحد وجدتُه غيرَ ملائمٍ وهو ما ورد ص 168 من الرواية في وصف جينو لبول وغائط حبيبته .
' جينو ' كان عاشقاً وكان يبيع التمرية في شوارع نابلس قبل الفجر وقبل ذهابه للمدرسة ليجمع ثمن هديةٍ لحبيبته النابلسية الجميلة ، والتي أيضاً يفقدها بعد هزيمة حزيران عام 1967 بهجرة أهلها إلى عمَّان ، صورة جديلتها التي قصَّتها وأهدتها له والتي أخفاها فرحاً عند أمِّه ' إيشا ' والقبل المختلسة والطفولية والفرح الذي كان ينمو في قلبه الصغير ، كل ذلك كسَّرته وشرَّدته الهزيمة التي كوَّنت جراحاً عميقةً في نفسِ وروح جينو والتي راح يُعيدها على صنوه ' نبهون ' حتى لا ينسى .
حياة المخيم والبؤس والفقر والجوع والبرد والعُري كلُّها كانت تتوالد في الرواية وتتحرَّك عفويَّاً وبدون قصديَّةٍ مفتعلة وخطابية كأنها هي المقصودة من الخطاب بل كانت تشكِّل نسيجاً عضويَّاً وطبيعياً يأتي مع سرد الأحداث وليس منفصلاً عنها .
في رواية الدكتور راشد عيسى تجربةٌ جوانيَّةٌ عميقةٌ وتجربةٌ تاريخية عميقةٌ وقاسية امتزجتا في نسيجٍ روائيٍّ أخَّاذ وبلغةٍ فنيَّةٍ سليمةٍ وقريبةٍ وشفافةٍ ، حتى حين كان يستخدم بعض المأثورات والمقولات التراثية أو بعض الصور البريَّة والوحشية من تقلُّبات وامتزاجات جينو مع الطبيعة والكائنات كانت كلُّها تندرج في نسيج لغة الرواية السلسة والجميلة .
في هذه الرواية كثيرٌ من الصدق وكثيرٌ من الجُرأة وكثيرٌ من البوحِ وكثيرٌ كثيرٌ من الشِّعر ، فيها كثيرٌ من الغضب والقهر والحب والحزن والخيبة والأمل والحكمة والفلسفة والغفران والحياة وكثيرٌ من الفنِّ السرديِّ والروائيِّ الجميل .
هذه الرواية روايةٌ تستحقُّ أن تُقرأ وتُحلَّل لما تضمنته من أصالةٍ في بنائها وصدقٍ في لغتها وأجوائها ولما احتوته من قضايا وطنية وإنسانية وفلسفية وفكرية في سلوك وحوارات شخصياتها النابضة بالحياة والبؤس والقهر .

مهدي نصير

عبدالرحيم محمد احمد
21-04-2013, 11:57
6000 ميل





محمد مهيب جبر .






-1 تعيد رواية ’6000 ميل ‘ للروائي الفلسطيني محمد مهيب جبر الصادرة هذه السنة 2013 عن دار الجندي للنشر في القدس، إشكالية إعادة صياغة ما طرحه الموروث السردي الفلسطيني، ولكن من زاوية مختلفة عن هذا الموروث.
وبمقاربات جديدة وبرؤية أكثر مأساوية في تثبيت عنف اللحظة الوجودية وشرطها التاريخي، اللذين أدّيا بهذا السرد إلى التهجير ومعه صانعه البطل الذي يحيل إلى الروائي، الذي يحيل إلى الشعب الفلسطيني في عمق ما تعرض له من محن، وبمأساويةِ اللامبالاة التي تعيشها أجياله المتعاقبة الموزّعة على أصقاع الأرض بطريقة عشوائية لا تعكس تعقُّد إشكالية الشتات والعودة فحسب، ولكن تطرح كذلك خطورة انقطاع عنعنة الذات الفلسطينية عن الجذور، كما يبحث عنها ‘بيت مارتينيك’ (ص: 34) وإمكانية تماهيها القسريّ مع مرجعيات انتمائية أخرى لا علاقة للشعب الفلسطيني بها تماما. غربةٌ تحيل إلى غربة مضاعفة تحيل هي الأخرى إلى غربة أعمق منها، يعبر فيها التاريخ على الجرح الفلسطيني، كما تعبر الأفكار السطحية على فصل ربيع مكبوت من دون سؤاله أو الإشارة إلى من يقف حجر عثرة في وجه عودته.
-2-
يأخذ السرد على لسان الراوي في رواية ’6000 ميل’ طابع المواجهة المباشرة مع القارئ. ويحكي الراوي قصة بطل الرواية (بيت مارتينيك) من دون تعقيدات خارج سردية بإمكانها أن تشوّش على رؤية المتلقي فتعمق سوء فهمه بإضافة غموضٍ تجريبيٍّ أو أسلوبيّ أو أسطوريّ إلى معطيات التاريخ الغامضة أصلا، في وضوح أهداف صانعيه وفي تورطهم العنصري في تعميق مأساة الذات الفلسطينية وغربتها داخل إحداثياته. ذلك أن السرد في هذه الحالة بالذات، وبهذه الصورة، لا يمكن أن يكون إلا سلاحا في وجه من عمّق مأساة هذه الذات، لأنه يصبح بديلا عن الأسطورة، باعتبار أن ما يحكيه الراوي أعقد من الأسطورة في حد ذاتها وأكثر مأساوية من مأساوية ما تعرضه الأساطير القديمة من نهايات لأبطالها. وهو بهذه الصفة يتجاوز في غموضُ مآلاته، رغم وضوحها، غموضَ الأسطورة وسحرها التخييلي والأسلوبي.
تسعى الرواية إلى إعادة الاعتبار للتاريخ من خلال التركيز على الأرقام المشيرة إلى الذات ووجودها الحقيقي في الواقع، قبل أن يتحوّل إلى رواية تاريخية تتلاعب بها الرؤية الصهيونية لصالحها (ص:41، 89، 95،145 ) وغيرها، وكأن الأرقام هي الأداة الوحيدة القادرة على إحياء ما اختفى في الذاكرة وتثبيت أحداثها بالرواية الفلسطينية، لا من خلال سرد سِفْر خروج ‘البطل’ ممثلا في أب البطل من جذره الانتمائي الذي هو أرضه كما تركها مضطرا بعد الدفاع عنها، ولكن من خلال سرد سِفر عودة البطل مُمَثّلا في ابن البطل (بيت مارتينيك) المولود في سان بيير في المارتينيك، وما تحمله رحلة العودة من استذكار لحقيقة الذات:
- قبل خروجها ممثلةً في مأساة الاجتثاث والصمود.
- وأثناء خروجها ممثلةً في معاناة التهجير التي يحملها البطل الأب.
- وفي لحظة عودتها ممثلةً في لحظة المواجهة الكبرى مع الذات ومحاولتها استعادة الجذور ومساءلة التاريخ مستعينةً بما تدلّ عليه الأرقام من أحداث تعرض لها الشعب الفلسطيني.
و كأن البطل في رواية ’6000 ميل’ يتخذ له من قصتيّ الأب والابن امتدادا للذات الفلسطينية التي لا يمكن أن يعبّر عنها عُمرُ رجل واحد مُمَثّلا في الأب في مأساة خروجه، أو ممثلا في الابن ممثلا في ملحمة عودته. وكأن العمرين هنا هما امتداد لعمر واحد يستمد منه السرد زمنية اندراجه ضمن التاريخ الفلسطيني لأنهما عمران لحياة واحدة هي مأساة الإنسان الفلسطيني المهجّر قسرا من أرضه، والمضطر إلى العودة إليها، على الرغم مما تحيل إليه الأرقام من تحويلات لمجرى التاريخ في اتجاه يخدم الاحتلال، من خلال تفريغ أرض من شعبها الساكن فيها منذ آلاف السنين وملئها بشعب آخر كان ولا يزال يعيش شتاتا لا علاقة للشعب الفلسطيني بأسبابه ولا بدواعيه.
-3-
‘كلاّ لست يهوديا’ (ص28).. يجيب بها البطل بيت مارتينيك على سؤال اليهودي أوري ليفي، الذي يجلس بجواره في طائرة العودة وكأنه تعريف بالضد، بالنفيّ، بما أتاحته الغربة لبيت مارتينيك من إجابة هي في عمق ما يعتمل بداخله من تناقضات حول هوية الاسم وهوية البيت وهوية الوطن. وكأن العدو هو الدليل الوحيد لإرشاد الشتات الفلسطيني المنقطع الجذور بعيدا عن الأرض ومحيطها للتعرف على نفسه وإرشاده إلى هويته..’بل جئت كي أعرف نفسي’(ص34) يقولها (بيت مارتينيك) بما تحمل من توجسات متعددة للإجابة عن الأسئلة المِلحاحة لأروي ليفي ليضعه أمام الأمر الواقع، واقع العودة إلى الجذور، أو ما عبّر عنها باللغة الفرنسية Racines، حتى لكأن هذه العودة إنما كان يجب أن تكون رفقة يهودي معلقةً بين السماء والأرض على ارتفاع ثلاثين ألف قدم (ص30). وتصبح الطائرة التي جمعتهما للعودة إلى الأرض المفتقدة رمزا لوطن منشود ولكنه مهزوز وممزق عند بيت مارتينيك صاحب الأرض الذي اغتصبت أرضه واقتلعت جذوره منها، وعند أوري ليفي المُغْتَصِب الذي جاء هو الآخر من مكان آخر لا يقل بعدا عن سان بيير التي ولد فيها بيت مارتينيك قسرا. يدخل البطل في تصورات وأوهام سقوط الطائرة بمجرد الإحساس باهتزازتها، نظرا لدخولها في تيارات هوائية. وكأن ثمة وجه مقارنة خفيّ بين حالة الوطن، كما حمله البطل في داخله من على بعد ستة آلاف ميل، وبين تصوره له وهو يحسّ به من على علوّ ثلاثين ألف قدم.
يتقاطع الأفقي مع العمودي في بناء صورة مشوشة للذات وهي تحاول أن تبحث عن وجهها الحقيقي في صورة اليهودي أوري ليفي القابع حقيقةً بجوار بيت مارتينيك في وضعية هي أقرب إلى سخرية التاريخ منهما معا: من بيت مارتينيك الذي وصل إلى هذا الحد من الضياع الحقيقي، ومن يوري ليفي الذي وصل إلى هذا الحد من الإنوِجَادِ المزيف.
-4-
تشي الرواية في بنية دلالاتها الباطنة بصعوبة انغراس البطل في الأمكنة الأخرى، وبإلحاحية استعادته لتاريخه عن طريق المساءلات المطروحة دوما على الذات، وهي تحاول أن تتذكر تفاصيل التاريخ وتعيد بناءها وفق رغبة المساءلات وما تخبر عنه من غربة رهيبة وثقيلة بإحراجاتها الوجودية المبطّنة بالتيه.
ومن هنا، نرى خطورة ما يلعبه النسيان – نسيان اسم القرية بوصفها مكاناً/ وطناً/ مرجعيةً، ونسيان اسم الأب بوصفه وجوداً/شعبا/ واقعاً- من دور مركزيّ في تحريض البطل على ضرورة العودة إلى الذاكرة في ظل عدم توفر السند المرجعي الذي يسهل عليه الوصول إلى إجابة واضحة. ذلك أن البطل بيت مارتينيك بوصفه امتدادا للبطل الأب، لا يعاني من التهجير، ولكن بمرجعيات واضحة تحدد له الانتماء كما هو الحال في العديد من الروايات الفلسطينية، ولكنه يعاني خاصة- وهنا مشكل التهجير وهدفه الأصلي- من نسيان هذه المرجعيات التي تحيله إلى أصوله الفلسطينية، لا من خلال غياب المرجعيات الاسمية لأهل الأب في فلسطين وحسب، ولكن من خلال غياب المرجعيات المكانية للقرية أو المدينة التي ينتمي إليها الأب.
كما يتجلّى غياب هذه المرجعيات في نسيان أم البطل بيت مارتينيك المارتينيكية الأصل لهذه المرجعيات التي من الفروض أن تتقصاها من أبيه، زوجها، ومن ثمة افتقادها لدور المركز كما هو الحال بالنسبة لدور الأم والمرأة عموما في الروايات الفلسطينية السابقة في ترسيخ هوية البطل والحفاظ على ذاكرته، على اعتبار أن أم بيت مارتينيك غير فلسطينية مما يؤدي بابتعاد هذه الهوية عن الأطفال باعتبار اسمائهم غير العربية (بالدوين وآندرين..)، وهي أسماء قريبة في النهاية إلى هوية أمهم سامانتا المتجذرة في بلدها الذي لم يكن بالنسبة لأب البطل أكثر من مكان يبعد ستة آلاف ميل عن الوطن الأصلي فلسطين، والذي هو في حد ذاته عبارة عن قرية تسمى سان بيير بنيت على فوهة بركان انفجر ذات يوم من بداية القرن الماضي ولم يبق من سكانها غير رجل واحد اختار أب بيت مارتينيك أن يتخذ منزله مسكنا له. وهو المسكن/ الوطن الذي ولد فيه بيت مارتينيك من دون أن يعايش لمدة كافية أباه وأمه.
تتتابع صور الاقتلاع القسري في مخيلة البطل من أجل تكوين نوع من النظرة الانتقامية (ص:16) المشفوعة بنوع من العطف الذي يعكس تقدير ظروف الأب الذي لم يترك أثرا واضحا لانتماء اسميّ واضح (ص47) يعود بالبطل إلى منبته الأصلي ويرسم له طريق العودة إلى الوطن. كما تلعب الذاكرة المنسية دور المحرّض على تسريع الأحداث التاريخية لما يقارب قرنا من الزمن من أجل رسم طريق واضحة لذاكرة هي قيد الميلاد في حشرجة الحياة التي تُنبِّه البطل إلى ضرورة العودة إلى الذات المشتتة بين ثلاثة أجيال ‘أب البطل المهجّر، البطل بيت مارتينيك وأبناء البطل’، وذلك من أجل ملء الفراغ الكبير الذي أحدثه انقطاع الصلة بالجذور والنشأة لثلاثة أجيال من الشعب الفلسطيني على فوهة بركان لم يهبه غير بيت واحد في غربة مضاعفة لم يعرف من خلالها البطل غير يتم لحقه وهو ابن الخامسة، ولا يتذكر منها غير خيوط من ضباب كثيف لا تتضح معالمه في ذاكرته المبنية على فراغ. وهي الأجيال نفسها التي سيعاينها البطل بيت مارتينيك وهو يبحث في أرض فلسطين عن مرجعيتها الاسمية والمكانية ممثلة في شخصيات (الحيفاوي) (ص:176) الذي فتح له قلبه ويرافقه في رحلة البحث عن أصله، وفي سائق التاكسي المقدسي الذي ذكّره بعنف التهجير من خلال قصة منزل أم كامل الذي تم الاستيلاء عليه في القدس سنة 2009 (ص:180)، وشخصية العاجز ضرير مخيم العروب (ص:170) الذي استطاع أن يدلّه على لا جدوى البحث عن الأب الذاتي/ البيولوجي ما دام الأب الأعلى/ الشعب الفلسطيني حاضرا في كل لحظة تاريخية وفي كل مكان من الأمكنة المُسيّجة بالقهر الإسرائيلي وبالتهويد المنهجي للذاكرة الفلسطينية ولتاريخها القريب والبعيد.
-5-
لا تخفي الرواية إحالتها البعيدة إلى بُعدٍ نفسيٍّ مُتخفٍّ في جيوب السرد الباطنية، وإن كان هذا الأمر يحتاج إلى وقفة أخرى أعمق، في قصة البحث عن الأب الموجود/ الغائب، وكأنها تطرح بصورة مغايرة تماما المأساة الأوديبية لا في علاقة بطلها المَرَضِية بالأم ‘الأرض’ والإصرار على العودة إليها ولمس تربتها وشمّ رائحة هوائها واستذكار خطى الأب وهو يتحرك حرّا في ربوعها (ص:108)، ولكن في علاقته المأساوية مع العدو الإسرائيلي التي تعيده إلى قدره من الطريق نفسها التي كان العدو يعتقد أنه يبعده عن قدره بإبعاده عنها. ولعل هذا ما يشكل ذروة ما تصل إليه الرواية من رصدٍ للتناقضات داخل بنية الفكرة التي يحملها الفلسطيني المهجّر عن أرضه. وتبدو الرواية وكأنها كُتِبت أصلا من أجل ترسيخ فكرة خطورة التلاعب بالذات من خلال الاقتناع بتشتّتِها في الكيانات البعيدة التي لا تمتّ إليها بأية قرابة تاريخية. ولعله من هنا كذلك، نستشف خطورة نزيف الجرح الفلسطيني في التاريخ المعاصر من خلال ما يطرحه الأدب المهجري الفلسطيني الجديد من إكراهات وجودية تعرض لها الشعب الفلسطيني المُهجّر من خلال انسياقه داخل الحدث الاجتماعي الخارج- فلسطيني، ومن ضرورات وجودية كذلك تحرضه مع الوقت إلى ضرورة طرح المساءلات المتروكة في أذهان الأجيال الجديدة المبتورة عن واقعها الفلسطيني. لقد كان القرن العشرون قرن اقتلاع الفلسطيني من جذوره وإبعاده عن أصله، ومن المفروض أن تكون بدايات هذا القرن تباشير لعودة الفلسطيني إلى أرضه وإحيائه لجذوره.
ولعل هذه الرواية، رواية ’6000 ميل’ للروائي الفلسطيني محمد مهيب جبر، تخبر في وعيها الباطن، كما حال الرواية الراصدة لتحركات الذات، عمّا يمكن أن يعتمل في الذات الفلسطينية المُهجّرة من رغبة ملحة في العودة إلى هذه الأرض والارتباط النهائي بجذورها. إنها رواية البحث عن الجذور وترسيخ وجودها الحيّ في بنية الذات الفلسطينية المُهجّرة وفي بنية السرد كذلك.



عبدالقادر رابحي

عبدالرحيم محمد احمد
21-05-2013, 22:25
أرض الغيـــــاب.

رواية : عزيزة الطائي.



حين تنتهي من قراءة رواية ‘أرض الغياب’ الصادرة عن دار فضاءات للنشر والتوزيع- عمان والجمعية العمانية للكتاب والأدباء، ستجد نفسك بمواجهة سلسلة من الالتباسات والأسئلة عن ماهية هذه الرواية المراوغة! هل هي سيرة ذاتية، أو سيرة ثقافية، أو سيرة فكرية، أو رواية سيرة، أو رواية ثقافية، أو بحث توثيقي، أو تحقيق إعلامي أو تقرير صحفي أو شهادات أو مذكرات…. الخ
وحين تكاد تستريح لواحد من هذه التصنيفات كأن تعتبره سيرة مثلا، تجد على الفور ما ينقضه، لأن السيرة ما استقر عليه التعريف الذي أطلقه الفرنسي فيليب لوجون’ حكي إستعاري نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص، وذلك عندما يركز على حياته الفردية، وعلى تاريخ شخصيته بصفة خاصة’ فلا تجد سوى القليل… ذلك أن رواية عزيزة الطائي فيها من العام أكثر بكثير من الخاص، ونقرأ مقطعا سرديا من روايتها’ بدت في عيونهم وعيوننا كجوهرة مضاءة، كلّ شيء فيها توهج من إنشاء وعمران، إلا أنَّ تلك القلاع والحصون باختراقها الرحاب ما زالت تحكي قصة عراقتها.’ص92
لقد رأت الكاتبة أن استخدام أكبر عدد ممكن من الصور في المجتمع العماني، وتركيبها بطريقة ما، يعطي صورة أكثر تعبيرا عن الواقع الموضوعي الذي تتناوله، وربما هذا هو ما جعلها تبتعد عن البطولة بالمعنى التقليدي السائد.. فعلى رغم التركيز على الغياب في بعض شخصياتها التي تعيش في الرواية، إلا أننا لا نستطيع استكمال المشهد الروائي دون الأم والأخ، فالبطولة هنا ليست لشخص، بل لمجتمع كامل.. لوقائع غريبة ساخرة، ملبدة بالأسى والحزن. ولأن واقع المعاناة يؤدي إلى إرباك حقيقي في المجتمع العماني، فإن الكاتبة لا تنسى هذه الحال في التقنية الروائية التي تبدو منسجمة تماما مع هذا الواقع. فثمة انتقال سريع بين المشاهد الروائية، وثمة قطع سينمائي وحراك مسرحي. أي أن هنالك مواءمة فنية كثيرا ما يتم تجاهلها في أعمال روائية أخرى.
نستطيع القول ان عزيزة الطائي تدعونا للقول علينا عدم نسيان أن المستقبل هو الأهم، لا بد أن يجد المرء بعض الأمور كي ينتسب إليها، وتسرد الطائي تلك الصورة الإنسانية: ‘ كيف لم ألتقِ به؟ وكيف لا أدركه؟ ومواقفه أدركتها، وسمعتها من والدك، وعمك – يرحمهما الله – وهذا الخبر سيسر خالك (سعيد)، أما عمك (عامر)، فقد التقى به مراراً.. قبل أن يرحل لـ’أول’، فهما يعرفان عنه الكثير، بحكم التعامل الوثيق معه.’ص117
قد يبدو مفارقا لطريقة التحليل التقليدي أن نقول إن تلك المادة الأولية لعجينة قائمة في اللاشعور، لا شعور الكاتبة، إنها المادة التي تصاغ منها صورة الماضي الرمزية التي يتسامى بها طموح الشخصيات الروائية التي تدافع عن تاريخها.
إنك في هذا المنجز الإبداعي المتخم بثقافة الفقد إزاء ذاكرة مشروخة أثقلتها شظايا الفقد، وهي تبصر عيانا مناخات العبث القاتل التي تعصف بحياة الإنسان ومصيره فكانت أرض الغياب رواية الإنسان المفقود في أرض الفردوس.
‘أرض الغياب’للكاتبة عزيزة الطائي
عدد الصفحات 302

عبدالرحيم محمد احمد
23-05-2013, 19:48
شـيــخ الـرمـــايــة


رواية : محمد أنقـــار


تشتغل رواية محمد أنقار الأخيرة الموسومة بـ ‘شيخ الرماية’ انطلاقا من لعبة سردية تجعل التاريخ العائلي/الأسري أفقا لتشكيل متخيل النص الإبداعي.
وينبني هذا البعد الفني في النص عن طريق تتبع سيرة الجد: ‘شيخ الرماية’ التي يضطلع بها كل من الحفيد وصديقِه عبد الرزاق، وجعل الرغبة في كتابة سيرة الجد وتدوين كراماته هاجسا أساسا في تطور الأحداث وبناء العوالم الحكائية، ومن ثم تمازج الرغبات وتداخل الحيوات وتآلفها في نسيج سردي ينتقل إلى الماضي/ التاريخ، ويعود إلى الحاضر الذي يحياه الحفيد وصديقه عبد الرزاق. وفي هذا السياق الفني، وعبر هذه اللعبة الروائية، تتشكل أمام القارئ معالم صرح سردي لا يخلو من متعة ومن فائدة. فكيف يتشكل التاريخي في الرواية؟ وما معالم إسهامه في البناء الروائي؟ وهل أفلح البطل، ومن خلال إسهام صديقه عبد الرزاق، في استعادة سيرة الجد العجيبة وتوثيق كراماته المحيرة والمثيرة؟
مما لا شك فيه أن قارئ الرواية سيجد نفسه منساقا وراء رغبة الشخصية المحورية في الرواية، وهي شخصية مَحمد التي تسعى إلى الإمساك بسيرة الجد وبتاريخ منسي من تاريخ تطوان وباديتها، بل تاريخُ مُمارسةٍ أهملتها كتب التاريخ المعاصر على الرغم من دورها الفعال في حياة الناس خلال فترة من واقع المغرب، وهي الرماية وما كانت تقوم به في الحياة الاجتماعية، وما شكلُه شيوخها من خطورة في حياة الناس، إذ اضطلعوا بحماية قبائلهم، والدفاع عن أهلها، إلى جانب دورهم الجهادي. وهكذا تنطلق الرواية من هذا المعطى التاريخي المهمل لتنبش فيه، ولتعيد جوانب منه عبر تشكيل متخيلها الروائي.
تنفتح الرواية على لعبة سردية اتبعها الكاتب ليتمكن من لمِّ حكايات الجد وجوانب من حياته، وفي نفس الآن ليُمكن شخصيته المحورية مَحمد، من جهة، من إسماع صوتها وحكايتها، ومن جهة ثانية استرجاع حياة الجد، وبعض حكايا أفراد عائلته الآخرين؛ وتتمثل هذه اللعبة في جعل راو آخر يصاحبه في رحلة بحثه ورغبته في كتابة سيرة الجد، إنه صديقه عبد الرزاق الذي يحكي، بدوره، عن ذاته وعن معاناته في الحياة والكتابة. ولذلك حمل القسم الأول من الرواية اسم عبد الرزاق، بينما وُسم القسم الثاني باسم محمد، في حين سيحمل القسم الثالث عنوان الشيخ. وعبر هذا التنويع في تشكيل الخطاب، وتنويع رواة الوقائع والأحداث تترى سير هذه الشخصيات الثلاث أمام ناظري القارئ وتنبني عوالم الخيال في الرواية.
ولعل البعد التاريخي الذي تستثمره الرواية يبدو منذ قسمها الأول الذي يعود إلى التاريخ المعاصر، وإلى فترة التحصيل المعرفي والعلمي للطالب عبد الرزاق، وما عاشه من مجريات النضال الطلابي وتبعاته. إن الرواية تنفتح على الوقائع التاريخية القريبة التي عاشها جيل من الشباب المغربي أواخر الستينات وبداية السبعينات- واكتوى بنيرانها وتركت أثرها الذي لا يمحي في حياتها وتكوينها الوجداني والعقلي، وانعكس على تفاعلها مع الحياة؛ كما أنها ترتبط باللحظة الراهنة عبر استدعاء أجواء ‘الربيع العربي’ واحتجاجات شباب حركة 20 فبراير. وهذا البعد الهام في الرواية، سيفضي إلى النظر إلى الماضي وإلى تاريخ الجد وحكاياته بمنظور نقدي واضح وعقلاني عند عبد الرزاق على عكس محمد الذي كان يستهويه استرجاع كرامات الجد وغرائب سيرته تعويضا عن شجرة نسب مفقودة، أو متوهمة يسعى إلى تجميع ما تفرق منها عبر خوضه مغامرة توثيق المعلومات والأخبار المتصلة بالجد وعائلته.
بهذه الكيفية تبني الرواية لعبة متخيلها الماكر، وتضفر خيوط عوالمها المتشابكة. هذه العوالم التي تفضي فيها حكاية عبد الرزاق، إلى حكاية صديقه محمد، ومن ثم حكاية الجد في حلقات متسقة مرتبطة على الرغم من التوزع الذي يوهم به تقسيم الرواية إلى أقسام ثلاثة. وقد عبر عبد الرزاق عن الحافز الذي دفعه إلى كتابة سيرة الجد بقوله:
‘ولعل ظروف النشأة بين أحضان الطبيعة المنفتحة في غرابو وواد بوسافو أن تكون كذلك سببا في تمرسي بتأمل أساليب مختلف الكتاب وتشرب صيغهم، مثلما كانت سببا خفيا في مشاركتي الوجدانية لشيخ الرماية عاشق الطبيعة، وتطوعي التلقائي إلى تنظيم حكايات كراماته. ربما كانت أيضا سببا في بعض التأملات الفكرية التي أضفتها إلى الحكايات، وعللت بها بعض الكرامات’(ص.17)
ويضيف عبد الرزاق في سياق آخر:
‘.. لكني لن أخفيكم سرا إن قلت إن اللعبة التي اقترحها علي محمد قد استهوتني ودغدغت تطلعاتي النضالية والفلسفية. كنت أقول:
-تجربة البحث في أخبار شيخ الرماية من شأنها أن تمضي بي بعيدا في حقل التأمل..
لذا طالما تركت محمدا يمعن الإبقاء على المعركة محتدمة داخل الأغوار، مرتبطة بالماضي، دونما رغبة في نقلها إلى الخارج..
إلا أن هاجسا آخر كان يعاكسني قائلا:
ومن أدراني بأنه في طلبه لسوانح الماضي ومطاردته لهواجس الذات قد ابتعد عني أشواطا، وترك فكري الإيديولوجي يحوم حول نفسه منذ سنوات، من دون أن يستطيع اختراق الدائرة. فكري الذي يقوم الأشياء من منظور الحسابات السياسية والافتراضات المنطقية عوض الخيال المرتبك؟’(ص. 19-20).
إذا كان المقتطف الأول من الرواية يعلل الدافع إلى قبول صياغة سيرة شيخ الرماية من قبل عبد الرزاق بالقواسم المشتركة بينهما، المتمثلةِ في حب الطبيعة وعشقها ورغبته في التأمل من خلال النظر في كراماته وتعليلها فكريا، فإن المقطع الثاني يؤكد أن ‘لعبة الكتابة’ كانت مغرية بالنسبة إلى عبد الرزاق لأنها ستكون فرصته لعجم مدى قدرته على التأمل والوصول إلى نتائج وخلاصات تغري حدسه الفلسفي وتاريخه النضالي، وهو يعتبر أن فتح باب ‘الخيال المرتبك’ -الذي يوحي به هوس صديقه محمد وتطلعه إلى لَمِّ شتات تاريخ الجد وسيرته- وسيلة أخرى لكي يُخرج فكره من الدائرة الضيقة التي حَشر نفسه فيها. وبهذه الكيفية تصبح الكتابة بالنسبة إلى عبد الرزاق وسيلة لتحرير الذات وفهم الآخر وفهم التاريخ ذاته عن طريق إعادة كتابته والشغف بما قد يبعثه من رؤى وتأملات جديدة لديه. وبهذه الشاكلة تصبح مهمة الكتابة لديه متعددة المرامي متنوعة الأبعاد، مما يكشف أن إعادة كتابة السيرة/ التاريخ عملية معقدة وصعبة. يقول عبد الرزاق مشيرا إلى المهام المختلفة التي تحملها وهو يعيد ترتيب حكايات الجد وكراماته، ومغامرات محمد وتطلعاته:
‘.. أشعر الآن بارتياح إثر مساهمتي في مساعدة محمد على صياغة أخباره، وحكايات جده، وتفاصيل بعض مغامراته النسائية، بل حتى مساعدته على الاقتراب من فهم نفسه من خلال الإنصات إليه ومشاركته وجدانيا..’(ص. 22).
بهذه الكيفية كانت مهمة عبد الرزاق في صياغة المعطيات التاريخية المتصلة بالجد تتجاوز مجرد جمع أخباره وصياغتها، إلى صياغة مغامرات محمد النسائية وتنظيم تفاصيلها، بل ومساعدته على فهم نفسه أيضا عن طريق التفاعل معه وجدانيا. ولا ننسى أن عبد الرزاق باعتباره خريجَ قسم الفلسفة تخصص علم النفس، وباعتبار تاريخه النضالي والتعليمي، وباعتبار صحبته الطويلة لمحمد ومعايشته لحكايات الجد، أنسب شخصية لكتابة تاريخ فريد يجتمع فيه الذاتي بالموضوعي، والواقعي بالمتخيل، والروحي بالمادي، والفلسفي التأملي بالفطري التلقائي. وعن طريق اجتماع هذه الثنائيات التي، قد تبدو متنافرة، يتمكن عبد الرزاق من بناء سيرة الجد، أو على الأقل إلقاء الضوء على جوانب هامة منها، كما يتمكن من إلقاء الضوء على جوانب من التاريخ المغربي المعاصر. وهنا تكمن ‘سلوة أنفاسه’ أو نفسه، وهو يخوض غمار مشاطرة صديق عمره تحويل حلمه إلى حقيقة مشخصة على الورق، وبعد خوض تجربة المغامرة والسفر، وتحويل كل ذلك إلى نص مكتوب، ومتخيل فاتن، وتاريخ جديد لمنسي من منسيات التدوين التاريخي في المغرب.
والناظر في الرواية يجد هذا التاريخ المتعدد الأبعاد يتمحور حول أسر محددة: هي أسرة عبد الرزاق، وأسرة صديقه محمد، وأسرة الجد، ومن ثم نجد هذا التاريخ يتشكل من سير عدد كبير من الشخصيات تتقاطع حكاياتها مع حكايات الجد. وتكشف لنا هذه الاستراتيجية في إعادة كتابة التاريخ فنيا عن العناية بالبعد الهامشي في مجريات الوقائع الحياتية الكبرى والاهتمام بالحوادث الهامشية التي أغفلها التاريخ الرسمي أو عمل على نسيانها، خاصة أن الرواية تبني هذه الأحداث بما عرفته من تشابك للواقع بالمتخيل، والمادي بالروحي، والعقلي بالخرافي أو الأسطوري في نسق جديد يقوم على بعدين:
- البعد الأول: يتمثل في السعي إلى التوثيق وتجميع الروايات والأخبار المرتبطة بالجد، وهذه المهمة اضطلع بها محمد في محاولته الأولى لضبط سيرة جده، وكانت هذه المحاولة عفوية تراثية الطابع تعتمد تحويل النص الشفهي المروي عن الجد إلى نص مكتوب في دفتر كان ينعته بالكشكول.
- البعد الثاني: ويتمثل في عملية التحليل والتمحيص، وهي المهمة التي قام بها المثقف والمناضل عبد الرزاق عبر صياغة ما نفترض أنه نص الرواية التي بين أيدينا، وهو الذي جعل حكايته تتصدرها، ثم أتبع ذلك بحكاية صاحبه محمد، وأخيرا روى حكاية الجد كما جمعها محمد؛ وهو الذي يقدم لنا تأملاته حول تاريخ الجد وسيرته منجمة على الفصول الثلاثة بالتدريج في سياق لعبة سردية مغرية بالمتابعة والدراسة.
والمتأمل في هذه الاستراتيجية السردية يلاحظ أن الرواية انبنت على ‘تاريخ العائلة’، وعلى وقائع تتصل بأسر مختلفة منطلقا لصياغة التاريخي، وأساسا لتشكيل السيرة الخاصة بالجد، من جهة، وتشكيل سيرتي محمد وعبد الرزاق، من جهة ثانية. وهي بذلك تعيد الأهمية لوقائع وأخبار العوائل والأسر في صياغة تاريخ جديد: تاريخ مفترض أو ممكن يقوم على الهامشي، وإعادة الاعتبار للرواية الشفهية بما تكتنزه من احتمال وما تعج به من خلط بين الواقع والخيال، وما تحبل به من إيمان في جدوى الكرامة والمنامات في تشكيل حقائق لا نلقاها في التاريخ الرسمي.
بهذه الشاكلة تنتصر رواية ‘شيخ الرماية’ إلى قيم جديدة في إعادة صياغة الوقائع والأحداث التاريخية سواء القريبة أو البعيدة منها، وهكذا تعيد الاعتبار لجوانب مغفلة من تاريخ مغربنا عبر لعبتها الفنية الذكية.



محمد المسعودي

عبدالرحيم محمد احمد
12-06-2013, 09:32
حورية الماء وبناتُها


روايـة : سليم بركـــات .



” العمل الروائي الجديد للشاعر والروائي السوري سليم بركات الذي يصدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. هذا العمل هو الكتاب الأربعون في سلسلة الأعمال الشعرية والروائية التي أصدرها سليم بركات طيلة حياته الإبداعية التي بدأها قبل أكثر من أربعين عاماً ومازال مستمراً في هذا العطاء.
رواية ‘حورية الماء وبناتها’، ‘رحلة في سفينة سياحية. ركابٌ موعودون بمشاهدة رقصة فريدة تؤدِّيها حورياتٌ لدقيقتين، لاأكثر، في موضع من بحر تْرِيْتُونْفال. غير أنَّ الرعبَ صامتاً، وصاخباً، هو بناءُ هذه الرواية’، في الحدود بين الأسطوريِّ والرَّاهنِ المتوحش.
هنا الفصل الأول من هذا العمل الروائي الجديد.

الفصل الأول
(Dendrophyllia Ramea)

فقاعاتٌ متواصلةُ القذفِ تداخلت زوابعَ رقيقةً بلَّوراتٍ من الأجساد الستة للحوريات، في الدوران احداهنَّ من حول الأخرى، متلامساتٍ صَفْعاً ناعماً بزعانف أذيالهنَّ الطويلة. تقاربت وجوهُ خمسٍ منهن زُرْقِ الجلود. تبادلنَ نفْخاً بالفقاعات الصغيرة خيوطاً متعرِّجة في خروجها من الأفواه، فيما راقبتهنَّ السادسةُ الشديدة البياض وجهاً، مبتسمةً في تَحْنانٍ. تلوَّتْ زعنفةُ ذيلها البرتقالية، العريضة، خفْقاً قويًّا، فاندفعتْ جسداً زيتاً في ماء الأعماق، المرتَّقِ الفتوقِ بشعاعاتٍ ميساءَ من ذاكرة الشمس المائية. لحقتِ الأجسادُ الخمسة الأخرى بها في حركاتٍ زيتٍ من زعانفهن.
هي الأمُّ كاليْسْ، البيضاء، المرقَّطة بحراشف رمادية على كل جلدها إلاَّ الكتفين والصدر، ساقتْ بناتها، ذلك اليوم من مطلع أيلول، من مضيق بحر هِيْلاكرِيْتُوثِيْنِيْسْ إلى بحر تْرِيْتُونْفال، كعادتها كلَّ عام: رحلةُ لهوٍ بين الصدوع الحجرِ الأشدِّ ضيْقاً، في الأعماق هناك، وبين أعمدة البراكين متجمِّدةً بعد مَسيْل مصهور. رحلةُ استذكارٍ للموضع الأول اختمرتْ فيه الخليةُ الأولى لنوع كاليس الحورية، في صَدَفة الوجودِ منطبقةً على خيالِ البقاء نَسَقاً صُلْحاً أبرمتْهُ المصادفاتُ، وهدنةً من الضرورة تمتحن بها تردُّدَ العَدَمِ في تقدير المعقول. رغبةُ كُلِّ حورية، من نوع كاليس، تكفيها كي تحبل بخمس إناثٍ مثلها، من تلقاءِ رحمها بلا ذَكرٍ يُسافِدُها، وأن تلد في أيما مكانٍ من أقاليم المياه، ثم تصحَبَ نسلَها، بالحنين الموصوف للخلية المائية في طبعِ المائيين، إلى الموضع الأول لانبثاق النوعِ الحورياتِ؛ الموضعِ الثغرةِ الدائرية في عُرْضِ بحر تريتونفال، الظاهرة من سطح المياه طوقاً أصفرَ بالأنفاسِ اللونِ من بستان شقائق البحر البرتقالية، والمرجان الأصفر، أسفلَ، في الوَهْدَةِ العميقة أحدَثَها صَدْمُ نيزك للأرضِ أو أحدثتْها اللوعةُ قعَّرتِ المكانَ، هناك، بثقلٍ من خيبة الأرض أن يتخيَّرَها الوجودُ لقياسِ اتِّزانه.
من الكهف، أسفلَ الصخرة المستوية على الشاطئ انتصبَ عليها ثلاثةُ تماثيل بعيونٍ مَعْدَنٍ على أفق المياه، في مضيق بحر هيلاكريتوثينيس ـ المضيق الأوحد عبوراً صوب بحار الشمال، قادت كاليس بناتها الخمس، ذوات الشعور الصُّفر، إلى الغمر الأعظم في الشمال النهائي الأعظم. برزت جباههُنَّ حتى الأنوف من سطح الماء، قبل انطلاقتهن. ألقينَ نظرة من عيونهن ذوات الحدقات البرتقالية، والصفر، على التماثيلِ الثلاثة ـ المرأةِ البرونزِ، والرَّجُلين النحاسِ، التي اعتدْنَ سماعَ همسها، مرةً واحدةً كلَّ اكتمالٍ للقمر في شباط: هَمْسٌ مُخْتَلَسُ النَّبْر على ألسنتها المعدنِ كنداء حصاةٍ في سقوطها خافتاً على حصاة. كاليس، وبناتها، لم يفهمن الدَّالةَ من الهمس ذاك، لكنهنَّ دأبْنَ في الإصغاء إليه كلَّ اكتمالٍ للقمر بشباطَ . دأبْنَ في تأويل ذلك. دأبْنَ في تقليب ذلك بموجباتٍ من عللِ الخصائص المفقودة، وشوق الملغز إلى الملغز. ألقيْنَ نظرةً على التماثيل يوادعْنَها من مكامن عيونهن فوق شقِّ الجرحِ المائيِّ. غطسْنَ ثانيةً. تلامسْنَ بأذيالهنَّ الطويلة، وانطلقن غوْصاً متعرِّجاً باندفاعات أجسادهن السهامِ الزيت، في الأعماق.
كاليس البيضاء، المرقطة الجلد بحراشف رمادية، لم تكن تشبه بناتها بحظوظ الألوان من تكوينها حوريةً بزعنفة برتقالية، عريضة، في نهاية الذيل، وزعنفة خضراء، مخطَّطة بحزوزٍ سودٍ وقرمزيةٍ على طول ظهرها، من أصل عنقها بين الكتفين حتى العَجُز. عيناها بيضاوان بحدقتين برتقاليتين. بناتها زرقاواتُ الحراشف؛ زرقاوات الجلود الظاهرةِ برُقطٍ بيْضٍ. زعانفهن الذيلية، وزعانف ظهورهن، رمادية. عيونهنَّ سُوْدٌ بلا بياضٍ، تنتصِفها حدقاتٌ صُفْرٌ. وهنَّ لم يبلغن، بعدُ، طول أمهنَّ الأربعة الأمتار أو أقلَّ شبراً ربما. لكنهن ينزلقن في الماء تجذيفاً بزعانفهن مِثالَ أمهنَّ انزلاقاً، تتفتَّح لانسيابهنَّ الأعماقُ أغماداً طَوْعَ الزَّلْقِ فيها، طيِّعَةً إنْ تأوَّدْنَ سَبْحاً أو سرَّعْنَهُ. وهنَّ، كنوعهن الحوريات، يَغْتذيْنَ أعشابَ البحر ـ خسَّه الريحانيَّ، وجرجيرَه المحترق خُضرةً، وكذلك بعضَ محاره المُسهَّم من دون سائر مخلوقات البحر الأخرى أسماكاً، أو أصدافاً، أو رخوياتٍ نابتةً بجذورٍ كأخواتها السَّوابح بالتثنِّي انتقالاً كحركة الديدان.
مطلع أيلول، من كل عام، يحضُرُ كاليْسَ نازعُها النداءُ اللامدفوعُ إلى رحلتها، من مضيقِ بحرِ العقلِ المياهِ هيلاكريتوثينيس إلى بحر غَمْرِ الشمال النهائيِّ الأعظم تريتونفال. ايلولُ شهرِ المياهِ متأملةً ماضي يقينها، وحاضرَ شكِّها، وآتي وَحْيها المُلْهِم. لاأقدارَ للمياه في أيلول: نظامٌ طِبْقُ الظلال الأكثر ارتداداً إلى سِرِّها المُعْتَصَرِ من ثمرات النقائض. ايلولُ المياهِ إذِ المياهُ خادِرةٌ فَلَكٌ في فِيْلَجَتها قبل أن تنخرق الفِيْلَجَةُ عن فراشة الأبراج الزمنية، والأبراج الساكنة في الإهليلجِ العريقِ اللاَّزمنيِّ. المياهُ انخفاضٌ، في أيلول، عن مستوى معناها اشباراً فلا تُؤَّلُ احوالُها إلاَّ بانقضاء أيلول. والحوريةُ كاليس تتخيَّر هذا الشهرَ الحيرةَ بقَدَمٍ في ماضي الصيف، وقدم في آتي الخريف، لرحلتها إلى الثغرة الدائرية، ذات الطوق الأصفر ظاهراً في الغمر الكبير كقِلادةٍ ماءٍ. وهناك، وسط الثغرة المائية في الغَمْر المائيِّ، ستؤدي، وبناتها، رقصتهنَّ المُدرَّبةَ الفتنة بإلهامٍ من حنين الأصل اللاموصوف، لدقيقتين لاأكثر، تمام الساعة الثانية عشرة ظُهراً وأربع دقائق، المُصَادِفَةِ اليومَ الرابع والعشرين من الشهر المتشقِّق القدمين من غبار الصيف، وغيوم الخريف المتزلِّفة.
توقفت كاليس عن اندفاعتها الرشيقة. استدارت، منتصبةً، إلى بناتها المائسات الأجساد. حدَّقت إليهنَّ، راضيةً، من وجهها المتطاول، الشديد البياض، تُخاتلُهُ ذؤاباتٌ من شعرها الأزرق الكثيف متلوِّيةً من نفخ الماء عليها بأفواهه الثمانية. لم تتوقف بناتُها إذْ حاذيْنَها. عبرْنَها بعد دورتين من حولها أثارتا نشيداً موصولاً من الفقاعات سطَّرْنها بانفاسهُنَّ دائريةً، متقاطعةً، متجاذبةً بغُلمة الهواء الذَّكر فيها هوىً إلى الهواء الأنثى، والهواء الأنثى هوىً إلى الهواء الذَّكر؛ أو مااتَّفق لهُ جاذبُ الجنس إلى جنسهِ ـ ذكرٍ إلى ذكرٍ، وأنثى إلى أنثى؛ أو ماانبسطَ طمَعُه العذبُ فوزاً بالجنسيْنِ ـ الذَّكرِ إلى مثله وإلى أنثاه، والأنثى إلى مثلها وإلى ذكَرها معاً. فقاعاتٌ بهواء الغُلمة مِمْراحاً، في أنفاس البنات الحوريات، طوَّقت جسدَ أمهن، التي ألوت زعنفةَ ذيلها خَفْضاً ورفْعاً قويَّين فاندفعت سهماً زيتاً رشقتْ به الأعماقُ الأعاليَ. كادت تبلغ سطحَ البحر، لكنها ارتدَّت تاركةً لذيلها البرتقاليِّ، في الإرتداد، أن يطفو أشباراً فوق سطح الماء.صفعتِ الماءَ، من ثمَّ، صَفْعاً مُدوِّياً قبل الغوص. تفجَّرَ الماءُ حقائقَ من خصائصه رذاذاً، ونِصالاً، وكُراتٍ لِصَاقاً، وأقواساً مقطَّعةَ الأوتار، وأصابعَ تتحسَّس بها الحقائقُ وجودَها هواءً يُحْبَسُ ويُسَرَّحُ.
خمسة أذيال رمادية صفعت الماءَ، أيضاً، صَفْعاً حُبُوراً. زعانفهن المشقوقة، العريضة، المُخدَّدةُ طولاً كجريد النخلِ، لاحت، في الصَّفْع، خُلْسةً وَمْضاً، ثم غاصتْ. تقوَّسَ الماءُ حَدَباً حَضْناً على الصوت زَلَقتْ بهِ الزعانفُ القوية حلقاتٍ دوائرَ تلحق الضِّيقةُ منها، حول مراكز غَوْصِ الأذيال، بالأكثر سعةً فتتمادى مدًّا حتى امِّحائها في الذي مجثمُها من الماءِ المنسرح، الخامل، عائماً في فضَّتهِ، بنقوش الهواءِ المهذَّبِ ـ هواءِ أيلول.
مطالع أعماق بحر تريتونفال، بحرِ الشمال النهائي، رَصْفٌ من أنقاض التماثيل الغارقة في السَّبي الثاني لقبائل المخلوقاتِ الحجرِ الشرقية غزتْهُم شعوبُ المخلوقاتِ الحجرِ الجنوبية، من ممراتِ البرِّ، وممرَّات أعماق البحر مشياً تحت الماءِ مُذْ لارئات لها كي تتنفس. تماثيلُ محاربيْنَ سقطوا مهشَّمةً في قِراعِ المطارق، وتماثيل عاديِّينَ ـ معماريَّةِ مساكنَ نَحْتاً في الكهوفِ، وصنَّاع سلاحٍ، وكهنةٍ وكاهنات، ومعلِّميْنَ في حِيَلِ المنطق صادراً عن الألسنةِ الحجرِ في أفواه المخلوقاتِ الحجرِ، وقضاةٍ في الأحكام.
نازعت القبائلُ القبائلَ، والشعوبُ التماثيلُ الحيَّةُ مثيلاتِها، عن معتقداتٍ سعتْ إلى بَسْطِها حقائقَ لاتُدْفَعُ أو تُجْبَه. تبادلتِ السبيَ، والنهبَ، وتقويض هياكل الآلهة، التماساً للغَلَبة في توطيد الزعْمِ أنَّ السماءَ لم تكن هناك قبل جيل الآباء النحَّاتيْنَ الثالث؛ أو أنَّ الأرض ثلاثةُ أقسام مشطورة بمضيقيْنِ فراغٍ هما فردوسُ الكائنات الحجرِ؛ أو أنَّ الصوتَ شكلٌ نحْتٌ سيُنجزه جيلُ الآباء النحَّاتين الثامن؛ أو أنَّ الأصلَ الحجرَ الأول كان خاطراً نَحْتاً من خيال آخر مخلوقٍ حجرٍ في برهة احتضاره؛ أو أنَّ الوقتَ هو، أبداً، ماليس هو؛ وأنَّ المخلوقاتِ الحجرِ، الحيةَ، شأنٌ لازمنيٌّ. كلُّ خلافٍ، في مسألة من هذه، عضَّ على وجودة القبائل التماثيل، والشعوب التماثيل، بأسنان الغزوات نَهْباً، وسَبْياً، وتقويضاً لهياكل الآلهة.
رصْفٌ مديدٌ من أنقاضِ كائناتٍ تماثيلَ مهشمةٍ تكاثرت هناكَ منذ قديم لايعرف نوعُ الحورية كاليس تخمينَ مدخلٍ إليه. هي كائناتٌ حجرٌ تكاثرت تماثيلَ حيَّةً قامت على نحْتِها نخبةٌ من التماثيل النحَّاتة، موكلةٌ، بعريق خصائصها، أن تستعيد الحجرَ صورةً من داخل كتلته الحجابِ على ماهيَّته الأصلِ شكلاً متناظِرَ الجوارحِ والأبعاد. تماثيلُ أنجبتِ التماثيلَ نحْتاً حيًّا.
وهاهي، في مطالع أعماق بحر تريتونفال، أنقاضٌ مهشَّمة، غشيَها الطحلبُ، والأُشْنَةُ، والقواقعُ اللَّزَّاقةُ، والصَّدف؛ ونبت في صدوعِها العشبُ أخضرَ محترقاً، مُتراقصاً، أشعثَ كأغصان التَّنُّوب.
عاينت كاليس، وبناتُها، رؤوساً مقطوعة. قلَّبْنها يتأملَّن العيونَ محدِّقةً من أغشيتها الصُّلبة، الكتيمةِ، المُصْمَتَةِ، إلى سديم الخلائق، وخزائن النشآت. رفعت إحدى البنات رأساً بين يديها لفتاةٍ حجَرٍ بضفائرَ معقودةٍ عقيْصَةً فوق قَمَحْدوَتها. أشارت إلى أمها أنها تريد شعرَها ضفائِرَ أيضاً، على المثال ذاك. خلَّلتِ الأمُّ شعر ابنتَها الأصفرَ بأصابع يدها اليمنى، ثم أطلقتْهُ متماوجاً، راقصاً، منتشراً. هزَّت رأسها تستنكر فكرةَ الضفائر. استدارتْ. خفقت بزعنفة ذيلها العريضة، البرتقالية، القوية، خفْقاً أطلق جسدَهاً سهماً زَيتاً. تبعتها بناتُها خفْقاً بزعانف أذيالهنَّ سهاماً زيتاً، في الفراغ المائيِّ المُبتكَر فراغاً بالخيالِ المائيِّ.

عبدالرحيم محمد احمد
19-06-2013, 03:30
‘منذ تلك الحياة’


مجموعة قصصية : لطيفة باقــا .


كان أول ظهور أدبي للكاتبة المغربية لطيفة باقا عام 1992 عندما فازت بجائزة اتحاد كتاب المغرب للأدباء الشباب، عن مجموعتها القصصية ‘ما الذي نفعله؟’.
ومنذ هذه المجموعة وهي تجترح، في لعبة الحكي الجميل، قيما جمالية وإنسانية، وقد بلغت في مجموعتها القصصية الثانية ‘منذ تلك الحياة’مرحلة متقدمة من الوعي بقضايا الإنسان ومشاكله وهمومه والتحديات التي تعترضه في سبيل البلوغ إلى مجتمع راق جماليا وإنسانيا. إذن، يحق لنا أن نتساءل الآن بصدد الحديث عن هذه المجموعة الثانية: ما هي القيم الجمالية والإنسانية التي تسري في تضاعيف قصصها التسع؟ ما الذي تضيفه هذه المجموعة في سياق الأدب النسائي المغربي والعربي؟ هل ثمة في المجوعة ما ينم عن الإبداعية والجمالية؟ هذه أسئلة صرحنا بها وأخرى استضمرناها سنحاول أن نجيب عليها في ما يأتي….
أولا: القيم الجمالية
1ـ التجديد والتحديث
أول ما يلفت النظر في كتابة لطيفة باقا القصصية أنها تنزع إلى التجديد والتحديث، إذ هي تبتكر في كل قصة طريقة حديثة من طرائق الحكي الحداثية المتعددة منها استخدام ضمير المتكلم (الأنا الساردة) بكثرة ـ إيهاما بصدق المحكي وكأنه سيرة وليس قصةـ هذا ما تبدأ به مجموعة ‘منذ تلك الحياة’ في القصة الأولى المسماة (آيلات إلى الخيبة) تبدأ هذه القصة بالجملة الحكائية التالية: ‘استوقفتني المرأة لتخبرني أن زهيرة جنت’ (ص 5) ثم يتوالى السرد متدفقا بضمير الأنا ، مزدانا بآليات الصنعة الحكائية الحداثية، حيث المزج بين الحاضر والماضي يتم في توليفة سردية وكأنه سدى لحمة واحدة.
وهذه الطريقة الحكائية الحداثية تتكرر في القصص الموالية كلها، وكمثال على ذلك نجتزئ هذه البداية من القصة الثانية المسماة: (لأن الوجود كان أضيق من يتسع لروحها..) نقرأ في بداية هذه القصة : ‘كنت أعتقد، إذن، أنني أبدأ بالضبط من حيث ينتهي العالم… كنت أنتظر كما يمكن لقطرة ماء أن تنتظر داخل حذاء مبلل في ليلة باردة.’ (ص 19).بعد ذلك تتوالى أحداث القصة في ست فقرات تبدأ كل واحدة منها بفعل (أتذكر)ـ هذا الفعل الذي يمنح للقصة قوتها المدهشة على تأثيت عوالم المحكي وربطها بعضها ببعض لتصب في سياق واحد هو معاناة المرأة الساردة، التي تقول في صلب هذه القصة: ‘لقد حدثت هنا ..حياتي..هنا في هذا العالم. سأكبتها. إذن داخل علب الثقاب الكثيرة التي أحتفظ بها ـ لهذه الغاية بالذات ـ في خزانة المطبخ ..’(ص 21). لم يعد شأن المرأة إذن المعاناة المقرونة بالصمت والألم، بل أضحت المرأة منخرطة في عصرها، تكتب عن حياتها، وهي إذ تفعل ذلك تتوسل التجديد والتحديث بكل آلياتهما المعروفة من تطويع للغة الحكي وجعلها حيوية متدفقة منسابة، تتدفق وتنساب على إثرها الأحداث والوقائع، وتصبح الحياة المحكي عنها حيوية جذابة مفعمة بالتشويق والإثارة.
2ـ المحاكاة والتخييل
من القيم الجمالية اللافتة في مجموعة لطيفة باقا ‘منذ تلك الحياة’ قيمة (المحاكاة والتخييل) ونعني بالمحاكاة هذا المسعى الدؤوب الذي تنهجه الكاتبة في تصوير واقع الحياة الإنسانية من حولها، وهي في تصويرها تتكئ على آلية المحاكاة ـ التي لا تعني نقل الواقع نقلا فوتوغرافيا كما يمكن أن يذهب إلى ذلك ظن القارئ ـ وإنما هي تضخ في هذه المحاكاة القصصية ـ التخييل الذي يجعل الواقع المحاكى جديدا بالنظر إلى ما بثه التخييل فيه من حيوية وعرامة واحتشاد بالحياة الكائنة والممكنة، للتمثيل على ما نذهب إليه هنا، نقتطف هذا المقطع الحكائي من قصة (زازيا): ‘زازيا تنتظر.. لا تزال تنتظر الحب الجامح المتوهج الذي سيتدفق في شرايين كيانها فيقوضه تماما لتبعث من جديد..أنا أفهمها من خلال هذا الحزن المترامي كبحيرة زرقاء صافية يزورها الوحيدون عندما يدركون أنهم وحيدون جدا..’أعرفك من خلال صمتك .. من خلال الصخب الذي يزرعه هذا الصمت في جسدي’ .. أخبرت ذات حلم رجلا كتوما كنت قد صادفته..وأحببته خلال نفس الحلم.. ثم كتبت له رسالة طويلة عندما استيقظت (..هل ستصله؟). ‘ (ص ص 30/31). إن محاكاة الواقع برصد تفاصيل مجانينه وعقلائه، فقرائه وأغنيائه لا يعني عند لطيفة باقا استعادة هذا الواقع كما هو والتسليم بما فيه بل إنها تسعى سعيا دؤوبا إلى شحن هذا الواقع بما ينبغي أن يكون عليه، ويتحقق عندها هذ ا باتكائها على التخييل لما ينطوي عليه التخييل من حرية في الحكي والكتابة للحظة الراهنة وللمستقبل…
3ـ التساوق الحكائي
هذه القيمة الجمالية، التي أسميناها بالتساوق الحكائي تجد مظهرها البارز في العلاقات القائمة بين الأحداث المروية وطرائق اشتغال المكونات الحكائية التي تجسدها، إذ أن أن التساوق الحكائي يطفح في القصص التسع كلها، وهذا يعني أن القاصة المغربية لطيفة باقا التي انتظرت ثلاثة عشر سنة لتصدر مجموعتها الثانية هاته، قد أفادها هذا الانتظار في التمكن من آليات الكتابة القصصية ومهاراتها الجمالية.
إن قصة (البرد) ـ وهي الرابعة في ترتيب قصص مجموعة منذ تلك الحياة ـ كتبت بطريقة الشذرات وحين ننظر إليها نظرة (برانية) تبدو وكأنها مقتطفات من يوميات كتبت (هنا وهناك) لكن التأمل الدقيق يرينا أن هذه الشذرات تتصل بعرى وثيقة فيما بينها وأنها تعطينا صورة صادقة لتشظي الحياة الاجتماعية وتفككها وانفراط عقدها، وأن القاصة لطيفة باقا عندما تقول ذلك في قصتها إنما تقوله لنعيد النظر في حياتنا وعلاقتنا بعضنا ببعض.
4ـ الانسجام والتناغم
من بين أكثر ما ألح عليه علماء الجمال،في حديثهم عن الأعمال الفنية والأدبية،ضرورة توافر الانسجام والتناغم،أو ما كانوا يسمونه(الهارموني)،ويكون الانسجام في القصة القصيرة،عندما يصبح صعبا على القارئ حذف فقرة أو مشهد أو حتى كلمة من مكانها،إذ ذاك نكون إزاء(هارمونيا)في العمل الأدبي القصصي،وهذ جلي في قصص مجموعة منذ تلك الحياة للطيفة باقا.إن قصة(البرد)ـالآنفة الذكرـتجلو ما نقول بوضوح،فرغم التناوب الحكائي على مستويي الضمير والشخصية:(هي ـضمير الغائب،هوـالغائب)(المرأةـالرجل)فإن الهارمونيا جلية بشكل سلس دقيق،لأن القصة تصور في نهاية المطاف الحياة الإنسانية الصعبة لكل من المرأة والرجل.وسأجتزئ الورقة الأولى من هذه القصة القائمة على تقنية الشذرية:’كانت وحدها وكان ينبغي أن تتذكر ما حدث للطائر البطرسي في قصيدة بودلير.
””””””’
نظر إلى نبتة’الدالية’العريقة وهي تتسلق جدار غرفته بإصرار..ولم يعرف كيف يفرح.
”””””””’
سمعت صوت الستارة وهي تنسحب من النافذة ومرة واحدة اكتسحت الحياة المقرفة غرفتها الصغيرة.
””””””
أنصت قليلا إلى صداعه الصباحي المعتاد قبل أن يعدي نفسه مرة أخرى بكون الأرق بذخا لا يصيب سوى الأحياء.
””””””’(ص51)
إن التناوب الحكائي واضح هنا في الحديث مرة عن المرأة ومرة عن الرجل،لكن ما يجمع الحكي عنهما هو معاناتهما من الوحدة والأرق.وعلى هذه الشاكلة أو الطريقة تتلاحم شذرات هذه القصة وتتضافر مشكلة في النهاية هارمونيا،منسجمة متناغمة،تصور المعاناة الإنسانية المعاصرة،وفي هذا سر جاذبية الأدب،وهنا تكمن وظيفته في التأثير والتغيير…وظيفته في ترسيخ القيم الإنسانية السامية.
ثانيا:القيم الإنسانية
إن ما يسعى إليه الأدب،تسعى إليه القصة القصيرة في ترسيخ القيم الإنسانية الرفيعة وفي البحث عن قيم بديلة لقيم قديمة أصابها البلى أو لم تعد مسايرة لتطور الحياة في المجتمع المعاصر،يبدو هذا واضحا في مجموعة لطيفة باقا(منذ تلك الحياة)،فهذه المجموعة القصصية مفعمة بالقيم الإنسانية الخالدة الراسخة في الحياة الإنسانية،كما أنها تنطوي على قيم جديدة بديلة تنحو إلى التأسيس لأفضل العوالم الممكنة في الحياة الإنسانية.


1ـقيمة الكشف
إن أول ما يظهر من علامات القيم الإنسانية الثاوية في مجموعة (منذ تلك الحياة)،قيمة الكشف.فالقاصة لطيفة باقا تستثمر كل سانحة تسنح لها في الكشف عما يمور في الحياة الإنسانية المعاصرة من قيم،ومن بين ما يطالعنا من ذلك الصورة الشائهة للحياة في مدينة بيروت،الناجمة عن دمار الحرب الأهلية التي عانت المدينة من آفاتها مدة غير قصيرة:’إنهم يلتقطون الصور أمام الدمار..يطلبون من المصور أن يتريث قليلا حتى ينجحوا في رسم’التكشيرات’المناسبة وخلفهم تسقط المدينة..’هذه المدينة تسقط لتحاكي البشر في سقوطهم’فكر أكثرنا رومانسية.ورغم ذلك يظل الأطفال على موقفهم:إنهم يرفضون أكل البوظة.تبرق في رأس أحدنا فكرة مفادها أن الحرب انتزعت من أفواهههم طعم اللبن السخي الذي كانت تجود به أثداء أمهاتهم.وعندما نسألهم عن أسمائهم يخفضون رؤوسهم ولا يجيبون..’(من قصة(أطفال أقل).ص61).إن بداية القصة هاته تكشف بوضوح مثال الحياة في مدينة بيروت المدمرة،والمعاناة التي يعانيها الأطفال في العيش هناك،والكشف عن حقيقة حياة الأطفال في أتون المدينة المدمرة،يحمل أكثر من معنى،لأن الأطفال هم استمرارية الحياة،وما دامت الحياة التي يحيونها شائهة،فإنها ستبقى حياة أقل من الحياة المتعارف عليها،ولذلك لا غرو أن يكونوا أطفالا أقل كما جاء في عنوان القصة، وبهذه العين اللاقطة يستمر الكشف الحاد في القصة،فنجد في مقطع آخر من القصة’يفكرنا أحدنا أن الطفلة تحاول أن تتحدث لهجة مفهومة للغرباء ويفكر آخر أن الفقر والحرب والكبرياء ظواهر عربية’(قصة أطفال أقل،ص63).فهذه الرغبة المستبدة بالقاصة في جعل قصتها تكشف حقيقة الحياة في الحرب ومأساتها وخلفياتها الحادة الشائهة..كل ذلك يتم بفضل قيمة الكشف،هذه القيمة التي تكتسي في الأدب درجة رفيعة،خاصة عند المبدعة التي جعلت قلمها في خدمة الحقيقة وفي خدمة الحياة،بمعنى جعلت أدبها كشفا إنسانيا للحقيقة بكل ما يتلبسها من غموض وما يعتورها من آفات وأخطار تهدد الحياة في صميمها.إن الكشف وسيلة ناجعة لجعل الحياة أبهى في أعيننا وأجدر بالبقاء جدارتنا بالاستمرار في الوجود على أفضل حال.


2ـقيمة البوح
إذا كان الكشف ينطوي على رؤية موضوعية للأشياء والكائنات والعالم،فإن البوح ينبع أساسا من ذاتية الرؤية،وقيمته أساسا تكمن في هذه الذاتية،إذ البوح تعبير صريح عما تنطوي عليه الذات من حميمية في الرؤى واشتعال في رغبة التعبير.والبوح عادة ما يرتبط بما هو سيرـذاتي،لكننا وجدنا البوح في قصص لطيفة باقا المندرجة في مجموعة(منذ تلك الحياة)في كل قصة من القصص التسع المكونة لهذه المجموعة،وهذا يعني أن حياة الكاتبة تنسرب في تضاعيف قصصها،سواء كانت هذه الحياة مما عاشته واقعيا وفعليا بذاتها وكيانها،أو مما عايشته مشاهدة ومتابعة ومواكبة لما يجري حولها هنا وهناك،لذلك ينبغي عدم فهم البوح باعتباره تعبيرا عن حياة الكاتبةـحياتها الذاتية الحميمة فقط،فهي عندما تعبر عن معاناة الناس وتصل في هذا التعبير إلى درجة التماهي،تكون بصدد البوح عما يعتمل في ذاتيتها من مشاعر الآلام والآمال في حياة أفضل يستحقها الإنسان على هذه الأرض،ففي هذه الأرض التي نحيا فيها ما يستحق الحياة.ففي قصتها عن الحرب ودمارها في بيروت المسماة(أطفال أقل)تقول الساردة:’الطفل يريد أن يستغفلني.أكتشف في عينيه شيئا عميقا..كأنه حزني..أو بكائي السري،فأسأل شخصا غير مرئي:
ـلماذا لا نمارس البكاء كما نمارس النسيان؟’(ص62).إن الساردة هنا تبوح برغبتها في البكاء لما عاينته من عمق حزين في عيني الطفل البيروتي،وهذه الرغبة في البكاء بوح صريح،فيه من الذاتية ما يقربه من درجة الاشتعال الصوفي في الوجد والمعاناة.وعلى شاكلة هذا البوح- ذي القيمة الإنسانية العاليةـ يتم تكثيف الرؤية للعالم الذي ترغب فيه الذات:عالم الحرية والعدل والمساواة..
3ـقيمة الحرية
اتخذت الحرية في الكتابة القصصية العربية الحديثة والمعاصرة أشكالا وألوانا من التجلي تبعا للمرحلة التاريخية والحضارية،التي كتبت في إطارها هذه الكتابة القصصية،فعندما كان العالم العربي رازحا تحت نير وثقل الاستعمار،كانت الحرية في الكتابة القصصية العربية دعوة وتحريضا على التحرر من هذا الاستعمار الغاشم ومن جبروته وطغيانه،لكن بعد تحقق الاستقلال اتخذت الحرية أشكالا جديدة وانتقلت من الصراع بين النحن وبين الآخر إلى صراع النحن مع النحن،بمعنى صراع الذات مع ذاتها،من مثل مقاومة التقاليد المقيدة لحرية الانطلاق والتطوروالتقدم والاستقلال الحقيقي في تحقيق المنشود والمعقود من الآمال منذ آماد طويلة.
تكتسي قصص لطيفة باقا في مجموعة(منذ تلك الحياة)أهمية خاصة في بلورتها للمفهوم الجديد للحرية،الذي لا ينصب على حرية الأنثى وتوقها العام في التخلص من الطوق الذي يلفها،بل تجاوز الأمر ذلك إلى ما هو أبعد وهو تكسير الطوق عن الإنسان فيما يحد انطلاقته المحتشدة بعرامة الحياة وقوتها وعنفوانها،ولذلك نجد في تضاعيف قصص مجموعة لطيفة باقا تجليات عديدة لمفهوم الحرية باعتباره قيمة نبيلة غالية من القيم الإنسانية الرفيعة،فالمرأة تحتاج إلى الحرية بالمقدار الذي يحتاج إليها الرجل وكلاهما ينبغي أن يتعاونا وتتضافرا جهودهما للاستمتاع بالحرية وعيش مباهجها اللامحدودة.إن مباهج الحرية هي مباهج الحياة التي ينشدها أبطال قصص مجموعة(منذ تلك الحياة)،أي منذ تلك الطفولة الضائعة المغتصبة،منذ تلك الحياة إلى الحياة الجديدة يمتد شريط الذكريات بتدفق وحرية غير مشروطة..حرية يهواها أبطال القصص ويتماهون معها ليعيشوها ويحيوها وكأنهم يولدون من جديد أو كأنهم يؤسسون حياتهم الجديدة:حياة الحرية،وهكذا تكون الحرية من القيم الإنسانية التي يتمسك بها شخوص قصص هذه المجموعة بكاملها.
4ـقيمة البحث عن مجتمع أفضل:مجتمع المستقبل
إن كل قصة من القصص التسع المكونة لمجموعة(منذ تلك الحياة)تكشف عن رؤية جديدة لمجتمع أفضل وحياة أجدر بكفاح الشخوص وتطلعاتهم الحالمة إلى مستقبل أجمل،ويمكن_على سبيل التمثيل_اتخاذ قصة(النار تأكل أوراق اللعب)نموذجا لهذه الحياة الأفضل التي يحلم بها الشخوص الفاعلون الكادحون،تقول الساردة(الشخصية الدينامية الفاعلة)في قصة (النار تأكل أوراق اللعب)متحدثة عن الآخرين،وعن أحلامها الذاتية:’السعودي ليس سوى ‘عبيس***8242; نادل المقهى الأعرج الذي قطعت رجله منذ سنتين بسبب تعفنها..لقد فاز في ‘التيرسي’ستة عشر مليون..لو كنت أنا التي فزت بهذه الأموال لكنت اشتريت بيتا ودراجة نارية نمتطيها أنا ومحمد إلى المعمل..وصحبت صفية إلى طبيب الأذن بالدار البيضاء لو كنت مكان هذا السعودي الزائف لركلت حياتي الجرباء هذه ووجودي المقرف برمته.الإنسان ينبغي أن يحلم بوجود أقل سخافة وإلا فهو حيوان أجرب يستحق إهانات صاحب الدكان وتحرشات الجيران واستخفافات المارة..أن يحلم الإنسان في حد ذاته شئ عظيم جدا..ويثير الاحترام..’(ص108)فما تقوله الساردة عن غنى الآخرين وثرائهم وتحولهم من الفقر إلى الغنى هو نوع من التوق ومن الحلم،وهذا التوق وذاك الحلم يومئان إلى حياة أخرى أفضل وأجمل بل إن إيمان الساردة بقيمة الحلم_في حد ذاته_يشكل رؤية جديدة لحياة مستقبلية منشودة،ولذلك نجد في قصص باقا هذه الأحلام والرؤى التي تتطلع إلى حياة أخرى،حياة مجتمع جديد قادم أفضل من المجتمع القائم،إنه مجتمع المستقبل الذي يعمل التخييل القصصي على تشييده تشييدا حالما،لكنه حلم ممكن،حلم فاعل،حلم قابل للتحقق ما دامت إرادة الإنسان الكامنة في حلمه كفيلة بتحقيق هذا الحلم،هذا المجتمع الجديد:مجتمع المستقبل الذي تومئ إليه قصص المجموعة كلها،وكأن القاصة بذلك لا تحكي_من أجل الحكي وحده_وإنما تحكي لتقدم رؤيتها لعالم الغد،العالم الأفضل من بين أفضل العوالم الممكنة،وكل العوالم التي نحلم بها عوالم ممكنة….
تركيب
تثوي في مجموعة(منذ تلك الحياة)القصصية للطيفة باقا قيم جمالية وإنسانية،تضفي على المجموعة سمات التجديد والتحديث،والمحاكاة والتخييل والتساوق الحكائي،والانسجام والتناغم وهذه قيم جمالية ترتفع بالمجموعة إلى قمة الإبداعية القصصية،وتجعل قارئ القصص التسع المكونة للمجموعة يخرج بانطباع عام مفاده أن هذه الكتابة القصصية لدى لطيفة باقا كتابة تواكب الجديد في الكتابة القصصية المغربة والعربية،وبمواكبتها هذه تكون قد حققت لنفسها ما هي جديرة به من استحقاق المجد الأدبي،خاصة وأنها قلم قصصي يتأنى في الكتابة والنشر،وتأنيه علامة قوته.
وبالموازاة مع هذه القيم الجمالية،تعمل المجموعة القصصية(منذ تلك الحياة)للطيفة باقا على نشر القيم الإنسانية،المتمثلة في الكشف_بما يعنيه الكشف من صراحة أخلاقية وتعرية جريئة_،والبوح_وهو قرين الإفصاح عما يعتلج في الذات ويكمن فيها من آمال عريضة وأحلام سعيدة_،والحرية_بما تدل عليه من توق إلى كسر القيود والحدود_والتطلع إلى مجتمع أفضل_مجتمع المستقبل..
وبذلك تتضافر القيم الجمالية والإنسانية على إكساب هذه المجموعة القصصية قوتها ودفقها وثراءهاالإبداعي،وهي به جديرة جدارة القاصة لطيفة باقا في الحضور اللافت في المشهد القصصي المغربي والعربي…
المصدر:لطيفة باقا:..منذ تلك الحياة(مجموعة قصصية)،الرباط،منشورات دار الأمان،الطبعة الأولى2005(127صفحة من الحجم المتوسط):كل الإحالات إلى الصفحات داخل هذه الدراسة إنما تشير إلى هذه المجموعة القصصية في هذه الطبعة.


عبداللطيف الزكري.

عبدالرحيم محمد احمد
21-06-2013, 22:40
طـــريــق الغــــــــــرام


رواية : ربيعـة ريحـــان .


(1) تسعى ربيعة ريحان فيما تكتبه للقبض على حلم مخايل.
هي لاتني تكتب، وتكتب بإصرار عنيد، لأن الكتابة عندها تشبه (الجرح، ولكنه جرح لا ينس)، وهى آخر المطاف أى الكتابة موازية لحلمها المستحيل.
(2)
جاءت ربيعة ريحان للأدب من مقام القصة القصيرة
أنا أشهد .
بعدها خانت القاص العجوز، ورحلت بعد عناء إلى زمن الرواية .
كانت القصة عند ربيعة ريحان هي ذلك النوع الخاص جدا من الفنون الذي يتسم (بالوعي الحاد بالتفرد الإنساني)، وقدمت باقتدار عددا من مجموعات القصص.
ظلال وخلجان. مشارف التيه. شرخ الكلام. مطر المساء. بعض من جنون. أجنحة الحكي. كلام ناقص.
عندما قرأ الكاتب الكبير حنا مينا قصصها كتب يقول: ‘يتخفي السرد مفسحا المجال لحياكة النسيج من تأملات غاية في الشفافية والرفاهية.
وأجمل ما في هذه القصص، هو وهم القص، يتجلى في المبهم من الأحاسيس ليعطيها القدرة على اختراق هذا المبهم’.
وأنا شخصيا، قد انتهى أمري مع قصص ربيعة ريحان إلى الإيمان أن الكتابة عندها تشبه صاحبتها، ولأنه لا جديد في الكتابة، إنما الجديد هو الكاتب، لذا كان هم القاصة الكتابة عن بشر يقابلونك هناك عند ضواحي المدن، وتخوم القرى، يمشون على السكك من غير هدف، كأنهم يسعون حيث وجه الله، طالبين الستر، ولأنهم دائما على درجة من إيمان لا يتزعزع بالخرافة، لذا كثرت عندها الأساطير، ولون الدم، والطمع في المحارم، والفسق، والانتظار أمام أبواب السينما، والخدم والأجراء، وأحذية بكار، والأسفلت الأغبر، والبسة البال، وبنات الحي غير العذراوات، ومداهمات الشرطة، وذاكرة العجائز التي تحتشد بأغنيات قديمة تأتي بالماضي ولو من كل عام يوم.
هي عوالم تنفتح مرة علي الحرية، وأخرى تبحث عن أسباب للانعتاق من زنقة المكان، ومن زحمة البشر !
(3)
في ‘طريق الغرام’ تطلق ريحان العنان لخيالها.
تشد القوس عن آخره، واللغة في تجليها مفتوحة على الشعر، والنص يجسد عالما من لحظات نادرة، تنمو خلالها شخصيات تختلط بداخلها مشاعر عنيفة، ومتصارعة وجنون، أشخاص أشرار، وأشخاص طيبون بمواريثهم، بفطرتهم، يعبر عنهم صوت السرد مجسدا أحوال ذلك العالم..
الجدات. والخالات. والآباء. هؤلاء الذين يتعرفون، ويشكلون مادة الحياة والخيال، في نص ربيعة ريحان حيث تعاطف الجماعة مع فرد تصطرع بداخله الأسئلة !
(4)
تجربة زواج، ظنتها في لحظة : البداية والنهاية.
إلا أنها، وبعد شهور، رأت عيناها ما رأت، فدفعت الكثير، وفقدت أحلامها عبر خيبات الرجاء، وخرجت من التجربة بقلب كسير.
الواقع والحلم، اضطراب الجماعة، عزلة الروح في مدينة لا تخفي مواجعها
وسمير الزوج، المدرس المتحضر، القادم مع أول أحلام الشباب، بعودة الفارع، وجماله الرجولي القريب من الروح، تكتشف فيه فوز اللوطي، وارث الأصل الوضيع، ساكن أطراف ابوزيد. سمير الذي كانت مشدودة إليه كمدار، والتي رأت فيه حلمها الآتي، وبعد شهور من زواج قلق، تقل فيه الثقة، وتبدأ المشاحنة والعداوة، والصوت الصارخ الصريح ‘ابعدي عني واتركيني لحالي’. وهي لا تعرف أسبابا لتغير الأحوال، والشخص غير الشخص، ثم تجيء الضربة الثانية علي الرأس عندما تكتشف فوزيه شذوذ الزوج.. الملابس الحريرية.. الطقوس النسوية.. نوعية الأصدقاء.. عزوفه عنها، وهجرانه، ثم أخيرا اعترافه ، وإعلانه كراهيته لجنس النساء.. كانت قد أدركت أن اللعنة حلت، وان حياتها ضربت بفعل فاعل، وأنها بعد تجربة سمير قد لوثت بالوسخ والشر، وأنها باتت أسيرة للكوابيس، سوف لا تفارقها أبدا.
ضاعت أحلام ما بعد التخرج، ذلك العالم الذي عاشته رفقة سمير، زمن الانطلاق عبر المدينة، والحلم بالوردة الحمراء التي كانت تداعب الوجه.. الانجذاب نحو رجل يعني كل شيء، ويفتح الباب على السر!.
الآن تعيش اكتشافها !
كانت في لحظات امتهانها تحاول تلمس العذر له، ربما لضعفه الإنساني، ولمرضه النفسي. كانت تهتف لنفسها : ربما كان ضعيفا، أو تعرض وهو صبي للاغتصاب من زبانية لا يرحمون لو انه فتح صدره وحكى، ربما كنا وصلنا لحل معقول ؟.. تنتبه لنفسها، فتصرخ : حل ! : تكتشف أن سمير قد أهانها. لم تكن تتصور أبدا أنها ستعيش في كنف لوطي. ذلك الذي زهدت فيه كشريك حياة، وكانسان.
يغادر سمير بلا رجعة، ويتركها نائية عند أطراف عالم، وحيدة، منعزلة، تحاول نسيان زمنها الماضي، ترمم روحها، وتلوذ بجماعتها التي تعود لهم مثل طفلة.
(4)
يتميز عالم العائلة فيما تكتبه ربيعة ريحان بصدق خاص.
تصدق فوز أن تاريخ العائلة هو حبل النجاة لمن عاشت تجربتها.
أحب هؤلاء البشر الذين يأتون من الحياة إلي الورق، محملين بمشاعر حقيقية، وتناقضات تبعث على الدهشة والغرابة.
يأتون حاملين على أكتافهم مصائرهم، وربما أزمنة متداخلة، تشكل التاريخ وثقل أعبائه.
الأم تحت عبء التاريخ، مثقلة بالسحر والخرافة والأضرحة والشوفات والسفر إلى البلاد البعيدة لحضور جلسة تعيد للبنت المصابة في قدرها ربما حياة أخرى!
العمة خديجة التي نحتتها ربيعة ريحان بازميل الفنان فجاءت طوال النص صادقة مع زمنها، والبشر الذين اقتحموا حياتها، وخيبات الرجاء التي لازمتها.
كانت خديجة قد فاتها قطار الزواج، تعيش عنوستها، وسلاطة لسانها خط دفاع أول عن الذات الوحيدة المنكسرة.
تقول لنفسها:
- كلكن تزوجتن، والظاهر أنا سأبقى رمانة مغمضة.
تتجلى الجدة في النص منبعا للحنان، وحلا لعذابات فوز وقهرها.
وحدها كانت تقتحم خلوتها. تأتي بخطوات بطيئة، تعبه. تسمعها تحادث نفسها بألم : الم تخرجي بعد من هذا الظلام ؟! تكتفي بالسؤال، ولا تحاول النبش في أغوار بنت بنتها. بحزنها، تدفعها للشجن، وعبر حكايتها تتمنى أن تعود طفلة، تلوذ بحضنها كما كانت تفعل وهس صغيرة. تفعم روح فوزية رائحة البيت القديم ي درب سيدي بوعزة. فرع من الكافور والعود، وعتاقة الغرف، وكلما زاد انكسارها يأتيها صوت الجدة محذرا ! ماذا حل بك، ولماذا كل هذا الحزن ؟؟ هل جننت ؟.. أنه لا يستحق حتى ظفرك.
نسغ من حنين، ومأوى لروح مجهدة، تبحث عبر صمتها عن ملاذ لعل وعسى…..
(5)
يجيء يوسف ‘العراقي، المهاجر على غير انتظار .
يأتى من أفق الشعر عبر صدفة خير من كل المواعيد.
على صفحة النت بنسخ علاقته الوحيدة رسالة خلف رسالة.
لك طائر أزرق وحفنة موسيقى وظل يعانق ظلا آخر.
ربتات رحيمة على قلب فوز، وقطرات من مطر.
تتابع الرسائل ويكتب يوسف.
عندما تتداعى الأحلام تطلعي حولك..
اقتطعي لنفسك مساحة أخرى بأقل قدر من التحسر..
أنصتي لصوت مخلوقات الليل.
انصتي إلى رسائلها الخفية في هذا الفضاء الكوني العظيم
سيرمم ذلك الكثير من الشروخ لديك، وستجدين أن كل الخيبات محض هراء،
يختطف أيامنا بشكل سريع.
ترد فوزية :
لا أعرف ماذا كنت أكتب ؟..
أشعر أنني ما زلت طفلة تخاف الكلمات والضياء والبهجة وأنني بحاجة دوما إلى دفء انساني.
من يدري ؟
ربما هذه الرسائل التي نتبادلها نوع من عزاء أو هي أوهام جميلة…
ولم لا ؟!
مع تواتر الرسائل تتعمق علاقة فوزية ويوسف.. تلقف نفسها وتنظر لما هي فيه… تسبح في سكينة من أمل، والشاعر يحلق بعيدا في فضاءات المجاز.
تتواتر حكايات يوسف مقتحما وحده فوز بجرأة عارية، تمضى الليالي أمام شاشتها الصغيرة في انتظار الشعر الذى أصبح مكرسا، وفاتحا أفقا على أيام قادمة.
تفاجأ فوز مرة:
من سنين لم أزر بلدا عربيا.
اسمع عن فاس ومراكش وطنجة ووارزازات
هذه مدن بدوية
سآتي لو أحببت
هل يمكن أن نلتقي
تسمع من بعيد دقات ناقوس الخطر. تشعر بالمخاوف. أنها ما تزال هناك جاثمة خلف أسوار سمير.. تسأل نفسها: ماذا لو فكر في المجيء إلى المغرب ؟ ماذا لو عرج إلى أسفي بغتة ليراني ؟
يمعن يوسف في الكلام عن المدن.
تخاف من تلك القصص التي تفاجئها.. التي تحدث لها على حين غرة.. يدخلها يوسف في حياته، الأصدقاء، والسياسة، والمنفى . يبوح أحيانا بشراسة، ويكتب بجنون كتابة جريئة، وعارية.
تدعي فوز الهرب.. الارتحال إلى مدن المغرب.

تكتب له :
أكتب لك على عجل لأنني سأسافر بعد الظهر لمناسبة عائلية طارئة
سنتكاتب.. لكن ليس يوميا.تهمس لنفسها : ستهربين يا فوز ؟؟.. هه ؟؟ هذا أقصى ما تملكين ! تتردد: من حقي أن أعطى لنفسي مهلة.
تعيش خوفها. لا تجيب على الرسائل. تدفع ماضيها المحاصر، وتهرب من يوسف ولا ترد على رسائله.
مرة أخرى يفاجئها يوسف، هو الآن بمراكش وعليها أن تختار ! هي الآن في الحيرة.. تذهب إليه ؟.. تتأمل ذاتها وأحوالها. تسأل نفسها : ما الذي تفعله في مواجهة ما يجري لها ؟ هي لم تعد دمية تهرب من أحلامها.
هل تذهب إليه ؟.. تكسر حصارها، وتصرخ أنا عاشقة وعلى الخروج من الضيق.
وجدت نفسها تجمع أشياءها، دفتر التوفير ومجوهراتها الثمينة، وتفكر بأنها سوف تقطع المسافة إليه حيث تكسر الدورة، وتخرج من حصار الروح.
(6)
في ‘طريق الغرام’ تمد ربيعة ريحان أناملها لتتحسس آلام البشر، وأمانيهم، محولة تلك الآلام والأمنيات إلى فن جميل حلم أي كاتب يعشق الكتابة والحياة.



سعيد الكفراوي.

عبدالرحيم محمد احمد
27-06-2013, 10:18
سجاد عجمي



رواية : شـهـلا العجيلـي .


تتداخل في رواية سجاد عجمي لشهلا العجيلي(الضفاف، بيروت: 2013) حكايات العشق وتتقاطع، فثمة حكاية للبانة التي تزوجت من البغدادي ليهجرها إلى أعجمية في خراسان، تاركا لديها طفلا هو (قيس) (ص16) لكي تنتظر أوبته من سفره سنوات أربعًا دون فائدة قبل أن تقرر العودة إلى بلدتها دير زكا على كثب من الرقة لتقع مرة أخرى في غرام سليمان بن زياد السلمي، في حين يتعلق بها آخر هو عمر من أبناء الرقة، تاركا قريبته وابنة عمه خود، بعد أن وقع في حب لبانة من النظرة الأولى على طريقة أهل الحب العذري، على الرغم من أنه رآها تصطحب طفلا في السادسة من عمره، وهذا يعني أنها متزوجة لا خالية القلب، ومع ذلك أصابت حبة قلبه، فراح يتعمد البحث عنها، وعن أخبارها، وعن كيفية الوصول إلها، لتسعفه في ذلك محبوبة صاحبة الفندق(ص12).
وأما ريا فكانت قد عشقت هي الأخرى (حسن السعدي) وحسن هذا خطبت له وتزوجا لكن العريس فقد عقله في الليلة الأولى وجنّ، وانتهت علاقتهما بالطلاق، للتتزوج من آخر فتنجب منه أربعة أطفال، وتنتظر مولودًا أخر جديدًا، ومع ذلك لا يفتأ سعد – وهو من قادة جند الوالي – يتحين الفرص للتحدث إليها، ومراودتها عن نفسها، وهي التي تميل إليه ميلا شديدًا، وتعتقد أن قلبها يتفتح للحب للمرة الأولى، ولكنها تتمنّع.. وينتهي الأمر بها لتقاد بقوة الشرطة إلى مقر سعد في حادث يعد شبيها بالفضيحة التي تصبح موضع حديث أهل الرقة، وما جاورها من بلدات، كالرصافة، ودير زكا. (ص50)
وثمة حكاية عشق أخرى وقعت قبل بدء القصة، وهي العلاقة الغرامية بين محبوبة، صاحبة الفندق ومالك الأشجعي، تلك العلاقة التي استمرت حينا من الدهر انتهت بتحرير الجارية التي تعلقت بعاصم شقيق مالك. ويتجدد العشق لدى لبانة عندما تقابل سليمان بن زياد السلمي مثلما سبق، وتتكرر اللقاءات، ولكن الجارية (ديجور) واسمها الحقيقي جيهان، وهي من الجواري الفارسيات يبدو أن في قلبها بعض الحب الذي تضمره لسيدها سليمان، تحاول إفساد العلاقة بين صانع السجاد والحبيبة لبانة وتنجح، فقد اختلست الرسالة الأخيرة التي بعثت بها لبانة لسليمان محددة موعدًا للقائهما خارج البلدة، ولأن سليمان لم يتسلم الرسالة، ولم يأت لموعدها المضروب، فقد ظنت لبانة أن عدم قدومه للموعد دليل على أنه غير وفي في حبه لها ولا صادق، وأنه لا يريد من ذلك العشق الذي يدعيه سوى التسلي بامرأة جميلة، وعندما يغدو الأمر جديا فإنه ينأى بنفسه هاربا من نداء الحب الحقيقي. ولهذا تنشأ القطيعة التامة بينهما بدلا من الحب الجارف.
وحتى(خود) تقع هي الأخرى في حب حارثة، بعد يأسها من ابن عمها عمر، الذي نشز عنها إلى لبانة، التي لا تهتم به، ولا تعنى ، وحارثة هذا من جند الوالي الذين لا يتمتعون بسمعة طيبة بين أهل الرقة، فهم يخشون نذر الحرب منذ جاء الوالي الجديد، وألقى فيهم خطابا يشبه خطب الحجاج بن يوسف الثقفي، أو زياد بن أبيه، أكثره وعيدٌ، وتهديد.، فقد مالت بعد أن يئست من حب عمر لهذا الجندي الذي قدح زناد حبه في قلبها فأورى(ص61) ولا يخلو المهمشون المسحوقون في (الرقة) من أن تكون لهم حكايات ولهٍ، وحكايات عشق، فها هي ريحانة- ابنة السبعة عشر ربيعًا – الجارية في بيت آل إياد السلمي، ولا تعي أن لها أحدا غير هؤلاء الذين تجد نفسها في بيتهم، وبين ظهرانيهم، تعشق حامدا الصياد، وتتمنى أن يتزوّجا وإن يفارقا (الرقة) لمكان لا يرقبهما فيه عذولٌ، أو رقيب، ولا ينغص عليهما هناءة حبهما قريبٌ أو حسيب ( ص81) فما الذي يربطهما بالرقة غير هذا العمل الشاق؟ ولم لا يستجيبان لنداء الحب الذي يضطرم في قلبيهما الفتيين؟ أما (ديجور) وهو اسم أطلقوه على الجارية الفارسية (جيهان) (ص45) فيبدو أنها هي الأخرى تعشق سيدها سليمان، مثلما سبق، وإلا فما الذي يدفع بها دفعا لاختلاس الرسالة التي بعثت بها لبانة لسليمان محددة الموعد الغرامي للقاء به خارج البلدة (ص111) وما غايتها من ذلك إن لم تكن إفساد العلاقة بين الحبيبين ليخلو لها الجو بعد القطيعة التامة والجفاء الشديد بين الاثنين؟
باختصار نستطيع الالتفات لما في الرواية من حكايات عشقية تبدو للقارئ متوازية، لكنها – من وجهة نظر السارد أو الساردة – حكايات متقاطعة تشبه في تقاطعه